🚘

نهاية الأفكار - ج ١ و ٢

الشيخ محمد تقي البروجردي النجفي

نهاية الأفكار - ج ١ و ٢

المؤلف:

الشيخ محمد تقي البروجردي النجفي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي
الطبعة: ٤
ISBN: 964-470-272-7
الصفحات: ٥٩٦

تقرير أبحاث آية الله الشيخ آغا ضياء العراقي قدس سره
🚘 الجزء ١ و ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤ - ١
🚘 نسخة غير مصححة

١

٢

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه وأشرف بريته محمد وآله الطاهرين واللعنة الأبدية

على أعدائهم وغاصبي حقوقهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين آمين رب العالمين.

اما بعد فهذا تأليف منيف مشتمل لمهمات الأصول من إفادات شيخنا العلامة الأستاذ الشيخ ضياء الدين العراقي أدام الله ظله على رؤوس الأنام مما استفدتها في درسه الشريف ، حسب فهمي القاصر ، والله هو الموفق للصواب ، وقد سميتها بنهاية الأفكار (١) ورتبتها على مقدمة ومقاصد وخاتمة اما المقدمة فيذكر فيها أمور :

الامر الأول في بيان تعريف العلم وموضوعه

« كما هو المتداول بين أرباب التصانيف »

فنقول وعليه التكلان :

اعلم : بان كل من قنن قانونا أو أسس فنا من الفنون لابد وان يلاحظ في نظره أولا في مقام تأسيس الفن غرضا ومقصدا خاصا ، ثم يجمع شتاتا من القواعد والمسائل

__________________

١ ـ الموجود فى النسخة التى بخطه الشريف قدس‌سره : وقدسميتها بالتحفة الغروية ، الاّ انّه لمّا كان الموجود فى اوّل مباحث القطع ـ وهو الذى طبع من الكتاب فى زمن حياته قدس‌سره : بعنوان الجزء الثالث ـ ان الكتاب موسوم بنهاية الافكار فلذلك غيّرنا ما فى الاصل ايضاً ليتوافق الكلّ. والله الموفق للصواب. المصحّح.

٣

الخاصة التي هي عبارة عن مجموع القضية من الموضوع والمحمول أو المحمولات المنتسبة إلى الموضوعات مما كانت وافية بذلك الغرض والمقصد المخصوص ، كما عليه أيضا قد جرى ديدن أرباب الفنون من الصدر الأول ، حيث إنه قد جرى ديدنهم على تدوين شتات من القواعد الخاصة مما كانت وافية بغرض مخصوص ومقصد خاص لهم وجعلهم إياها فنا خاصا وموسومة باسم مخصوص كالصرف والنحو والهيئة والهندسة والفقه والأصول وغير ذلك.

ومن المعلوم أيضا ـ كما عرفت انه لايكاد يجمع من القضايا والقواعد في كل فن الا ما كانت منها محصلة لذلك الغرض والمقصد الخاص ومرتبطة به ، دون غيرها من القضايا التي لايكون لها دخل في ذلك الغرض ولا مرتبطة به ، فمن كان غرضه مثلا هو صيانة الفكر عن الخطأ كما في علم المنطق أو صيانة الكلام عن الغلط لابد له من تدوين القضايا والقواعد التي لها دخل في الغرض المزبور دون غيرها من القضايا الغير المرتبطة به ، وعلى ذلك ربما أمكن اشتراك العلمين أو أزيد في بعض المسائل بان كان مسألة واحدة من مسائل العلمين باعتبارين كما سنبينه ( إن شاء الله تعالى ).

وعلى كل حال فحقيقة كل فن وعلم عبارة عن نفس تلك القواعد والواقعية والكبريات النفس الامرية المحفوظة في مرتبة ذاتها والمعروضة للعلم تارة وللجهل أخرى ، لا صورها التصورية أو التصديقية ، فكان لعلم النحو والصرف واقع محفوظ في نفس الامر وهي القواعد الخاصة وان لم يكن لها محصل في العالم أصلا ، وبهذا الاعتبار أيضا يقال بان المسألة الكذائية من اجزاء فن دون فن آخر ، فكانت أسامي هذه الفنون كالنحو والصرف والفقه والكلام وغيرها حاكيات عن نفس تلك القواعد الواقعية بأجمعها مع قطع النظر عن ادراكها ومحصلها ، ومن ذلك صح إضافة العلم إليها تارة والجهل أخرى كما في قولك فلان عالم بالنحو والصرف وفلان جاهل بهما ، فلو انه كان العلم والفن عبارة عن العلم بتلك القواعد لما كان مجال لإضافة العلم إليها تارة والجهل أخرى ، كما لايخفى.

وعلى ذلك فما في بعض التعابير من التعبير عن تلك الفنون بالعلم بها ـ كقولهم في مقام التعريف : بأن النحو علم بكذا ، وان الصرف علم بكذا ـ لا يخلو عن مسامحة واضحة ، الا إذا كان ذلك منهم باعتبار وجوده الادراكي الذي هو في الحقيقة إحدى مراتب

٤

وجود الشيء ، كما أنه يمكن ان يكون التعبير بالصناعة أيضا باعتبار استنباط مسائل ذلك الفن ، ولكن حق التعبير في مقام شرح عناوين العلوم هو التعبير عنها بما عرفت بكونها عبارة عن القواعد الخاصة التي لها دخل في الغرض الذي دعى إلى تدوينه ، كالاقتدار على التكلم الصحيح مثلا في علم النحو.

ومن ذلك البيان ظهر أيضا حال إضافة الموضوع إلى العلم فإنه على ما ذكرنا لابد وان يراد من العلم في اطلاقه على العناوين الخاصة وإضافة الموضوع الخاص إليه نفس القواعد الواقعية والا فلا معنى لإضافة الموضوع إلى التصديق بها لان معروض التصديق هو النفس ومتعلقه نفس القواعد فلا مجال بعد لإضافة الموضوع الخاص إليه.

كما أنه في إضافة الغاية إليه أيضا لابد وان يراد من العلم هذا المعنى فيما لو أريد من الغرض والغاية ما يترتب على نفس القواعد الواقعية لا الاغراض المترتبة على تحصيل العلم بها لان ذلك لايكون تحت ضبط بل يختلف باختلاف الاغراض الداعية إلى تحصيلها ، فقد لايكون غرض المحصل لعلم النحو مثلا حفظ كلامه عن الخطأ والغلط بل كان غرضه شيئا آخر.

تذكار فيه ارشاد :

اعلم بان المراد من الغرض والغاية في كل شيء هو المقصد الأصلي الذي دعى إلى تحصيل مقدماته للتوصل بها إليه ، ومن ذلك لابد من ترتبه عليها ، وعليه فكما انه لابد في كل فن من غرض وغاية في نظر الجاعل له كذلك لابد وأن يكون ذلك الغرض والغاية مترتبا على قواعد ذلك العلم والفن ، وهذا بحسب أصل الكبرى مما لا اشكال فيه ، نعم انما الكلام في صغرى الغرض الداعي إلى جعل العلم وتمهيد قواعده وانه أي شيء؟

وفى مثله نقول بأنه لو جعلنا الغرض في كل علم عبارة عن تصحيح الأعمال القابلة للصدور من فاعلها قولا أو فعلا أو استنباطا ، وبعبارة أخرى ، حيث اتصاف ذوات الأعمال القابلة للصدور من فاعلها بالصحة قولا أو فعلا أو استنباطا كاتصاف الكلام هيئة بالصحة في النحو ، ومادة في الصرف ، وافعال المكلفين في الفقه ، ونحو ذلك ، فلازمه هو كون التصحيح المزبور مترتبا على نفس القواعد الواقعية بلا دخل لشيء آخر

٥

فيه أصلا ، إذ القواعد المزبورة حينئذ من مبادئ اتصاف هذه الأمور بالصحة في قبال مبادئ ايجاد هذه الأمور الصحيحة خارجا فارغا عن أصل اتصافها بها فتكون من قبيل المقدمة المنحصرة لتصحيح الأمور المزبورة من دون مدخلية لشيء آخر فيه ، من جهة انه بمجرد جعل القواعد يترتب عليها الاتصاف بالصحة الذي هو الغرض من العلم والفن وان لم يتحقق بعد في الخارج أصلا ، فان مبادئ الوجود غير مرتبط بمبادئ اتصاف الشيء بالصحة ، هذا إذا جعلنا الاغراض من العلوم المتداولة عبارة عن تصحيح الأعمال القابلة للصدور من فاعلها قولا أو فعلا أو استنباطا أو غيرها ، ولقد عرفت في مثله ترتب العنوان المزبور بقول مطلق على نفس القواعد الواقعية بلا مدخلية الشيء آخر فيه.

واما لو جعلنا الاغراض عبارة عن وجود الأعمال الصحيحة في الخارج كحفظ الكلام هيئة في النحو ومادة في الصرف وحفظ فعل المكلف في الفقه وحفظ استنباط الاحكام في القواعد الأصولية بل وحفظ استنباط حقايق الأشياء ومعرفتها في مثل قواعد العلوم الفلسفية والرياضية وهكذا ، فلا جرم ما يترتب على القواعد حينئذ لما لايكون الا الحفظ من جهة ، لا الحفظ على الاطلاق ، من جهة وضوح استحالة ترتبة حينئذ على نفس القواعد الواقعية ، بل ولا على العلم بها أيضا لمكان مدخلية إرادة العالم والمحصل لها في ذلك أيضا ، فلابد وأن يكون الغرض والمقصد الأصلي الذي هو مورد ارادته النفسية عبارة عما يترتب على هذه القواعد وليس هو الا الحفظ من جهة الراجع إلى سد باب عدمه من قبلها ، لا الحفظ بقول مطلق ، من جهة ان ذلك مما يستحيل تمشى الإرادة التوصلية بالنسبة إليه لأنها لاتكاد تتعلق الا بما يترتب على ذيها ، بل ومثل هذا المعنى جار في كل امر كان لإرادة الغير مدخل في تحققه كما في الملكية في البيع مثلا ونحوها ، فإنها من جهة إناطتها في التحقق على ايجاب البايع وقبول المشترى لايكاد تمشى الإرادة والقصد الجدي من البايع في ايجابه إلى حصول الملكية في الخارج بقول مطلق ، بل ما هو المتمشى من قبله لايكون الا التوصل إلى وجود الملكية من ناحية ايجابه الراجع إلى سد باب عدمها من قبله ، لا السد بقول مطلق ، كما كان ذلك هو الشأن أيضا في كلية الخطابات الشرعية والأحكام التكليفية المتعلقة بأفعال المكلفين حيث إنه لايكون الغرض والمقصود من الايجاب والخطاب أيضا فيها الا حفظ وجود المرام من ناحية ايجابه وخطابه لا الحفظ على الاطلاق ، فان ذلك مما لايكاد ترتبه على مجرد ايجابه وخطابه ،

٦

نظرا إلى مدخلية اختيار المكلف والمأمور وارادته أيضا ، كما هو ظاهر. وحينئذ ففي المقام أيضا بعد أن كان تحقق الكلام الصحيح والاستنباط الصحيح منوطا بإرادة المتكلم والمستنبط المحصل للقواعد فيستحيل كونه هو الغرض والمقصد الأصلي من العلم ، فلابد حينئذ من جعل الغرض والمقصد الأصلي عبارة عما يترتب على الأمور المزبورة وهو لايكون الا الحفظ من جهة لا الحفظ على الاطلاق.

وعلى ذلك فلا مجال لما قد يتوهم من الاشكال في أصل الغرض والغاية للعلم وانكاره ونفى كون تمايز العلوم بتمايز الاغراض من جهة ما يرى من تخلفه كثيرا لأنه كثيرا يتعلم الشخص قواعد النحو والصرف ومع ذلك لايتحقق عنوان الحفظ المزبور من جهة تكلمه غلطا على غير القواعد ولو عن تعمد منه في ذلك ، مع أن الغرض مما لابد منه ومن ترتبه البتة ، إذ فيه ان غاية ذلك انما هو نفى كون عنوان الحفظ عن الخطأ في المقال مثلا غرضا لعلم النحو مثلا ، لا نفى أصل الغرض والغاية للعلم كلية ، كيف وقد عرفت بأنه مما لابد منه في كل فن ليكون هو الداعي والباعث على تمهيد قواعده ، على أنه نقول بعدم اضرار ذلك أيضا في كون الحفظ المزبور هو الغرض الداعي على جعل قواعد العلم ، وذلك لما عرفت بان الغرض في أمثال هذه النتائج التي فيها مدخلية لإرادة الغير ليس الا الحفظ من جهة الراجع إلى سد باب عدمه من ناحية تلك القواعد لا الحفظ على الاطلاق حتى من ناحية غيرها ، ومثل ذلك أيضا كما عرفت مما لايكاد تخلفه على كل حال ، حيث إنه بمجرد تمهيد القواعد يترتب عليها الحفظ من جهة ، ولو لم يكن لها محصل في العالم أصلا أو كان لها محصل ولكنه لم يتحقق في الخارج من جهة تعمد المحصل لها على التكلم غلطا على خلاف قواعد النحو والصرف ، كما هو ظاهر ، خصوصا مع امكان جعل الغرض والمقصد الأصلي من كل علم عبارة عن تصحيح الأعمال القابلة للصدور من فاعلها قولا أو فعلا أو استنباطا الذي هو مترتب لا محالة بقول مطلق على نفس القواعد بلا دخل لشيء آخر فيه.

وعلى كل حال فسواء جعلنا الغرض في العلوم عبارة عن تصحيح الأعمال القابلة للصدور من فاعلها أو عنوان الحفظ على ما شرحناه ، فلاينبغي الاشكال في عدم كون دخل القواعد فيه من باب دخل المؤثر في المتأثر بنحو كان بينهما المؤثرية والمتأثرية ، بل وانما هو من باب دخل طرف الإضافة وما تقوم بها لنفس الإضافة والمضاف بوصف كونه

٧

مضافاً ، فان عنوان الحفظ المزبور والصحة المسطورة انما هو منتزع من تطبيق من يطبق القواعد المعهودة من كل علم على ما ينسب إليه الحفظ المزبور والصحة المسطورة ، فالقواعد الواقعية في الحقيقة منطبقة على مواردها ومن هذا الانطباق ينتزع العنوانان ، والا فالمؤثر في وجود الأعمال الصحيحة خارجا انما هو إرادة الفاعل لايجاد الأعمال الصحيحة ، وعلى ذلك فكانت القواعد الواقعية طرا طرفا لهذه الإضافة ، وكان للحفظ المزبور أيضا جهات عديدة تترتب كل جهة على قاعدة من تلك القواعد بلحاظ مطابقتها معها ، كما في صحة الصلاة مثلا وحفظها ، حيث إن صحتها انما هي بلحاظ مطابقتها باجزائها وشرائطها لتلك القواعد المجعولة في باب الصلاة الراجعة بعضها إلى اجزائها وبعضها إلى شرائطها وموانعها ، فمن مطابقتها بجهاتها الراجعة إلى اجزائها وشرائطها لمجموع تلك القواعد ينتزع عنها عنوان الصحة ، كما أن من عدم مطابقتها لمجموعها ينتزع عنها عنوان الفساد ، وهكذا الكلام في عنوان حفظ لكلام عن الغلط الذي جعل غرض العلم النحو ، حيث إنه كان لعنوان الحفظ المزبور جهات عديدة وإضافات متعددة إلى كل قاعدة من قواعد الفن إضافة خاصة ، وكان انتزاع عنوان الحفظ المسطور من مطابقة الكلام لمجموع تلك القواعد الواقعية ، وحينئذ فإذا كانت القواعد الواقعية على شتاتها طرفا للإضافة بالنسبة إلى الغرض فلا جرم لايكاد يكون دخلها في الغرض الا بنحو دخل طرف الإضافة في المضاف بوصف كونه مضافا ، لا دخلا تأثيريا ، كما هو واضح.

نعم لو حصلت تلك القواعد وبلغت إلى مرحلة الوجود الادراكي ربما تصير في مثله سببا لحصول الغرض تارة وشرطا له أخرى ، فإنه لو كانت القواعد من القواعد الفكرية كقواعد المنطق فما يترتب عليها حينئذ من صحة الفكر وصونه عن الخطأ كان قهريا ، بخلاف ما لو كانت من غيرها كقواعد النحو والصرف فان ما يترتب عليها حينئذ انما كان مجرد الاقتدار على التكلم الصحيح والاستنباط الصحيح والا فنفس التكلم الصحيح وتحققه في الخارج منوط بإرادة المحصل لها.

ثم إن ذلك أيضا في مرحلة تحصل تلك القواعد ذهنا ، والا فمع قطع النظر عن ذلك فكما عرفت لا سببية ولا مسببية بينهما بل لايكون بينهما إلا مجرد الإضافة.

وعلى ذلك نقول بأنه إذا لم يكن دخل القواعد الواقعية في الغرض الا من قبيل دخل طرف الإضافة كما شرحناه ، لا من قبيل المؤثرية والمتأثرية فلا يبقى مجال كشف جامع

٨

وحداني بين الشتات المتفرقة بالبرهان المعروف بمحض وحدانية الغرض القائم بها ، بخيال ان الغرض إذا كان واحدا فلابد بمقتضى برهان ـ امتناع تأثر الواحد بما هو واحد عن المتعدد بما هو كذلك ـ من كشف جامع وحداني بين تلك الشتات ليكون تأثيرها في ذاك الغرض الوحداني باعتبار ذاك الجامع الساري المحفوظ في ضمنها ، إذ نقول بان ما أفيد لو تم فإنما هو في فرض كون النسبة بين الغرض والقواعد من قبيل المؤثرية ، والا فعلى فرض كونها من قبيل طرف الإضافة فلا مجال لجريان البرهان المزبور ، كي يلتجأ بذلك إلى تخريج جامع وحداني بين قواعد العلم فيجعل ذلك الجامع المستخرج من بين الشتات المتفرقة عند عدم جامع صوري بينها هو الموضوع للعلم والفن.

وثانيا على فرض كون دخلها في الغرض بنحو المؤثرية نمنع أيضا اقتضاء البرهان المزبور في المقام لتخريج الجامع الوحداني بينها بمحض وحدة الغرض القائم بها ، وذلك لوضوح ان مجرد وحدة الغرض وجودا ولو مع اختلاف الجهات فيه غير موجب للزوم وحدة سنخية بين الشتات المختلفة من جهة انه من الممكن حينئذ ان تكون تلك القواعد على شتاتها كل واحدة منها مؤثرة بخصوصيتها في جهة خاصة من ذلك الغرض دون جهة أخرى ولا برهان يقتضى استحالة مثل ذلك ، نعم لو كان الغرض بسيطا محضا غير ذي جهات أمكن بمقتضى البرهان المزبور المصير إلى تخريج جامع وحداني بين شتات القواعد ، ولكن على ذلك لايختص الجامع المزبور بين موضوعات المسائل ، بل لابد حينئذ من انتزاع الجامع بين المحمولات بل وبين المحمولات والموضوعات أيضا.

ولكنه أنى ينتهى الامر في أمثال المقام إلى ذلك كي يصار لأجله إلى كشف جهة جامعة بين الموضوعات المختلفة عند عدم جامع صوري بينها من باب الاتفاق ، وجعلها موضوعا للعلم ، ويصار بذلك أيضا إلى كون تميز العلوم بعضها عن الآخر بتمايز موضوعاتها ، كيف وان غالب العلوم لايكون فيها جامع صوري بل ولا معنوي بين موضوعات مسائلها كما في كثير من مسائل الفقه لمكان كون النسبة بين بعضها والبعض الآخر من قبيل الوجود والعدم كما في الصلاة بالقياس إلى الصوم ، فان من المعلوم انه لا جامع متصور بينهما ولو معنويا بعد كون الصوم عبارة عن نفس الترك ومجرد ان لا يفعل بشهادة صحة الصوم فيما لو تبيت في الليل ونام إلى الغروب بخلاف الصلاة التي هي من الأمور الوجودية فأي جامع متصور حينئذ بين الوجود والعدم. بل وكذلك الامر بالنسبة

٩

إلى نفس الصلاة التي هي مركبة من مقولات متعددة متبائنة كالفعل والإضافة ونحوها ، وهكذا غيرها من مسائل الفقه المغايرة بعضها مع البعض الآخر موضوعا ومحمولا مع معلومية عدم تصور جامع قريب بينها. وهكذا الكلام في الكلمة والكلام في علم النحو نظراً إلى وضوح تقوم الثاني بنسبة معنوية خارجة عن سنخ القول واللفظ فلايمكن حينئذ دعوى كون الجامع بينهما هو ما يتلفظ به من اللفظ والقول ، مع فرض تقوم الكلام بأمر معنوي خارج عن سنخ اللفظ. وهكذا التصور والتصديق والفصاحة والبلاغة.

وكذا الكلام في علم الأصول فان من البداهة انه لا جامع متصور فيها من جهة ان عمدة مسائلها انما هي حجية الامارات الملحوظ فيها جهة الإرائة والكاشفية عن الواقع والأصول الملحوظ فيها جهة عدم الإرائة عن الواقع والسترة عنه ، ولا جامع بين الإرائة واللارائة عن الواقع في طرفي النقيض.

وحينئذ فأين الموضوع الوحداني في هذه العلوم يمتاز به بعضها عن البعض الآخر كي يبقى مجال القول بكون ميز العلوم بقول مطلق بتمايز موضوعاتها ، خصوصا بعد ما يرى من تعريفهم إياه بأنه ما يبحث في العلم عن عوارضه الذاتية ، فإنه فيما ذكرنا من العلوم لايتصور موضوع وحداني فيها حتى يكون البحث عن عوارضه الذاتية ، لأنه إذا نظرنا إلى موضوعات مسائلها المعروضة للعوارض المبحوث عنها في العلم نرى بأنها لا تكون الا عبارة عن المتكثرات بلا جامع ذاتي بينها ، واما الجامع العرضي فهو وان كان متصورا فيها ولكنه لايكون مثل هذا الجامع العرضي الانتزاعي معروضا لعارض حتى يبحث في العلم عن عوارضه الذاتية ، كما هو ظاهر.

نعم قد يكون لبعض العلوم موضوع وحداني سار في موضوعات مسائله بنحو تكون الخصوصيات المأخوذة في مسائله على فرضها من قبيل الجهات التعليلية لطرو العرض على ذات الموضوع المزبور مستقلا ، نظير الفاعلية والمفعولية بالإضافة إلى عروض الرفع والنصب على ذات الكلمة ، كما في كثير من العلوم العقلية من الفلسفية والرياضية كعلم الحساب المبحوث فيه عن الاعراض الطارية عن ذات العدد ككون العدد منطقا أو اصم وكالجمع والتفريق والضرب وأعمال الكسور ، وكعلم الهندسة المتعرض للوازم المقدار العارضة عليه غالبا بنفسه كمبحث الاشكال والنظريات من الهندسة ونحو ذلك ، فإنه في أمثال هذه العلوم أمكن دعوى وجود موضوع وحداني للعلم مبحوث فيه عن عوارضه

١٠

الذاتية فأمكن من هذه الجهة دعوى كون امتيازها عن غيرها بميز موضوعاتها المتخالفة بنحو التباين أو العموم والخصوص خصوصا بعد كون غاياتها غالبا من سنخ واحد بملاحظة كونها عبارة عن استنباط حقايق الأشياء بلوازمها.

ولكن مثل هذه الجهة لا توجب جرى جميع العلوم على منوال واحد حتى مثل العلوم الأدبية والنقلية التي هي في تمام المعاكسة مع العلوم العقلية ، لأنها كما عرفت علاوة عن عدم تصور الموضوع الوحداني لها كانت غاياتها أيضا في كمال الامتياز عن الآخر من حيث الاختلاف بحسب السنخ كما في حفظ الكلام عن الغلط في علم النحو ، حيث إنه سنخ غير مرتبط بحفظ الفكر عن الخطأ الذي هو الغرض في علم المنطق ، وهكذا حفظ فعل المكلف وحفظ الاستنباط وغير ذلك.

بل ولئن تدبرت ترى بان الامر كذلك في العلوم العقلية أيضا حيث إن غاياتها أيضا مختلفة بحسب السنخ وان كان في بدو النظر يرى كونها من سنخ واحد.

وعلى ذلك فكان الحري الحقيق ان يقال في وجه تمايز العلوم بان ميزها انما هو من جهة الاغراض الداعية على تدوينها ، لا انه من جهة تمايز موضوعاتها ، وان وحدة العلم وتعدده انما هو بلحاظ وحدة الغرض وتعدده ، وعليه فمتى كان الغرض والمهم واحدا كانت القواعد الدخلية في ترتب ذلك الغرض بأجمعها من مسائل علم واحد وكانت تفرد بالتدوين وان كانت متعددة موضوعا ومحمولا ، كما أنه لو كان الغرض والمهم متعددا يكون تكثر العلوم حسب تكثر الاغراض وعليه فلو أراد من هو بصدد تدوين العلم والفن في علم العربية وكان غرضه الاطلاع على جميع خصوصيات ألفاظ العرب مما يرجع إلى مادة اللفظ وهيئته ، فعند ذلك لابد بمقتضى ما ذكرنا من جعل العلوم العربية كلها علما واحدا وان يفردها بالتدوين أيضا ، وان كان لغرضه ذلك جهات متعددة راجعة بعضها إلى مادة الكلمة وبعضها إلى هيئتها وبعضها إلى هيئة الكلام ، إذ حينئذ يكون البحث في كل جهة من تلك الجهات في الحقيقة بابا من ذلك العلم لا علما مستقلا ، كما أنه لو تعلق غرضه بالتكلم الصحيح من حيث خصوص الاعراب والبناء لابد وان يجعل النحو علما برأسه في قبال الصرف ونحوه من العلوم العربية ، وليس له جعل العلوم العربية كلها علما واحدا ، وهكذا الكلام في غيره من العلوم. فحينئذ لابد من ملاحظة سعة دائرة الغرض وضيقها في وحدة العلم وتعدده ، وعليه أيضا ربما تكون المسألة الواحدة

١١

مع وحدتها باعتبار دخلها في مهمين أو أزيد من مسائل علمين أو أكثر ، فمن جهة وفائها بهذا الغرض تكون من مسائل هذا العلم ، كما أنه من جهة أخرى تكون من مسائل علم آخر ، كما أنه ربما تكون المسائل المتعددة مع اختلافها وشتاتها بلحاظ دخلها في غرض واحد ومهم فارد من مسائل علم واحد.

وحينئذ فصح لنا بعد البيان المزبور دعوى ان تمايز العلوم بقول مطلق بتمايز الاغراض الداعية على تدوينها لا بتمايز موضوعاتها. ولئن أبيت من ذلك فلك ان تجعل العلوم صنفين صنف منها لايكون امتيازها الا باغراضها كما في العلوم الأدبية والنقلية ، وصنف منها يكون امتيازها بتمايز موضوعاتها كما في كثير من العلوم العقلية من الفلسفية والرياضية ، بناء على ما تقدم من امكان دعوى وجود موضوع وحداني فيها سار في موضوعات مسائلها بنحو كانت الخصوصيات المأخوذة فيها على فرضها من قبيل الجهات التعليلية لطرو العرض على ذات ذلك الموضوع الوحداني ، لأجرى الجميع حتى الأدبية والنقلية على منوال واحد والقول بان ميز العلوم كلية بميز موضوعاتها.

وعليه أيضا لابد من التفرقة والتفصيل في العلوم أيضا في وجه نسبة موضوع العلم إلى موضوعات مسائله بجعل النسبة بينها في مثل العلوم الرياضية بنحو الاتحاد ومن قبيل نسبة الكلى إلى افراده والطبيعي ومصاديقه ، وفى مثل العلوم الأدبية والنقلية بنحو العينية ومن قبيل نسبة الكل إلى اجزائه ، لأجرى جميع العلوم في ذلك على منوال واحد والقول بان النسبة بين موضوع العلم وموضوعات المسائل بقول مطلق على نحو الاتحاد كما في الكلى وافراده والطبيعي ومصاديقه ، كما افاده في الكفاية. كيف وقد عرفت بأنه في كثير من العلوم كالعلوم الأدبية والنقلية وغيرها لايكون الموضوع فيها الا عبارة عن نفس موضوعات المسائل على شتاتها واختلافها ، بملاحظة عدم تصور موضوع وحداني فيها ولو معنويا بحيث يبحث في العلم عن عوارضه الذاتية. واما تلك الجهة من الوحدة الاعتبارية الطارية عليها من قبل وحدة الغرض القائم بالمجموع فهي كما عرفت غير مجدية فيما هو المقصود والمهم ، لان موضوع العلم كما عرفوه عبارة : عما يبحث في العلم عن عوارضه الذاتية ، ومثل هذه الجهة من الوحدة الاعتبارية الطارية لاتكاد تكون معروضة لعرض ولا مبحوثا عنها في العلم عن عوارضها الذاتية ، كما هو ظاهر.

١٢

في شرح العرض الذاتي

وحيث اتضح لك ما شرحناه في شرح موضوع العلم فلنعطف الكلام إلى بيان العوارض الذاتية الواقعة في كلماتهم في تعريفهم موضوع العلوم بأنه : ما يبحث في العلم عن عوارضه الذاتية ، حيث إنه قد اختلف كلماتهم في مقام شرح المراد من العرض الذاتي ، فنقول وعليه التكلان :

ان توضيح المرام في المقام يحتاج إلى تمهيد مقدمة ، وهي ان الأوصاف المنسوبة إلى الشيء تارة يكون انتزاعها عن نفس ذات الشيء بلا جهة خارجية في البين زائدة عن ذات الموصوف كما في الأبيضية والأسودية المنتزعين عن البياض والسواد وكالموجودية المنتزعة عن الوجود ، وأخرى يكون انتزاعها عن جهة خارجة عن ذات الموصوف. وعلى الأخير فتارة يكون اتصاف الموصوف بالوصف من جهة اقتضاء ذاته كما في توصيف العقل بالمدركية والانسان بقوة الضحك والتعجب ، وأخرى يكون ذلك باقتضاء امر خارجي على نحو السببية والعلية المعبر عنه باصطلاح الأصول بالمقتضى أو على نحو الشرطية بلا اقتضاء لذلك في نفسه كما في حركة اليد لحركة المفتاح وكالمجاورة في عروض الحرارة من النار للماء. وعلى الأخير فتارة لايكون ذلك الامر الخارجي بنفسه معروضا لذلك العرض أصلا بل وانما كان شأنه مجرد السببية لعروض الوصف والعرض على الشيء كما في نحو المجاورة للنار الموجبة لعروض الحرارة على الماء مستقلا ، ومثله كلية الجهات التعليلية الموجودة لعروض الوصف على شيء واتصافه به كالفاعلية والمفعولية ونحوهما في عروض الرفع والنصب على ذات الكلمة ، وأخرى بعكس ذلك بان كان الامر الخارجي ـ وهو الواسطة بنفسه معروضا للعرض. وعلى الأخير فتارة يكون ذو الواسطة أيضا معروضا للعرض المزبور ولو ضمنا كما في خواص النوع فإنه في مثل ذلك يكون العرض المزبور عارضا للجنس أيضا غايته بنحو الضمنية لا الاستقلالية ، ومن ذلك أيضا كلية الاعراض الثابتة للعناوين بخصوصيات تقيدية نظير الوجوب العارض للصلاة بخصوصية عنوانها ، وهكذا غيرها ، فان مثل ذلك ملازم لعروض العرض وهو الوجوب لفعل المكلف الذي هو بمنزلة الجنس ولو ضمنا لا استقلالا ، وأخرى يكون تمام

١٣

المعروض للعرض والوصف حقيقة هو الواسطة بلا عروضه لذي الواسطة أصلا ولو بنحو الضمنية ، كما في الخواص المترتبة العارضة على الفصول بالنسبة إلى جنسها ، كالمدركية للكليات وللأمور الغريبة ، حيث إن تمام المعروض لها حينئذ انما هي جهة الفصلية خاصة دون جهة الجنسية ولو بنحو الضمنية. وذلك أيضا تارة على نحو يكون الوصف قابلا للحمل على ذي الواسطة ولو بتبع حمل الواسطة عليه كما في المثال المتقدم في الخواص العارضة على الفصول بالنسبة إلى الجنس ، حيث إن مثل المدركية وان لم تكن بالدقة حقيقة عارضة على الجنس بل كان تمام المعروض لها هي جهة الفصلية التي هي أجنبية عن جهة الجنسية مع ما كان بينهما من الاتحاد في الوجود وعدم تحصله الا بالفصل ، ولكنه بملاحظة قابلية الفصل الذي هو الواسطة للحمل على الجنس صح بهذا الاعتبار حمل خواصه عليه أيضا في مثل قولك : بعض الحيوان مدرك الكليات ، ومن ذلك أيضا حمل الضحك والتعجب على الحيوان بناء على كونها من خواص فصله ، حيث إن صحة حملها على الحيوان في قولك بعض الحيوان ضاحك أو متعجب ، انما هو بتبع حمل فصله عليه ، والا فلايكون جهة الجنسية والحيوانية معروضة لهما ولو على وجه الضمنية بوجه أصلا ، وأخرى على نحو لايكون قابلا للحمل على ذي الواسطة نظراً إلى عدم قابلية الواسطة المعروضة للوصف للحمل على ذيها ، وذلك كما في السرعة والبطؤ العارضين على الحركة العارضة للجسم ، وكالاستقامة والانحناء العارضين للخط القائم بالجنس ، فان الوصف في الأمثلة المزبورة علاوة عن عدم عروضها على ذي الواسطة لايكون قابلا للحمل عليه أيضا نظراً إلى عدم صحة حمل الواسطة عليه ، حيث لايقال الجسم حركة أو خط ، فكما لايصح القول حينئذ بان الجسم حركة أو خط لايصح القول أيضا بأنه سرعة أو بطؤ.

وحيثما عرفت هذه فنقول : انه لا اشكال حسب ما يستفاد من كلماتهم في شرح الاعراض الذاتية في دخول ما عدا الثلاثة الأخيرة في الاعراض الذاتية فان تخصيص العرض الذاتي بما كان المقتضى للعروض فيه هو نفس ذات الشيء بلا واسطة لا في الثبوت ولا في المعروض أو تعميمه بما يعم ذلك وما يحتاج إلى الواسطة في الثبوت بالمعنى الذي ذكرناه دون الواسطة في العروض ، مع أنه بعيد غايته ، ينافي ما هو المصرح به في كلماتهم من عموم المراد من العرض الذاتي لما يحتاج إلى الواسطة في العروض أيضا بنحو الجهة التعليلية الموجبة لعروض الوصف على نفس الذات مستقلا واتصافها به

١٤

حقيقة كالمجاورة للنار بالنسبة إلى عروض الحرارة للماء وكالفاعلية والمفعولية الموجبة لعروض الرفع على ذات الكلمة. وحينئذ فلا اشكال في دخول ذلك أيضا في المراد من العرض الذاتي المبحوث عنه في العلم.

كما لا اشكال أيضا في خروج القسم الأخير من الأقسام الثلاثة الأخيرة عن العرض الذاتي ودخوله في الاعراض الغريبة وهو ما كان تمام المعروض له مستقلا هو الواسطة دون ذيها مع عدم قابلية للحمل على ذي الواسطة أيضا ، كما مثلنا به في مثال السرعة والبطؤ العارضين للحركة العارضة على الجسم ، والانحناء والاستقامة العارضين على الخط القائم بالجنس ، فان مثل هذه العوارض كما عرفت مع عدم عروضها على ذي الواسطة لا تكون قابلة للحمل عليه أيضا.

نعم انما الكلام والاشكال في القسمين الأولين من الأقسام الثلاثة الأخيرة في كونهما من الاعراض الذاتية أو الغريبة ، وهما صورة كون العروض على الواسطة مستقلا وعلى ذيها ضمنا ، كالأعراض الثابتة للعناوين بخصوصيات تقييدية وكالعوارض الثابتة للنوع بالقياس إلى الجنس ، وصورة كون العروض حقيقة وبالدقة على الواسطة دون ذيها ولو على نحو الضمنية مع قابلية حمل الوصف على ذي الواسطة ولو بتبع حمل الواسطة عليه ، كما مثلنا له بالخواص المرتبة العارضة على الفصول بالنسبة إلى الجنس كالمدركية للكليات. ومبنى الاشكال فيهما انما هو من جهة عدم تنقيح المراد من العرض الذاتي وان المدار في كون شيء عرضا ذاتيا هل على مجرد اتحاد معروض العارض مع ذي الواسطة وصحة حمل العرض عليه بالحمل الشايع الصناعي ولولا يكون ذو الواسطة الذي يحمل عليه العرض معروضا له حقيقة بل كان تمام المعروض له هو الواسطة ، أو انه لابد من كون العرض ثابتا له حقيقة وبالدقة وعلى نحو الاستقلال؟ فعلى الأول يدخل القسمان الأولان من الأقسام الثلاثة الأخيرة أيضا في العرض الذاتي ، بخلافه على الثاني فإنه يدخلان حينئذ في الاعراض الغريبة.

ولكن الذي يظهر من جماعة كصاحب الاسفار وغيره دخولهما في الاعراض الغريبة حيث قال فيما حكى عنه في مقام تميز الاعراض الغربية عن الذاتية ما مضمونه : ان كل عرض ثابت لنوع متخصص الاستعداد من غير ناحية هذا العرض فهو من الاعراض الغريبة المبحوث عنها في علم آخر يكون هذا النوع موضوعه وكل عرض ثابت لشيء

١٥

بنحو يكون هذا العرض موجبا لتخصصه كالبحث عن استقامة الخط وانحنائه فهو من الاعراض الذاتية. ونحوه كلام غيره : بان الاعراض الثابتة لعناوين خاصة بخصوصيات منوعة لابد وان يبحث عنها في علم يكون هذا العنوان الخاص موضوعه ولا يبحث في علم آخر يكون موضوعه عنوانا أعم من ذلك بنحو العموم والخصوص أو الاطلاق والتقييد ونحو ذلك. فان مقتضى كلامهم هو عدم الاكتفاء في العرض الذاتي على مجرد عروض العارض على الشيء ولو ضمنا كما في الاعراض الثابتة للنوع العارضة على الجنس أيضا بنحو الضمنية ، ولازمه الاشكال في الاكتفاء بصرف صحة حمل العارض على الشيء بالحمل الحقيقي وصرف اتحاد معروض العرض وهي الواسطة وجودا مع ذيها مع كون تمام المعروض للعرض مستقلا هي الواسطة بطريق أولى ، فإنه إذا كان الاعراض الثابتة للنوع والمقيد والخاص بالنسبة إلى جنسه ومطلقه وعامه من الاعراض الغريبة مع صدق العروض فيها على الجنس والمطلق والعام بنحو الضمنية فكونها من الاعراض الغريبة في صورة عدم صدق العروض على ذي الواسطة ولو ضمنا انما كان بطريق أولى.

وعليه يمكن ان يقال بدخول مثل هذه العوارض الثابتة للعناوين بجهات تقييدية كالأعراض الثابتة للنوع والمقيد بالنسبة إلى جنسه ومطلقه والاعراض الثابتة للفصل بالقياس إلى جنسه في الاعراض الغريبة ، وان تمام المدار في العرض الذاتي للشيء هو كونه ثابتا له دقة وعلى نحو استقلال ولو بجعل الخصوصيات المأخوذة فيه من الجهات التعليلية كما عرفت في مثل الفاعلية لعروض الرفع على ذات الكلمة ـ لا من الجهات التقييدية الموجبة لتخصص الموضوع بخصوصية منوعة ، من غير فرق بين ان يكون ثبوت العرض والوصف له بلا واسطة امر خارجي أو معها ، ولابين كون الامر الخارجي الذي هو الواسطة مساويا أو أعم أو أخص. كما أن المدار في العرض الغريب انما هو على صحة سلب العارض حقيقة في مقام العروض وعلى نحو الاستقلال عن ذي الواسطة ، كان تمام المعروض للعرض هو خصوص الواسطة أم لا بل كان ذوها أيضا معروضا له على نحو الضمنية ، كما في موارد كون الواسطة من الجهات التقييدية ، من غير فرق فيه أيضا بين كون الواسطة التي هي من الجهات التقييدية مساوية أو أعم أو أخص. فعلى جميع التقادير مهما كان العرض قائما حقيقة بالواسطة كان نسبته إلى ذي الواسطة من

١٦

الاعراض الغريبة.

وحينئذ فعلى كان تقدير لا مجال للقول بالتفصيل بين كون الواسطة مساوية وبين كونها أعم أو أخص بل لابد من ملاحظة كون الواسطة من الجهات التعليلية الموجبة لعروض الشيء على شيء أو من الجهات التقييدية الموجبة لصحة سلب العروض على نحو الاستقلال عن الجامع بينها ، فعلى الأول يكون العرض المنسوب إلى الشيء من الاعراض الذاتية وعلى الثاني يكون من الاعراض الغريبة لذلك الشئ.

وبذلك ربما ظهر أيضا دفع ما ربما يتوهم من الاشكال : بان موضوع المسائل بالقياس إلى موضوع العلم انما كان من قبيل النوع والجنس والمقيد والمطلق فعلى القول بكون العرض الثابت للنوع بالنسبة إلى جنسه عرضا غريبا يلزم كونها من الاعراض الغريبة لا الذاتية مع أنه ليس كذلك قطعا. إذ نقول : بأنه كذلك فيما لو كانت الخصوصيات المأخوذة في موضوعات المسائل من قبيل الجهات التقييدية الدخيلة في المعروض كي تكون المسألة بذلك بالنسبة إلى موضوع العلم من قبيل النوع بالنسبة إلى جنسه ، ولكنه ليس الامر كذلك بل وانما كانت الخصوصيات المأخوذة فيها من قبيل الجهات التعليلية نظير الفاعلية والمفعولية الموجبة لطرو الرفع والنصب على ذات الكلمة ، ومعه فيخرج موضوع المسائل عن النوعية. ثم إن ذلك أيضا في صورة تخريج موضوع وحداني للعلم والا فمع عدم تخريج الموضوع الوحداني ـ كما في العلوم العربية والنقلية وغيرها كما عرفت ـ فلا يضر أيضا جهة كون الخصوصية المأخوذة في موضوع المسألة من الجهات التقييدية في كون العرض عرضا ذاتيا ، إذ حينئذ ليس هناك موضوع وحداني للعلم كي يجيء الاشكال المزبور ، وانما كان الموضوع فيه عبارة عن نفس موضوعات المسائل على شتاتها واختلافها ، وفي مثله لابد من ملاحظة شخص المحمول في كل قضية قضية بالنسبة إلى شخص الموضوع في تلك القضية في ثبوته حقيقة وبالدقة على الاستقلال لشخص ذاك الموضوع أم لا ، وعليه فلا يشكل علينا في مثل الوجوب العارض للصلاة التي هي فعل المكلف بخصوصية عنوانها ، بل وانما الاشكال على القول بتخريج الموضوع الوحداني بين موضوعات المسائل وجعل موضوع الفقه عبارة عن نفس فعل المكلف ، فإنه عليه يكون نسبة الفعل إلى عنوان الصلاة من قبيل نسبة الجنس إلى نوعه فيتوجه الاشكال حينئذ من جهة عدم كون الموضوع الذي هو فعل المكلف مستقلا في مقام المعروضية للوجوب ، من جهة ما هو المفروض من كون

١٧

معروض تلك الأحكام انما هو فعل المكلف بما هو متخصص بخصوصية عنوان الصلوتية والحجية والغصبية ونحوها ، وان جهة الصلوتية والحجية أيضا كانت تحت الحكم. ومن ذلك ظهر انه لا يجديه أيضا ضم حيثية الاقتضاء والتخيير ، إذ نقول : بأنه ان أريد بذلك اقتضاء الفعل مستقلا ففساده واضح من جهة بداهة مدخلية خصوصية عنوان الصلوتية والحجية والغصبية ونحوها لعروض الوجوب أو الحرمة ، وان أريد به اقتضائه ولو بنحو الضمنية فغير مثمر ، إذ يعود حينئذ الاشكال المزبور من لزوم كون العرض بالنسبة إلى الجامع في ضمن العناوين الخاصة وهو ذات فعل المكلف من العوارض الغريبة. واما الالتزام بكفاية مجرد كون الشيء معروضا للعرض ولولا بنحو الاستقلال بل بنحو الضمنية في كونه عرضا ذاتيا له ، فمع انه مناف لما هو المصرح به في كلماتهم من كون مثله من العرض الغريب ، يلزمه ادخال مسائل العلوم السافلة في العلوم العالية التي يكون موضوعها من قبيل الجنس والمطلق بالنسبة إلى موضوع علم السافل ، كما في علم الهندسة الذي يكون الموضوع فيه وهو المقدار من قبيل الجنس للجسم التعليمي الذي هو موضوع علم المجسمات. فمن ذلك لابد من جعل العنوان المزبور من العناوين المشيرة إلى العناوين الخاصة التي هي موضوعات المسائل ، ومعه فيخرج عن الوحدة وينطبق على ما ذكرناه.

في تعريف علم الأصول وبيان موضوعه

ثم انه بعد ما اتضح ما ذكرناه نقول : بأن فن الأصول بعد أن كان عبارة عن جملة من القواعد خاصة الوافية بغرض مخصوص كان من جملة العلوم ، وان موضوعه أيضا عبارة عن نفس موضوعات مسائله على اختلافها وشتاتها ، من دون احتياج إلى اتعاب النفس في تخريج الموضوع الوحداني له ، خصوصا بعد ما يرى من عدم الطريق إلى كشف الجامع الوحداني المعنوي بينها بعد فرض كون الغرض ذا جهات عديدة ، بل وعدم امكانه أيضا مع رجوع مسائل الأصول إلى صنفين : صنف لو حظ فيها الحكاية والكشف عن الواقع وهو الامارات ، وصنف لو حظ فيه عدم الإرائة وحيث السترة للواقع وهو الأصول ، من جهة ما عرفت من عدم تصور جامع ذاتي بين هذين الصنفين باعتبار رجوعه إلى الجامع بين النقيضين.

١٨

كعدم الاحتياج أيضا إلى اتعاب النفس بجعل الموضوع فيه عبارة عن عناوين متعددة : تارة الأدلة الأربعة فارغا عن دليليتها كما عن القوانين ، وأخرى ذوات الأدلة الأربعة كما عن الفصول قدس‌سره كي يورد على الأول بلزوم خروج كثير من مهمات المسائل الأصولية كمبحث حجية الكتاب وحجية الخبر الواحد ، وعلى الثاني بلزوم خروج مباحث الألفاظ طرا كالبحث عن أن الامر للوجوب والبحث عن العموم والخصوص والمطلق والمقيد والمفهوم والمنطوق أيضا ، بل وخروج مبحث حجية خبر الواحد أيضا ، نظراً إلى عدم كون البحث المزبور عن كون الامر حقيقة في الوجوب والنهى في الحرمة وعن العموم والخصوص عن الأوامر والعمومات الواردة في الكتاب والسنة ، وعدم كون البحث عن حجية خبر الواحد بحثا عن حال السنة الواقعية التي هو قول المعصوم وفعله وتقريره. وارجاعه إلى البحث عن ثبوت السنة بخبر الواحد كثبوتها بالمتواتر غير مفيد ، من جهة ان البحث عن ثبوتها حقيقة ليس من عوارضها واما تعبدا فمن عوارض مشكوكها لا من عوارض السنة الواقعية.

كما أنه لا وجه أيضا لاتعاب النفس في تخريج الجامع الوحداني بين مسائله ببعض التكلفات. ولئن أبيت الا من لزوم جامع في البين بين المسائل ولو بنحو المشيرية لكان الأولى هو ان يقال : بأنه القواعد الخاصة الواقعة في طريق استكشاف الوظائف الكلية العلمية شرعية كانت أم عقلية ، لان ذلك هو المناسب أيضا لما هو الغرض الباعث على تدوينها ، وهو استنباط الاحكام والوظائف الفعلية.

ومن ذلك البيان ظهر الحال في تعريفه أيضا وانه لا وجه لما هو المعروف من تعريفه : بأنه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية ، وذلك لما فيه من الخلل من جهات : تارة من جهة اخذ العلم في تعريفه مع أن العلم والفن كما عرفت عبارة عن نفس القواعد الواقعية الوافية بغرض مخصوص دون العلم والتصديق بها ، بشهادة صحة إضافة العلم إليها تارة والجهل أخرى في قولك فلان عالم بالأصول وفلان جاهل به. وأخرى من جهة لفظ الاستنباط الظاهر في إرادة وقوع القواعد واسطة لا ثبات الواقع وسببا للعلم به ، فإنه حينئذ يلزمه خروج الأصول العلمية كالاستصحاب وأصالة البراءة ونحوها عن مسائل الأصول مع أنها من أهم مسائله ، من جهة ان مضمون هذه الأمور لايكون الا أحكاما ظاهرية منطبقة على مواردها ، وقضية الاستنباط فيها انما كان عبارة عن مقام تطبيقها

١٩

على مواردها بعد الفحص عن الدليل الاجتهادي واليأس عنه ، وأين ذلك ومقام وقوعها طريقا وواسطة لا ثبات الحكم الشرعي. نعم ونفس تلك القواعد تكون مضامينها أحكاما كلية ظاهرية مستنبطة من الامارات الحاكية عن الواقع كالأحكام الفرعية ، ولكن ذلك غير مرتبط بمقام تطبيقها على الموارد في مقام العمل ، بل ويلزمه أيضا خروج الامارات كخبر الواحد ونحوه بناء على القول بكون مفاد دليل الحجية فيها هو تنزيل المؤذي وجعل المماثل في الظاهر ، فإنه على هذا القول أيضا يلزم خروج الامارات عن مسائل الأصول بلحاظ عدم وقوعها في مقام تشكيل القياس وسطا لا ثبات الحكم الشرعي ، نعم بناء على القول بتتميم الكشف كما هو المختار يدخل مبحث الأمارات في التعريف المزبور لوقوعها حينئذ وسطا لا ثبات الحكم الشرعي ، حيث تقع وسطا في القياس ، فيقال : ان هذا مما قام على وجوبه خبر الواحد وكل ما هو كذلك فهو منكشف ـ بحكم الشارع بكونه كاشفا فهذا منكشف ، فتكون حينئذ من القواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية.

وثالثة من حيث التقييد بالشرعية ، إذ يخرج حينئذ كثير من المسائل الأصولية أيضا كالبرائة والاشتغال العقليين ومسألة الظن في حال الانسداد على تقرير الحكومة ، كما هو ظاهر.

ومن ذلك البيان ظهر الحال في غيره من التعاريف الاخر التي أفادوها في المقام في ميزان كون المسألة أصولية ، ككونها مما يتعلق بالعمل مع الواسطة في قبال المسائل الفقهية التي تعلقها بالعمل كان بلا واسطة. وذلك لخروج المسائل العملية الأصولية أيضا على هذا الميزان بلحاظ تعلقها بالعمل بلا واسطة بانطباقها على مواردها.

وبالجملة نقول : بان القواعد المبحوث عنها في الأصول حيثما كانت على صنفين : صنف منها لو حظ فيها جهة الكشف والحكاية عن الواقع كشفا تاما أو ناقصا وكان شأنها الوقوع في طريق استنباط الاحكام كالأمارات ، وصنف آخر منها لو حظ فيها حيث السترة وعدم الكشف والحكاية عن الواقع وكان مما ينتهي إليها الفقيه في مقام العمل عند تحيره وجهله بالواقع كالقواعد العملية من نحو الاستصحاب وغيره ، وكان الصنفان كل واحد منهما دخيلا في الغرض الخاص الداعي على تدوين العلم وجمع قواعده ، فلا جرم كان الحري الحقيق هو تعريفه بما ذكرنا : بأنه القواعد الخاصة التي تعمل في استخراج الاحكام الكلية الإلهية أو الوظائف العملية الفعلية عقلية كانت أم شرعية ،

٢٠