الدّرر الملتقطة في تفسير الآيات القرآنيّة

محمد إسماعيل الخواجوئي

الدّرر الملتقطة في تفسير الآيات القرآنيّة

المؤلف:

محمد إسماعيل الخواجوئي

المحقق: السيد مهدي الرّجائي المترجم:
الموضوع : القرآن وعلومه الناشر: دار القرآن الكريم
نسخة غير مصححة

١
٢

بسم الله الرحمن الرحيم

انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيراً

الاحزاب : ٣٣

٣
٤

حياة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة على خير خلقه وافضل بريته محمد وآله الطيبين الطاهرين.

قد كتبنا حول حياة المؤلف رسالة مبسوطة جامعة ، وتكلمنا حول حياته الاجتماعية والثقافية ، وعن عصره الذي كان يعيش فيه ، ذلك العصر الذي جرت فيه على الشيعة وعاصمتها اصفهان اهوال من الاضطراب والخوف.

وكان العلماء والزعماء الدينية في عصره : اما من شريد ، او محبوس ، او شهيد ، او في زاوية من الخمول والوحدة.

ونرى كثيراً من العلماء بعدما كانوا مشهورين ومعروفين ، وكانت لهم رئاسة وزعامة دينية ، لما قدموا في هذا العصر ، خبا ذكرهم واسماؤهم ، فلا نرى لهم ذكراً ولا اثراً ، كأكثر البيوتات العلمية التي كانت في اصفهان عاصمة الشيعة انذاك.

٥

ونجد بعضهم مع خمول ذكرهم وانزاوئهم عن الخلق ، خدموا الشيعة بآثارهم وكتبهم الممتعة ، وحفظوا الآثار عن الانمحاء والاندراس.

ونرى امتداد نشاطهم وحركتهم الفكرية الى كل ما كان هناك من علوم معروفة ومتداولة ، وشملت حركتهم الى جانب الفقه واصوله والكلام وعلوم القرآن واللغة والادب.

ونجد هذا النشاط بارزاً على مؤلفاتهم الكثيرة التي تعكس اتجاههم العلمي ونشاطهم الفكري.

ومن الواجب والانصاف علينا ان لاننسى لهم ما قاموا به من الادوار الكبيرة في الحركة الثقافية في الاحقاب الاسلامية الماضية ، وما ساهم به اتجاههم هذا الممعن بحثا ، الذي جاب مناطق الانسان والحياة في بناء الحضارة الاسلامية واقامة دعائمها على اسس قويمة منتجة.

ومن زعماء الشيعة الذين برزوا في هذه الميادين العلمية والعملية ، هو الشيخ الفقيه المحقق الحكيم المتأله العارف الموالي لاهل البيت ـ عليهم السلام ـ المولى محمد اسماعيل المازندراني الخواجوئي الاصفهاني اسكنه الله بحبوحات جنانه.

وها انا أذكر نبذة عن حياته الشريفة مما ذكرته مفصلا المطبوعة في اول المجموعة الاولى من الرسائل الاعتقادية للمؤلف قدس سره.

اسمه ونسبه

المولى محمد اسماعيل بن الحسين بن محمد رضا بن علاء الدين محمد المازندراني الاصفهاني المشهور بالخواجوئي.

المازندراني نسبة الى منطقة في شمال ايران ، لعل آباؤه واسلافه كانوا يسكنونها ، او كانت ولادته فيها ، كما يظهر من بعض آثاره.

والاصفهاني نسبة الى بلدة معروفة في ايران ، كان منشأ ترعرعه فيها الى

٦

ان توفي ودفن فيها.

والخواجوئي نسبة الى محلة معروفة في اصفهان ، متصلة بالجسر العتيق على نهر زاينده رود المعروف بـ « جسر الخواجو » وقد انتقل اليها المترجم في فتنة الافاغنة ، وكانت المحلة في زمانه خارج بلدة اصفهان ، واخذها مسقط رأسه حتى اشتهر بالنسبة اليها.

اولاده واحفاده

له من الاولاد الملا محمد جعفر ، وكان من علماء وفضلاء عصره في اصفهان.

وللملا محمد جعفر ابن فاضل عالم محقق اسمه الملا محمد اسماعيل الثاني الخواجوئي ، وتوفي في اصفهان في (٢٥) ربيع الاول سنة (١٢٨٢) هـ ق.

الاطراء عليه

قد ذكر المؤلف في اكثر المعاجم والتراجم الرجالية مع التجليل والتبجيل التام ، واثنوا عليه كل الثناء والاطراء ، واليك نص عباراتهم :

قال الشيخ عبد النبي القزويني قدس سره من معاصريه في كتاب تتميم امل الآمل ص ٦٧ : كان من العلماء الغائصين في الاغوار ، والمتعمقين في العلوم بالاسبار ، واشتهر بالفضل ، وعرفه كل ذكي وغبي ، وملك التحقيق الكامل ، حتى اعترف به كل فاضل زكي.

وكان من فرسان الكلام ، ومن فحول اهل العلم ، وكثرة فضله تزري بالبحور الزاخرة عند الهيجان والتلاطم ، والجبال الشاهقة والاطواد الباذخة ، اذا قيست الى علو فهمه كانت عنده كالنقط ، والدراري الثاقبة اذا نسبت الى نفوذ ذهنه كأنها حبط.

حكى عنه الثقات انه مر على كتاب الشفاء ثلاثين مرة : اما بالقراءة ، او بالتدريس ، او بالمطالعة.

٧

واخبرني بعضهم انه كان سقط من كتاب الشفاء عنده اوراق ، فكتبها من ظهر قلبه ، فلما عورض بكتاب صحيح ما شذ منه الا حرفان او حرف.

وبالجملة الكتب المتداولة في الحكمة والكلام والاصول كانت عنده اسهل من نشر الجراد ، حتى يمكن للناس ان يقولوا : ان هذا الشيء عجاب ، ان هذا الشيء يراد.

وكان رحمه الله مع ذلك ذا بسطة كثيرة في الفقه والتفسير والحديث مع كمال التحقيق فيها.

وبالجملة كان آية عظيمة من آيات الله وحجة بالغة من حجج الله. وكان ذا عبادة كثيرة ، وزهادة خطيرة ، معتزلاً عن الناس ، مبغضا لمن كان يحصل العلم للدنيا ، عاملا بسنن النبي صلى الله عليه وآله ، وفي نهاية الاخلاص لأئمة الهدى ـ عليهم السلام ، وذا شدة عظيمة في تسديد العقائد الحقة وتشديدها ، وذا همة جسيمة في اجراء امور الدين مجراها وتأدييدها.

والميرزا محمد علي الكشميري ترجم عبارة تتميم الامل المتقدمة بالفارسية في كتابه نجوم السماء في تراجم الرجال ص ٢٦٩.

وقال المحقق الخوانساري في الروضات : ١ / ١١٤ العلم العالم الجليل مولانا اسماعيل ... كان عالما بارعا ، وحكيما جامعاً ، وناقداً بصيراً ، ومحققاً نحريراً ، من المتكلمين الاجلاء ، والمتتبعين الادلاء ، والفقهاء الاذكياء ، والنبلاء الاصفياء.

طريف الفكرة ، شريف الفطرة ، سليم الجنبة ، عظيم الهيبة ، قوي النفس ، نقي القلب ، زكي الروح ، وفي العقل ، كثير الزهد ، حميد الخلق ، حسن السياق ، مستجاب الدعوة ، مسلوب الادعاء ، معظما في اعين الملوك والاعيان ، مفخما عند اولي الجلالة والسلطان.

حتى ان النادر شاه ـ مع سطوته المعروفة وصولته الموصوفة ـ كان لا يعتني من بين علماء زمانه الا به ، ولا يقوم الا بأدبه ، ولايقبل الا قوله ، ولا يمتثل الا امره ، ولا يحقق الا رجاه ، ولا يسمع الا دعاه.

٨

وذلك لاستغنائه الجميل عما في ايدي الناس ، واكتفائه بالقليل من الاكل والشرب واللباس ، وقطعه النظر عما سوى الله ، وقصده القربة فيما تولاه.

ثم قال : غير ان هذا الشيخ الجليل لما كان في زمن فاسد عليل ، وعصر لم يبق لاحد فيه الى نصر العلم والدين سبيل ـ من جهة استيلاء الافغان على ممالك ايران ، واستحلالهم اعراض الشيعة ودمائهم واموالهم في كل مكان ، سيما محروسة اصبهان ـ لم يبق له ، مع كونه الفحل المحل العجب العجاب ، كثير ذكر بين الاصحاب ، ولا جدير اشتهار لما صنف من رسالة وكتاب.

بل لم يعرف من اجل ذلك له استاد معروف ، او اسناد متصل اليه او عنه على وجه مكشوف ، وكأن ذلك كان مفقودا فيه معوذا عليه ، والا لنقله ونقل عنه في مبادي كتاب اربعينه لا محالة ، كما هو ديدن مؤلفي الاربعينات ، ولم يكن يعتذر هناك عن تركه ذكر الاسناد منه الى المعصوم ـ عليه السلام ـ بأعذار غير سديدة.

أقول : سيأتي شهرته بين الاصحاب والاعلام المتأخرين عنه ، وله مشايخ وتلامذة ، وسلسلة اسناد يتصل اليه ومنه الى المعصوم ـ عليه السلام ، فانتظر.

ثم قال : وكان رحمه الله مرتفعا جدا في محبتهم ـ اي : في محبة السادة الفاطميين ـ والاخلاص لهم الوداد ، كما حكاه الثقات.

وكان رحمه الله ايضا صاحب مقامات فاخرة ، وكرامات باهرة ، يوجد نقل بعضها في بعض المواقف ، ويؤخذ بالسائر من الافواه ، وانما اعرضنا عن تفصيلها حذرا عن الاطناب الممل ، المخل بوضع هذه العجالة.

وخطه رحمه الله ايضا قد كان بقسميه المعهودين في قاصي درجة من الجودة والحسن والبهاء ، كما اطلعنا عليه من اكثر ارقامه ومصنفاته الموجودة لدينا بخطوطه المباركة انتهى.

والمحدث النوري في خاتمة المستدرك : ٣ / ٣٩٦ ذكر من الاطراء ما ذكره الشيخ القزويني في التتميم والمحقق الخوانساري في الروضات ، وذكر نص بعض

٩

عبارتيهما.

وقال السيد العاملي في اعيان الشيعة : ٣ / ٤٠٢ عن بعض الكتب في حقه : عالم عارف حكيم متأله جامع ناقد بصير محقق نحرير عابد زاهد جليل معظم نبيل ، مكتف من الدنيا بالقليل ، قاطع نظره عما سوى الله تعالى ، مستجاب الدعوة ، معظم عند الملوك والسلاطين ، وكان نادر شاه مع سطوته يعظمه ويمتثل اوامره ، خطه في نهاية الجودة.

ثم ذكر عن كتاب تجربة الاحرار في علماء قزوين قال : المولى اسماعيل الخواجوئي الفاضل النبيل ، جامع مسائل الحكمة والفقاهة ، والعالم بأخبار الرواية والدراية ، من قدماء العلماء ومشاهير الفضلاء ، ممتاز بحدة الذهن ، فضائله لاتعد ، وله تعاليق كثيرة ، ولم يكن له نظير ، وقد كان في اصفهان التي كانت تفتخر به.

وذكر السيد الصفائي الخوانساري في كتابه كشف الاستار : ١ / ١٣٢ في مقام الاطراء عليه ما ذكره المحقق الخوانساري في الروضات ، فراجع.

وقال الميرزا المدرس الخياباني في ريحانة الادب : ٢ / ١٠٥ ما هذا نص عبارة الكتاب باللغة الفارسية : عالمى است جامع ، وحكيمى است بارع ، متكلم زاهد عابد ، خبير بصير ، از اكابر فقهاء ومتكلمين اماميه عهد نادرى ، كه به حسن اخلاق وعزت نفس واخلاص ائمه هدى ، وعدم اعتناء به اكابر واغنياء ، وعمل بسنن نبويه موصوف ، ومستجاب الدعوه بود.

از كسانى كه علم را وسيله مقاصد دنيويه مى نموده اند بسيار تنفر داشت. داراى نفسى سليم ، واز خوراك وبوشاك به بسيار كمى قانع ، ودر اثر شهامت نفس از مال ومتاع مردم مستغنى بود ، به كسى اعتنا نمى كرد ، به همين جهت در نظر سلطان واكابر وقت بسيار احترام داشت ، حتى نادر شاه باآن صولت وسطوتى كه داشته به جز او كسى ديكر را وقعى نمى كذاشت ، فقط اوامر ودستورات اورا لازم العمل مى دانست ، ومتأدب به آداب وى بود.

١٠

وقال الشهيد التبريزي في كتاب مرآة الكتب : ١ / ٤٦ كان عالما فاضلا محققا ، وكان مهابا معظما عند النادر شاه ، وكان لا يعتني الا به.

وقال المحدث القمي في الكنى والالقاب : ٢ / ١٧٩ العالم الورع الحكيم المتأله الجليل القدر من اكابر علماء الامامية قالوا في حقه كان آية عظيمة من آيات الله وحجة بالغة من حجج الله ، وكان ذا عبادة كثيرة وزهادة خطيرة ، معتزلا عن الناس مبغضا لمن كان يحصل العلم للدنيا ، عاملا بسنن النبي ـ صلى الله عليه وآله.

وكان في نهاية الاخلاص لائمة الهدى ـ عليهم السلام ـ مستجاب الدعوة ، مسلوب الادعاء ، معظما في اعين الملوك والاعيان ، مفخماً عند اولى الجلالة والسلطان.

وقال الفاضل كحالة في معجم المؤلفين : ١ / ٢٩١ محدث متكلم ، مشارك في بعض العلوم.

وغيرهم ممن ذكره في تراجمهم الرجالية وغيرها.

الفتنة الهائلة الافغانية

لا بأس بالاشارة الى ابتلاء اهل هذا الزمان الذي كان يعيش فيه المترجم في محروسة اصفهان بجنود وافرة من الافغان ؛ ليكون عبرة للناظرين ، وغيرة للشاكرين ، وتنبيها للغافلين ، وتذكيرا للجاهلين ، وتسلية للاحزان ، وتعزية لاهل الايمان.

وكان هذا الرجل الجليل في عين هذه النائرة العظيمة ، ولذا لم يبق له كثير ذكر ، وكان هذا هو السبب لخمول ذكر اكثر علمائنا الذين كانوا يعيشون في هذا الفترة ، وضاع كثير من اساميهم وتآليفهم ، فنحن نذكر نص عبارات اصحاب التراجم وغيرهم :

قال المترجم نفسه في آخر كتابه الاربعين : جمعتها في زمان والفتها في

١١

مكان كانت عيون البصائر والضمائر فيه كدرة ، ودماء المؤمنين المحرم سفكها بالكتاب والسنة فيه هدرة ، وفروج المؤمنات مغصوبة فيه مملوكة بايمان الكفرة الفجرة ، قاتلهم الله بنبيه وآله الكرام البررة.

وكانت الاموال والاولاد منهوبة فيه مسبية مأسورة ، وبحار انواع الظلم مواجة فيه متلاطمة ، وسحائب الهموم والغموم فيه متلاصقة متراكمة ، زمان هرج مرج مخرب الاثار ، مضطرب الاخبار ، محتوي الاخطار ، مشوش الافكار ، مختلف الليل ، متلون النهار ، لا يسير فيه ذهن ثاقب ، ولا يطير فيه فكر صائب.

نمقتها وهذه حالي وذلك قالي ، فان عثرتم فيه بخلل ، او وقفتم فيه على زلل فاصلحوه رحمكم الله ، ان الله لا يضيع اجر المصلحين.

وقال صاحب الروضات في ترجمة المؤلف : وقد تواتر اضعاف ذلك النقل من معمرينا الذين ادركوا ذلك الزمان ، وحسبك شاهدا عليه بقاء خراب اكثر محلات محروسة اصبهان من تلك الواقعة الكبرى والداهية العظمى الى الآن ، كما نراه بالعيان.

وممن اشار الى نبذة من تلك الوقعات ، وشرح عن جملة منها على وجوه الالواح والورقات ، سيدنا العالم الفاضل النسيب الحسيب ذي المجدين وصاحب الفخرين الامير محمد حسين بن الامير محمد صالح الحسيني الخاتون آبادي سبط العلامة المجلسي (ره) في اجازته التي كتبها للشيخ الفاضل الكامل زين الدين بن عين علي الخوانساري ، بقرية خاتون آباد من قرى اصبهان ، وسماها مناقب الفضلاء.

وكذا المولى الفاضل الاديب النجيب الآقا هادي بن مولانا محمد صالح المازندراني في بعض مجاميعه ، ونحن نذكرهما وان طال الكلام بعين ما عبرا عنه.

ثم قال فنقول : قال الاول منهما بعد جملة من مواعظه للمولى المستجيز ، وشرحه عن بعض ما جمع الله تعالى من خير الدارين للسلف الصالحين

١٢

المجتبين :

فتغير ذلك الزمان ، وتنزل عاماً فعاما ، الى ان فشى الظلم والفسوق والعصيان في اكثر بلاد ايران ، وظهرت الدواهي في جل الافاق والنواحي ، لا سيما عراق العجم والعرب ، فلم يزل ساكنوها في شدة وتعب ، ومحنة ونصب ، وانطمس العلم ، واندرست آثار العلماء ، وانعكست احوال الفضلاء ، وانقضت ايام الاتقياء.

حتى ادرك بعضهم الذل والخمول ، وادرك بعضهم الممات ، فثلم في الاسلام ثلمات ، وضعفت اركان الدولة ، ووهنت اساطين السلطنة ، حتى حوصر بلدة اصفهان ، واستولت على اطرافها جنود افغان ، فمنعوا منها الطعام ، وفشى القحط الشديد بين الانام ، وغلت الاسعار ، وبلغت قيمة لم يبلغ اليها منذ خلقت الدنيا ومن عليها.

وصارت سكنة اصل البلد : اما مقيمين فيه جائعين ، وعن المشي والقيام عاجزين ، مستلقين على اقفيتهم في فراشهم ، لا يقدرون على السعي في تحصيل معاشهم ، او مشرفين على الهلاك في مجلسهم ، يجودون للموت بأنفسهم ، حتى صاروا امواتا غير مدفونين في قبورهم ، وان اتفق دفن بعضهم ـ وقليل ما هم ـ ففي دورهم.

واما هاربين من داخل البلد الى الخارج ، فأرسل عليهم شواظ من نار مارج ، من صواعق نصال السهام والرماح من جيوش اعدائهم ، فاستحيوا مخدرات نسائهم ، وقتلوا رجالهم ، وذبحوا اطفالهم ، وغصبوا اموالهم ، ولم يبق منهم الا قليل نجاهم الاسر والاسترقاق ، فهم اسراء مشدودوا الوثاق ، فأكثر سكنة تلك الاقطار : اما مريض ، او مجروح ، او مذبوح على التراب مطروح.

ثم آل الامر الى ان استولوا على تلك الديار ، فدخلوا في اصل البلدة ، وتصرفوا في كل دار وعقار ، وجعلوا اعزة اهلها اذلة ، فحبسوا الملك ، وقتلوا اكثر الامراء مع بعض السكنة ، وباد بقية اهلها ، وخرب جبلها وسهلها ، ولم يبق من

١٣

اوطانها الا مقر يتيم ذي مقربة ، او مسكن مسكين ذي متربة.

فيا اسفاً على الديار واهلها ، ولا سيما الخلان والاصدقاء ، وواحزناه على تخريب المدارس والمعابد وفقدان الفضلاء والعلماء والصلحاء ، ووامصيبتاه على اندراس كتب الفقهاء وانمحاء اثارهم بين الاذكياء الطالبين للاهتداء. ولست افشي لديك مما قصصت عليك شكاية الدهر الغرار الفتون ، بل انما اشكو بثي وحزني الى الله واعلم من الله ما لا تعلمون.

ثم اني وان كنت في تلك الاحوال مبتلى بالضرب والحبس وغصب الاموال ، الا ان الله تعالى بمنه وطوله تفضل عليّ بحفظ العرض والحياة والايمان ، وبقاء بعض الاهل والاولاد والاخوان ، ونزر من الاقارب والخلان.

وكنت قد حمدت الله ربي في خلال تلك الاحيان راجيا من الله سهولة المخرج ، متمسكا بذيل الصبر ، فان الصبر مفتاح الفرج ، محتسبا من الله الاجر ، مفوضا اليه كل امر.

لكن لما تعسرت في اصل البلد اقامتي لكثرة الشدائد والدواهي ، ترحلت الى بعض القرى ـ يعني به خاتون آباد التي هي على فرسخين من اصبهان ـ في جمع من اخواني في الدين وخلاني المتقين ، خلد الله ظلالهم وكثر امثالهم.

ولما كانت تلك القرية آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان ، اطمأن فيها قلبي بعض الاطمينان ، فحمدت الله سبحانه ثانيا ، واقمت فيها متوكلا عليه ، لعل الله يحدث بعد ذلك امرا ، ومن يتوكل على الله فهو حسبه ، ان الله بالغ امره ، قد جعل الله لكل شيء قدرا.

ثم قال : وقال الفاضل الآقا هادي في ذيل ما نقله عن بعض التواريخ المعتمدة من الاسعار غلت بمصر سنة (٤٦٥) وكثر الموت ، وبلغ الغلاء الى ان امرأة تقّوم عليها رغيف بألف دينار ، وسبب ذلك انها باعت عروضا لها قيمتها الف الف دينار بثلاثمائة دينار ، واشترت عشرين رطلا حنطة ، فنبهت من ظهر الحمال ، فنبهت هي ايضا مع الناس ، فأصابها مما خبزته رغيفا واحدا.

١٤

وأقول : ان من حضر وقعة اصفهان من مخاذلة افغان ومحاصرة هذا العام ، وهو سنة اربع وثلاثين ومائة بعد الالف ، وشاهد ما جرى في ثمانية اشهر من شدة الغلاء ، حتى ان مناً من الحنطة ـ وهو ثمانية عشر رطلا بالعراقي ـ بيع بخمسة توامين ، وهو الف درهم ، ثم نفذت الحنطة والارز وسائر الحبوبات ، وانتهى الامر الى اللحوم ، فمن الغنم الى البقر ، ومنه الى الفرس والبغل ، ثم الحمير ثم الكلاب والسنور ، ثم لحوم الاموات ، ثم قتل بعضهم بعضا ابتغاء لحمه. وما وقع في طي ذلك من الموت والقتل ، حتى انه كان يموت في كل يوم الف الف نفس ، وكان يباع الضياع والفراش والاثاث بربع العشر ودونه ، لا يحصل منه شيء اصلا.

وبالجملة فورب البيت ما بولغ من ذلك فما كان جزافا ، اعاذنا الله من مثله. لم يتعجب مما في ذلك التاريخ ، بل يجزم بتا قطعا انه ما وقعت شدة عظيمة وبلية مرزية من يوم خلق السموات والارضون ، ولايقع مثلها الى الساعة ، ومع ذلك كان في خارج البلد في غاية الرخص والوفور ، نعوذ بالله من شرور انفسنا وسيئات اعمالنا انتهى.

ثم قال : فهذان ايضا اقوى شاهدين على صحة ما بيناه ، وبكلام نفس صاحب العنوان ايدناه ، فلولا انه ادرك برهة من الزمان بعد فتنة الافغان لما بقي منه اثر ، ولا بلغ من نحوه خبر.

وقال ايضا صاحب الروضات في ترجمة الفاضل الهندي : ان مرقده الشريف الواقع في شرقي بقعة تخت فولاد اصفهان بجنب معبر القوافل الى الديار الفارسية من ممالك محروسة ايران ليس على حد سائر مراقد علمائنا الاعيان ، المتوفين في ذلك الزمان ، بل خال عن القبة والعمارة والصحن والايوان ، وكل ما كان يضعه السلاطين الصفوية على مقابر العلماء الاثنا عشرية من رفيع البنيان.

وظاهر انه لم يكن ذلك الا من جهة وقوع هذه القضية الهائلة في عين

١٥

اشتغال نائرة غلبة جنود الافغان ، واستيصال سلسلة الصفوية بظلم اولئك النواصب في تلك البلدة فوق حد البيان.

فان تفصيل ذلك بناء على ما ذكره بعض المعتمدين الحاضرين في تلك المعارك ، ان بعد طول ازمنة محاصرتهم البلدة على النحو الذي اشير اليه في ذيل ترجمة مولانا اسماعيل الخواجوئي ، وسيدنا الامير محمد حسين الحسيني الخاتون آبادي رحمة الله عليهما.

وانتهاء الامر الى الجاء اهل البلدة الى التسليم والتمكين من اولئك الملاعين ، وفتح باب المدينة على وجوه تلك الكفرة بدون المضايقة بمقدار حين دخلها اميرهم المردود المسمى بسلطان محمود مع جميع الاتباع والجنود ، وجلس على سرير السلطنة فيها بمحض وروده الغير المسعود ، في حدود سنة ثلاث وثلاثين بعد المائة. وقيل : سنة ست وثلاثين بعد المائة.

ثم امر فيها باهلاك جماعة من عظماء تلك الدولة العلية ، وكبراء الفرقة الصفوية ، بعد حكمه بحبس سلطانهم الشهيد المظلوم الشاه سلطان حسين بن الشاه سليمان المبرور المرحوم ، وهم كانوا اربعة من اخوانه العظام ، واربعة وعشرين من اولاده المنتجبين الفخام ، وذلك في اواخر جمادي الاولى من شهور سنة السبع والثلاثين التي هي بعينها سنة وفاة مولانا الفاضل المعظم عليه الرحمة.

ثم امر بعد ذلك بقتل ستة افاخم من اركان الدولة وذروي اسمائهم الذين كانوا من ارباب الصولة ، وهم صائمون متعبدون في اليوم السابع والعشرين من شهر رمضان عين تلك السنة ، مصادفا لثالث يوم وفاة مولانا الفاضل عليه الرحمة ، وكان نفس السلطان الممتحن باقيا بعد ذلك في حبس اولئك الى زمن جلوس طاغيتهم الثاني الباني للبارة المرتفعة المشهورة في البلدة ، وهو الاشرف سلطان الذي كان اولا في زي الملازمين لركاب محمودهم المردود.

الى ان ابتلاه الله الملك القهار بعقوبة ما فعله بأولئك السادة الرفيعة المقدار

١٦

بعارضة شبه الجنون ، فحبسه بمقتضى مصلحة وقته هذا الملعون ، الى ان هلك او اهلك بعد ذلك في ظلمات السجون ، فجلس مجلسه المنحوس من غير مزاحم له في ذلك الجلوس ، عصيرة يوم الاحد الثامن من شعبان هذه السنة بعينها الى اخره فراجع.

وذكر نحوه العلامة السيد العاملي في اعيان الشيعة في ترجمة المترجم ، فراجع.

مشايخه في الدراية والرواية

لم يصل الينا تفصيل مشايخه العظام الذين تلمذ لديهم او روى عنهم ، نعم ورد في بعض المعاجم نبذة قليلة من مشايخه في الرواية والدراية وهم :

١ ـ العالم الجليل الشيخ حسين الماحوزي.

ذكره المحدث النوري في المستدرك : ٣ / ٣٩٦ ، راجع حول ترجمته تتميم امل الآمل واللؤلؤة ، وصرح في اللؤلؤة بأنه بلغ من العمر ما يقارب تسعين سنة ومع ذلك لم يتغير ذهنه ولا شيء من حواسه.

وقال في التتميم : كان الشيخ حسين رحمه الله في عصره مسلم الكل لا يخالف فيه احد من اهل العقد والحل الى آخره.

٢ ـ المولى محمد جعفر بن محمد طاهر الخراساني الاصفهاني صاحب كتاب الاكليل وغيره ولد سنة ثمانين والف.

قال في الروضات : ٣ / ٢٦١ ، وظني ان قراءة مولانا اسماعيل الخواجوئي المتقدم ذكره ايضا كان عليه وخصوصا في فنون الدراية والرجال.

وعد في بعض التراجم مشايخه في العلوم النقلية والعقلية المحقق النحرير الفاضل الهندي صاحب كشف اللثام. وايضا الحكيم المتأله الملا محمد صادق الاردستاني. وايضا الحكيم المتأله الملا حمزة الكيلاني.

١٧

تلامذته ومن روى عنه

ايضا لم يصل الينا تفصيل تلامذته العظام الذين تلمذوا لديه او رووا عنه ، الا ما ورد في بعض التراجم الرجالية ، واليك نبذة مما وقفنا عليه في كتب التراجم وهم :

١ ـ العالم النحرير والمولى الخبير الملا مهدي النراقي صاحب كتاب اللوامع ومشكلات العلوم وجامع السعادات وغيرها من المؤلفات ، ذكره في المستدرك : ٣ / ٣٩٦.

اقول : وكان اكثر تلمذه في العلوم لديه حتى قيل : انه كان في مدة ثلاثين سنة يتلمذ لديه لا يفارقه ليلا ولا نهارا حتى بلغ ما بلغ من العلم والعمل. وبعد الفراغ من التحصيل رجع من اصفهان وتوطن في بلدة كاشان وكان خاليا من العلماء ، وببركة انفاسه الشريفة صار مملواً من العلماء والفضلاء الكاملين ، وصار مرجعا ومحلا للمشتغلين ، وبرز من مجلسه جمع من العلماء الاعلام ، وتوفي سنة ١٢٠٩ هـ.

٢ ـ العالم العارف الآقا محمد بن المولى محمد رفيع الجيلاني المشهور بالبيد آبادي الاصفهاني ، كان من اعظم حكماء عصره ماهرا في العقليات توفي سنة سبع وتسعين ومائة بعد الالف من الهجرة.

٣ ـ المولى محراب الجيلاني الحكيم العارف المشهور ، المتوفى سنة (١٢١٧) هـ ق.

٤ ـ الميرزا ابو القاسم المدرس الاصفهاني الخاتون آبادي المتوفى سنة (١٢٠٢) هـ ق.

تآليفه القيمة

كتب المترجم مؤلفات ورسائل وحواش كثيرة ، قد تجاوزت جهود الفرد الواحد ، تمثل اضطلاعه بجوانب المعرفة الشاملة ، وقد يعجب المرء من وفرة تأليفه ذات المواضيع المختلفة في شتى العلوم والمعارف المتعددة ، على الرغم كما عرفناه

١٨

من سيرة حياته من عدم استقراره وتفرغه للعلم ، للفتنة الهائلة الافغانية.

ولا ريب ان ذكاءه المفرط وذاكرته العجيبة ووعيه الشامل ، كان ذلك من الاسباب الرئيسية في تغلبه على تلك العقبات التي تحول دون تأليفه وتصنيفه ، وقد اشار اكثر ارباب التراجم الى وفرة تآليفه.

قال في تتميم الامل : وله رحمه الله تآليف كثيرة وحواش على كتب العلوم.

وقال في الروضات بعد عد جملة من تصانيفه : الى غير ذلك من الرسائل والمقالات الكثيرة التي تبلغ نحوا من مائة وخمسين مؤلفا متينا في فنون شتى من العلوم والحكم والمعارف.

وقال في موضع آخر : اكثرها لم يتجاوز نسخة الاصل الى زماننا هذا انتهى.

اقول : قد وفقني الله تبارك وتعالى لجمع اكثر مؤلفاته ورسائله ، وتحقيقها ونشرها ، وتطبع آثاره الممتعة تحت عنوان سلسلة آثار المحقق الخواجوئي ، وانا اذكر اولا ما طبع من آثاره تحت عنوان سلسلة آثار المحقق الخواجوئي :

١ ـ بشارات الشيعة.

وهو من احسن ما كتب في بابه مشحون بالتحقيقات وبيان النكات وانواع التنبيهات ، شرع فيه سنة (١١٥٥) وفرغ منه اواخر شوال من تلك السنة.

٢ ـ ذريعة النجاة من مهالك تتوجه بعد الممات.

في ذكر فضائل الامام امير المؤمنين واولاده المعصومين ـ عليهم السلام ـ وانهم افضل من سائر الانبياء ـ عليهم السلام ـ غير نبينا ـ صلى الله عليه وآله ـ والاستدلال على ذلك بالآيات والروايات الواردة في ذلك.

٣ ـ الفوائد في فضل تعظيم الفاطميين.

رسالة مبسوطة في فضل اكرام ذرية فاطمة الزهراء ـ عليها السلام ـ وكون المنتسب اليها بالأم منهم ، ويستحق الخمس ، ويحرم عليه الصدقة.

١٩

٤ ـ رسالة ميزة الفرقة الناجية عن غيرهم.

رسالة استدلالية اعتقادية في بعض احكام المخالفين للشيعة.

٥ ـ رسالة في تحقيق وتفسير الناصبي.

تحقيق حول معنى الناصبي لغة واصطلاحا ، واي الفرق من الفرق الاسلامية محكوم به ، وان الناصبي على صنفين : صنف محكوم بأحكام الاسلام ، والآخر خارج عن ربقة الاسلام ومحكوم بالكفر.

٦ ـ طريق الارشاد الى فساد امامة اهل الفساد.

في الادلة الدالة على جواز لعن الغاصبين لحقوق الائمة ـ عليهم السلام ـ وما جرى منهم على فاطمة البتول ـ عليها السلام ـ من الاذى والظلم.

٧ ـ الرسالة الاينية.

رسالة تحقيقية حول نفي الاين عن الله جل ذكره ، وتأويل ما ورد من اثبات الاين له تعالى ذكره.

٨ ـ رسالة في توجيه مناظرة الشيخ المفيد.

رسالة مختصرة حول مناظرة الشيخ المفيد قدس سره مع القاضي عبد الجبار المعتزلي في مسألة خلافة الامام امير المؤمنين ـ عليه السلام.

اقول : طبعت هذه الرسائل من الرقم الاول الى هنا في المجموعة الاولى من الرسائل الاعتقادية.

٩ ـ تذكرة الوداد في حكم رفع اليدين حال القنوت.

رسالة استدلالية في استحباب رفع اليدين الى السماء في حال القنوت.

١٠ ـ رسالة في شرح حديث الطلاق بيد من اخذ بالساق.

رسالة استدلالية حول الرواية المذكورة عن النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ وانه هل الوكيل والولي في الطلاق بمنزلة الزوج ام لا؟.

١١ ـ رسالة في حرمة النظر الى وجه الاجنبية.

رسالة استدلالية متقنة في عدم جواز النظر الى وجه الاجنبية الا ما

٢٠