🚘

مغنى اللبيب - ج ١

أبي محمّد عبد الله جمال الدين بن يوسف بن أحمد بن عبد الله بن هشام الأنصاري المصري

مغنى اللبيب - ج ١

المؤلف:

أبي محمّد عبد الله جمال الدين بن يوسف بن أحمد بن عبد الله بن هشام الأنصاري المصري


المحقق: محمّد محيى الدين عبد الحميد
الموضوع : اللغة والبلاغة
الناشر: منشورات مكتبة الصادق للمطبوعات
الطبعة: ٠
الصفحات: ٣٣٦
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

بسم الله الرحمن الرّحيم

الحمد لله على سابغ نعمائه ، والشكر له سبحانه على وافر آلائه ، وصلاته وسلامه على صفوة الصّفوة من رسله وأنبيائه ، وعلى آله وصحبه وسائر أوليائه.

اللهم إنى أحمدك حمد المعترف بتقصيره وقصوره ، المقرّ بخطاياه وذنوبه ، المؤمّل فى واسع رحمتك وعظيم فضلك ، أن تشمله بعفوك ، وتسبل عليه جميل سترك ؛ فإنك ـ يا ربّ ـ أنعمت متفضّلا ، وتطوّلت مبتدئا ، ولن يخيب راجيك ، ولن يردّ سائلك.

وبعد ، فإنى مند أكثر من عشرين عاما أنشأت شرحا على كتاب «مغنى اللبيب ، عن كتب الأعاريب» أوعب كتب العلّامة أبى محمد عبد الله جمال الدين بن هشام الأنصارى ، المصرى ، وكنت قد تنوّقت فى هذا الشرح على قدر ما يستحقه الأصل من العناية وبذل الوسع ، وكنت أعود إليه بين الحين والحين فأزيد فيه ما يجدّلى من البحث ، حتى أوفيت على الغاية ، وبلغت من ذلك ما تمنيت. ولكنى لم أظفر إلى يوم الناس هذا بناشر يقوم بإظهاره لقراء العربية ؛ إذ كان الناشرون لهذا النوع من المؤلفات إنما يقدمون على نشر ما يعتقدون أنهم رابحون من ورائه الريح الجزيل ؛ فهم يقدرون ويقدرون ويقدرون ثم يقدمون أو يحجمون وقد كان من نصيب هذا الكتاب أن يحجم من عرفت من الناشرين عن الإنفاق عليه ، رغم تهافت كثرتهم على مؤلّفاتى ، وليس فيه من عيب عندهم إلا أنه كتاب كبير الحجم ، وقرّاؤه فى طبعات شروحه القديمة قلة لا نسدّ نهمهم ، ولا تغنى عندهم ، ومن آيات ذلك أنى عرضت على ثلاثة من الناشرين الواحد بعد الآخر التوفّر على نشر هذا الكتاب ، وكان أحدهم يوافق رضىّ النفس منشرح الصّدر ، حتى إذا علم أن الكتاب يقع فى أربع مجلدات ضخام أو سعنى عذرا.

٣

ولقد رأيت أن أحتال لظهور هذا الكتاب ، فأظهر كتاب «مغنى اللبيب» أول الأمر مجرّدا عن شرحى عليه : فى مظهر يدعو إلى الرغبة فيه والإقبال عليه ، حتى إذا عرفه من لم يكن يعرفه ، وتطلّبه من ليست له به سابقة ، استطعت ـ إن كان فى الأجل بقية ـ أن أخرجه مرة أخرى مع الشرح.

فإلى إخوانى فى مشارق البلاد العربية ومغاربها الذين أحسنوا الظنّ بى فرغبوا فى أن أذيع هذا الشرح ، وما فتئوا يتقاضوننى أن أخرجه لهم ، أقدّم كتاب «مغنى اللبيب» فى مرأى يسرّ نواظرهم ، ويطمئن قلوبهم ، وأنا على موعدة معهم ـ إن شاء الله تعالى ـ أن أظهرهم على ما فى هذا الكتاب الجليل من محاسن ، وما بذله مؤلفه فيه من جهد ، وما أفرغ فى جمعه وتحقيقه من طاقة ، والله المسئول أن يحقق لى ولهم الامال ، وأن يجنّبنى وإياهم الخطأ والخطل والزّيغ ؛ إنه سبحانه أكرم مسئول ، وهو حسبى وإياهم ونعم الوكيل

كتبه المعتز بالله تعالى

محمد محيى الدين عبد الحميد

٤

ترجمة ابن هشام

صاحب كتاب

«مغنى اللّبيب ، عن كتب الأعاريب»

هو الإمام الذى فاق أقرانه ، وشأى من تقدّمه ، وأعيا من يأتى بعده ، الذى لا يشقّ غباره في سعة الاطلاع وحسن العبارة وجمال التعليل ، الصالح الورع ، أبو محمد عبد الله جمال الدين بن يوسف بن أحمد بن عبد الله بن هشام ، الأنصارى ، المصرى.

ولد بالقاهرة ، فى ذى القعدة من عام ثمان وسبعمائة من الهجرة (سنة ١٣٠٩ من الميلاد).

لزم الشهاب عبد اللطيف بن المرحّل ؛ وتلا على ابن السّرّاج ، وسمع على أبى حيّان ديوان زهير بن أبى سلمى المزنى ، ولم يلازمه ولا قرأ عليه غيره ، وحضر دروس التاج التّبريزى ، وقرأ على التاج الفاكهانى شرح الإشارة له إلا الورقة الأخيرة ، وحدّث عن ابن جماعة بالشاطبية ، وتفقّه أول الأمر على مذهب الشافعى ، ثم تحنبل فحفظ مختصر الخرقى قبيل وفاته بخمس سنين.

تخرج به جماعة من أهل مصر وغيرهم ، وتصدّر لنفع الطالبين ، وانفرد بالفوائد الغريبة ، والمباحث الدقيقة ، والاستدراكات العجيبة ، والتحقيق البارع ، والاطلاع المفرط ، والاقتدار على التصرف فى الكلام ، وكانت له ملكه يتمكن بها من التعبير عن مقصوده بما يريد مسهبا وموجزا ، وكان ـ مع ذلك كله ـ متواضعا ، برّا ، دمث الخلق ، شديد الشفقة ، رقيق القلب.

٥

قال عنه ابن خلدون : «ما زلنا ونحن بالمغرب نسمع أنه ظهر بمصر عالم بالعربية يقال له ابن هشام أنحى من سيبويه» وقال عنه مرة أخرى : «إن ابن هشام على علم جم يشهد بعلو قدره فى صناعة النحو ، وكان ينحو فى طريقته منحاة أهل الموصل الذين اقتفوا أثر ابن جنّى واتّبعوا مصطلح تعليمه ، فأتى من ذلك بشىء عجيب دال على قوة ملكته واطلاعه».

ولابن هشام مصنفات كثيرة كلها نافع مفيد تلوح منه أمارات التحقيق وطول الباع ، وتطالعك من روحه علائم الإخلاص والرغبة عن الشهرة وذيوع الصيت ، ونحن نذكر لك من ذلك ما اطلعنا عليه أو بلغنا علمه مرتبا على حروف المعجم ، وندلك على مكان وجوده إن علمنا أنه موجود ، أو نذكر لك الذى حدّث به إن لم نعلم وجوده ، وهاكها :

(١) الإعراب عن قواعد الإعراب ، طبع فى الآستانة وفى مصر ، وشرحه الشيخ خالد الأزهرى ، وقد طبع هو وشرحه مرارا أيضا.

(٢) الألغاز ، وهو كتاب فى مسائل نحوية ، صنفه لخزانة السلطان الملك الكامل ، طبع فى مصر.

(٣) أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك ، طبع مرارا ، وشرحه الشيخ خالد ، ولنا عليه ثلاثة شروح : أحدها وجيز وقد طبع مرارا ، وثانيها بسيط لا يزال رهين القماطر ، وثالثها وسيط ، مطبوع فى ثلاثة أجزاء

(٤) التذكرة ، ذكر السيوطى أنه كتاب فى خمسة عشر مجلدا ، ولم نطلع على شىء منه

(٥) التحصيل والتفصيل ، لكتاب التذييل والتكميل ، ذكر السيوطى أنه عدة مجلدات.

(٦) الجامع الصغير ، ذكره السيوطى ، ويوجد فى مكتبة باريس.

٦

(٧) الجامع الكبير ، ذكره السيوطى.

(٨) رسالة فى انتصاب «لغة» و «فضلا» وإعراب «خلافا» و «أيضا» و «هلم جرا» ونحو ذلك ، وهى موجودة في دار الكتب المصرية وفى مكتبى برلين وليدن ، وهى برمتها فى كتاب «الأشباه والنظائر النحوية» للسيوطى.

(٩) رسالة فى استعمال المنادى فى تسع آيات من القرآن الكريم ، موجودة فى مكتبة برلين.

(١٠) رفع الخصاصة ، عن قرّاء الخلاصة ، ذكره السيوطى ، وذكر أنه أربع مجلدات.

(١١) الروضة الأدبية ، فى شواهد علوم العربية ، يوجد بمكتبة برلين ، وهو شرح شواهد كتاب اللمع لابن جنّى.

(١٢) شذور الذهب ، فى معرفة كلام العرب ، طبع مرارا.

(١٣) شرح البردة ، ذكره السيوطى ، ولعله شرح «بانت سعاد» الآتى.

(١٤) شرح شذور الذهب المتقدم ، طبع مرارا ، ولنا عليه شرح طبع مرارا أيضا.

(١٥) شرح الشواهد الصغرى ، ذكره السيوطى ، ولا ندرى أهو الروضة الأدبية السابق ذكره ، أم هو كتاب آخر؟

(١٦) شرح الشواهد الكبرى ، ذكره السيوطى أيضا ، ولا ندرى حقيقة حاله.

(١٧) شرح قصيدة «بانت سعاد» طبع مرارا.

(١٨) شرح القصيدة اللغزية فى المسائل النحوية ، يوجد فى مكتبة ليدن.

(١٩) شرح قطر الندى ، وبل الصّدى ، الآتى ذكره ، طبع مرارا ، ولنا عليه شرح طبع مرارا أيضا.

(٢٠) شرح اللمعة لأبي حيان ، ذكره السيوطي.

٧

(٢١) عمدة الطالب ، فى تحقيق صرف ابن الحاجب ، ذكره السيوطى ، وذكر أنه فى مجلدين.

(٢٢) فوح الشذا ، فى مسألة كذا ، وهو شرح لكتاب «الشذا ، فى مسألة كذا» تصنيف أبى حيان ، يوجد فى ضمن كتاب «الأشباه والنظائر النحوية» للسيوطى.

(٢٣) قطر الندى وبل الصدى ، طبع مرارا ، ولنا عليه شرح مطبوع.

(٢٤) القواعد الصغرى ، ذكره السيوطى.

(٢٥) القواعد الكبرى ، ذكره السيوطى.

(٢٦) مختصر الانتصاف من الكشاف ، وهو اختصار لكتاب صنفه ابن المنيّر فى الرد على آراء المعتزلة التى ذكرها الزمخشرى فى تفسير الكشاف ، واسم كتاب ابن المنيّر «الانتصاف من الكشاف» وكتاب ابن هشام يوجد فى مكتبة برلين.

(٢٧) المسائل السفرية فى النحو ، ذكره السيوطى.

(٢٨) مغنى اللبيب عن كتب الأعاريب ، طبع فى طهران والقاهرة مرارا ، وعليه شروح كثيرة ، طبع منها عدد واف ، من ذلك شرح للدمامينى وآخر للشمنى ، وحاشية للأمير وأخرى للدسوقى ، ولنا عليه شرح مسهب ، نسأل الله أن يوفق إلى طبعه ، ومغنى اللبيب هذا هو الذى أقدمه اليوم فى هذا الثوب القشيب.

(٢٩) موقد الأذهان وموقظ الوسنان ، تعرّض فيه لكثير من مشكلات النحو ، يوجد فى دار الكتب المصرية وفى مكتبتى برلين وباريس.

وتوفى رحمه‌الله تعالى فى ليلة الجمعة ـ وقيل : ليلة الخميس ـ الخامس من ذى القعدة سنة إحدى وستين وسبعمائة (سنة ١٣٦٠ من الميلاد)

رحمه‌الله رحمة واسعة وأسبغ على جدثه حلل الرضوان.

٨

بسم الله الرحمن الرحيم

قال سيدنا ومولانا الشيخ الإمام العالم العلّامة جمال الدين رحلة الطّالبين أبو محمد عبد الله بن يوسف بن هشام ، الأنصارى ، قدس الله روحه ، ونوّر ضريحه (١)

أما بعد حمد الله على إفضاله ، والصلاة والسّلام على سيدنا محمد وعلى آله ، فإنّ أولى ما تقترحه القرائح ، وأعلى ما تجنح إلى تحصيله الجوانح ، ما يتبسر به فهم كتاب الله المنزل ، ويتضح به معنى حديث نبيه المرسل ، فإنهما الوسيلة إلى السعادة الأبدية ، والذّريعة إلى تحصيل المصالح الدينية والدنيوية ، وأصل ذلك علم الإعراب ، الهادى إلى صوب الصواب ، وقد كنت فى عام تسعة وأربعين وسبعمائة أنشأت بمكة زادها الله شرفا كتابا فى ذلك ، منوّرا من أرجاء قواعده كلّ خالك ، ثم إننى أصبت به وبغيره فى منصرفى إلى مصر ، ولما منّ الله [تعالى] علىّ فى عام ستة وخمسين بمعاودة حرم الله ، والمجاورة فى خير بلاد الله ، شمّرت عن ساعد الاجتهاد ثانيا ، واستأنفت العمل لا كسلا ولا متوانيا ، ووضعت هذا التصنيف ، على أحسن إحكام وترصيف ، وتتبّعت فيه مقفلات مسائل الإعراب فافتتحتها ، ومعضلات يستشكلها الطلاب فأوضحتها ونقّحتها ، وأغلاطا وقعت لجماعة من المعربين وغيرهم فنبهت عليها وأصلحتها.

فدونك كتابا تشدّ الرّحال فيما دونه ، وتقف عنده فحول الرجال ولا يعدونه ، إذ كان الوضع فى هذا الغرض لم تسمح قريحة بمثاله ، ولم ينسج ناسج على منواله

ومما حثّنى على وضعه أننى لما أنشأت فى معناه المقدمة الصغرى المسماة بـ «الإعراب عن قواعد الإعراب» حسن وقعها عند أولى الألباب ، وسار نفعها فى جماعة الطلاب مع أن الذى أودعته فيها بالنسبة إلى ما ادّخرته عنها كشذرة من عقد نحر ، بل

__________________

(١) تختلف النسخ فى هذه التقدمة ، وظاهر أنها ليست من كلام المؤلف

٩

كقطرة من قطرات بحر ، وها أنا بائح بما أسررته ، مفيد لما قررته وحرّرته ، مقرّب فوائده للأفهام ، واضع فرائده على طرف الثّمام ؛ لينالها الطلاب بأدنى إلمام ، سائل من حسن خيمه ، وسلم من داء الحسد أديمه ، إذا عثر على شىء طغى به القلم ، أو زلّت به القدم ، أن يغتفر ذلك فى جنب ما قربت إليه من البعيد ، ورددت عليه من الشّريد ، وأرحته من التعب ، وصيّرت القاصى يناديه من كثب ، وأن يحضر قلبه أن الجواد قد يكبو ، وأن الصارم قد ينبو ، وأن النار قد تخبو ، وأن الإنسان محلّ النسيان ، وأن الحسنات يذهبن السيئات :

١ ـ ومن ذا الذى ترضى سجاياه كلّها؟!

كفى المرء نبلا أن تعدّ معايبه

وينحصر فى ثمانية أبواب.

الباب الأول ، فى تفسير المفردات وذكر أحكامها.

الباب الثانى ، فى تفسير الجمل وذكر أقسامها وأحكامها.

الباب الثالث ، فى ذكر ما يتردّد بين المفردات والجمل ، وهو الظرف والجار والمجرور ؛ وذكر أحكامهما.

الباب الرابع ، فى ذكر أحكام يكثر دورها ، ويقبح بالمعرب جهلها.

الباب الخامس ، فى ذكر الأوجه التى يدخل على المعرب الخلل من جهتها.

الباب السادس ، فى التحذير من أمور اشتهرت بين المعربين والصواب خلافها

الباب السابع ، فى كيفية الإعراب

الباب الثامن ، فى ذكر أمور كلية يتخرج عليها مالا ينحصر من الصور الجزئية

واعلم أننى تأمّلت كتب الإعراب فإذا السبب الذى اقتضى طولها ثلاثة أمور ؛

أحدها : كثرة التكرار ، فإنها لم توضع لإفادة القوانين الكلية ، بل للكلام على الصور الجزئية.

فتراهم يتكلمون على التركيب المعين بكلام ، ثم حيث جاءت نظائره أعادوا

١٠

ذلك الكلام ، ألا ترى أنهم حيث مر بهم مثل الموصول فى قوله تعالى : (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) ذكروا أن فيه ثلاثة أوجه ، وحيث جاءهم مثل الضمير المنفصل فى قوله تعالى : (إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ذكروا فيه ثلاثة أوجه أيضا ، وحيث جاءهم مثل الضمير المنفصل فى قوله تعالى : (كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ) ذكروا فيه وجهين ، ويكررون ذكر الخلاف فيه إذا أعرب فصلا ، أله محل باعتبار ما قبله أم باعتبار ما بعده أم لا محلّ له؟ والخلاف فى كون المرفوع فاعلا أو مبتدأ إذا وقع بعد إذا فى نحو (إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ) أو إن فى نحو (وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ) أو الظرف فى نحو (أَفِي اللهِ شَكٌّ) أو لو فى نحو (وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا) وفى كون أنّ وأن وصلتهما بعد حذف الجار فى نحو (شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) ونحو (حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ) فى موضع خفض بالجار المحذوف على حدّ قوله :

٢ ـ [إذا قيل أىّ النّاس شرّ قبيلة؟]

أشارت كليب بالأكف الأصابع

[ص ٦٤٣]

أو نصب بالفعل [المذكور] على حد قوله :

٣ ـ [لدن بهزّ الكفّ يعسل متنه]

فيه كما عسل الطريق الثعلب

[ص ٥٢٥ و ٥٧٦]

وكذلك يكررون الخلاف فى جواز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الخافض ، وعلى الضمير المتصل المرفوع من غير وجود الفاصل ، وغير ذلك مما إذا استقصى أملّ القلم ، وأعقب السّأم ؛ فجمعت هذه المسائل ونحوها مقررة محررة فى الباب الرابع من هذا الكتاب ، فعليك بمراجعته ، فإنك تجد به كنزا واسعا تنفق منه ، ومنهلا سائغا ترده وتصدر عنه.

والأمر الثانى : إيراد ما لا يتعلق بالإعراب ، كالكلام فى اشتقاق اسم ، أهو من السّمة كما يقول الكوفيون أو من السّموّ كما يقول البصريون؟ والاحتجاج لكل من الفريقين ، وترجيح الراجح من القولين ، وكالكلام على ألفه ، لم حذفت

١١

من البسملة خطّا؟ وعلى باء الجرولامه ، لم كسرتا لفظا؟ وكالكلام على ألف ذا الإشارية ، أزائدة هى كما يقول الكوفيون أم منقلبة عن ياء هى عين واللام ياء أخرى محذوفة كما يقول البصريون؟ والعجب من مكى بن أبى طالب إذ أورد مثل هذا فى كتابه الموضوع لبيان مشكل الإعراب مع أن هذا ليس من الإعراب فى شىء ، وبعضهم إذا ذكر الكلمة ذكر تكسيرها وتصغيرها ، وتأنيثها وتذكيرها ، وما ورد (١) فيها من اللغات ، وما روى من القراآت ، وإن لم ينبن على ذلك شيء من الإعراب.

والثالث : إعراب الواضحات ، كالمبتدأ وخبره والفاعل ونائبه ، والجار والمجرور ، والعاطف والمعطوف ، وأكثر الناس استقصاء لذلك الحوفى.

وقد تجنّبت هذين الأمرين وأتيت مكانهما بما يتبصر به الناظر ، ويتمرن به الخاطر ، من إيراد النظائر القرآنية ، والشواهد الشعرية ، وبعض ما اتفق فى المجالس النحوية.

ولما تم هذا التصنيف على الوجه الذى قصدته ، وتيسر فيه من لطائف المعارف ما أردته واعتمدته ، سميته بـ «مغنى اللبيب ، عن كتب الأعاريب» وخطابى به لمن ابتدأ فى تعلم الإعراب ، ولمن استمسك منه بأوثق الأسباب.

ومن الله تعالى أستمد الصواب ، والتوفيق إلى ما يحظينى لديه بجزيل الثواب ، وإياه أسأل أن يعصم القلم من الخطأ والخطل ، والفهم من الزيغ والزلل ؛ إنه أكرم مسئول ، وأعظم مأمول.

__________________

(١) فى نسخة «وما ذكر فيها من اللغات»

١٢

الباب الأول

فى تفسير المفردات ، وذكر أحكامها

وأعنى بالمفردات الحروف وما تضمّن معناها من الأسماء والظروف ؛ فإنها المحتاجة إلى ذلك ، وقد رتّبتها على حروف المعجم ؛ ليسهل تناولها ، وربما ذكرت أسماء غير تلك وأفعالا ؛ لمسيس الحاجة إلى شرحها.

(حرف الألف)

الألف المفردة ـ تأتى على وجهين :

أحدهما : أن تكون حرفا ينادى به القريب ، كقوله :

٤ ـ أفاطم مهلا بعض هذا التّدلّل

[وإن كنت قد أزمعت صرمى فاجملى]

ونقل ابن الخبّاز عن شيخه أنه للمتوسّط ، وأن الذى للقريب «يا» وهذا خرق لإجماعهم.

والثانى : أن تكون للاستفهام ، وحقيقته : طلب الفهم ، نحو «أزيد قائم» وقد أجيز الوجهان فى قراءة الحرميين (أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ) وكون الهمزة فيه للنداء هو قول الفراء ، ويبعده أنه ليس فى التنزيل نداء بغير «يا» ويقربه سلامته من دعوى المجاز ؛ إذ لا يكون الاستفهام منه تعالى على حقيقته ، ومن دعوى كثرة الحذف ؛ إذ التقدير عند من جعلها للاستفهام : أمن هو قانت خير أم هذا الكافر ، أى المخاطب بقوله تعالى : (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً) فحذف شيئان : معادل الهمزة والخبر ، ونظيره فى حذف المعادل قول أبى ذؤيب الهذلى :

٥ ـ دعانى إليها القلب ؛ إنّى لأمره

سميع ، فما أدرى أرشد طلابها

[ص ٤٣ و ٦٢٨]

تقديره : أم غىّ ، ونظيره فى مجىء الخبر كلمة «خير» واقعة قبل أم (أَفَمَنْ يُلْقى

١٣

فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ) ولك أن تقول : لا حاجة إلى تقدير معادل فى البيت ؛ لصحة قولك : ما أدرى هل طلابها رشد ، وامتناع أن يؤتى لهل بمعادل ، وكذلك لا حاجة فى الآية إلى تقدير معادل ؛ لصحة تقدير الخبر بقولك : كمن ليس كذلك ، وقد قالوا فى قوله تعالى : (أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ) : إن التقدير : كمن ليس كذلك ، أو لم يوحّدوه ، ويكون (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ) معطوفا على الخبر على التقدير الثانى ، وقالوا : التقدير فى قوله تعالى : (أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ) أى كمن ينعّم فى الجنة ، وفى قوله تعالى : (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً) أى كمن هداه الله ؛ بدليل (فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) أو التقدير : ذهبت نفسك عليهم حسرة ، بدليل قوله تعالى : (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ) وجاء فى التنزيل موضع صرح فيه بهذا الخبر وحذف المبتدأ ، على العكس مما نحن فيه ، وهو قوله تعالى : (كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيماً) أى أمن هو خالد فى الجنة يسقى من هذه الأنهار كمن هو خالد فى النار ، وجاءا مصرحا بهما على الأصل فى قوله تعالى : (أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها) (أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ).

والألف أصل أدوات الاستفهام ، ولهذا خصت بأحكام :

أحدها : جواز حذفها ، سواء تقدمت على «أم» كقول عمر بن أبى ربيعة :

٦ ـ بدالى منها معصم حين جمّرت

وكفّ خضيب زيّنت ببنان

فو الله ما أدرى وإن كنت داريا

بسبع رميت الجمر أم بثمان؟

أراد أبسبع ، أم لم تتقدّمها كقول الكميت :

٧ ـ طربت وما شوقا إلى البيض أطرب

ولا لعبا منّى وذو الشّيب يلعب

أراد أو ذو الشيب يلعب؟ واختلف فى قول عمر بن أبى ربيعة :

١٤

٨ ـ ثمّ قالوا : تحبّها؟ قلت : بهرا

عدد الرّمل والحصى والتّراب

فقيل : أراد أتحبها ، وقيل : إنه خبر ، أى أنت تحبها ، ومعنى «قلت بهرا» قلت أحبها حبا بهرنى بهرا ، أى غلبنى غلبة ، وقيل : معناه عجبا ، وقال المتنبى :

٩ ـ أحيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا

والبين جار على ضعفى وما عدلا

وأحيا : فعل مضارع ، والأصل أأحيا ، فحذفت همزة الاستفهام ، والواو للحال ، والمعنى التعجب من حياته ، يقول : كيف أحيا وأقلّ شىء قاسيته قد قتل غيرى ، والأخفش يقيس ذلك فى الاختيار عند أمن اللبس ، وحمل عليه قوله تعالى : (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ) وقوله تعالى : (هذا رَبِّي) فى المواضع الثلاثة ، والمحققون على أنه خبر ، وأنّ مثل ذلك يقوله من ينصف خصمه مع علمه بأنه مبطل ؛ فيحكى كلامه ثم يكرّ عليه بالإبطال بالحجة ، وقرأ ابن محيصن (سواء عليهم أنذرتهم أم لم تنذرهم) وقال عليه الصلاة والسّلام لجبريل عليه‌السلام : «وإن زنى وإن سرق؟» فقال : «وإن زنى وإن سرق».

الثانى : أنها ترد لطلب التصور ، نحو «أزيد قائم أم عمرو» ولطلب التصديق ، نحو «أزيد قائم؟» وهل مختصّة بطلب التصديق ، نحو «هل قام زيد» وبقية الأدوات مختصّة بطلب التصوّر ، نحو «من جاءك؟ وما صنعت؟ وكم مالك؟ وأين بيتك؟ ومتى سفرك؟».

الثالث : أنها تدخل على الإثبات كما تقدم ، وعلى النفى نحو (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) (أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ) وقوله :

١٠ ـ ألا اصطبار لسلمى أم لها جلد

إذا ألاقى الّذى لاقاه أمثالى؟ [ص ٦٩]

ذكره بعضهم ، وهو منتقض بأم ؛ فإنها تشاركها فى ذلك ، تقول : أقام زيد أم لم يقم؟.

الرابع : تمام التصدير ، بدليلين ، أحدهما : أنها لا تذكر بعد «أم» التى للاضراب كما يذكر غيرها ، لا تقول : أقام زيد أم أقعد ، وتقول : أم هل قعد ،

١٥

والثانى : أنها إذا كانت فى جملة معطوفة بالواو أو بالفاء أو بثم قدّمت على العاطف تنبيها على أصالتها فى التصدير ، نحو (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا) (أَفَلَمْ يَسِيرُوا) (أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ) وأخواتها تتأخر عن حروف العطف كما هو قياس جميع أجزاء الجملة المعطوفة ، نحو (وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ؟) (فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ) (فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) (فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ) (فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ) (فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ) هذا مذهب سيبويه والجمهور ، وخالفهم جماعة أوّلهم الزمخشرى ، فزعموا أن الهمزة فى تلك المواضع فى محلها الأصلى ، وأن العطف على جملة مقدّرة بينها وبين العاطف ، فيقولون : التقدير فى (أَفَلَمْ يَسِيرُوا) (أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً) (أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ) (أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ) : أمكثوا فلم يسيروا فى الأرض ، أنهملكم فنضرب عنكم الذكر صفحا ، أتؤمنون به فى حياته فإن مات أو قتل انقلبتم ، أنحن مخلّدون فما نحن بميتين ، ويضعف قولهم ما فيه من التكلف ، وأنه غير مطرد [فى جميع المواضع] أما الأول فلدعوى حذف الجملة ، فإن قوبل بتقديم بعض المعطوف فقد يقال : إنه أسهل منه ؛ لأن المتجوّز فيه على قولهم أقلّ لفظا ، مع أن فى هذا التجوز تنبيها على أصالة شىء فى شىء ، أى أصالة الهمزة فى التصدير ، وأما الثانى فلأنه غير ممكن فى نحو (أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ) وقد جزم الزمخشرىّ فى مواضع بما يقوله الجماعة ، منها قوله فى (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى) : إنّه عطف على (فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً) وقوله فى (أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآباؤُنَا) فيمن قرأ بفتح الواو : إن (آباؤُنا) عطف على الضمير فى (مَبْعُوثُونَ) وإنه اكتفى بالفصل بينهما بهمزة الاستفهام ، وجوّز الوجهين فى موضع ، فقال فى قوله تعالى : (أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ) دخلت همزة الإنكار على الفاء العاطفة جملة على جملة ، ثم توسّطت الهمزة بينهما ، ويجوز أن يعطف على محذوف تقديره : أيتولّون فغير دين الله يبغون.

١٦

فصل

قد تخرج الهمزة عن الاستفهام الحقيقى ، فترد لثمانية معان :

أحدها : التّسوية ، وربما توهم أن المراد بها الهمزة الواقعة بعد كلمة «سواء» بخصوصها ، وليس كذلك ، بل كما تقع بعدها تقع بعد «ما أبالى» و «ما أدرى» و «ليت شعرى» ونحوهن ، والضابط : أنّها الهمزة الداخلة على جملة يصحّ حلول المصدر محلها ، نحو (سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) ونحو «ما أبالى أقمت أم قعدت» ألا ترى أنه يصح سواء عليهم الاستغفار وعدمه وما أبالى بقيامك وعدمه.

والثانى : الإنكار الإبطالى ، وهذه تقتضى أن ما بعدها غير واقع ، وأن مدّعيه كاذب ، نحو (أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً) (فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ) (أَفَسِحْرٌ هذا) (أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ) (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً) (أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ) ومن جهة إفادة هذه الهمزة نفى ما بعدها لزم ثبوته إن كان منفيا ؛ لأن نفى النفى إثبات ، ومنه (أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ) أى الله كاف عبده ، ولهذا عطف (وَضَعْنا) على (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) لما كان معناه شرحنا ، ومثله (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى ، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى) (أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ، وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ) ولهذا أيضا كان قول جرير فى عبد الملك :

١١ ـ ألستم خير من ركب المطايا

وأندى العالمين بطون راح

مدحا ، بل قيل : إنه أمدح بيت قالت العرب ، ولو كان على الاستفهام الحقيقى لم يكن مدحا ألبتة.

والثالث : الإنكار التوبيخى ؛ فيقتضى أن ما بعدها واقع ، وأن فاعله ملوم ،

١٧

نحو (أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ) (أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ) (أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ) (أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ) (أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً) وقول العجّاج :

١٢ ـ أطربا وأنت قنّسرىّ

والدّهر بالإنسان دوّارىّ؟ [ص ٦٨١]

أى أتطرب وأنت شيخ كبير؟.

والرابع : التقرير ، ومعناه حملك المخاطب على الإقرار والاعتراف بأمر قد استقرّ عنده ثبوته أو نفيه ، ويجب أن يليها الشىء الذى تقرره به ، تقول فى التقرير بالفعل : أضربت زيدا؟ وبالفاعل : أأنت ضربت زيدا ، وبالمفعول : أزيدا ضربت ، كما يجب ذلك فى المستفهم عنه ، وقوله تعالى : (أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا) محتمل لإرادة الاستفهام الحقيقى ، بأن يكونوا لم يعلموا أنه الفاعل ، ولإرادة التقرير ، بأن يكونوا قد علموا ، ولا يكون استفهاما عن الفعل ولا تقريرا به ؛ لأن الهمزة لم تدخل عليه ، ولأنه عليه الصلاة والسّلام قد أجابهم بالفاعل بقوله : (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا).

فإن قلت : ما وجه حمل الزمخشرى الهمزة فى قوله تعالى : (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) على التقرير؟.

قلت : قد اعتذر عنه بأن مراده التقرير بما بعد النفى ، لا التقرير بالنفى ، والأولى أن تحمل الآية على الإنكار التوبيخى أو الإبطالى ، أى ألم تعلم أيها المنكر للنسخ.

والخامس : التّهكّم ، نحو (أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا).

والسادس : الأمر ، نحو (أَأَسْلَمْتُمْ) أى أسلموا.

والسابع : التعجب ، نحو (أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ).

والثامن : الاستبطاء ، نحو (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا).

وذكر بعضهم معانى أخر لا صحة لها.

١٨

تنبيه ـ قد تقع الهمزة فعلا ، وذلك أنهم يقولون «وأى» بمعنى وعد ، ومضارعه يئى بحذف الواو لوقوعها بين ياء مفتوحة وكسرة ، كما تقول : وفى يفى ، وونى ينى ، والأمر منه إه ، بحذف اللام [للأمر] وبالهاء للسكت فى الوقف ، وعلى ذلك يتخرج اللّغز المشهور ، وهو قوله :

١٣ ـ إنّ هند المليحة الحسناء

وأى من أضمرت لخلّ وفاء

فإنه يقال : كيف رفع اسم إنّ وصفته الأولى؟ والجواب : أن الهمزة فعل أمر ، والنون للتوكيد ، والأصل إينّ بهمزة مكسورة ، وياء ساكنة للمخاطبة ، ونون مشددة للتوكيد ، ثم حذفت الياء لالتقائها ساكنة مع النون المدغمة كما فى قوله :

١٤ ـ لتقرعنّ علىّ السّنّ من ندم

إذا تذكّرت يوما بعض أخلاقى

وهند : منادى مثل (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا) والمليحة : نعت لها على اللفظ كقوله :

١٥ ـ *يا حكم الوارث عن عبد الملك*

والحسناء : إما نعت لها على الموضع كقول مادح عمر بن عبد العزيز رضى الله تعالى عنه :

١٦ ـ يعود الفضل منك على قريش

وتفرج عنهم الكرب الشّدادا

فما كعب بن مامة وابن سعدى

بأجود منك يا عمر الجوادا

وإما بتقدير أمدح ، وإما نعت لمفعول به محذوف ، أى عدى يا هند الخلّة الحسناء ، وعلى الوجهين الأولين فيكون إنما أمرها بإيقاع الوعد الوفى ، من غير أن يعين لها الموعود ، وقوله «وأى» مصدر نوعىّ منصوب بفعل الأمر ، والأصل وأيا مثل وأى من ، ومثله (فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ) وقوله «أضمرت» بتاء التأنيث محمول على معنى من مثل «من كانت أمّك؟».

١٩

(آ) بالمد ـ حرف لنداء البعيد ، وهو مسموع ، لم يذكره سيبويه ، وذكره غيره.

(أيا) حرف كذلك ، وفى الصّحاح أنه حرف لنداء القريب والبعيد ، وليس كذلك ، قال الشاعر :

١٧ ـ أيا جبلى نعمان بالله خليّا

نسيم الصّبا يخلص إلى نسيمها

وقد تبدل همزتها هاء ، كقوله :

١٨ ـ فأصاخ يرجو أن يكون حيا

ويقول من فرح : هيا ربّا

(أجل) بسكون اللام ـ حرف جواب مثل نعم ؛ فيكون تصديقا للمخبر ، وإعلاما للمستخبر ، ووعدا للطالب ؛ فتقع بعد نحو «قام زيد» ونحو «أقام زيد» ونحو «أضرب زيدا» وقيد المالقى الخبر بالمثبت ، والطلب بغير النهى ، وقيل : لا تجىء بعد الاستفهام ، وعن الأخفش هى بعد الخبر أحسن من نعم ونعم بعد الاستفهام أحسن منها ، وقيل : تختص بالخبر ، وهو قول الزمخشرى وابن مالك وجماعة ، وقال ابن خروف : أكثر ما تكون بعده.

(إذن) فيها مسائل :

الأولى : فى نوعها ، قال الجمهور : هى حرف ، وقيل : اسم ، والأصل فى «إذن أكرمك» إذا جئتنى أكرمك ، ثم حذفت الجملة ، وعوّض التنوين عنها ، وأضمرت أن ، وعلى القول الأول ؛ فالصحيح أنها بسيطة ، لا مركبة من إذ وأن ، وعلى البساطة فالصحيح أنها الناصبة ، لا أن مضمرة بعدها.

المسألة الثانية : فى معناها ، قال سيبويه : معناها الجواب والجزاء ، فقال الشاوبين : فى كل موضع ، وقال أبو على الفارسى : «فى الأكثر ، وقد تتمحّض للجواب ؛ بدليل أنه يقال لك : أحبك ، فتقول : إذن أظنك صادقا ؛

٢٠