🚘

من هدى القرآن - ج ٣

السيّد محمّد تقي المدرّسي

من هدى القرآن - ج ٣

المؤلف:

السيّد محمّد تقي المدرّسي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار محبّي الحسين عليه السلام
الطبعة: ١
ISBN: 964-5648-06-8
ISBN الدورة:
964-5648-03-3

الصفحات: ٥٣٤
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

سورة الانعام

٣
٤

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم

فضل السورة :

١ ـ قال أبو عبد الله (عليه السلام) : «نزلت سورة الانعام جملة واحدة شيّعها سبعون ألف ملك حتى أنزلت على محمد (صلّى الله عليه وآله) فعظّموها وبجّلوها ، فان اسم الله فيها في سبعين موضعا ، ولو علم الناس ما فيها ما تركوها».

٢ ـ أروي عن العالم (عليه السّلام) أنه قال : «إذا بدأت بك علّة تخوفّت على نفسك منها ، فاقرأ الانعام فانّه لا ينالك من العلّة ما تكره».

٣ ـ عن أبي بصير قال : كنت جالسا عند أبي جعفر (عليه السّلام) وهو متّك على فراشه ، إذا قرأ : «الآيات المحكمات التي لم ينسخهن شيء من الانعام قال : شيّعها سبعون ألف ملك (قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً)».

٥
٦

الإطار العام

ثلاث حقائق (الله ـ الإنسان ـ الكون) :

في بداية هذه السورة امتزجت حقائق الكون ببعضها وفق البصيرة التوحيدية التي بالرغم من اهتمامها بالفواصل الواقعية بين الأشياء إلّا أنّها تعلق أهميّة كبيرة على مدى علاقة الأشياء ببعضها ، وتذكرنا هذه السورة بطائفة من حقائق الكون كمثل لهذه الوحدة. تلك الحقائق هي :

أ ـ الإنسان باعتباره عبدا مخلوقا لله ، وسيدا على الطبيعة ، إنّ عليه أن يقف امام عظمة الله ويقول : «الحمد لله» حامدا عظمة الله ، ليس لأنه قدير واسع الرحمة فحسب ، بل لأنه سبحانه أغدق عليه من رحمته الواسعة الشيء الكثير ، فلذلك يحمده.

ب ـ الله باعتباره سيدا مطاعا للخليقة ومهيمنا عليها.

ج ـ الكون أي السماوات والأرض ، والظلمات والنور. باعتبارها مخلوقات لله ، ومدبّرات بأمره ، والرابطة الوثيقة بين الإنسان وبين الكون هي أنهما معا

٧

مخلوقان لله ، مدبران بأمره سبحانه.

ولكن الإنسان يملك ـ بإذن ربه ـ ميزة أساسية بين الخلائق هي انه سيدها الذي سخر الله له إياها ، ولذلك فهو يحمد ربه.

وإذا أراد الإنسان أن يكرّس في ذاته صفة السيادة على الكون فليس عليه سوى المزيد من الارتباط بربه الذي سخر الكون لأمره.

معرفة الله :

ان معرفة الطبيعة من دون إله لها يعني ان المادة بلا روح ، بلا قيّم ، وبلا نظام ، ومعرفة الله بعيدا عن الطبيعة يعني البحث في فراغ ، في التجريد ، في اللاشيء ، وسواء كانت هذه أو تلك فهي تنتهي بالإنسان الى اللامسؤولية واللّاإلتزام ، وبالتالي اللّاوعي.

المادي الذي يختصر حياته في الأشياء ، ولا ينظر عبر المادة الى ما ورائها من هيمنة الله ، وقيامه وملكه وسلطانه ، إنّه لا يشعر بالتزام تجاه المادة ، لأنّ المادة لا حياة لها ولا عزة لها ولا حكمة.

المادة لا تراقبه ، ولا تحاسبه ، ولا تجازيه ، بل لا يشعر بها ، فلذلك فهو ينفلت عن التقيد بالمسؤوليات.

وكذلك الصوفيّ الذي يؤمن بالألفاظ والكلمات ، والخلسات والهمسات ، ولا يؤمن باله الحياة والنظام ، والتدبير ، والملك ، والحساب والعقاب ، انه لا يؤمن بالطبيعة كمظهر سام من مظاهر الحياة التي وهبها الله ، والنظام الذي قام عليه وأجراه سبحانه ، وبالتالي لا يؤمن بالطبيعة كاسم من أسماء الله سبحانه إن هذا الصوفي ، هو الآخر لا يشعر بمسؤولية أمام الحياة التي فصلها عن الله.

٨

والحقيقة في معرفة المادة والروح هي الايمان بواقع الطبيعة ، وبحقيقة القيم التي تهيمن عليها ، والاعتقاد بوجود الطبيعة المدبّرة بسلطان ربها ، وبالتالي الاهتداء الى الله عبر أسمائه وآياته المنتشرة في رحاب الطبيعة.

ان القرآن باعتباره كتاب الله الذي ، لا ريب فيه يتحدث إلينا عن الطبيعة باعتبارها جسرا يسير عبرها الفكر الى معرفة الله ، وباعتبارها مظهرا ساميا لأسماء الله وآياته ، وباعتبارها أداة للإنسان لاكتشاف نفسه ، والاهتداء الى ربه ، والتكامل حتى يكون الى الله المنتهى.

عليك ان تنظر الى السماوات ولا تجلس في غرفة مظلمة تبحث عن الله ، ولكن إياك ان تنظر الى السماوات كأنها أشياء ثابتة جامدة جاهلة ، كلا بل باعتبارها حقائق تسبّح بحمد خالقها وتسجد لهيمنة ربها.

لماذا اسم الأنعام

؟ إن سورة الأنعام هي مثل كل سور القرآن التي تشع بنور التوحيد ، وتنساب في ضمير الإنسان بضياء الايمان بالله ، ولكنها لم تسّم باسم مجرّد. فلم يكن اسمها مثلا : سورة الحي القيوم ، أو سورة الصمد الأحد ، أو سورة القدوس الأعلى ، أو سورة الحمد والتسبيح ، كلا ... بل سميت بسورة الأنعام.

الأنعام التي يضرب الله بها مثل الغباء ، ويعتقد الإنسان أنّها لا تعني شيئا في حقل الايمان والعرفان ، مع ذلك سمّى الله هذه السورة باسم الانعام ليجعلنا نغير نظرتنا الى الانعام ، ونعرف انها نعمة من نعم الله ، وانها بالتالي تهدينا الى الله من جهة. وتفرض علينا من جهة مسئولية معينة ، وهي تلك المسؤولية التي يشعر بها المؤمن أمام ربه ، وبذلك يخرج المادة (وهنا الانعام مثل لها) من النظر إليها بنظرة الشيئية دون الالتفات الى دور المادة في تكامل الروح والعلم والقيم ، كما يخرج

٩

بذلك أيضا الروح والعلم والقيم والايمان من عالم التجريد والمثالية الى عالم الحقيقة.

وقد ذكرت كلمة الأنعام في هذه السورة في الآيات بين (١٣٨ إلى ١٤٨) كل هذه كانت في رأينا بعضا من فلسفة اسم الأنعام في هذه السورة.

١٠

سورة الأنعام مكية وهي مائة وخمس وستون آية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ (٣)

____________________

١ [يعدلون] : عدلت عنه أي أعرضت.

٢ [تمترون] : الامتراء الشك ، وأصله من مرات الناقة إذا مسح ضرعها لاستخراج ، اللبن ، ومنه ما راه يماريه مراء ومماراة إذا استخرج ما عنده بالمناظرة ، فالامتراء استخراج الشبهة المشكلة من غير حل.

١١

هكذا تجلّى الرب

بينات من الآيات :

بسم الله الرحمن الرحيم

[١] (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ)

إن الله سبحانه لم يهب السموات والأرض خلقهما فقط ، بل قدّر لهما أمورهما ، ونظم شؤونهما ، فكل شيء في السموات والأرض محدود بحدود معينة حددتها حكمة الله ، وعلمه الواسع ، وقدرته المطلقة.

فالشمس لها وزنها وسعتها ، وحرارتها وكثافتها ، ومدارها ومجراها ، ونهايتها وبعدها عن سائر الشموس السابحة في الفضاء.

كذلك الأرض والقمر والكواكب والنجوم ، وهكذا الحال لكل شيء موجود في الأرض ، حتى الذرة لها حدودها التي لا تتجاوزها.

١٢

وعند ما نقول : حدودها نعني : أن كل شيء ينتهي وجوده عند حد معين ، وبعدئذ لا يملك وجودا أو بتعبير آخر : ينعدم في خارج حده ، مثلا : التفاحة موجودة في مساحة معينة وفي وقت محدود. أما فيما وراء تلك المساحة ، وذلك الوقت فلا وجود للتفاحة ، كذلك فان الله قدّر ـ بحكمته وقدرته ـ الوجود والعدم ، فجعل كل شيء موجودا في حدود معينة ، وجعله معدوما فيما وراء ذلك. إذا فهو جاعل العدم والوجود ، ومقدرهما ومدبرهما.

وربما يشير الى هذه الحقيقة قوله تعالى :

(وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ)

ذلك لأن الظلمات رمز لكل عدم ، بينما النور رمز لكل وجود.

أمام هذه القدرة والحكمة المطلقة ، لا يسعنا إلّا الحمد ، والحمد هو ذلك الموقف الرشيد الذي لا بد ان نتخذه من ربنا ، ولكن كم هو بعيد وشاذ موقف الكفار حيث يشركون بربهم ، ويضعون الله سبحانه عدلا للأنداد من دونه. تعالى ربنا عما يصفه المشركون!

(ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ)

الشك لماذا وكيف؟

[٢] إن الإنسان في هذا الكون الواسع محاط بقدرة الله ، وما عليه إلّا أن يعرف هذه الحقيقة ، ويعترف بها ، ولا يرتاب فيها ولا يشكك نفسه في ذلك ، لأن الشك قد يكون عفويّا ، وقد يكون شكا نابعا من الهوى أو الحساسية وما أشبه ، وفي قضية الايمان بالله لا نجد ذلك النوع من الشك ، أن الله أظهر من أن يشك فيه بشر (١) ، ان

__________________

(١) :جاء في دعاء عرفة للإمام الحسين (عليه السلام) : «الهي ترددي في الآثار يوجب بعد المزار ، فاجمعني»

١٣

هذا الشك هو الشك الذي مصدره إغماض العين عن الشواهد ، والانصراف عن الأدلة ، والمجادلة في الحق بعد اليقين به.

(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ)

ان خلقة الإنسان كانت من طين فلذلك هو ينزع اليه ويهوى الخلود اليه ، ومن الصعب عليه أن ينبعث الى الحق.

ولأن الإنسان خلق من طين فأولى به ان يخشع لخالقه والّا يستكبر.

ثم ان للإنسان قدرا مقدورا. ذلك ان خلايا جسمه تتحلل ، وعظامه تهن وتضعف ، وينتهي بالتالي الى الموت.

فقد يأتيه الموت بحادث سيارة أو مرض سرطان ، أو قتل في حرب أو .. أو ..

الميتة الاولى قدر مقدور عليه ، كما هو قدر مقدور على كلّ حيّ وعلى كلّ مادة ، أما الميتة الثانية فهي قضاء يقدرها الله عليه ، ويكتبها في سجله الأسمى ، وذلك وفقا لاختيار الفرد نفسه.

إذا فهو إله السموات وإله الأرض ، وهو ملكهما ومرجع أمورهما.

(وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ)

ولأنه يدبر أمور السموات والأرض ، فهو عليم بهما لأنه من المستحيل أن يدبر

__________________

عليك بخدمة توصلني إليك. كيف يستدلّ عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك! أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك! متى غبت حتى تحتاج الى دليل يدل عليك؟! ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك!؟! عميت عين لا تراك عليها رقيبا ، وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبك نصيبا. مفاتيح الجنان / ٣٤٢ ـ دار الأضواء

١٤

الكون دون أن يعلم بخفاياه.

(يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ)

إنه يعلم السر كما يعلم الجهر. (بعكس الإنسان) لأن السر هو الذي يتكون أولا ، ثم يبرز أمام الناس ، كالحبة تحت التراب ، تتحول عبر تفاعلات كيمياوية الى زرع قبل أن يراها الناس ، ثم إذا اخضرت الأرض أصبحت جهرا (والله يعلم سرها وجهرها)

ولذلك فأن علمه بالسر يسبق علمه بالجهر (بالرغم من أن علم الله لا زمان له).

والله يعلم خفايا الحبة التي تتفاعل مع أملاح الأرض ، ثم إذا تفاعلت يعلمها خبراء الزراعة ثم يراها المزارعون.

كذلك يعلم الله إرادة الإنسان قبل أن تتحول إلى عمل ، ويعلم العوامل المؤثرة فيها. عاملا عاملا ، ويعلم طبيعة الظروف ومدى استعداد الإنسان لتحدّيها ، أو استسلامه لها. لذلك فهو يعلم ما ذا يريد الإنسان أن يعمله في المستقبل بالرغم من أن هذه الإرادة لا يعلمها حتى الإنسان نفسه «عرفت الله بفسخ العزائم ونقض الهمم».

(وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ)

ما تكسبون من خير أو شر ، الآن ومستقبلا ، وهكذا .. فعلى الإنسان أن يصلح ما في نفسه من عقد ونزوات ، ويطهّرها من صفاتها السيئة ، تلك التي يحاسبه عليها ربنا ، وهو عليم بكل تفاصيلها ومقاديرها ، كما عليه أن يصلح ظاهره ، ويراقب أعماله.

١٥

وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٥) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (٦) وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (٩) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)

١٦

وهكذا يحتجب الخلق عن الرب

هدى من الآيات :

تحقيقا للهدف العام لسورة الانعام الذي هو تنمية روح الايمان بالله في النفوس ، وجعله مصباحا يهدى الإنسان في ظلمات الحياة ، تحقيقا لهذا الهدف العظيم جاءت آيات هذا الدرس لتفضح الدافع الأساسي لتكذيب آيات الله ورسالاته ، لعل الإنسان يتذكر بنفسه ويحاول تطهيرها من شر هذا الدافع الأساسي الذي هو الاستهزاء بالحق ، والاعراض عن آياته ، وما دام البشر يستخف بالحق ولا يقدره حق قدره ، فانه لن يستمع الى آيات الحق ، ولن يحاول استيعاب هذه الآيات.

ولكي يطهر البشر قلبه من هذا الدافع فعلينا أن نذكّره (كما عليه هو أن يتذكر) بمصير المستهزئين بالحق ، المعرضين عن آياته كيف أنهم دمّروا شر تدمير.

وتبين آيات هذا الدرس انه ما دام الاستهزاء موجودا ، أي ما دام البشر غير مهتم بالحق. فانه لا ينتفع بأيّة آية ، بل يحاول أن يتشبث ببعض الحجج الواهية حتى يردّ الحق وآياته ، ومتى ما فشلت حجة من حججه ، فانه يسارع الى حجة واهية

١٧

أخرى.

فلو جاءته الآيات على شكل كتاب منزّل من السماء ، فانه يقول : إنها سحر ، ثم يطالب ربه بأن ينزّل عليه الملائكة ، ولكن هل هذا ينفعه؟ كلا ، لأن الملك عند ما يأتيه مثلا فانما يأتيه بصورة إنسان أو شبهه ، ولكن ما دام يكفر بالرسل. فكيف لا يكفر بالملائكة؟!

ان الحل الوحيد للمعرض عن آيات الحقّ ، أو المستهزئ بها هو أن يتذكر مصير المكذبين بها والمعرضين عنها ، وذلك بالسير في الأرض ، لأن الحق ينتصر من المكذّبين والمعرضين.

بينات من الآيات :

الاستعداد النفسي :

[٤] لكي نعرف الحق نحتاج الى الانفتاح عليه والبحث الجدّي عن آياته ، وإنك تحتاج الى البحث السليم عن طريقك وأنت تسير في الصحراء أو في الجبال حتى تكشفه من خلال المعالم الموجودة على الرمال ، أو بين الصخور.

فاذا أراد الإنسان أن يعرف طريقه في الحياة من أين جاء ، والى أين يسير ، وكيف ومتى ، وأين ينتهي به المطاف ، وكيف يسعد ، وكيف يمارس أعماله بشكل لا تتعارض ومصالحه الحقيقية وهكذا؟

أفلا يحتاج الى البحث ، وهل يمكن أن يكشف أحدنا طريقه في الحياة بلا تعب؟! كلا ..

ومن حسن حظنا نحن البشر أن الله منّ علينا بتوضيح طرق الحياة ، وهدانا الى

١٨

أبلج الطرق ، والمطلوب منا أن نفتح أعيننا جيدا لنهتدي بهدى ربنا ، أما إذا أغمضنا أعيننا فحتى نور الشمس لا يستطيع أن ينفذ الى عين مغمضة ، إذا فالشرط الأول للهداية ، هو الاستعداد النفسي لتقبّلها إذا توفرت آياتها ، أما إذا لم يكن عند الإنسان هذا الاستعداد ، وقرر سلفا الكفر بالحق ، فانه سوف يعرض عن آيات الحق ، ومثلا على ذلك الذي ينتمي الى حزب ، ولا يفكّر أبدا في ترك هذا الحزب لأنه قد اتخذ قراره سلفا لانكار الحق ، كذلك الكافرون يعرضون عن آيات الحق لأنهم قد اتخذوا قرارهم الخاطئ سلفا بالكفر.

(وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ)

انهم لا يحضرون عند من يتلو الآيات ، وان حضروا فهم لا يستمعون الى تلك الآيات ، وإن استمعوا إليها فليس للاهتداء بها بل من أجل ردّها.

عاقبة الاستهزاء بالحق :

[٥] يستخّف الكفار بآيات ربهم ، والواقع أنهم يستخفّون بالحق الذي تدلّ عليه تلك الآيات. إن من لا يحضر عند من يذكّر بالله ، ويقول : من هذا حتى أحضر عنده؟! أنه لا يستخف بهذا الرجل. بل بالحق الذي يحمله.

كذلك من لا يقرأ كتابا يهديه الى الحق ويقول مستخفا. به : ما هذا؟! إنه يستخف بالحق لا بالكتاب.

كذلك من لا ينظر الى آيات الله في الكون نظرا عبريا ، وكذلك الذي لا يتدبر في القرآن.

(فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ)

إن فطرة الإنسان تدفعه الى البحث عن الحقّ ، ولكن الذي دنّس فطرته بوسخ

١٩

الشرك. ينكر الحق ، ويكذب به حتى وإن جاءه بدون بحث أو صعوبة.

(فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ)

إن مثل هؤلاء لا يعرفون أهمية الحق ودوره في فلاحهم وسعادتهم ، ومدى حاجتهم اليه ، وهذا الجهل سيرديهم ، لأن الحق الذي يستخفون به ، وينكرون دوره في حياتهم سوف ينتقم منهم غدا حين يخالفونه.

إنك إذا أنكرت حقيقة الجاذبية في الأرض وأعرضت عمدا عن كل الآيات التي تدل عليها. وإذا قيل لك : إن سقوط التفاح من الشجر وانحدار السيل ، وتساقط المطر كل ذلك يدل على الجاذبية ، وأنك لو قفزت من علّ فسوف تسحبك الأرض وتحطم عظامك ؛ قلت : كلّا .. ولم تستمع الى الأدلة ، بل أعرضت عنها.

ماذا ستكون النتيجة؟ بالطبع إنّ هذا الحق الذي أنكرته اليوم ، سيأتيك غدا لينتقم منك ، بأن تسقط في يوم من الأيام فاذا بعظامك محطّمة.

كذلك لو أنكرت حقيقة أنّ السكوت على حكم الظالم سيحطم سعادة الشعب ، ولم تستمع الى آيات هذا الحق المتمثلة في مئات العبر التاريخية الغابرة ، والتجارب البشرية الحاضرة ، فسوف تسكت عن الظالم ، وتكون أنت أول من يحيط به ظلم الظالم ، ويحطم سعادته.

[٦] هكذا كان مصير كلّ أولئك الذين أعرضوا عن آيات الله ، وكذبوا بالحق ، واستهزءوا به كتعبير عن استخفافهم به ، واستهانتهم بدوره في سعادتهم.

سنة العذاب :

إننا إذا نظرنا الى تاريخ البشرية فإننا نرى حقيقة بارزة هي أن مصير كلّ المكذبين بالحق كانت المأساة.

٢٠