🚘

الكواكب السيّارة في ترتيب الزيارة

شمس الدين أبو عبد الله محمّد بن ناصر الأنصاري [ ابن الزيّات ]

الكواكب السيّارة في ترتيب الزيارة

المؤلف:

شمس الدين أبو عبد الله محمّد بن ناصر الأنصاري [ ابن الزيّات ]


المحقق: أحمد بك تيمور
الموضوع : التاريخ والجغرافيا
الناشر: دار ومكتبة بيبليون
الطبعة: ٠
الصفحات: ٤١٠
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

بسم الله الرّحمن الرّحيم

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

قال الشيخ الامام الأوحد أبو عبد الله محمد ابن الامام الفاضل الشيخ ناصر الدين محمد ابن جلال الدين عبد الله ابن أبى حفص سراج الدين عمر الانصارى العباسى السعودى المعروف بابن الزيات تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته بمنه وكرمه آمين

الحمد لله الذى خلق الوجود ودبر* وجعل مصر جنة ونهرها من سدرة المنتهى يتحدر* وذكرها فى كتابه العزيز فى آيات شريفة تذكر* فقصدت الصحابة اليها من كل محجر* ودفن بعضهم بها فصارت به تشكر* فسبحان من جعل سفح المقطم سكن أوليائه وجعلهم غروسا وأودع فيه نفوسا الى حين تنشر* وبين فيه فضائل وأظهر* فكأنّ سفحه سماء لمن تبصر* وقبورهم نجوم ليس تدثر* فهو بقراءة القرآن ينمو فضله ولا ينكر* فقبور الصالحين كأنها أصداف فيها جواهر غلت أن تقوّم أو تسعر* فظاهرها شعث وباطنها روض أزهر* وفى الجنان أرواحهم تنعم كما ورد فى الأثر* ترى كل قبر منها كزجاجة فيها مصباح ينور* يراه العاصى فيبكى على ظلمة قبره ويتحسر* فسبحان من جعلهم أحياء فى كل طور من الأطوار كطور الذر والصلب والأحشاء والارض والبرزخ والمحشر* وأقامهم شفعاء عنده باذنه فياسعد من زارهم ويا شقاوة من قصر* فمن أحبهم فهو منهم وحشر معهم الى أشرف محضر* قم أيها المذنب الى قبورهم بعزم قبل أن تقبر* وتوسل بهم الى ربك فالمتوسل بهم يحمد ويشكر* وشنف سمعك بمناقبهم فهى تروى فى الكتب وتسطر* فعند سماع مناقبهم يخشع القلب وتدمع العين وتحمر* وتنزل الرحمة عند ذكرهم كما أعلمنا به المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأخبر* فمن معجزاته الزاهرة كراماتهم الظاهرة محقق ذلك لا ينكر*

٣

ومن شرفه العالى كلّ ساد وافتخر* وقد كان النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم يخرج ليلا ونهارا من طيبة الى زيارة البقيع كما ورد فى صحيح الخبر* هذا وهو سيد البشر صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأهل بيته المطهر* ونسأل الله أن يجمعنا معهم فى الجنة على كثب المسك الاذفر*

(وبعد) فقد سألنى بعض اخوانى أن أجمع له كتابا فى ترتيب زيارة القرافة وتصحيح من دفن بها من الصحابة والتابعين وتابعيهم والشهداء والسادة العلماء والمحدثين ومن ولى القضاء من زمن الصحابة الى عصرنا والقرّاء ومشايخ الرسالة والمتصدرين والوعاظ والخطباء والمؤذنين وأهل التصوّف وأرباب الأسباب وأن أصحح له من صح دفنه منهم ممن فيه خلاف والأماكن المخصوصة بالاجابة كما ورد فى الآثار المأثورة والأخبار المشهورة فاجتهدت فى تحصيل ذلك على وجه الفتح لالتماس البركة لا للمباهاة والمناظرة ولم أقصد بذلك إلا وجه الله الكريم والاقتداء بالسلف العظيم لأقتفى آثارهم وأنقل أخبارهم وأذكر بعض مارووه فى كتبهم السالفة المنسوبة الى زيارة الصالحين فلقد نظرت الى ما جمعوه وألفوه فرأيت كل واحد منهم ألف تأليفا وأدّى اجتهاده فنسأل الله أن يجعلنا وإياهم من أهل السعادة

فممن ألف فى ذلك الشيخ أبو عمرو الكندى وأبو عبد الله القضاعى وابن يونس والهتناتى والقرشى صاحب المزارات والضراب وابن أخى عطايا والمسبحى وابن خلكان وابن عبد البر وابن غانم والحموى وابن عبد الكريم والحسن بن زولاق والحافظ السلفى وابن الربيع والأسعد النسابة وحرملة وابن سعد وابن بللوه النسابة (١) والمكى وابن فضيلة وابن عنتر وابن الحمامية وصاحب المزارات المصرية وصاحب كتاب هادى الراغبين والشيخ موفق الدين ابن عثمان والشيخ محب الدين الناسخ وبعدهم الشيخ أبو عبد الله القرشى المعروف بابن الجباس وبعدهم الشيخ سراج الدين الملقن وهو آخر مؤلف رضى الله عنهم أجمعين

ولقد أحسن كل منهم ما ألف وجمع. فمنهم من ذكر خططا وقبائل. ومنهم من ذكر مدافن ومساجد وقبورا مختصرة. ومنهم من ذكر بعض الصحابة. ومنهم من ذكر بعض القرابة. ومنهم من ذكر فتح مصر وبعض الشهداء. ومنهم من ذكر بعض التابعين. ومنهم من ذكر بعض القضاة. ومنهم من ذكر فضل المقطم. ومنهم من ذكر للزيارة آدابا وشروطا. ومنهم

__________________

(١) نسخة والسبكى

٤

من ذكر بعض فضائل مصر وأهلها ونيلها. ومنهم من ذكر الأولياء طبقات عشر فجعل أول طبقة الصحابة ثم أهل البيت ثم التابعين الى أرباب الأسباب ولم نقف إلا على أربع طبقات. ومنهم من جعل القرافة جهتين فى جزءين جهة كبرى وجهة صغرى ولم نقف إلا على جزء واحد. وقد استخرت الله تعالى أن أجعلها ثلاث جهات فى ثلاثة أجزاء وكل جهة أصل يشتمل على عشرة فروع بحدود محدودة وكلما ذكرنا جهة منها نذكر ما فيها من الخطط القديمة الخطية والتابعية والسالفة ونذكر ما بقى من خططها القديمة القضاعية ونبين مادثر منها وما بقى ليتضح ذلك للزائر وينتفع به الطالب وقد بينت فيه مواضع الغلط وزرتهم على التوالى قبرا بعد قبر وقد جعلت صدر هذا الكتاب خمسة فصول

الفصل الأول فى فضل مصر ونيلها وجندها وما ورد فيها من الآيات الشريفة والأحاديث النفيسة

الفصل الثانى في عجائبها

الفصل الثالث فى مقطمها وما عليه من المساجد والمعابد والأماكن المخصوصة بالعبادة وما ورد فيه من المدح الشريف بنقل السلف

الفصل الرابع فى شروط الزيارة وآدابها وترتيبها. وختمت هذا الكتاب بفصل سميته اللمعة فى زيارة السبعة

الفصل الخامس فيمن دخلها من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ومن دفن بها منهم رضى الله عنهم أجمعين

الفصل الاول

(فى فضل مصر ونيلها وجندها)

قال الله تعالى (وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً) وقال تعالى (وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ) وقال تعالى (وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ). وقد روى فى تاريخ مصر لأبى سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الأعلى من حديث بن لهيعة عن الحسن بن يونان عن عبد الرحمن بن معاوية بن خديج عن أبى بصرة الغفارى رضى الله عنه أنه قال مصر خزائن الله كلها الا ترى الى قول يوسف

٥

عليه‌السلام (قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) فكان ليوسف بسلطان مصر جميع سلطان الارض مضافا الى ما تحت يده. وقد روى أيضا من حديث ابن لهيعة ويحيى بن أيوب عن يزيد بن أبى حبيب بالسند الصحيح فى قول الله تعالى (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي) قال لم يكن فى الارض يومئذ ملك أعظم من ملك مصر وأما الانهار فكانت جسورا وقناطر بتقدير وتدبير حتى ان الماء يجرى من تحت منازلها وأفنيتها فيجرونه كيف شاؤا وفى قوله تعالى (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ) قال كانت الجنان بحافتى هذا النيل من أوّله الى آخره وهو من اسوان الى رشيد قال الواقدى كان بمصر ستة خلجان. الاوّل خليج الاسكندرية. الثانى خليج سخا. الثالث خليج دمياط. الرابع خليج سردوس. الخامس خليج منف. السادس خليج الفيوم وكانت متصلة لا ينقطع منها شئ عن شئ وبين كل خليجين زرع هكذا كان ترتيب مصر من أوّلها الى آخرها مما بلغه الماء قال الواقدى وكانت مصر تروى جميعها من ستة عشر ذراعا لما دبروا لها من الجسور والقناطر قال والمقام الكريم المنابر وكان بها ألف منبر قال القضاعى وقد روى من حديث سعيد بن كثير قال كنا بقبة الهواء عند المأمون فقال ما أدرى ما الذى أعجب فرعون حيث قال أليس لى ملك مصر قال أقول يا أمير المؤمنين قال قل يا سعيد فقلت ان الذى ترى بقية ما دمر الله ألا ترى الى قول الله تعالى (وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ) فقال صدقت ثم أمسك. وقد روى من حديث عمرو بن العاص رضى الله عنه أنه قال فى خطبته واعلموا أنكم فى رباط الى يوم القيامة لكثرة الأعداء حولكم لا سيما وقلوبكم اليكم فى الزرع والمسال والخير الواسع والبركة. وقد روى من حديث كعب رضى الله عنه أنه قال من أراد أن ينظر الى جنة عدن فلينظر الى مصر اذا أزهرت. وقد روى من حديث أبى هريرة رضى الله عنه أنه قال سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة وهو أعدلها لطوله وبعد جريانه. وقد روى من حديث عمرو بن العاص مرفوعا اذا فتح الله على يديكم بعدى مصر فانخذوا بها جندا كثيفا فذلك الجند خير أجناد الارض فقال أبو بكر رضى الله عنه ولم ذلك يا رسول الله قال لأنهم فى رباط الى يوم القيامة. وقد روى من حديث عمرو بن العاص مرفوعا ان الله سيفتح عليكم بعدى مصر فاستوصوا بقبطها خيرا فان لكم منهم نسبا وصهرا. وقد روى عن أبىّ ابن كعب عن أبيه قال قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم اذا دخلتم مصر فاستوصوا بالاقباط خيرا فان لهم ذمّة ورحما قال القضاعى وكان فتحها سنة عشرين من الهجرة

٦

النبوية والخليفة يومئذ عمر بن الخطاب رضى الله عنه والأمير عليها عمرو بن العاص بن وائل السهمى وكان دخوله إليها من الشام بعد فتحه قيسارية وكان عدّة جيشه ثمانية عشر ألفا من العرب وأكثرهم من اليمن قال القضاعى قرأت بخط الكندى فى تاريخ مصر أن عمرو بن العاص سار من الشام الى مصر فى سنة تسع عشرة وكانت عدّة جيشه ثلاثة آلاف فارس وخمسمائة وحكى عن الكندى أن سبب تسميتها مصر أن أول من سكن أرضها مصر بن بيصر بن حام بن نوح وهو أبو القبط بعد أن أغرق الله قومه وأول مدينة عمرت بمصر منف فسكنها ثلاثون نفرا من ولد نوح وكان أكبرهم مصر ومنف بالقبطية ماف وتفسيرها ثلاثون وكانت إقامتهم قبل ذلك بسفح المقطم ونقروا هنالك بيوتا كثيرة وكان نوح عليه‌السلام قد دعا لمصر أن يسكنه الله الارض الطيبة المباركة التى هى أم البلاد وغوث العباد ونهرها أفضل الأنهار ويجعل الله فيها أفضل البركات ويسخر الله لها جميع أهل الارض فسأله ولده مصر عنها فأخبره بها ووصفها له وكان مصر بن بيصر بن حام ابن نوح قد كبر سنه وضعف أمره فحمله ولده وجميع اخوته الى مصر فسكنوها فبذلك سميت على أسماء أبناء نوح

فصل

وقد تقدّم الكلام على فتح مصر وقد ذكر يزيد بن أبى حبيب أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه لما قدم من الجابية وذلك سنة ثمان عشرة خلا به عمرو بن العاص رضى لله عنه فقال يا أمير المؤمنين ائذن لى فى المسير الى مصر فانك ان فتحتها كانت غوثا للمسلمين وعونا لهم فتخوّف عمر بن الخطاب رضى الله عنه من ذلك على المسلمين فلم يزل به عمرو ابن العاص يرغبه فى ذلك ويهوّنه عليه حتى ركن لذلك وعقد له على أربعة آلاف فارس (١) وقد روينا عن الكندى أن عمرو بن العاص رضى الله عنه سار ومعه ثلاثة آلاف وخمسمائة فارس فلما أرسله عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال له سر فانى مستخير الله في تسييرك وسيأتيك كتابى سريعا وسار ممتثلا لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ومعه سليمان بن خالد وعبد الله بن المقداد بن الاسود الكندى وسار بجيش الاسلام والمسلمون معه حتى قرب الى مصر فشاور أشراف الصحابة رضى الله عنهم عن دخوله مصر قبل أن يدخلها أوشيأ من أرضها فانصرف الصحابة على الرأى تلك الليلة فقالوا له ان دخلتها قبل أن

__________________

(١) فى هذه العبارات مخالفة لما فى غير هذا الكتاب من كتب المؤرخين

٧

يأتيك كتاب أمير المؤمنين فالرأى لك وأظهر التأنى هو وجيشه وقال له رؤساء الصحابة استقبل مصر بوجهك واستعن بالله واستنصره فسار عمرو بن العاص واستشار عبد الله بن عمر بن الخطاب فأمره بحصار مصر وأرسل كتابا الى عمر اننا وصلنا الى مصر ومنتظرون ما أمرتنا به فى مقوقسها وفى فتحها وأرسل به عمرو بن مساعد فسار به وأوصل الكتاب الى عمر بن الخطاب قال الكندى كتب عمر الى عمرو أمره أن ينصرف فوصل اليه الكتاب وهو متوعك فلم يستطع أخذ الكتاب من الرسول فدفعه الى ولده عبد الله فقرأه على المسلمين فقال لمن معه أنتم تعلمون أن أمير المؤمنين عهد الىّ عهدا اننا نقاتل عن دين الاسلام ولا نولى ونعز دين الله تبارك وتعالى ونحامى عنه كما كنا مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ثم قال لهم الرأى أنا نعلم المقوقس ثم أرسل اليه يهدّده فهاداه بهدية مع خواص بطارقته فقال عمرو بن العاص لمن معه تعلمون هذه الهدية من ملك مصر قالوا نعم قال ان أمير المؤمنين عهد الىّ قبل أن أخرج من عنده ان يلحقنى كتابه قبل أن أدخل الى أرض تنسب الى مصر أن أقف عند ذلك وأرجع والآن قد دخلت فسيروا أنتم وامضوا على بركة الله تعالى فساروا والتقوا بجيش القبط بالفرما وقاتلوهم فى ذلك المكان وكان أول موضع قاتل فيه المسلمون قال الواقدى انهم مكثوا فى ذلك الموضع نحوا من شهر ثم لحقهم رسول عمرو بن العاص فقدم عمرو وهو لا يدفع الا بالأمر الخفيف حتى أتى بلبيس فقاتلوه بها نحوا من شهر حتى فتحها الله على يديه وسار الى مصر فى نحو شهر حتى فتح الله على يديه مصر وكان بها ما كان وقاتلوا المسلمين واستشهد منهم نحو سبعين رجلا وكان فى الجمع عمرو ونافع وقيس وخالد وولده سليمان وجمع من أمراء الاسلام وخاصة الرؤساء منهم مسلمة بن مخلد وعقيل والأحنف ومن يجرى مجراهم وساروا يتبع بعضهم بعضا فكسروا جماعة المقوقس وقتلوا أربعة آلاف من عامتهم خلاف من قتل من العوام وجاء محمد بن الاسود وعبادة وعتبة ومسلمة بن مخلد فى اليوم الرابع وخاف عاقبته فأخذ معه خالدا وحذافة ثم ساروا الى الحصن وأحاط بهم خمسون فارسا وجماعة وأخذوا الحصن وأمير الحصن يومئذ المندمور الذى يقال له ميزح من قبل المقوقس قال القضاعى وكان المقوقس قد تولى أمر القوم والمسلمون تتلاقى عشراتهم وقد أيد الله المسلمين وخذل الله القبط وملك عمرو بن العاص فى سنة تسع عشرة من الهجرة النبوية وقاضى الصحابة كان فى ذلك العصر قيس وكان نزوله فى غربى الخندق وأقام مع بنى وردان ونزل بساحتهم وكان مع أولاد أخيه ولم تذكر له شقة غير داره التى بناها عام الفتح كما ذكره ابن الجباس

٨

وابن بللوه وكان من أمر الصحابة ما كان وداره التى ذكرناها موجودة كما ذكر غالب المؤلفين قال القضاعى وأثر بنائها موجود باق وهى التى بسوق وردان الى أن وقع حريق فى الدار فأحرقت تلك الشقة وكان ذلك فى ولاية عبد العزيز بن محمد بن النعمان القاضى وذلك بعد سنة تسعين وثلثمائة (١) وقد ذكر عنه أرباب التاريخ أنه غطس فى سفينة هو وأهل الفتوّة وكانت السفينة ملتصقة بباب الحصن والحصن بجانب الجزيرة وقطعوا شجر السرو وتحصنوا هناك والنيل حينئذ فى مده وقيل انه خرج معهم وقيل أقام فى الحصن وسأل المقوقس فى الصلح قال فبعث اليه عمرو عبادة بن الصامت وكان رجلا طويلا طوله عشرة أشبار وصالحه المقوقس عن القبط والروم على أن للروم الخيار فى الصلح الى أن يأتى كتاب ملكهم فان رضى لهم تم ذلك على حاله وان سخط عليهم انتقض الصلح بينه وبين الروم وأما القبط فبغير خيار وكان الذى انعقد عليه الصلح أن فرض على جميع من حضر بمصر أعلاها وأسفلها من القبط دينارين على كل شخص فى كل سنة من البالغين شريفهم ووضيعهم دون الشيوخ والأطفال والقساقسة والرهبان والمنقطعين فى الديورة والكنائس والبيع وغيرهم ممن لا يتعاطى الدنيا وأنهم لا يعترضون ولا يعترضهم أحد من أهل الاسلام ولا يدخل عليهم بما يضرهم وكان عدد الذين عاقدهم ستة آلاف نفس برضاهم قال ابن زولاق انهم اثنان وعشرون ألفا غير أهل البلاد وقال الواقدى انهم فتحوا مصر صلحا وتعلق بهذا الخبر من نقل عنه وقال غيره ان بها ستة أماكن مستجاب فيها الدعاء فتح الله مصر على يد ابن العاص وعبادة بن الصامت والمقداد وشرحبيل بن حسنة وقيس بن سعد وغيرهم من الصحابة وذهب الذين قالوا انها فتحت صلحا بغير عنوة وكذا حكم جميع الارض التى بمصر وكورة اخميم الى مالا نهاية له. وممن قال انها فتحت عنوة عبد الله بن المغيرة الشيبانى وعبد الله بن وهب ومالك بن أنس وغيرهم وبعضهم قال ان بعضها فتحت صلحا وبعضها عنوة منهم ابن شهاب وابن لهيعة. وكان فتحها يوم الجمعة مستهل المحرم سنة عشرين من الهجرة هذا ما نقله ابن بللوه واليه أشار ابن الجباس وشمس الدين بن أبى المجد والقضاعى فى تاريخه وذكر أن له عقبا بمصر وشمس الدين ومحمد انهما عقباه وولد له رجل من مصر وأقام بها ومدفنه فى مجرى الحصا وهو محل مبارك يستجاب فيه الدعاء والنقعة الكبرى التى قاتلت بها الصحابة لقضاء الحاجات ومحل الذروة وذروة عين الصيرة تسمى النقعة الصغرى نذكره ان شاء الله لاجابة الدعاء وقتال الصحابة

__________________

(١) ما فى هذه الصحيفة وما يليها ركيك جدا ولم نقف له على أصل

٩

فى القرافة الكبرى عدوا ذلك الى الجامع العمرى ووقوف الصحابة عند انتظارهم كتاب ابن الخطاب ومحل القتال مجاب فيه الدعاء وقتال الصحابة عند التل والوادى وناحية بلبيس مبارك فى الاسلام وسوف نذكر الاماكن المذكورة عند انتهائنا اليها

فصل

نذكر فيه ان شاء الله تعالى من ملك مصر من بعد الطوفان والمرأة التى أخذت ولدها على كتفها وأغرقها الله تبارك وتعالى مع قوم نوح ذكر القضاعى أن لها ولدا وأخا كانا فى السفينة لم ينج من قوم نوح غيرهما ذكرهما النسابة وذكر أنهما من ولد رجل من مصر لم ينج من الطوفان غيره وكان سبب نجاته انه أتى نوحا عليه‌السلام فآمن به ولم يأته من أهل مصر غيره فحمله معه فى السفينة فلما انتهى الطوفان أتى الى مصر ومعه نفر من ولد نوح فأقام بها حتى هلك فورث ولده علم كتاب أهل مصر وهو العلم الأول ورثناه عنه وكان نص الكتاب المنسوخ إنا وجدنا فيما يدل عليه علم النجوم أنّ آفة عظيمة نازلة من السماء وخارجة من الارض فنظرنا ما هى فوجدناها ماء مفسدا للارض وحيوانها ونباتها فلما تم اليقين قلنا للملك سوريد بن سهلوق وكان ملكا عظيما ابن بيتا قبرا لك وقبرا لأهل بيتك فبنى له الهرم الشرقى وبنى لأخيه الهرم الغربى وبنى الهرم المؤزر لوالده فكتبنا فى حيطانها علما عائدا للامور كالنجوم وعللها والصنعة والهندسة والطب وغير ذلك مما ينتفع به ويضر مفسرا لمن يفهم بأن هذه الآفة نازلة بأقطار العالم وذلك عند نزول قلب الأسد فى أول دقيقة من السرطان فلما مات الملك سوريد دفن فى الهرم الشرقى ودفن هر جيب فى الهرم الغربى ودفن كركورس فى الهرم المؤزر وكل هرم من هذه الاهرام أسفله من الصوّان وأعلاه من الكدان ولهذه الاهرام أبواب تحت الأرض طول كل باب مائة وخمسون ذراعا أمّا باب الهرم الشرقى فمن الجهة البحرية وأمّا باب الهرم الغربى فمن الجهة الغربية وأما باب الهرم المؤزر فمن الجهة القبلية وأما ما فى الاهرام من الذهب والمعادن فما لا يوصف (٢) أن يترجم هذا الكتاب من القبطى الى العربى وهو أجمل التاريخيات فمن أول يوم من توت عند طلوع شمسه سنة خمس وعشرين ومائتين من سنى العرب بلغت أربعة آلاف وثلثمائة واحدى وعشرين سنة ثم نظركم مضى للطوفان الى يومه هذا فوجده ثلاثة آلاف واحدى وأربعين سنة وتسعة وخمسين يوما وثلاث عشرة ساعة

١٠

الفصل الثانى

(فى عجائبها)

ومن عجائبها صنم الهرمين ويقال انه طلسم الرمل ألا يغلب على الجيزة. ومن ذلك بربا سمنود حكى الكندى عنها حكاية وأشياء قد اختصرتها فان أكثر هذه العجائب قد دثرت وليس لها أثر. ومن ذلك بربا اخميم وهى عجب من العجائب لما فيها من الصور وغيرها وكان ذو النون يقرأ ما عليها من الخط اليونانى وما فيه من الحكمة البالغة. ومن ذلك بربا دير بروه وهو شئ عجيب حكى أن فيها ثمانين كوة تدخل الشمس كل يوم من كوّة لا تدخل منها الى ثمانين يوما. ومن ذلك حائط العجوز محيطة بأرض مصر من اسوان الى العريش شرقا وغربا. ومن ذلك الاسكندرية التى فيها المنار والسوارى والملعب الذى كانوا يجتمعون فيه فى يوم الاكرة. ومن ذلك المسلتان وعمود الاعيان وبها عمودان ملتقيان وراء كل عمود جبل من الحصا كحصا الجمرات. ومن عجائبها القبة الخضراء وهى أعجب ما فيها. ومن ذلك منية عقبة وقصر فارس وهى مدينة على مدينة ويقال انها إرم ذات العماد

وأمّا ما بصعيد مصر من جبال وعجائب وأخشاب فلا يحتمل الوصف. ومن عجائبها منف وما بها من آثار الانبياء والحكماء والملوك وبها البربا التى كانت بها التصاوير وهى التى وضعتها دلوكا حين فتحت مصر كانت أحضرت امرأة ساحرة يقال لها بدورة وأمرتها أن تجعل لها سحرا تعرف به من يأتى اليها من الاعداء أو يعترضها فبنت لها بيتا من حجارة فى وسط منف وجعلت له أربعة أبواب كل باب الى جهة وصوّرت فيه صور الابل والخيل والحمير والسفن والآدميين وقالت كل من يأتيك فى البر أو البحر راكبا أو ماشبيا من أى جهة كانت من هذه الأربع جهات فان أشخاص تلك الجهة تتحرك فافعلوا ما شئتم فمهما فعلتم بهم فانه يصيب العدوّ مثل ما فعلتم بهم وبلغ الملوك شأنها فكان كل من يأتى اليها تتحرك تلك الاشخاص فمهما فعلوا بالاشخاص أصاب الاعداء وكان كلما انهدم منها شئ لا يقدر على اصلاحه إلا العجوز أو ولدها أو ولد ولدها حتى انقضوا. ومن عجائبها عين شمس وهى هيكل الشمس وبها العمودان اللذان لم ير أعجب منهما وطولهما فى السماء فوق الخمسين ذراعا وهما محمولان على وجه الأرض وفيها عجائب كثيرة. ومن عجائبها الفرما وهى أكثر عجائبها وأكثر آثارا يذكر أهل مصر انه كان بها طريق الى جزيرة قبرص فغلب عليها البحر وكان بها مقطع الرخام الأبلق والأبيض فغلب عليها البحر ونخلها الذى لا يوجد

١١

مثله فانه يطرح البسر والرطب حين انقطاعه من جميع الدنيا. ومن عجائبها الفيوم وهى مدينة دبرها السيد يوسف عليه‌السلام بالوحى. ومن عجائبها نيلها الذى جعله الله حياة أهلها فبه يزرعون وبه تقوم مصالحها. ومن عجائبها حجر الخل الذى قيل انه يسبح فى الخل كما يسبح السمك فى الماء وكان بها حجارة كثيرة منها شئ يكسر فيتوقد كالمصابيح وكان بها خرزة اذا حملتها المرأة على فخذها لا تعود تحمل بحمل أبدا. ومن عجائبها حوض كان بدلالات يركب فيه الواحد والاربعة ويحرك الماء الذى فيه بشئ فينطلقون من جانب الى جانب فأخذه كافور الاخشيدى وأخرج الماء منه فوجدوا فى أسفله كتابة لا يعرفون ماهى. ومن عجائبها أشجار بصعيد مصر منها سنطة اذا هدّدت بالقطع تذبل وتنجمع حتى يقال لها قد عفونا عنك فترجع كما كانت وبها أيضا سنطة يوقد من أحطابها ما شاء الله فلا يوجد له رماد قط. قال القضاعى ومما رأيت محمولا الى مصر سنطة من شأنها اذا وضعت اليد عليها تذبل واذا رفعت عنها تراجعت. قال القضاعى وكان على باب قصر الشمع صنم على خلقة الجمل وعليه رجل راكب متنكبا قوسا وعلى رأسه عمامة وفى رجليه نعلان كانت القبط والروم اذا تظالموا يأتون بين يديه ويقول المظلوم للظالم أنصفنى قبل أن يخرج هذا الراكب وينصفنى منك. قال صاحب التاريخ فكانوا يعنون بالراكب النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال القضاعى ولما قدم عمرو بن العاص الى مصر غيرت الروم ذلك الجمل لئلا يكون شاهدا عليهم وقال ابن لهيعة بلغنى أن تلك الصورة فى ذلك الموضع أتى عليها ألف سنة وأكثر ولا يعرف من عملها قال القضاعى فهذه عجائب مصر وليس ثم بلد فيه شئ غريب إلا فى مصر مثله أو شبهه

الفصل الثالث

(فى فضل الجبل المقطم ومساجده)

ذكر الهتناتى وغيره انه كان أكثر الجبال أنهارا وأشجارا ونباتا فلما كانت الليلة التى كلم الله فيها موسى عليه‌السلام أوحى الى الجبال انى مكلم نبيا من أنبيائى على جبل منكم فتطاول كل جبل وتشامخ إلا جبل طور سينا فانه تواضع وتصاغر فأوحى الله سبحانه وتعالى اليه لم فعلت ذلك وهو به أعلم قال اجلالا لك يا رب فأوحى الله تعالى الى الجبال أن يجود له كل جبل بشئ مما عليه فجاد له كل جبل بشئ مما عليه إلا المقطم فانه جاد له بجميع ما كان عليه من الشجر والنبات والمياه فصار كما ترونه أقرع قال فلما علم الله تعالى ذلك منه أوحى

١٢

اليه لأعوضنك عما كان على ظهرك لأجعلن فى سفحك غراس الجنة. وحكى الامام الليث بن سعد أن المقوقس سأل عمرو بن العاص رضى الله عنه أن يبيعه سفحه بسبعين ألف دينار فكتب بذلك الى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه فكتب اليه عمر سله لم أعطاك ما أعطاك فيه وهو لا يزرع ولا يستنبط منه ماء فسأله عمرو بن العاص رضى الله عنه عن ذلك فقال له انا نجد سفحه فى الكتب القديمة انه يدفن فيه غراس الجنة فكتب بذلك عمرو بن العاص الى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فكتب اليه عمر بن الخطاب يقول انا لا نعرف غراس الجنة إلا للمؤمنين فاجعلها مقبرة لمن مات قبلك من المسلمين. وقال سفيان بن وهب الخولانى بينا نحن نسير مع عمرو بن العاص فى سفح الجبل المقطم وكان معنا المقوقس إذ قال له عمرو بن العاص ما بال جبلكم أقرع لا نبات به على نحو جبال الشام قال لا أدرى ولكن الله تعالى أغنى أهله بهذا النيل وانا لنجد فى الكتب ما هو خير من ذلك قال وما هو قال ليدفنن تحته قوم يبعثهم الله يوم القيامة لا حساب عليهم فقال عمرو بن العاص اللهم اجعلنى منهم. وقد روى عن كعب الاحبار رضى الله عنه انه سأل رجلا يريد مصر فقال أهدلى ترابا من سفح مقطمها فأتاه الرجل بجراب فلما حضرت كعبا الوفاة أمر أن يفرش تحت جنبه فى قبره. وقال القضاعى ان عيسى بن مريم عليه‌السلام مرّ هو وأمه على هذا الجبل فقالت له أمه يا بنىّ مررنا بجبال كثيرة ما رأينا أكثر أنوارا من هذا الجبل قال يا أماه يدفن هنا أمة من أمة أحمد أخى وفى رواية من أمة أخى محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم فهذا الجبل غراس الجنة ورياضها. قال صاحب التاريخ وقطع عمرو للمقوقس الحد الذى بين المقبرة وبينهم قال ابن لهيعة المقطم ما بين القصير الى مقطع الحجارة وما بين ذلك فاليحموم.

وأما ما بنى به من المساجد. فالمسجد المعروف بالتنور وهو موضع تنور فرعون الذى كان توقد له فيه النار فاذا رأى أهل مصر النار عرف أهل مصر بركوبه فاجتمعوا له واتخذوا له ما يريد وقيل كان يوقد بالطرفا واللبان والصندروس ليرتفع الوبا عن أهل مصر وقال القضاعى وجدت فى كتاب قديم أن يهودا بن يعقوب عليهما‌السلام لما دخل مع اخوته على أخيهم يوسف عليه‌السلام فى قصة الصواع دخل الى مكان بذروة الجبل فأقام به وكان مقابل التنور ثم خلا ذلك المكان الى أيام الدولة الطولونية فأخبر ابن طولون بفضل هذا المكان فأمر بعمارة المسجد والمنار وجعل فيه صهريحا يخزن فيه الماء وأوقف له وللبيمارستان بمصر والعين التى بالمعافر ويقال ان تنور فرعون لم يزل بحاله الى أن خرج قائد من قوّاد

١٣

احمد بن طولون يقال له وصيد فهدمه واتصل منه بمال وزال رسم التنور. المسجد المعروف بمقام المؤمن قيل انه أقام فيه مؤمن آل فرعون ولم يوجد ذلك فى كتاب معتمد. المسجد المعروف بالمحرم قيل ان قوما كانوا يحرمون منه فتطوى لهم الارض فيحجون ويعودون اليه

وأما ما به من الأودية فوادى المستضعفين ووادى الملك ووادى اللبلابة ووادى هس ووادى الشياطين ووادى الدجلة القرقوبى على قرن الجبل المقطم المطل على كهف السودان بناه أبو الحسن القرقوبى الشاهد بمصر سنة خمس عشرة وأربعمائة وكان فى موضعه محراب حجارة يعرف بمحراب ابن الفقاعى الرجل الصالح وهو زاوية المسجد على يسار المحراب فيه انحصر كهف السودان يقال ان قوما من السودان نقروه وتعبدوا فيه ويقال له كهف السادة ثم بناه الاندلسى البزاز وزاد فى سفله مواضع نقرها وبنى علوها يقال انه أنفق أكثر من ألف دينار ووضع المجاز الذى يسلك اليه منه وعمل الدرج النقر التى يصعد عليها الى الوادى وكان ابتداؤه بالبناء مستهل المحرم سنة احدى وعشرين وأربعمائة وفرغ منه فى شعبان من السنة. مسجد موسى بناه الوزير جعفر بن الفرات. مسجد الصخرة كثيرا يرى عليه النور فى الليالى المظلمة. مسجد الديلمى. مسجد الشريف أبى العباس أحمد بن الحسين وهو أحد المسجدين المتقابلين فى أصل العقبة المعروفة بصخرة موسى عليه‌السلام العارض قال القضاعى يقال لها مغارة ابن العارض وهو أبو بكر جد مسلم القارى. مسجد اللؤلؤة كان مسجدا خرابا مشهورا باجابة الدعاء فلما أخبر الحاكم بفضله بناه فى سنة ست وأربعمائة وسماه اللؤلؤة وهو بالقرب من مقام اليسع شقيق شيبان الراعى وسوف يأتى فضل شيبان عند قبره. المسجد المعروف بالمدعى قال القضاعى هو ما بين اللؤلؤة ومسجد محمود وهو مسجد قديم الدعاء فيه مستجاب. مسجد اليسع وسيأتى الكلام عليه عند تعيين من به من الأنبياء سلام الله عليهم. مسجد محمود المجاور لليسع وسيأتى ذكره عند قبره

الفصل الرابع

(نذكر فيه شروط الزيارة وآدابها)

فنبدأ فيه بما روى عن بريدة عن أبيه أنه قال قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ونهيتكم عن لحوم الاضاحى فوق ثلاث فامسكوا

١٤

ما بدا لكم ونهيتكم عن النبيذ إلا فى سقاء فاشربوا من الأسقية كلها ولا تشربوا مسكرا. وروى من طريق أبى هريرة رضى الله عنه أنه قال زار النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله وقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم استأذنت ربى أن أستغفر لها فلم يأذن لى واستأذنته أن أزورها فأذن لى فزوروا القبور فانها تذكر الموت وفى رواية تذكركم الآخرة. وروى عن فاطمة ابنة النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم انها كانت تزور قبر عمها حمزة فى الأيام وتبكى عنده. وقيل عن عائشة رضى الله عنها أنها زارت قبر أخيها عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق رضى الله عنهما وقالت شعرا

وكنا كندمانى جذيمة حقبة

من الدهر حتى قيل ان يتصدعا

وعشنا بخير فى الحياة وقبلنا

أصاب المنايا رهط كسرى وتبعا

فأول شروط الزيارة اخلاص النية لما قاله النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو بالسند الصحيح عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول انما الاعمال بالنية وفى رواية بالنيات فيقصد بزيارته وجه الله سبحانه وتعالى واصلاح فساد قلبه بما يتلوه من القرآن بين القبور والدعاء فى أوقات الاجابة ولا يجعل ذلك لزينة ولا لتجمل ولا ليقال ولا ليدعو على من ظلمه لينال حظ نفسه وشفاء غيظه بل يعتمد على الزيارة فانه قد روى عن مالك عن العلاء عن أبيه عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم خرج الى المقبرة فقال السلام عليكم دار قوم مؤمنين وانا بكم ان شاء الله لاحقون. وعن سليمان عن بريدة عن أبيه أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان اذا خرج الى المقابر يأمرهم أن يقولوا السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات أنتم لنا فرط وانا ان شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية. وعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم اذا دخل الجبانة يقول السلام عليكم أيتها الارواح الفانية والاجسام البالية والعظام النخرة التى خرجت من الدنيا وهى بالله مؤمنة اللهم أدخل عليها روحا منك وسلاما منا. فينبغى لمن قصد زيارة الصالحين أن يجتنب الجلوس عليها والمشى أيضا لما روى عن أبى هريرة رضى الله عنه أنه قال قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه حتى تخلص الى جلده خير له من أن يجلس على قبر

ويستحب لمن زار القبور أن يأتي من تلقاء وجه الميت فيقف مستدبر القبلة مستقبلا وجه الميت فانه فى زيارته ومخاطبته ميتا كمخاطبته حيا وأن يسلم على الميت كما يسلم على

١٥

من يزوره. وعن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما أنه كان لا يمرّ بقبر إلا وقف وسلم عليه. وقال نافع كان ابن عمر رضى الله عنه اذا أتى القبور يقول السلام على رسول الله السلام على أبى بكر السلام على أبى قال رأيته يفعل ذلك مرارا. وقال سليمان بن سحيم رأيت النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى النوم فقلت له يا رسول الله هؤلاء الذين يأتونك ويسلمون عليك تسمعهم قال نعم وأردّ عليهم. وقال أبو هريرة رضى الله عنه اذا مرّ الرجل بقبر الرجل يعرفه فسلم عليه ردّ عليه‌السلام. ولا ينبغى التبرك بتراب القبر ولا تقبيله فان ذلك من عادة النصارى ولا ينقل ذلك عن علماء المسلمين. وقال أبو أمامة الباهلى رضى الله عنه رأيت أنس بن مالك رضى الله عنه أتى الى قبر النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم فوقف ورفع يديه حتى ظننت أنه افتتح الصلاة فسلم على النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم ثم انصرف. وبلغنا أن رجلا ألقى نفسه على قبر النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم فناداه شاب يا هذا أرأيت لو كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حيا ثم أتيت تزوره ما كنت تصنع قال كنت أقف بين يديه وأسلم عليه قال كذلك فافعل فانك فى مخاطبته ميتا كمخاطبتك له حيا. وقال المروزى سمعت الامام أحمد بن حنبل يقول اذا دخلتم المقابر فاقرؤا فاتحة الكتاب والمعوّذتين وقل هو الله أحد واهدوها لهم فانها تصل اليهم. وقد سمعت الحافظ أبا العز عبد المغيث يقول لما قتل القاضى أبو الحسن محمد بن محمد شهيدا رحمه‌الله ختم على قبره فى يوم واحد ما يزيد عن مائة ختمة. وروى عن عاصم عن زيد بن عبد الله قال ان الله تعالى نظر الى قلوب عباده فوجد قلب محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه ثم نظر الى قلوب العباد بعد قلب نبيه محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم فوجد قلوب أصحابه رضى الله عنهم أجمعين خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقاتلون على دينه فما رأت المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن وما رأت المؤمنون سيئا فهو عند الله سيئ. وقد روى عن معقل بن يسار رضى الله عنه أنه قال قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم اقرؤا يس على موتاكم أخرجه أبو داود فى السنن. وقد روى الامام أحمد بن حنبل فى مسنده عن معقل بن يسار أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال البقرة سنام القرآن وذروته نزل مع كل آية منها ثمانون ملكا واستخرجت الله لا اله الا هو الحىّ القيوم من تحت العرش فوصلت بها أى بسورة البقرة ويس قلب القرآن اقرؤها على موتاكم. وقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم اذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له رواه مسلم والنسائى ورواه أبو داود والترمذى. وأما قوله تعالى (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ

١٦

إِلَّا ما سَعى) قال ابن عباس رضى الله عنهما نسخه قوله تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ). وقال عكرمة كان ذلك القول لابراهيم وموسى ألا ترى الى قوله تعالى فى أول الآية ((أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى) فاما هذه الأمة فلهم ما سعوا أو سعى عنهم لخبر سعد بن عبادة أنه سأل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال يا رسول الله هل لأمى أجر أن أتطوع عنها قال نعم وفى حديث آخر أنه حفر بئرا وقال يا رب هذه لأم سعد. ولا بأس بالمحافظة على الدعاء والتماس أوقات الاجابة لأن الدعاء تحفة الميت وسلاح الأحياء. وقد روى عن النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال ما الميت فى قبره إلا كالغريق المتغوث ينتظر دعوة من ابنه أو أخيه أو صديق له فاذا لحقته كانت أحب اليه من الدنيا وما فيها. قال العلماء رضى الله عنهم هدايا الأحياء للاموات الدعاء والاستغفار فان النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم صلى على النجاشى وهو غائب والبحر معترض بينهم وكذلك خبيب بن عدى لما صلب بمكة صلى عليه النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالمدينة. وروى أنه من زار قبر أخيه استأنس به وردّ عليه قبل أن يقوم ويكره الضحك بين المقابر فانه من وضع الأشياء فى غير محلها ووضع الشئ فى غير محله نهاية فى النقصان وكذلك الصلاة فى المقابر لما روى عن النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال سبع مواطن لا تجوز الصلاة فيها منها المجزرة والمزبلة والمقبرة. وروى أبو سعيد الخدرى رضى الله عنه ان النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال الارض كلها مسجد الا المقبرة والحمام. قال الامام الشافعى رضى الله عنه وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدا مخافة الفتنة عليه وعلى من تعوّده فينبغى لمن عزم على زيارة الصالحين أن يحضر قلبه ويخلص نيته ويكثر من الصلاة على نبيه محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم لا سيما فى ليلة الجمعة ويوم الجمعة ويحافظ على التزام الدعاء يلتمس ساعات الاجابة فمن دعائه أن يقول اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وأعنى على خير عزمت عليه وكل عبد من عبادك المؤمنين عمل عملا صالحا ولم يشرك بعبادتك أحدا اللهم طهر قلبى مما سواك واملأه بحبك واشغلنى بما يرضيك عنى وجنبنى ما يغضبك علىّ اللهم أنجح هذا المقصد وعرفنى بركته وشفع فىّ عبادك الصالحين واجعلنى محسنا فانك مع المحسنين وصلى الله على سيدنا محمد سيد الانبياء وشافع الأتقياء وعلى آله وأصحابه أجمعين. قال بشر ابن منصور لما كان زمان الطاعون كان رجل يختلف الى الجبانة فيشهد الصلاة على الجنائز فاذا أمسى وقف على القبور وقال آنس الله وحشتكم ورحم غربتكم تقبل الله حسناتكم

١٧

وتجاوز عن سيئاتكم قال الرجل فأمسيت ذات ليلة ولم آت الى المقبرة ولم أدع بما كنت أدعو فبينا أنا نائم واذا بخلق كثير قد جاؤنى وسلموا علىّ فقلت من أنتم فقالوا اتك عوّدتنا عند انصرافك بهدية تهديها الينا فقلت وما هى قالوا الدعوات اللاتى كنت تدعو بهنّ عند انصرافك الى أهلك قال فما زلت عليهنّ مادمت حيا

الفصل الخامس

(فيمن دخلها من الصحابة ومن دفن بها منهم)

مما رواه ابن عبد الحكم فى فتوح مصر والمغرب وأبو عمر الواقدى وابن شماسة وابن سعد وغيرهم من أرباب علم التاريخ رضى الله عنهم أجمعين وذلك أن الله تبارك وتعالى قد منّ علينا ويسّر لنا ايضاح جمعهم مما قد نقل من تواريخ السادة العلماء. وقد أجمعوا على أن أوّل من دخلها عمرو (١) بن العاص رضى الله عنه وأن الله سبحانه وتعالى قد جعل فتحها على يديه حكى ابن سعد فى كتاب الطبقات أن عمرو بن العاص بن وائل السهمى أسلم هو وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة وحضر فتوح الشام ثم بعثه عمر بن الخطاب رضى الله عنه الى مصر ففتحها الله على يديه فى قصة تقدّم ذكرها هو وكعب بن يسار بن ضبة بن ربيعة العبسى شهد فتح مصر وخطته بها معروفة. وروى عنه عثمان بن سعد التجيبى ولما دخل البربر الى مصر نزلوا عليه فسمى سوق البربر وذكر القضاعى وغيره أن أهل مصر كانوا يجتمعون حوله فيصف لهم صفة النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم ولم يختلفوا فى أنه مات بمصر. وممن دخلها أبو بصره الغفارى سكن مصر واختط بها واسمه حميل وقيل جميل قال أبو عمر أصحه الضم (٢) وحكى ابن يونس فى تاريخه انه دفن بسفح الجبل المقطم وحكى القضاعى فى تاريخه عن حرملة رضى الله عنه انه مع عقبة بن عامر الجهنى فى قبره وقيل انهم ثلاثة فى قبر واحد عقبة وعمرو بن العاص وأبو بصرة الغفارى ولأهل مصر عنه عشرون حديثا. وممن دخلها معاوية بن خديج بن جفنة السكونى وقيل الخولانى وقيل الجهنى والأصح السكونى روى عنه سويد بن قيس وعرفطة بن عمرو مات قبل عبد الله ابن عمرو بن العاص قال ابن وهب غزا افريقية ثلاث مرات وغزا الحبشة فأصيبت عيناه قال ابن شهاب دخلت علينا عائشة رضى الله عنها فسألتنا كيف كان أميركم حين غزا افريقية فقلنا رأيناه بخير فقالت أستغفر الله ان كنت لأبغضه من أنه قتل أخى

__________________

(١) أى ضم الحاء المهملة

١٨

ثم قالت سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول اللهم من رفق بأمتى فارفق به ومن شق عليهم فاشقق عليه وحكاه ابن عبد البر فى الاستيعاب ولأهل مصر أحاديث عنه. وممن دخلها مسلمة بن مخلد الانصارى الخزرجى رضى الله عنه أدرك من حياة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عشر سنين ولد عند مقدم النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم المدينة ومات النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو ابن عشر سنين وقيل لما قدم النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم المدينة كان ابن أربع سنين قال الامام أحمد بن حنبل رضى الله عنه شهد مسلمة بن مخلد فتح مصر وسكنها وولاه معاوية مصر سنة وقال الواقدى قدم مسلمة بن مخلد واليا على مصر وافريقية وهو أول من رفع المنار للمساجد فى سنة ثلاثين وكانت ولايته على مصر وافريقية ست عشرة سنة وكان يبعث معاوية بن خديج فى الغزو الى المغرب وقال عمر بن عنبسة عن ابراهيم بن ميسرة عن مجاهد قال كنت أرانى احفظ الناس للقرآن حتى صليت خلف مسلمة الصبح فقرأ سورة البقرة فما أخطأ فيها وحكى الواقدى أن مسلمة كان اذا قرأ فى المحراب يسمع سقوط دموعه على الارض قال الكندى ثم جدّد بناء الجامع ولم تدع الصحابة مما بناه عمرو بن العاص الا المحراب الذى وقف عليه الصحابة قال أبو عمر مات مسلمة بن مخلد بمصر وقيل بالمدينة وقال ابن زولاق مات بمصر فى آخر ولاية معاوية وهو الأصح وقبره بمصر بخط مذبح الجمل. وممن دخلها محمد بن أبى بكر الصديق رضى الله عنهما يكنى بأبى القاسم وأمه أسماء بنت عميس الخثعمية تزوج بها جعفر بن أبى طالب ثم مات عنها فتزوّجها أبو بكر الصديق رضى الله عنه فمات عنها فتزوّجها على بن أبى طالب رضى الله عنهم أجمعين ولد محمد بن أبى بكر الصديق فى حجة الوداع ذكره صاحب الموطأ وكان محمد بن أبى بكر عند على بن أبى طالب مكرما معظما ثم ولاه مصر بعد قصة طويلة اتفقت له فى خلافة عثمان بن عفان رضى الله عنهم لا ينبغى شرحها اعراضا عما شجر بين الصحابة رضى الله عنهم أجمعين ودخل محمد بن أبى بكر مصر فى النصف من شهر رمضان سنة سبع وثلاثين فلم يزل بها الى صفر سنة ثمان وثلاثين وكان قد أحبه أهل مصر لما رأوا من سياسته ورياضة أخلاقه. وممن دخلها عمار بن ياسر رضى الله عنه ولاهل مصر عنه حديث واحد قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم تقتلك الفئة الباغية يا عمار وهو من المهاجرين وأمه سمية أول شهيدة استشهدت فى الاسلام لم تزل تعذب حتى ماتت رضى الله عنها وأنزل الله تعالى فى عمار وأبى جهل قوله تعالى (أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها) وكان عمار فارسا

١٩

من فرسان الاسلام ولما بلغ عثمان اضطراب الامر على ابن أبى سرخ بعث بعمار الى مصر فوصل الى سقيل (١) وخرج من مصر ولم يمت بها. وممن دخلها معاوية بن أبى سفيان يكنى بأبى عبد الرحمن وهو أول وال من بنى أمية دعا له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال اللهم علمه الكتاب والحساب وقه العذاب وهو من كتاب وحى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وصل الى عين شمس فرأى فيها من العجائب ما أذهله عن الدخول اليها فرأى بها هيكل الشمس ورأى بها العمودين القائمين على وجه الارض وليس لهما أساس ورأى بها صورة انسان على دابة فلما رأى ما رأى رجع وقال ليس لى فى الدخول اليها حاجة ولاهل مصر عنه حديثان وكان معاوية رجلا حليما يضرب بحلمه المثل. وممن دخلها حاطب بن أبى بلتعة اللخمى حليف بنى أسد بن عبد العزى دخل الى مصر رضى الله عنه قبل فتحها برسالة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم الى المقوقس فأكرمه اكراما عظيما وعظم كتاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم تعظيما بالغا ثم بعث معه هدية الى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقال بلغنى انه يقبل الهدية فكانت هديته بغلة وقباطى وسيرين ومارية وغلام خصى اسمه مابور فقدم حاطب بهدية المقوقس الى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقبلها وتسرى بمارية القبطية ومنها ولده ابراهيم عليه‌السلام. وممن دخلها خارجة بن حذافة العدوى رضى الله عنه شهد فتح مصر مع المسلمين وكان من أعيان الصحابة الذين أسسوا المحراب ولأهل مصر عنه حديث واحد وكان أول من غزا فى البحر من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وممن دخلها أبو الدرداء واسمه عويمر بن عامر وقيل ابن يزيد قال القضاعى انه شهد فتح مصر ولا يعرف له بها خطة ولقد قيل له نرى كل الانصار تكلموا بالشعر وأنت ما تقول شعرا فأنشد عند ذلك يقول

يريد المرء أن يعطى مناه

ويأبى الله إلا ما أرادا

يقول المرء فائدتى ورزقى

وتقوى الله أفضل ما استفادا

ولاهل مصر عنه خمسة أحاديث وهو من أعيان الصحابة. وممن دخلها قيس بن سعد ابن عبادة صحابى ابن صحابى افتخر الجن بقتل أبيه وهو سيد الخزرج أثنى عليه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم شهد أبوه المشاهد كلها مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وجادل عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وممن دخلها شفيع بن ثابت الانصارى شهد فتحها واختط بها ولأهلها عنه نحو من عشرة أحاديث. وممن دخلها فضالة بن عبيد الانصارى

__________________

(١) هكذا بالاصل وفى حسن المحاضرة صقليه

٢٠