🚘

جهاد الامام السجّاد

السيد محمد رضا الحسيني الجلالي

جهاد الامام السجّاد

المؤلف:

السيد محمد رضا الحسيني الجلالي


الموضوع : سيرة النبي (ص) وأهل البيت (ع)
الناشر: مؤسسة دار الحديث
الطبعة: ١
ISBN: 964-5985-22-6
الصفحات: ٣٥٧
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

بسم الله الرحمن الرحيم

لقد فاز هذا الكتاب

بالمرتبة الأولى

في المباراة الفكرية الكتابية عن الامام زين العابدين السجاد عليه‌السلام

التي أقيمت في بيروت عام ١٤١٤ هـ بين ( ٢٤ ) كتابا قدم بالمناسبة.

إقرأ تقريرا عن ذلك في الملحق رقم ( ٣ ) في آخر الكتاب

والحمد لله رب العالمين

٥
٦

دليل الكتاب

المقدمة : لماذا هذا الكتاب ............................................٩ ـ ١٤

التمهيد : وفيه بحثان ...............................................١٥ ـ ٣٥

البحث الأول : الإمامة ومستلزماتها ...........................١٧ ـ ٢٨

البحث الثاني : إمامة زين العابدين عليه‌السلام ..........................٢٩ ـ ٣٨

الفصل الأول : أدوار النضال في سيرة الإمام عليه‌السلام .......................٣٩ ـ ٧٦

الفصل الثاني : النضال الفكريّ والعلميّ .............................٧٧ ـ ١١٦

الفصل الثالث : النضال الاجتماعيّ والعلميّ .......................١١٧ ـ ١٥٤

الفصل الرابع : التزامات فذّة في حياة الإمام عليه‌السلام .....................١٥٥ ـ ٢٠١

الفصل الخامس : مواقف حاسمة للامام عليه‌السلام ..........................٢٠٣ ـ ٢٤١

الخاتمة : نتائج البحث ............................................٢٤٣ ـ ٢٥٢

الملاحق .........................................................٢٥٣ ـ ٣٠٤

الفهارس ........................................................٣٠٧ ـ ٣٥٧

٧

٨

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيّد المرسلين محمد الرسول الصادق الأمين ، وعلى الأئمة الأطهار المعصومين من آله الأكرمين وعلى التابعين لهم بإحسان الى يوم الدين.

لماذا هذا الكتاب؟

كثيرة تلك الكتب والمؤلفات التي كتبت حول الإمام السجّاد ، عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، زين العابدين عليه‌السلام المولود عام (٣٨) والمتوفى عام (٩٥) من الهجرة.

وقد عني مؤلّفوها بجوانب من حياته الكريمة لتزويد الأمة بثرواتها من مكارم الأخلاق والآداب ، والمعارف والعلوم والآثار ، وما في تاريخه من عظات وعبر وجهاد وجهود ، ليستنير أمامها درب الحياة ، للوصول الى السعادة الدنيوية والأًخروية.

لقد تبارى في هذا الموضوع الرحب مؤلّفون قدماء ، كما شارك في حلبته مؤلفون في عصرنا الحاضر.

وفي المؤلفين الجدد من استهدف تحليل تاريخ الإمام ، ودراسة حوادثه على أساس من المقارنة بين الأسباب والمسبّبات ، ليقتنص حقائق ثابتة ، مدعومة بالادلة ، من بطون المصادر والحوادث التاريخية.

ولقد فوجئت بأنّ عدّة من الدارسين من هذا القبيل ، اتفقوا ـ أو كادوا ـ على مقولة معيّنة في ما يرتبط بواقع الحركة الساسية في حياة الإمام السجّاد عليه‌السلام.

فهم يؤكّدون على إبعاد الإمام عن « الجهاد السياسي » ويفرّعون حياته من كلّ

٩

أشكال العمل السياسي.

بالرغم من اختلاف اتجاهاتهم الفكرية وانتمائاتهم الدينية : ففيهم السنّي ، والعلماني ، والشيعي : الزيدي ، بل الإمامي الاثنا عشري!

وهم يحسبون الإمام قائما بدور المعلم ـ فحسب ـ في تربية الطليعة المثقّفة والواعية ، بعيدا عن الصراع السياسي ، ومنصرفا عن أيّ تحرّك معارض للأنظمة الحاكمة ، ويحّددون واجباته بالإعداد الثقافي للاُمة ، والتحصين لها عقائديا ، وفقط!

وحاول بعضهم إجراء هذا الحكم على الأئمة بعد الإمام السجاد عليه‌السلام ، وفرضهم سائرين على منهج واحد ، او يؤدّون دورا ، بعينه.

ولنقرأ معا بعض ما كتبوه في هذا الصدد :

تقول كاتبة جامعية : افتقدت الشيعة ـ بمصرع الحسين ـ الزعيم الذي يكون محورا لجماعتهم وتنظيمهم ، والذي يقودهم الى تحقيق تعاليمهم ومبادئهم ، وانصرف الإمام علي زين العابدين عن السياسة الى الدين ، وعبادة الله عز وجل ، وأصبح للشيعة زعيما روحيا ، ولكنّه لم يكن الثائر السياسي الذي يتزعّم جماعة الشيعة ، حتى أنّه آثر البقاء في المدينة طوال حياته.

وحاول المختار بن أبي عبيدة الثقفي أن ينتزع عليا من حياة التعبيد ، والاشتغال بالعلم الى ميادين السياسة ، دون جدوى! (١)

ويقول كاتب شيعي : كانت فاجعة مقتل أبيه التي شاهدها ببصره أقسى من أن تتركه يطلب بعد ذلك شيئا من إمارة الدنيا ، أو يثق في الناس ، أو يشارك في شأن من شؤون السياسة ، اعتكف على العبادة ... (٢).

ويقول كاتب سنيّ : لكن الإقبال على الله واعتزال شؤون العالم ... كان منهجه في حياته الخاصة ، وطابعه الذي طبع به التشيع الأثني عشري ، فاتجه الى الإمامة

__________________

(١) جهاد الشيعة للدكتورة الليثي ( ص ٢٩ ).

(٢) نظرية الإمامة ، لصبحي ( ص ٣٤٩ ) عن كاظم جواد الحسيني : حياة الإمام علي بن الحسين ( ص ٣٢٠ ) ، وانظر ثورة زيد لناجي حسن ( ص ٣٠ ـ ٣١ ) ..

١٠

الروحيّة مبتعدا عن طلب إمامة سياسية (١).

ويقول كاتب يمنيّ : وفي تاريخ الشيعة ـ كذلك ـ نشأت نظرات متخاذلة ، تولّدت من شعور بعض العلويين وأنصارهم بالهزيمة الداخلية ، وقلة النصير ، وفجعتهم التضحيات الكبيرة التي قدّموها ، ففضّلوا السلامة.

وقد وطّدت معركة كربلاء من هذا الاتجاه ، إذ كان تأثيرها مباشرا على علي بن الحسين الذي ابتعد ـ من هول الفجيعة ـ عن السياسة ، ونأى بنفسه عن العذاب الذي عانها من سبقه ، وعلى قريب من هذا النهج سار ابنه محمد ، وحفيده جعفر (٢).

وفي أحدث محاولة لتقسيم أدوار الأئمة عليهم‌السلام ، جُعلت حصّة الإمام السجّاد عليه‌السلام « الدور الثاني » وهو الذي امتدّ منذ زمانه حتى زمان الإمام الباقر والصادق عليهما‌السلام ، وهو : بناء الجماعة المنطوية تحت لوائهم.

ويشرح واحد من أنصار هذه المحاولة هذا الدور بقوله : والمرحلة الثانية التي بدأها الإمام الرابع ، زين العابدين عليه‌السلام ، تتركّز مهمّة الأئمة عليهم‌السلام فيها : على حماية الشريعة ومقاومة الانحراف الذي حدث في جسم الامة على يد العلماء المزيّفين والمنحرفين ، ... ، ولذلك نرى حرص الأئمة في « المرحلة الثانية » على الابتعاد عن الصراع السياسي ، والانصراف الى بثّ العلوم ، وتعليم الناس ، وتربية النخلصين وتخريج العلاماء والفقهاء على أيديهم ، والإشراف على بناء الكتلة الشيعية ... (٣)

ويقول : إنّ الإمام أراد أن تكون زعامته للاُمة ، زعامة دينية ، وأن تصطبغ نشاطاته بصبغة روحية علمية ، فكانت زعامته في الاًمّة تختلف عن زعامة الأئمة قبله ، حيث كانوا يصارعون الدولة ، ويقصدون الإصلاح ، ويقارعون الظالمين.

فكانت الطريقة التي عاش بها الإمام زين العابدين والظواهر التي برزت في حياته لا تسمح بزعامته إلاّ أن تكون دينية وروحية وعلمية ، وأن يكون قدوة صالحة في

__________________

(١) نظرية الإمامة ( ص ٣٤٩ ) وانظر (٣٥١) ـ وانظر : الفكر الشيعي والنزعات الصوفية ، للشيبي ( ص ١٧ ) والصلة بين التصوف والتشيع ، له ( ص ١٠٤ و ١٤٧ ) ..

(٢) معتزلة اليمن ( ص ١٧ ـ ١٨ ).

(٣) الإمام السجاد ، لحسين باقر ( ص ١٣ ـ ١٤ ).

١١

المجال التربوي والمعيشة الربانية ، لا في مجالات التضحية والجهاد!

فكانت حياته بطولات في ميادين الجهاد الأكبر ـ جهاد النفس ـ لا الجهاد الأصغر ـ جهاد الأعداء ـ (١) ..

وزاد في تعميق المفاجأة : عندما وجدتُ هؤلاء ـ جميعا ـ قد أغفلوا أمرا واحدا وهو تحديد « السياسة » التي أدّعوا أنّ الإمام : « ابتعد عنها » أو « انصرف عنها » أو «زهد فيها » أو « لم يشارك فيها» أو « انعزل عن ساحتها » الى غير ذلك من التعابير المختلفة.

واذا كانت هي زعامة العباد ، وتدبير امور البلاد (٢) فهي داخلة في معنى « الإمامة » التي لا بد أن نفرضها للإمام أو ـ على الأقل ـ نفرضها له عندما نتحدّث عنه من حيث كونه إماما.

وإذا كانت الإمامة متضمنّة للسياسة ، فكيف يريد الإمام أن يبتعد عنها؟.

أو يريد الكُتّاب أن يفرضوا فراغ إمامته عنها؟.

أو حصرها بالزعامة الروحية والعلمية ، فقط؟.

وفي خصوص الإمام زين العالدين عليه‌السلام : كانت المفاجأة أعمق أثرا ، عندما لا حظت أنّ المصادر القديمة والمتكلفة لذكر حياة الإمام عليه‌السلام تعطي ـ بوضوح ـ نتيجة معاكسة لما شاع عند هؤلاء الكُتّاب ، وهي :

أنّ الإمام عليه‌السلام قد قام بدور سياسي فعّال ، وكان له تنظيم وتخطيط سياسي دقيق ، يمكن اعتباره من أذكرى الخطط السياسية المتاحة لمثل تلك الظروف العصبية الحالكة.

__________________

(١) الإمام السجاد ، لحسين باقر ( ص ٦٣ ) وانظر خاصة ( ص ٩١ ـ ٩٣ ). ويلاحظ : أن جهاد النفس ليس من شؤون الإمامة ، ولا الإمام فقط ، بل إنمّا هو واجب عام على كل من آمن بالله ، وأراد الجنة!.

(٢) يلاحظ أن التصدي للحكام غير الشرعيين يعتبر داخلا في هذا المعنى للسياسة ، حتى في العرف المعاصر. وسيأتي في ( التمهيد ) تحديدنا للسياسة التي ندّعي أنّ للإمام زين العابدين « جهادا وجهودا » في سبيل تحقيقها.

١٢

ووقفت على شواهد عينينة من التأريخ تدل على أن « الجهاد السياسي » الذي قام به الإمام السجاد عليه‌السلام من أجل تنفيذ خططه يعدّ من أدق أشكال العمل السياسي ، وأنجحها.

فكان ان قصدت الى تأليف هذا الكتاب ليجمع صورا من تلك الشواهد والعيّنات :

فمهّدت بحثين يعتبران منطلقا أساسيا لما يلي من بحوث في الكتاب ، وهما :

١ ـ البحث عن الإمامة ، وتعريفها ، وما تستلزمه من شؤون.

٢ ـ البحث عن إمامة الإمام زين العابدين عليه‌السلام وإثباتها.

ثم دخلت في الفصول ، وهي :

الفصل الأول : أدوار النضال في حياة الإمام عليه‌السلام : في كربلاء ، وفي الأسر وفي المدينة.

الفصل الثاني : النضال الفكري والعلمي في مجالات : القرآن والحديث ، والعقيدة والفكر ، والشريعة والأحكام.

الفصل الثالث : النضال الأجتماعي والعملي في مجالات : التربية والأخلاق والإصلاح وشؤون الدولة ، ومناهضة الفساد الأجتماعي في أشكال : العصبية ، والفقر ، والرقّ.

الفصل الرابع : مظاهر فذّة في حياة الإمام : الزهد والعبادة ، والبكاء ، والدعاء.

الفصل الخامس : مواقف حاسمة في حياة الإمام : من الظالمين ، ومن أعوان الظالمين ، ومن الحركات السياسية المعاصرة له.

وختمه بذكر نتائج البحث.

راجيا أن يؤدي دورا في تصحيح الرؤية التي انطلت على أُولئك الكُتاب.

وفي بلورة ما اُريد عرضه على صفحات هذا الكتاب.

١٣

وقد يسّر الله جلّ جلاله لي بفضله ومنّه العمل في الكتاب منذ فترة تأليفه سنة (١٤١٣) وحتى صدور هذه الطبعة المزدانة بمزيد من التدقيق ، فراجعت المزيد من المصادر والمراجع ، وأخذت بنظر الاعتبار ما لوحظ على الكتاب فزاد من الثقة به ، برفع الأخطاء المطبعية التي تلازم طبيعة العمل البشري ، ومن الله التوفيق.

حُرّر في الخامس والعشرين من شهر محرّم الحرام سنة ١٤١٧ هـ

والحمد لله أوّلا وآخرا

وكتب

السيد محمد رضا الحسيني

الجلالي

١٤

التمهيد

وفيه بحثان

البحـث الأول: ألإمـامة ، ومستلـزمـاتهـا

البحث الثاني : إمامة زين العابدين عليه‌السلام

١٥

١٦

التمهيد :

البحث الأول : الإمامة ومستلزماتها

الإمامة : هي رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا (١) والإمام : هو الذي له هذه الرئاسة (٢).

وقال الشيخ المفيد : الإمامة في التحقيق على موضوع الدين واللسان : هي التقدّم في ما يقتضي طاعة صاحبه والاقتداء به في ما تقدّم به (٣).

وقد عرّفها القاضي الآبي ـ من متكلّمي الإمامية ـ بقوله : الإمامة : التقدّم لأمر عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٥).

فإذا كانت الإمامة بهذه السعة في شمول نفوذها ، وهي كذلك عند المسلمين الشيعة ، الذين يعتقدون بإمامة السجاد عليه‌السلام ، فلا يمكن أن تفرّغ من « السياسة » فضلا

__________________

(١) شرح المواقف ، للجرجاني ( ٨ : ٣٤٥ ) وانظر أنوار التمام لأحمد زبارة المطبوع مع الاعتصام ( ٥ : ٤٠٤ ).

(٢) التعريفات ، للجرجاني ( ص ١٦ ).

(٣) الإفصاح ، للمفيد (ص ٢٧ ).

(٤) الحدود والحقائق ( ص ١٥ رقم ١٦ ).

(٥) النكت الاعتقادية ( ص ٥٣ ) جواب السؤال (٩١).

١٧

عن أن يكون للإمام نفسه التخلّي عنها ، واعتزالها.

خصوصا إذا لاحظنا رأي الشيعة في الإمامة ، فهم يعدّونها من الاصول الاعتقادية ، ويعظّون شأنها ، فيلتزمون بوجوب النص عليها من الله تعالى ، باعتبار أنّ العلم بتحقّق شروطها ، لا يكون إلاّ ممن يعلم الغيب ويطّلع على السرائر وليس هو إلاّ الله تعالى (١).

ولذلك : اختصّت الإمامة عند الشيعة بهالة من القدسية ، وبإطار من العظمة ، وبوفرة من الاهتمام ، تجعلها عندهم بمنزلة النبوّة في المسؤوليات ، إلاّ أن النبوّة تمتاز بالوحي المباشر من الله تعالى ، وقد استوحوا هذه المنزلة من قول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلي عليه‌السلام : « أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبّي بعدي » (٢) الحديث الذي يعتبر من أدلة إمامة علي عليه‌السلام.

وقد جاء التعريف الجامع للإمامة ـ على رأي الشيعة الإمامية ـ في حديث الإمام الرضا علي بن موسى بن جعفر عليهم‌السلام ، حيث قال : ...

إن الإمامة هي منزلة الأنبياء ، وإرث الأوصياء.

إن الإمامة خلافة الله عزّ وجلّ ، وخلافة الرسول ، ومقام أمير المؤمنين ...

إن الإمامة زمام الدين ، ونظام المسلمين ، وصلاح الدنيا ، وعزّ المؤمنين.

إن الإمامة اُسّ الإسلام النامي ، وفرعه السامي ، الى آخر كلامه في ذكر الإمام

__________________

(١) الافصاح للمفيد ( ص ٢٧ ) وانظر الأحكام للهادي إلى الحق ( ٢ : ٤٦٠ ـ ٤٦١ ) وإكمال الدين للصدوق ( ص ٩ ).

(٢) حديث « المنزلة » من المتواترات ، قاله الكتاني في نظم المتناثر ( ص ١٩٥ رقم ٢٣٣ ) وأورده من حديث ثلاث عشرة نفسا ، وقال : قد تتبع ابن عساكر طرقه في جزء ، فبلغ عدد الصحابة فيه نيفا وعشرينا.

وفي ( شرح الرسالة ) للشيخ جسوس : حديث « انت مني بمنزلة هارون من موسى » متواتر جاء عن نيف وعشرين صحابيا.

وقد رواه من أصحاب الكتب : البخاري في صحيحه ( ٤ : ٢٠٨ ) و ( ٥ : ١٢٩ ) ومسلم في صحيحه ( ٢ : ٣٦٠ ) وأحمد في مسنده ( ١ : ١٧٣ ) وانظر الاعتصام ( ٥ : ٣٩٠ ).

١٨

وأوصافه ، وواجباته (١).

ومن يُنكر أن تكون السياسة من صميم شؤون النبوّة ، ومسؤوليات النبيّ المهمة؟!

وأنى تُبعد السياسة من اهتمامات نبيّ الإسلام صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم؟.

وقد اتفق الزيدية مع الإمامية على مجمل الذي ذكرناه ، إلاّ أنهم عبّروا عن شرط الإمامة ، بالخروج ، وأضافوا : الدعوة الى نفسه (٢).

ومذهبهم : أن كلّ فاطمي ، خرج وهو عالم ، زاهد ، شجاع ، سخيّ ، كان إماما واجب الاتباع (٣).

وأضاف بعضهم : أن يكون قائما ، شاهرا لنفسه ، رافعا لرايته (٤) وهو المراد بشرط الدعوة الى نفسه.

والمراد بالخروج واضح ، وهو إعلان العصيان على الحكومات الجائرة ، الغاصبة للسلطة ، وعدم الانقياد لحكمها.

وقد أدخل متأخّرو الزيدية كلمة « السيف » على هذا الشرط ، فعبّروا عنه بـ « الخروج بالسيف » (٥).

ولعله باعتبار ملازمة الخروج للمقاومة ، التي لا تخلو من مقارعة بالسيف! ولذلك لم تخل حالات الخروج المعروفة في التاريخ من استعمال السيوف ووقوع ضحايا وشهداء!!

أما لو اقتصرنا على مدلول « الخروج » الذي فسّرناه ، فلم يختلف المذهب الزيدي عن الإماميّ ، في الخروج على حكم السلطات وعدم الاعتراف بالحكّام غير

__________________

(١) أورده الصدوق في الأمالي ( ص ٥٣٦ ـ ٥٤٠ ) وهو تمام المجلس (٩٧) وهو آخر مجلس في الكتاب.

(٢) الملل والنحل ، للشهرستاني ( ١ : ١٥٦ ) وانظر ( ص ١٥٤ ).

(٣) الملل والنحل ، للشهرستاني ( ١ : ٢٧ ).

(٤) المجموعة الفاخرة ، ليحيى بن الحسين ( ص ٢١٩ ).

(٥) لاحظ أوائل المقالات للمفيد ( ص ٤٤ ) ومعتزلة اليمن ( ١٧ ـ ١٨ ).

١٩

الشرعيين ، ورفض كل أشكال التحكّم الخارج من إطار الإمامة الحقّة.

وأمّا بناءا على الالتزام الخروج بالسيف شرطا في الإمامة فإنّ الإمام علي بن الحسين السجّاد ، وأبناءه الأئمة عليهم‌السلام لم يقوموا بدور علنيّ في هذا المجال ، حتى نُسِبَ إليهم معارضة كلّ حركة مسلّحة ضدّ الأنظمة الحاكمة!

ولكنّ هذه التهمة بعيدة عن ساحة الأئمة عليهم‌السلام :

أولا : لأن عمل الأئمة : علي والحسن والحسين عليهم‌السلام في قياداتهم للحروب واشتراكهم في المعارك ، هو الحجّة عند الشيعة ، ويكفي دليلا على بطلان هذه التهمة ، لأن الإمامة شأنها واحد ، فلو كان للأئمة السابقين أن يقوموا بعمل مسلّح ، فمعناه جواز ذلك للاّحقين ، وأن ذلك لا ينافي الإمامة.

فنسبة معارضة الحركة المسلّحة الى أيّ إمام ثبتت إمامته ، وكان مستجمعا لشرائطها ، نسبة باطلة ، فكيف تجعل دليلا على نفي الإمامة عن أحد؟

وثانيا: إن الإمام السجّاد عليه‌السلام هو في أوّل القائمة التي وجهّت إليها هذه التهمة ، مع أنّا نجد موقفه من « السيف » ينافي هذه التهمة تماما ويبطلها ، فهو في الحديث التالي يعتبر « إشهار السيف » عملا لمن هو «سابق بالخيرات ».

ففي تفسير قوله تعالى : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ) [ فاطر : ٣٥ ـ الآية ٣٢». ]

قال عليه‌السلام : نزلت ـ والله ـ فينا أهل البيت ـ ثلاث مرات ـ.

قال الراوي : أخبرنا : من فيكم الظالم لنفسه؟

قال عليه‌السلام : الذي استوت حسناته وسيئاته ، وهو في الجنة.

قال الراوي : والمقتصد؟

قال عليه‌السلام : العابد لله في بيته حتى يأتيه اليقين.

قال الراوي : فقلت : السابق والخيرات؟

٢٠