كنز العرفان في فقه القرآن - ج ١

جمال الدين مقداد بن عبد الله السيوري الحلّي

كنز العرفان في فقه القرآن - ج ١

المؤلف:

جمال الدين مقداد بن عبد الله السيوري الحلّي


الموضوع : الفقه
الناشر: المكتبة المرتضويّة للإحياء الآثار الجعفريّة
المطبعة: الحيدري
الطبعة: ٠
الصفحات: ٤١٥
الجزء ١ الجزء ٢

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله الّذي أنزل (١) على عبده الكتاب لكلّ شي‌ء تبيانا ، وجعله لتصديق نبوّته وتأييد رسالته معجزا وبرهانا ، فنزّله نورا وهدى وعبرة للعالمين ، وضمنه جوامع الكلم فكان تبصرة وذكري للعالمين ، وأخرس بفصاحته ألسنة العرب العرباء (٢) وأبكم ببلاغته مصاقع (٣) البلغاء والخطباء ، وأتقن تهذيبه وأحكم ترتيبه غاية الإحكام ، وصيّره دليلا وحجّة للحكّام في اقتناص (٤) الأحكام ، وعصم من تمسّك به

__________________

(١) قد اجتمعت التعدية بالهمزة وبالتضعيف في قوله تعالى ( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنّاسِ ). آل عمران ٣ ـ وزعم الزمخشري ان بين التعديتين فرقا فقال : لما نزل القرآن منجما والكتابان جملة جي‌ء بنزل في الأول وانزل في الثاني ، وانما قال هو في خطبة الكشاف الحمد لله الذي أنزل القرآن كلاما مؤلفا منظما ، ونزله بحسب المصالح منجما ، لأنه أراد بالأول إنزاله من اللوح المحفوظ الى السماء الدنيا ( وهو الانزال المذكور في ( إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) ـ القدر ـ ١ وفي قوله تعالى ( شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ). البقرة ١٨١ ـ واما قول القفال : ان المعنى أنزل في وجوب صومه أو الذي أنزل في شأنه فتكلف لا داعي اليه ) وبالثاني تنزيله من السماء الدنيا الى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله نحو ما في ثلاث وعشرين سنة اه قاله ابن هشام في مغني اللبيب.

(٢) العرباء : الصرحاء الخلص من العرب.

(٣) مصاقع جمع مصقع كمنبر البليغ الذي لا يرتج عليه في الكلام والعالي الصوت

(٤) الاقتناص الاصطياد.

١

وبالعترة من الزّيغ والطّغيان ، ووعد على التمسّك بهما الفوز برضاه والخلود في الجنان.

والصّلوة على المكنّي عنه بالعبوديّة والنبوّة والإرسال ، المنعوت بالرّأفة الموصوف بالرّحمة المؤيّد بالعصمة في الأقوال والأفعال ، محمّد البشير النّذير ، والدّاعي إلى الحقّ والسّراج المنير ، وعلى آله المعصومين وعترته الأطهرين ، كنوز العلم ورعاته ودعاة الحقّ وولاته ما استدارت الخضراء على الغبراء ، واستنارت الغبراء من الخضراء.

أمّا بعد : فانّ القرآن بحر لا يفنى عجائبه ، ولجّ لا ينقضي غرائبه ، من طلب الهدى وجده في ظواهره وخوافيه ، ومن رام العصمة من العمى وجدها في منشورة ومطاويه ، علومه لا تعدّ ولا تحصى ، وفنونه لا تحصر ولا تستقصى ، وكان علم الأحكام الشرعيّة والمسائل الفقهيّة الّذي هو فنّ من فنونه وقطف (١) من غصونه أعمّ نفعا للعوامّ والخواصّ ، وأجدى عائدة وأولى بالاختصاص ، إذ به ينتظم قواعد المعاش في العاجلة ، ويتمّ سعادة المعاد في الآجلة ، وكانت الآيات الكريمة الّتي هي مرجع جملة من مسائله أجلّ حجج فتواه وأكبر دلائله ، قد اعتنى العلماء بالبحث عنها واستخراج السرّ الدّفين منها ، لكني لم أظفر بكتاب في تنقيح تلك الآيات بما يبرد الغليل ويشفي العليل ، ويحتوي على جملة ما يبغيه الراغب ، ويستطرفه الطّالب بل إمّا مسهب (٢) بذكر الأقاويل والأخبار ، أو مقصّر قد ملّل بالايجاز والاختصار فحداني ذلك على وضع كتاب يشتمل على فوائد قد خلا عنها أكثر التّفاسير وفرائد لم يعثر عليها إلّا كلّ نحرير ، وضممت إلى ذلك فروعا فقهيّة تقتضيها نصوص تلك الآيات أو ظواهرها ، ونكات معان وعجيب غرائب يلمع لدى الفضلاء زواهرها ، يظهر بذلك من الآيات سرّها المكنون وجوهرها الثمين المصون بحيث يعجب بذلك النّاظرون وما يعقلها إلّا العالمون. وسمّيته : كنز العرفان في فقه القرآن والمسؤول

__________________

(١) القطف العنقود ويقال له بالفارسية خوشه واسم للثمار المقطوفة.

(٢) مسهب اى مكثر في الكلام.

٢

من ذي الجود والإفضال ، أن يجعله نورا في صحائف الأعمال ، أنّه بطوله وكرمه يسمع ويجيب ، وما توفيقي إلّا بالله عليه توكّلت وإليه أنيب.

وهو مرتّب على مقدّمة وكتب ، أما المقدّمة فيشتمل على فوائد (١).

الأولى : اللّفظ المفيد وضعا إن لم يحتمل غير ما فهم منه بالنّظر إليه فهو النصّ وإن احتمل فان ترجّح أحد الاحتمالين بالنّظر إليه أيضا فهو الظّاهر والمرجوح المؤوّل ، وإن تساوى الاحتمالان فهو المجمل ، والقدر المشترك بين النصّ والظّاهر هو المحكم ، والمشترك بين المجمل والمؤوّل هو المتشابه. وقد يتركّب بعض هذه مع

__________________

(١) وللمقدس الأردبيلي هنا بيانا ننقله بعين عبارته قال : اعلم ان هنا فائدة لا بد قبل الشروع في المقصود من الإشارة إليها وهي انّ المشهور بين الطلبة انّه لا يجوز تفسير القرآن بغير نصّ واثر حتى قال الشّيخ أبو على الطّبرسي قدس‌سره في تفسيره الكبير : واعلم انّه قد صح عن النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وعن الأئمّة عليهم‌السلام : انّ تفسير القرآن لا يجوز إلّا بالأثر الصّحيح والنّص الصّريح ، وروى العامّة عن النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله انّه قال : من فسّر القرآن برأيه فأصاب الحقّ فقد أخطأ قالوا : وكره جماعة من التابعين القول في القرآن بالرأي كسعيد بن المسيّب وسالم بن عبد الله وغيرهما ، والقول في ذلك انّ الله سبحانه ندب الى الاستنباط وأوضح السّبيل اليه ومدح أقواما عليه فقال ( لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) ـ النّساء ٨٤ ـ وذمّ آخرين على ترك تدبّره والإضراب عن التّفكر فيه فقال ( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها ) ـ محمّد ٢٦ ـ وذكر انّ القرآن منزّل بلسان العرب فقال ( إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا ) ـ الزّخرف ٢ ـ الى ان قال : هذا وأمثاله يدلّ على انّ الخبر متروك الظاهر فيكون معناه ان صحّ : انّ من حمل القرآن على رأيه ولم يعلم شواهد ألفاظه فأصاب الحقّ فقد أخطأ الدّليل ، وقد روى انّ النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : انّ القرآن ذلول ذو وجوه فاحملوه على أحسن الوجوه. وروى عن عبد الله بن عبّاس انّه قال : قسّم وجوه التّفسير على أربعة أقسام : تفسير لا يعذر احد لجهالته وتفسير يعرفه العرب بكلامهم وتفسير يعلمه العلماء وتفسير لا يعلمه الّا الله عزوجل فأمّا الّذي لا يعذر احد لجهالته فهو ما يلزمه الكافّة من الشّرائع الّتي في القرآن وجمل دلائل التّوحيد ، وامّا الّذي يعرفه العرب بلسانها فهو حقائق اللّغة ومصوغ كلامهم ، وامّا الّذي يعلمه العلماء فهو تأويل المتشابه وفروع الاحكام ، وامّا الّذي لا يعلمه الا الله عزوجل

٣

بعض ، مثال النصّ : قوله تعالى ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) (١) إذ لا يحتمل غير الوحدانيّة مثال الظّاهر : قوله ( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ ) (٢) مثال المؤوّل ( يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) (٣) في إرادة القدرة ، مثال المجمل ( وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ ) (٤) في احتمال أقبل وأدبر.

الثّانية : اللّفظ الدّالّ على الماهيّة إمّا أن يدلّ عليها من حيث هي هي لا بقيد وحدة أو كثرة أولا ، والأوّل المطلق والثّاني إن دلّ بقيد وحدة فإمّا معيّنة فهو العلم كزيد والمضمر ، أو غير معيّنة وهو النكرة ويقال له أيضا الشّخص المنتشر ، وإن دلّ بقيد كثرة فامّا محصورة بالنّظر إليه وهو اسم العدد ، أو غير محصورة فامّا أن يكون شاملة لكلّ الأفراد فهو العامّ أو غير شاملة وهو الجمع المنكّر ، فالفرق حينئذ بين العامّ

__________________

فهو ما يجرى مجرى الغيوب وقيام الساعة. أقول : تحرير الكلام انّ الخبر محمول على ظاهره غير متروك الظّاهر وانّه صحيح مضمونه على ما اعترف به في أوّل كلامه حيث قال : قد صحّ عن النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بيانه انّ الشّيخ أبا على ـ ره ـ قال في أوّل تفسيره : التّفسير معناه كشف المراد من اللّفظ المشكل ، والتّأويل ردّ احد المحتملين الى ما يطابق الأخر وقيل : التّفسير كشف المغطّى ، والتأويل انتهاء الشّي‌ء ومصيره وما يؤل إليه أمره ، وهما قريبان من الأوّلين ، فالمعنى من فسّر وبيّن وجزم وقطع بأنّ المراد من اللّفظ المشكل مثل المجمل والمتشابه كذا بان يحمل المشترك اللفظي مثلا على احد المعاني من غير مرجّح وهو امّا دليل نقليّ كخبر منصوص أو آية أخرى كذالك أو ظاهر أو إجماع ، أو عقلي أو المعنوي المراد به احد معانيه بخصوصه بدليل غير الدّلائل المذكورة على فرد معيّن فقد أخطأ.

وبالجملة المراد من التّفسير الممنوع برأيه وبغير نصّ هو القطع بالمراد من اللّفظ الّذي غير ظاهر فيه من غير دليل بل بمجرّد رأيه وميلة واستحسان عقله من غير شاهد معتبر شرعا كما يوجد في كلام المبدعين وهو ظاهر لمن تتّبع كلامهم والمنع منه ظاهرا عقلا والنّقل كاشف عنه وهذا المعنى غير بعيد عن الاخبار المذكورة بل ظاهرها ذلك.

(١) الإخلاص ١.

(٢) المائدة ٦.

(٣) الفتح ١٠.

(٤) التّكوير ١٧.

٤

والمطلق أنّ المطلق يدلّ على الماهيّة من حيث هي هي لا بقيد وحدة أو كثرة والعامّ يدلّ عليها مع قيد الكثرة الشاملة ، وألفاظ العموم : كلّ وجميع ومتى ومن وما وحيثما وأنّى والجمع المعرّف باللّام والجمع المضاف والحق غيرها وتحقيقه في الأصول.

ثمّ العام إن ورد [ عليه ] ما يدلّ على إخراج بعض ما يصحّ أن يتناوله اللّفظ سمّي ذلك المخرج مخصّصا والعام مخصوصا ، وكذا المطلق إن ورد ما يدلّ على الماهيّة بصفة زائدة سمّي ذلك مقيّدا والمطلق مقيّدا ، وكذلك المجمل إن ورد لفظ أو فعل مبيّن لأحد محتملاته سمّي ذلك مبيّنا والمجمل مبيّنا وتحقيق ذلك كلّه في أصول الفقه.

الثالثة : اشتهر بين القوم أنّ الآيات المبحوث عنها نحو من خمسمائة آية وذلك إنّما هو بالمتكرّر والمتداخل وإلّا فهي لا تبلغ ذلك ، فلا يظنّ من يقف على كتابنا هذا ويضبط عدد ما فيه : أنّا تركنا شيئا من الآيات فيسيئ الظنّ به ولم يعلم أنّ المعيار عند ذوي البصائر والأبصار ، إنّما هو التّحقيق والاعتبار ، لا الكثرة والاشتهار.

وعلى التقديرين يرد هنا سؤال تقريره أنّه ورد في الحديث عنهم عليهم‌السلام :القرآن أربعة أرباع ربع فينا وربع في عدوّنا وربع [ في ] فرائض وأحكام وربع في قصص وأمثال (١) والقرآن ستّة آلاف آية وستّمائة وستّة وستّون آية فكيف يكون خمسمائة وأقلّ ربعه؟ والجواب من وجهين :

الأوّل : ليس المراد الرّبع حقيقة وهو جزء من أربعة أجزاء متساوية في المقدار ، بل الرّبع باعتبار المعنى فلا يلزم أن يكون الأرباع متساوية من حيث المقدار.

الثّاني : أنّ الفرائض والأحكام قد تكون فقهيّة وقد تكون أصوليّة والآيات المذكورة فقهيّة لا غير فجاز كون تمام الرّبع في فرائض وأحكام غير فقهيّة إذا تقرّر هذا فلنشرع في الكتب.

__________________

(١) سنن ح ل.

٥

كتاب الطّهارة

وفيه مقدّمة وآيات.

أمّا المقدّمة :فالطّهارة لغة النّزاهة قال الله تعالى ( يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ ) (١) أي نزّهك وشرعا تطلق حقيقة عند بعضهم على رافع الحدث أو المبيح للصّلوة فتعريفها حينئذ هو ما يبيح الدّخول في الصّلوة وإن أطلقت على غير المبيح فمجاز كغسل الجمعة والوضوء المجدّد وعند الأكثر تطلق عليهما حقيقة فأجود تعريفاتها حينئذ استعمال طهور مشروط بالنيّة ، وقد تطلق مجازا بالاتّفاق على إزالة الخبث إمّا عن الثّوب أو عن البدن لأنّ إزالة الخبث في التّحقيق أمر عدميّ فلا حظّ له في المعاني الوجوديّة حقيقة ، وهل إطلاقها في المعنى الحقيقيّ متواط أو مشكّك؟ فيه خلاف ، ومقصود الكتاب هنا ذكر الطّهارة بسائر اعتباراتها المذكورة حقيقة ومجازا.

وأمّا الآيات ، فالأولى ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (٢).

هنا مسائل :

١ ـ : قوله تعالى ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) مورد سؤال تقريره أنّه يلزم اختصاص الوجوب بالمؤمنين مع أنّ عندكم الكافر مكلّف بالفروع؟. (٣) جوابه :

__________________

(١) آل عمران : ٣٧.

(٢) المائدة : ٦.

(٣) القول بتكليف الكفّار بالفروع ليس مختصّا بالشّيعة ، بل أكثر الشافعيّة عليه

٦

اللّزوم من حيث مفهوم المخالفة وليس بحجّة عندنا ، ووجه التخصيص بالذين آمنوا أنّهم المتهيّئون للامتثال ، المنتفعون بالأعمال.

٢ ـ : قوله تعالى ( إِذا قُمْتُمْ ) ، قيام الصّلاة قسمان قيام للدّخول فيها وقيام للتهيّؤ لها ، والمراد هنا الثّاني وإلّا لزم تأخّر الوضوء عن الصّلوة وهو باطل إجماعا ، فلذلك قيل : المراد على الأوّل : إذا أردتم القيام كقوله تعالى ( فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ ) (١) عبّر عن إرادة الفعل بالفعل المسبّب عنها فهو من إطلاق المسبّب على السّبب [ له ] كقولهم « كما تدين تدان » وفيه نظر لأنّ معنى الإرادة مفهوم من العقل لا من اللّغة بل ما من فعل إلّا وهو مسبّب عن الإرادة فتخصيص القيام يفتقر

__________________

نعم خالفهم أبو حامد الاسفرائنى وأكثر الحنفيّة. وقال قوم : في النّواهي دون الأوامر استنادا بانّ النّواهي تروك لا تتوقّف على النيّة. وقوم في من عدا المرتدّ فوافقوا على تكليفه باستمرار تكليف الإسلام. والخلاف في خطاب التكليف وما يرجع اليه من الوضع ككون الطّلاق سببا لحرمة الزّوجة ، وامّا ما لا يرجع اليه نحو الإتلاف والجنايات وترتّب آثار العقود فالكافر كالمسلم اتّفاقا. وكذا ليس تكليفهم بالفروع متّفقا عليه عند الشّيعة كيف وقد خالفهم في ذلك صاحب الحدائق في مبحث غسل الجنابة والمحدّث الكاشاني في الوافي في كتاب الحجّة ومحمّد أمين الأسترآبادي في الفوائد المدنيّة. وعلى كلّ حال فالحقّ تكليفهم بالفروع أيضا ، كيف وكثير من الخطابات التّكليفيّة عامّ شامل لهم مثل قوله تعالى ( وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) ـ آل عمران ٩١ ـ وقوله تعالى ( يا أَيُّهَا النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ) ـ البقرة ٢٠ ـ وقوله تعالى ( وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً ) ـ الفرقان ٦٨ ـ وقوله تعالى ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ) ـ الزلزال ٨ ـ وقوله تعالى ( وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ) ـ المطفّفين ١ ـ وقوله تعالى ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً ) إلخ ـ النساء ٩٥ ـ وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل ـ الوسائل ج ١ ـ أبواب الجنابة ب ٦ ح ٢ ـ والاخبار المصرّحة بأنّ الله فرض على العباد كذا وكذا. وفي الآيات ما يدل خصوصا على تكليفهم بالفروع مثل قوله تعالى : ( قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ) المدّثّر ٤٤ ـ وقوله تعالى ( فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى ) ـ القيمة ٣١ ـ وقوله تعالى ( وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ ) ـ فصّلت ٥ و ٦.

(١) النّحل : ٩٧.

٧

إلى مخصّص وليس ، وقيل : المراد إذا قصدتم الصّلوة ، لأنّ القيام إلى الشي‌ء والتوجّه إليه يستلزم القصد إليه فيكون من إطلاق الملزوم وإرادة (١) اللّازم والأولى أنّ ذلك كلّه يخرج « إلى » عن موضوعها الحقيقي وهو كونها للغاية الزمانيّة أو المكانيّة والحقيقيّ (٢) أولى ، وذلك مستلزم لتقدير زمان هي موضوعة لغايته فيكون التّقدير : إذا قمتم زمانا ينتهي إلى الصّلوة ، فيكون القيام على حقيقته ، فالمقدّر هو الزّمان الّذي يقتضيه لفظة إلى والفعل معا.

ثمّ اعلم أنّ ظاهر الخطاب يعمّ كلّ قائم محدثا كان أو غيره وهو باطل لأنّه خلاف الإجماع ، ولأنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله صلّى الخمس في يوم فتح مكّة بوضوء واحد فقال عمر : صنعت ما لم تصنعه؟ فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : عمدا فعلته (٣) وقيل : كان كذلك و [ قد ] نسخ ، وهو ضعيف أيضا لقوله عليه‌السلام : « المائدة آخر القرآن نزولا فأحلّوا حلالها وحرّموا حرامها » (٤).

والحقّ أنّ المراد : إذا قمتم إلى الصّلوة محدثين ، فهو مطلق أريد به التّقييد (٥).

٣ ـ ( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ) : الأمر حقيقة في الوجوب على قول الأكثر وتحقيقه في الأصول أي أمرّوا الماء على وجوهكم ، وفيه دلالة على عدم جواز التولية

__________________

(١) على اللّازم خ ل.

(٢) والحقيقة خ ل.

(٣) فتح القدير للشوكانى نقلا عن مسلم واحمد وأهل السّنن عن بريدة جلد ٢ صفحة ١٥.

(٤) فتح القدير للشوكانى تقدمة سورة المائدة.

(٥) المقيد ظ ويمكن استفادة هذا أيضا ممّا في آخر الآية ( أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا ) حيث أوجب التيمم على المتغوّط والمجامع عند عدم الماء كما أفاده الامام الفخر الرّازي في تفسيره ، وعلى كلّ حال فإجماع الفقهاء على عدم الوجوب الّا داود الظّاهري فإنّه أوجب الوضوء لكلّ صلاة.

٨

بل المباشرة. ولا حاجة إلى الدلك خلافا لمالك والوجه (١) اسم لما يقع به المواجهة فلا يجب تخليل الشّعور الكثيفة عليه بخلاف الخفيفة فإنّ المواجهة تقع بما تحتها.

٤ ـ ( وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ) قيل : إلى بمعنى مع كما في « مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ » (٢) فيدخل المرفق ضرورة وقيل : إلى على حقيقتها وهو انتهاء الغاية ، فقيل بدخول المرفق أيضا لأنّه لمّا لم يتميّز الغاية عن ذي الغاية بمحسوس وجب دخولها والحقّ أنّها للغاية ولا يقتضي دخول ما بعدها فيما قبلها ولا خروجه لوروده معهما أمّا الدّخول فكقولك : حفظت القرآن من أوّله إلى آخره ومنه ( سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ) (٣) وأمّا الخروج : فك ( أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ ) (٤) و ( فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ ) (٥). وحينئذ لا دلالة له على دخول المرفق ولذلك حكم داود الأصبهانيّ الظّاهريّ (٦) وزفر (٧) بعدم وجوب غسلهما وكذا

__________________

(١) وحد الوجه عند الإمامية من قصاص شعر الرأس إلى الذقن طولا ، وما دار عليه الإبهام والوسطى عرضا ، وبه قال مالك وقال الشافعي واحمد : ما بين العذار والاذن من الوجه. وذهب الزهري الى ان الوجه ما بين الأذنين. واختلف أهل السنة في حكم الأذنين على ثلاثة أقوال الأول : انها من الرأس قاله ابن المبارك والثوري. الثاني انهما من الوجه قاله الزهري. الثالث : انه يغسل ما اقبل منهما مع الوجه ويمسح ما أدبر منهما مع الرأس قاله الشعبي والحسن.

(٢) ـ آل عمران ٥٢ ـ وكما في قوله تعالى ( وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ ) ـ هود ٥٢ ـ وقوله ( وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ ) ـ النساء ٢ ـ وقوله ( وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ ) ـ البقرة ١٤.

(٣) الاسراء : ١.

(٤) البقرة : ٨٣.

(٥) البقرة : ٢٨.

(٦) داود بن على بن خلف الأصبهاني المشهور بالظاهرى كان من أكثر الناس تعصبا للشافعي ، وله مذهب مستقل في الفقه تبعه جمع كثير يعرفون بالظاهرية ، مولده بالكوفة سنة ٢٢ وتوفي بها سنة. ٢٧.

(٧) بضم الزاء وفتح الفاء بعدها الراء وهو أبو الهذيل قيس بن سليم ، كان فقيها حنفيا مولده سنة ١١٠ ووفاته سنة ١٨٥ راجع وفيات الأعيان.

٩

لا دلالة على الابتداء بالمرفق ولا بالأصابع ، لأنّ الغاية قد تكون للغسل وقد تكون للمغسول وهو المراد هنا ، بل كلّ من الابتداء والدّخول مستفاد من بيان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فإنّه توضّأ وابتدأ بأعلى الوجه وبالمرفقين وأدخلهما ، وإلّا لكان خلاف ذلك هو المتعيّن لأنّه قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : هذا وضوء لا يقبل الله الصّلوة إلّا به (١). أي بمثله فلا يكون الابتداء بالأعلى (٢) وبالمرفقين وعدم دخولهما مجزيا بل يكون بدعه ، لكنّ الإجماع على خلافه.

٥ ـ ( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ ). قيل : الباء للتّبعيض (٣) لأنّه الفارق بين مسحت بالمنديل ومسحت المنديل وقيل : زائدة لأنّ المسح متعدّ بنفسه ولذلك أنكر أهل العربيّة إفادة التّبعيض. والتّحقيق أنّها تدلّ على تضمين الفعل معنى الإلصاق ، فكأنّه قال : الصقوا المسح برؤسكم وذلك لا يقتضي الاستيعاب ولا عدمه ، بخلاف :امسحوا رؤوسكم ، فإنّه كقوله ( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ).

ثمّ اختلف في القدر الواجب مسحه فقال أصحابنا : أقلّ ما يقع عليه اسم المسح أخذا بالمتيقّن ، ولنصّ أئمّتهم عليهم‌السلام ، وبه قال الشّافعي. وقال أبو حنيفة : ربع

__________________

(١) الوسائل ب ٣١ من أبواب الوضوء ح ١١.

(٢) يعني بأعلى الوجه.

(٣) ما افاده المصنّف ـ قدّس سره ـ من افادة الباء التّبعيض دقيق متين لا غبار عليه حقيق بالتّلقي بالقبول ، الّا ان ههنا كلاما لصاحب مجمع البحرين دقيقا مقرونا بالتحقيق ننقله بعين عبارته قال في مادّة بعض : والباء للتّبعيض قال في المصباح : ومعناه انّها لا يقتضي العموم فيكفي أن يقع ما يصدق عليه انّه بعض ، واستدلّوا عليه بقوله تعالى « وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ ». وقالوا : الباء هنا للتّبعيض على رأى الكوفيّين ، ونصّ على مجيئها للتّبعيض ابن قتيبة في أدب الكاتب وأبو على الفارسيّ وابن جنّي ونقله الفارسيّ عن الأصمعيّ ، وقال ابن مالك في شرح التّسهيل : وتأتى الباء موافقة من التّبعيضيّة الى ان قال : وذهب الى مجي‌ء الباء بمعنى التّبعيض الشافعي وهو من ائمّة اللّسان. وقال بمقتضاه احمد وأبو حنيفة حيث لم يوجبا التّعميم بل اكتفى احمد بمسح الأكثر ، وأبو حنيفة بمسح الرّبع ولا معنى للتّبعيض غير ذلك قال : وجعلها للتّبعيض اولى من القول بزيادتها لأنّ الأصل عدم الزّيادة ، ولا يلزم من

١٠

الرّأس لأنّه عليه‌السلام مسح على ناصيته وهو قريب من الرّبع وهو غلط. ومالك يمسح الجميع (١).

__________________

الزّيادة في موضع ثبوتها في كل موضع بل لا يجوز القول به الّا بدليل ، فدعوى الأصالة دعوى تأسيس وهو الحقيقة ، ودعوى الزّيادة دعوى مجاز ومعلوم انّ الحقيقة أولى وقوله تعالى ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللهِ ). لقمان ٣١ ـ قال ابن عبّاس الباء بمعنى من ومثله ( فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ ) ـ هود ٤١ ـ اى من علم الله الى ان قال : وقال النّحاة : تأتى للإلصاق : ومثّلوه بقولك مسحت يدي بالمنديل اى لصقتها به والظّاهر انّه لا يستوعبه وهو عرف الاستعمال ، ويلزم من هذا الإجماع على انّها للتّبعيض انتهى وهو تحقيق جيّد يطابق المذهب الحقّ ويشهد له صريح الحديث الصّحيح المشهور المرويّ عن زرارة عن الباقر عليه‌السلام قال : قلت له : الا تخبرني من اين علمت وقلت انّ المسح ببعض الرّأس وبعض الرّجلين؟ فضحك وقال : يا زرارة : قاله رسول الله صلّى الله عليه ونزل به الكتاب من الله تعالى لانّه قال ( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ). فعرفنا انّ الوجه كلّه ينبغي ان يغسل ، ثمّ قال ( وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ). فوصل اليدين بالوجه فعرفنا انّه ينبغي لهما ان يغسلا الى المرفقين ثمّ فصّل بين الكلامين فقال ( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ ) فعرفنا حين قال برؤسكم انّ المسح ببعض الرّأس لمكان الباء ثمّ وصل الرّجلين بالرّأس كما وصل اليدين بالوجه فقال ( وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ). فعرفنا حين وصلهما بالرّأس انّ المسح على بعضها ثمّ فسّر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ذلك للنّاس فضيّعوه. الوسائل ب ٢٣ من أبواب الوضوء ح ١ ـ

(١) اختلف أهل السّنة في مسح الرّأس على احد عشر قولا : الأوّل : انّه ان مسح منه شعرة واحدة اجزئه. الثّاني : ثلاث شعرات. الثالث : ما يقع عليه الاسم ، نسب هذه الأقوال الثّلاثة إلى الشافعيّ. الرّابع : قال أبو حنيفة : بمسح الناصية. الخامس : قال أبو حنيفة انّ الفرض ان يمسح الرّبع. السّادس : قال أيضا في رواية ثالثة : لا يجزيه الّا ان يمسح النّاصية بثلاث أصابع أو أربع. السّابع : يمسح الجميع قاله مالك. الثّامن ان ترك اليسير من غير قصد اجزئه. العاشر : قال أبو الفرج ان مسح ثلثه اجزء. الحادي عشر : قال أشهب : ان مسح مقدّمه اجزئه. راجع أحكام القرآن لابن العربي.

١١

فروع

١ ـ : المسح عندنا مختصّ بالمقدّم لوقوع ذلك في البيان فيكون متعيّنا ، ولأنّه مجزئ بالإجماع لأنّ جميع الفقهاء قالوا بالتخيير أيّ موضع شاء.

٢ ـ : الحقّ أنّه لا يجب الابتداء بالأعلى لإطلاق المسح ، ولقول أحدهما عليهما‌السلام : « لا بأس بالمسح مقبلا ولا مدبرا » (١).

٣ ـ : أنّه لا يتقدّر بثلاثة أصابع لما بيّنّاه من الإطلاق ، ولقول الباقر عليه‌السلام :« إذا مسحت بشي‌ء من رأسك أو بشي‌ء من قدميك ما بين كعبيك إلى أطراف الأصابع فقد أجزأك (٢) ، نعم بثلاث أصابع أفضل ».

٤ – ( وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) قرأ نافع وابن عامر والكسائي وحفص بالنّصب عطفا على محلّ برؤوسكم ، إذ الجارّ والمجرور محلّه النّصب على المفعوليّة كقولهم :مررت بزيد وعمروا. وقرئ : « تنبت بالدّهن وصبغا للآكلين » (٣). وكقول الشاعر :

معاوي إنّنا بشر فأسجح

فلسنا بالجبال ولا الحديدا (٤)

__________________

(١) الوسائل ب ٢٠ من أبواب الوضوء ح ١.

(٢) الوسائل ب ٢٣ من أبواب الوضوء ح ٤.

(٣) المؤمنون : ٢٠.

(٤) من أبيات لعقبة بن الحارث الأسدي كما في جامع الشّواهد ولكن البغدادي نسبه الى عقيبة بن هبيرة الأسدي ـ الخزانة للبغدادى جلد ـ ٢ ص ٨٢ ـ يخاطب بها معاوية ابن ابى سفيان وبعده.

أكلتم أرضنا فجردّتموها

فهل من قائم أو من حصيد

ذروا خون الخلافة واستقيموا

وتأمير الأراذل والعبيد

وأنت خبير بان الكسر في الحديد أوفق بالقاعدة مراعاة للقوافى كما في جامع الشّواهد فلا يصلح شاهدا للمقصود. وما ذكره المصنّف من النّصب عطفا على محلّ الجار

١٢

وقرأ الباقون بالجرّ عطفا على رؤسكم وهو ظاهر. فإذا القرائتان دالّتان على معنى واحد وهو وجوب المسح كما هو مذهب أصحابنا الإماميّة ويؤيّده ما رووه عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : أنّه توضّأ ومسح قدميه ونعليه (١) :

ومثله عن عليّ عليه‌السلام وابن عبّاس وأيضا عن ابن عبّاس : أنّه وصف وضوء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فمسح رجليه (٢) وإجماع أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام على ذلك ، قال

__________________

والمجرور فهو موافق لما ذكره ابن الأنباري في كتاب الانصاف ص ٣٣٣ بعد نقل الشعر ومن زعم ان الرّواية ولا الحديد بالخفض فقد أخطأ ، لأنّ البيت الّذي بعده :

اديروها بنى حرب عليكم

ولا ترضوا به الغرض البعيدا

والروي المخفوض لا يجتمع مع الروي المنصوب في قصيدة واحدة. وأنت خبير بانّ سيبويه غير متهم فيما نقله رواية عن العرب وقد استشهد بهذا الشعر في مواضع عديدة انظر الكتاب جلد ١ ص ٣٤ وص ٣٥٢ وص ٣٧٥ طبع بولاق وقد نقل البيت الّذي بعده كما نقله ابن الأنباري اديروها إلخ وكذلك ص ١٢٣ جلد ٢ من حاشية الدّسوقى على المغني وقد استشهد به المحقّق الرّضى في باب توابع المنادي كما ذكر.

(١) سنن ابى داود جلد ١ صفحة ٢٦ وقد نقل في نيل الأوطار ص ١٨٦ جلد ١ انّه اخرج الدّارقطنى عن رفاعة بن رافع بلفظ لا تتمّ صلاة أحدكم. وفيه ويمسح برأسه ورجليه. قال الزّمخشري في الكشّاف : النكتة المقتضية لذكر الغسل والمسح توقي الإسراف. وقال ابن قدامة في المغني ص ١٣٢ : وحكى عن ابن عباس انّه قال : ما أجد في كتاب الله الّا غسلتين ومسحتين. وروى عن انس بن مالك انّه ذكر له قول الحجّاج :اغسلوا القدمين إلخ. فقال : صدق الله وكذب الحجّاج وتلامذة الآية ( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) وحكى عن الشّعبي انّه قال : الوضوء مغسولان وممسوحان فالممسوحان يسقطان في التيمّم ، وحكى أيضا عن ابن جرير انّه قال : هو مخيّر بين المسح والغسل محتجّا بظاهر الآية وما رواه ابن عبّاس وسعيد وأوس بن أبي أوس الثقفي.

(٢) مجمع البيان في تفسير سورة المائدة آية ٦ وفي الوسائل ب ٢٥ من أبواب الوضوء. ولم أظفر عليها في طرق أهل السّنة الّا انّ في الإصابة ص ١٨٧ ج ١ في ترجمة تميم

١٣

الصّادق عليه‌السلام : يأتي على الرّجل الستّون أو السّبعون ما قبل الله منه صلاة ، قيل له : وكيف ذلك؟ قال : لأنّه يغسل ما أمر الله بمسحه (١). وغير ذلك من الرّوايات وقال ابن عبّاس وقد سئل عن الوضوء : غسلتان ومسحتان (٢) وقال الفقهاء الأربعة بوجوب الغسل ، محتجّين بقراءة النصب عطفا على وجوهكم ، أو أنّه منصوب بفعل مقدّر ـ أي : « فاغسلوا أرجلكم » كقولهم : علّفتها تبنا وماء باردا (٣). أراد وسقيتها ـ وقوله : متقلّدا سيفا ورمحا (٤) أي و

__________________

ابن زيد الأنصاري ما يوافقها في المقصود ونحن ننقلها بعين عبارته : وروى البخاري في تاريخه واحمد بن أبي شيبة وابن ابى عمر والبغوي والطّبراني والباوردي وغيرهم كلّهم من طريق أبي الأسود عن عباد بن تميم المازني عن أبيه قال : رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يتوضّأ ويمسح الماء على رجليه. رجاله ثقات. اه

(١) الوسائل كتاب الطّهارة أبواب الوضوء ب ٢٥ ح ٢ وفي العاشر من احاديث هذا الباب عن غالب بن الهذيل قال : سألت أبا جعفر عليه‌السلام عن قول الله عزوجل ( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) على الخفض هي أم على النّصب قال : بل هي على الخفض. ونقل هذه الرّواية في تفسير البرهان لهذه الآية رقم ٢٤. واعلم ان القراءات ليست متواترة والمتواتر من القرآن ليس الّا ما هو من قبيل الموادّ المرسومة في الكتابة ، واختلافهم في القراءات من اجتهادات القرّاء ، والتّرخيص الوارد عن الأئمّة عليهم‌السلام انّما هو في مجرّد القراءة ، لا لإيجاب العمل بكل من القراءات وليس شي‌ء من القراءات حجّة في الحكم. ففي المسئلة ليس ترجيح لإحدى القرائتين على الأخرى ولا تيقّن لوروده عن النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فاللّازم الأخذ بما تقتضيه القواعد الأدبيّة وهي كما بيّنه المصنّف قدّس سره وبينّاه في الحواشي ترجيح قراءة الجرّ والوارد عن المعصوم عليه‌السلام أيضا قراءة الجرّ كما نقلناه.

(٢) تفسير الطّبري جلد ٦ ص ١٢٨.

(٣) آخره : حتى شتت همالة عيناها.

(٤) اوله : بالبيت زوجك قد غدا.

١٤

معتقلا رمحا ـ (١) ويؤيّده قراءة وأرجلكم بالرّفع ـ أي وأرجلكم مغسولة ـ وأمّا قراءة الجرّ فيه فبالمجاورة كقوله تعالى ( عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ) (٢). بجرّ أليم وقراءة حمزة ( وَحُورٌ عِينٌ ) (٣) فإنّه ليس معطوفا على قوله ( وَلَحْمِ طَيْرٍ ) (٤) وما قبله وإلّا لكان تقديره يطوف عليهم ولدان مخلّدون بحور عين لكنّه غير مراد ، بل هم الطّائفون

__________________

(١) قال ابن هشام ( المغني الباب الخامس في حذف الفعل ) بعد ذكر البيت الأوّل وقيل لا حذف بل ضمن معنى انلتها وأعطيتها ، والزموا صحة نحو علفتها ماء باردا وتبنا فالتزموها محتجّين بقول طرفة : لها سبب ترعى به الماء والشّجر. وقد نسب الأزهري في التّصريح في باب المفعول معه هذا القول إلى الجرمي والمازني والمبرّد وابى عبيدة والأصمعي واليزيدى حيث أنكروا حذف الفعل في أمثال تلك الموارد ، وكذلك قالوا في قول الشاعر :

إذا ما الغانيات برزن يوما

وزججن الحواجب والعيونا

حيث لا معنى لتزجيج العين اى ترقيقها وتطويلها فالفعل محذوف وقدّروا : وكحلن العيونا.

قال الجرمي وموافقوه بانّ : زججن مؤوّل بحسن بتشديد السين ، كما ان علفتها مؤل بأنلتها ولم يحذف فعل. قال : واختلف في التضمين أهو قياسي أم سماعي؟ والأكثرون على انّه قياسىّ وضابطه أن يكون الأوّل والثّاني يجتمعان في معنى عام قاله المرادي في تلخيصه ولابن هشام مثال آخر للحذف في غير ما يطرد وهو قوله تعالى ( وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) ـ الحشر ٩ ـ لكن الفاضل الدّسوقى قال في حاشيته على المغني : ويجوز ان يكون من عطف المفردات على أن يكون التّجوز واقعا في الايمان على طريق الاستعارة وتقريرها ان تقول : شبه الايمان من حيث ان المؤمنين من الأنصار تمكنوا منه تمكن المالك في ملكه بمدينة من المدائن الحصينة وادّعى انّ المشبّه فرد من افراد المشبّه به وأستعير لفظ المشبّه به للمشبه في النفس وطوى ذكر المشبه به ورمز بذكر شي‌ء من لوازمه وهو التّبوء على طريق الاستعارة بالكناية وإثبات التّبوء تخييل.

(٢) هود : ٢٦.

(٣) الواقعة : ٢٢.

(٤) الواقعة : ٢١.

١٥

لا المطوف بهم (١) فيكون جرّه على مجاورة لحم طير ، ولأنّ القول بالغسل قول أكثر الأمّة.

والجواب عن الأوّل : بأنّ العطف على وجوهكم حينئذ مستهجن إذ لا يقال : ضربت زيدا وعمروا وأكرمت خالدا وبكرا ويجعل بكرا عطفا على زيدا وعمرا المضروبين هذا ، مع أنّ الكلام إذا وجد فيه عاملان عطف على الأقرب منهما كما هو مذهب البصريّين ، وشواهده مشهورة خصوصا مع عدم المانع كما في المسئلة ، فانّ العطف على الرّؤس لا مانع منه لغة ولا شرعا. وأمّا النّصب بفعل مقدّر فإنّه إنّما يجوز ويضطرّ إلى التّقدير إذا لم يمكن حمله على اللّفظ المذكور كما مثّلتم. وأمّا هيهنا فلا ، لما قلنا من العطف على المحلّ. وأمّا قراءة الرفع فيحتمل أيضا مذهبنا : أي وأرجلكم ممسوحة ، بل هو أولى لقرب القرينة. وعن الثّاني : بأنّ إعراب المجاورة ضعيف جدّا لا يليق بكتاب الله خصوصا وقد أنكره أكثر أهل العربيّة هذا ، مع أنّه إنّما يجوّز بشرطين (٢) :

__________________

(١) وقيل : العطف على جنات وكأنه قيل : المقربون في جنات وفاكهة ولحم طير وحور ، وقيل : على اكواب باعتبار المعنى وقيل بالجر عطفا على اكواب باعتبار اللفظ دون المعنى لان الحور لا يطاف بهن. وقيل : هو معطوف على جنات ولم ينكر الجر بالجوار قاله أبو البقاء العكبري.

(٢) قال أبو البقاء الحنفي في كتاب الكليات : كل موضوع حمل فيه على الجوار فهو خلاف الأصل إجماعا للحاجة ، والذي عليه المحققون ان خفض الجوار يكون في النعت قليلا وفي التأكيد نادرا ولا يكون في النسق ـ أي في العطف بالواو ـ لان العاطف يمنع التجاور ، ومن شرط الخفض على الجوار أن لا يقع في محل الاشتباه. قال ابن هشام في مغني اللبيب في الفائدة الثانية من الباب الثامن : وأنكر السيرافي وابن جنى الخفض على الجوار وتأولا قولهم « خرب » في « جحر ضب خرب » بالجر على انه صفة لضب ، ثم قال السيرافي الأصل خرب الجحر منه بالتنوين ورفع الجحر ثم حذف الضمير للعلم به ، وحول الإسناد إلى ضمير ضب وخفض الجحر كما تقول : مررت برجل حسن الوجه والأصل حسن الوجه منه ، ثم اتى بضمير الجحر مكانه لتقدم ذكره فاستتر. وقال ابن جنى : الأصل خرب جحرة ثم أنيب المضاف اليه عن المضاف فارتفع واستتر.

١٦

الأوّل : عدم الالتباس كقولهم : جحر ضبّ خرب ، فإنّه لا التباس في أنّ الخرب صفة للجحر ، بخلافه هنا ، فإنّ الأرجل يمكن أن يكون ممسوحة ومغسولة.

إن قلت الالتباس زائل بالتحديد بالغاية ، فإنّ التحديد إنّما هو للمغسول كالأيدي إلى المرافق. قلت : جاز في شرعنا اختلاف المتّفقات في الحكم وبالعكس فلا يزول الالتباس (١).

الثّاني : أن لا يكون معه حرف عطف كالمثال وهنا حرف عطف.

إن قلت : قد جاء مع العطف كقوله :

فهل أنت إن ماتت أتانك راحل

إلى آل بسطام بن قيس فخاطب (٢)

جرّ خاطبا مع حرف العطف وهو الفاء قلت : إنّ المراد رفع خاطب عطفا على راحل ، وإنّما جرّه وهما أو إقواء (٣) ، أو أنّ المراد فخاطب فعل أمر لا أنّه اسم فاعل وكسره للقافية. وأمّا قراءة أليم ، فلعدم الالتباس بيوم. وحور عين مجرور عطفا على جنّات أي المقرّبون في جنات ومصاحبة حور عين ، وذلك لأنّ الجرّ بالجوار مع الواو ممنوع.

وعن الثالث : بالمنع من كونه حجّة مع مخالفة علماء أهل البيت ، خصوصا وقد بيّنّا وروده من طرقكم ، ولهذا كان الجبائيّ يغسل ويمسح ويفتي بالجمع بينهما ثمّ الكلام في إلى كالّذي تقدّم في احتمال المعيّة والغاية والأقوى عندي الثّاني ، والغاية للممسوح فلا دلالة على الابتداء ، وفروع المسح المتقدّمة آتية هنا فيجوز

__________________

(١) ولقد أجاد في ذلك مجمع البيان حيث أفاد بما حاصله : ان الآية تضمنت ذكر عضو مغسول غير محدود وهو الوجه وعطف عضو محدود مغسول عليه ، فالمناسب لتقابل الجملتين ان يكون الأرجل ممسوحة معلومة محدودة معطوفة على الرؤس الممسوح غير المحدود

(٢) الأتان بفتح الهمزة الحمار.

(٣) الاقواء اختلاف قوافى الشعر برفع بيت وجر آخر ، وقلت قصيدة لهم بلا اقواء وأما الاقواء بالنصب فقليل.

١٧

ولو بإصبع ومنكوسا وغير مستقيم ، نعم محلّه ظاهر القدم للبيان. وأمّا الكعبان : فملتقى الساق والقدم (١) والناتيان لا شاهد لهما لغة ولا عرفا ولا شرعا وقيل : لو أريد ملتقى الساق والقدم لقال : إلى الكعاب إذ كلّ رجل لها كعبان. أجيب بأنّ المراد الكعبان من كلّ رجل. وبأنّ أبا عبيدة قال : الكعب هو الّذي في أصل القدم ينتهي إليه الساق بمنزلة كعاب القنا (٢).

__________________

(١) نقل عن شيخنا البهائي في كتابه الحبل المتين ان الكعب يطلق على معان أربعة الأوّل : العظم المرتفع في ظهر القدم الواقع بين المفصل والمشط. الثاني : المفصل بين الساق والقدم. الثالث : عظم مائل إلى الاستدارة واقع في ملتقى الساق والقدم له زائدتان في أعلاه يدخلان في حفرتي قصبة الساق وزائدتان في أسفله يدخلان في حفرتي العقب ، وهو نأت في وسط ظهر القدم اعنى وسطه العرضي ولكن نتوه غير ظاهر لحسّ البصر لارتكاز أعلاه في حفرتي الساق ، وقد يعبّر عنه بالمفصل لمجاورته له أو من قبيل تسمية الحال باسم المحلّ. الرّابع : احد الناتيين عن يمين القدم وشماله.

أقول : المعنى الأوّل هو مختار أكثر أصحابنا الإماميّة كالمفيد بل المستفاد من المعتبر والانتصار والذّكرى ، والمعنى الثّاني يرجع الى الثّالث وهو مختار العلّامة وهو الى الحقّ أقرب وبالمستفاد من عبارات أهل اللّغة أوفق ، واستدلال العلّامة بصحيحة الأخوين : زرارة وبكير ، المرويّة في الوسائل ب ١٥ من أبواب الوضوء ح ٣ متقن كمال الإتقان ، وعليه محمّد بن الحسن بل أكثر الحنفيّة وفي الكشّاف والمنقول عن طراز اللّغة انّ كل من أوجب المسح قال : المفصل بين السّاق والقدم. وكذلك مفاد كلام النّيشابوري في تفسيره. والرّابع قول أكثر العامّة كالشّافعيّة.

(٢) وهنا مسائل يجب التّنبيه عليها. الاولى : اتفقت الإماميّة سلفا عن خلف على عدم جواز المسح على الخفّين وهو الموافق للرّوايات الواردة عن العترة عليهم‌السلام راجع الوسائل ب ١٥ و ٣٨ من أبواب الوضوء وحسبهم حجّة قوله عزّ من قائل « وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ. » ـ المائدة ٦ ـ حيث انّه نصّ في وجوب المسح على الأرجل أنفسها ، فمن اين جاء المسح على الخفين؟ انسخت الآية أم هي من المتشابهات؟

كلّا بل هي من المحكمات اللّاتي هنّ أمّ الكتاب ، واجمع المفسّرون على ان لا منسوخ في سورة المائدة المشتملة على آية الوضوء إلّا آية واحدة وهي قوله تعالى ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ

١٨

فائدة : إن قلنا : أنّ واو العطف يفيد الترتيب كما هو رأي الفرّاء وبعض النّحاة والفقهاء فدلالة الآية على التّرتيب ظاهر ، وإن قلنا بعدمه كما هو المشهور

__________________

آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ. ) ـ المائدة ٢ ـ إذ قال بعضهم بنسخها دون ما سواها.

وأكثر أهل السّنة قائلون بالجواز ، وهم بين قائل بالجواز مطلقا سفرا وحضرا وقائل بالجواز في السّفر وبعضهم ذكر شروطا لا يهمّنا التّعرض له بعد القطع بعدم الجواز وما استدلّوا عليه من روايات الجواز من طرقهم مع أنّها متعارضة مخالف الكتاب وروى الإمام الرّازي في تفسير هذه الآية عن النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : إذا روى لكم عنّى حديث فاعرضوه على كتاب الله فان وافقه فاقبلوه والّا فردّوه. وعائشة تنكر المسح على الخفّين. وقال ابن عباس : لان امسح على جلد الحمار أحبّ إلىّ من ان امسح على الخفّين بل قال الرّازي : كان ابن عمر أيضا يخالف المسح على الخفّين والجمهور يعجبهم حديث جرير ص ١٩٥ نيل الأوطار المجلّد الأوّل : إذ بال وتوضّأ فمسح على خفّيه فقيل له : تفعل هذا؟ قال : نعم رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بال ثم توضأ فمسح على خفّيه قالوا : كان إسلام جرير بعد نزول المائدة ومع قطع النّظر عن القدح في جرير حيث فارق عليّا عليه‌السلام كما تراه في المعارف لابن قتيبة ص ١٢٧ وفي مروج الذّهب جلد ٢ ص ٣٨٢ ـ نقول : انّ إسلام جرير كان قبل نزول المائدة ، كيف وقد أخرج الطّبراني كما في الإصابة ـ جلد ١ ص ٢٣٤ ـ في ترجمته قال قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : انّ أخاكم النّجاشي قد مات. ولا شبهة في انّ موت النّجاشي كان قبل نزول المائدة إذ كان قبل سنة عشر كما صرّح به في الإصابة.

الثّانية : قد أجمع الإمامية على عدم جواز المسح على العمامة ، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك وخالف في ذلك احمد بن محمّد بن حنبل وأبو ثور والقاسم بن سلام وجماعة كما في بداية المجتهد ـ ج ١ ص ١٣ ـ والأوزاعي والثوري كما في تفسير الإمام الرّازي في تفسير هذه الآية ، فقالوا بالجواز قياسا على الخفّ وعملا بحديث المغيرة بن شعبة انّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله مسح بناصيته وعلى العمامة ، وفي بعض طرقه انّه مسح على العمامة ولم يذكر الناصية ، وأنت خبير بأنّ دين الله لا يصاب بالقياس ، وانّ المغيرة بن شعبة هو الّذي شهد عليه أبو بكرة الصحابي العظيم القدر بما هو مسطور مفصّلا في وفيات الأعيان ترجمة يزيد بن زياد الحميري. وقد نصّ ابن رشد في البداية ج ١ ص ١٠ ـ بانّ حديث

١٩

وهو الحقّ فنقول : يجب الابتداء بغسل الوجه لإتيانه بفاء التعقيب وكلّ من قال بذلك قال بوجوب التّرتيب ، ولأنّه محتمل للوجهين ، والوضوء البيانيّ وقع فيه

__________________

المغيرة معلول ، فحسبنا كتاب الله ( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ ) حيث انّه لا دلالة في الآية الّا على المسح بالرّأس فلم يجز المسح على العمامة لأنّه لا دليل عليه ، واخبار العترة الثّقل الثاني أيضا دالّ على عدم الجواز راجع الوسائل ب ١٥ و ٢٤ و ٣٧ وغيرها من أبواب الوضوء.

الثالثة : قد أجمع الإماميّة على انّ مسح الأذنين ليس من الوضوء في شي‌ء إذ لا دليل عليه من كتاب أو سنّة أو إجماع أو عقل.

وقال الحنابلة : بافتراض المسح على الأذنين مع صماخيهما انظر المغني لابن قدامة ج ١ ص ١٣٢ ـ ونقل ابن رشد هذا القول عن أبي حنيفة انظر بداية المجتهد ـ الجزء الأول ص ١٣.

وقال الشافعيّ ومالك : انّ مسحهما سنّة. واحتجّوا باخبار لم يأت بها الشيخان البخاري ومسلم لضعفها. قال الشوكانى في نيل الأوطار ج ١ ـ ص ١٧٧ ـ واعتذر القائلون بأنّهما ليسا من الرّأس بضعف الرّوايات الّتي فيها : الأذنان من الرّأس ، حتّى قال ابن الصّلاح : انّ ضعفها كثير لا ينجبر بكثرة الطرق.

وحسبنا الرّوايات الواردة عن الأئمّة الهدى أحد الثّقلين الّذين أمرنا بالتمسك بهما ، فراجع الوسائل ب ١٨ من أبواب الوضوء وفي الخلاف ـ ص ١٣ جلد ١ ـ روى ابن بكير عن زرارة قال : سئلت أبا جعفر عليه‌السلام انّ أناسا يقولون انّ بطن الأذنين من الوجه وظهرهما من الرّأس فقال عليه‌السلام : ليس عليهما غسل ولا مسح.

الرّابعة : قد أجمع الإماميّة على اشتراط الإطلاق في ماء الوضوء والغسل سواء كان في الحضر أم في السفر ومع تعذّر الماء يتعين التيمّم على الصعيد وعليه الشافعي ومالك واحمد.

وذهب الإمام أبو حنيفة وسفيان الثوري إلى جواز الوضوء بنبيذ التمر في السفر مع فقد الماء وكرهه الحسن البصري وأبو العالية. وقال عطاء بن ابى رياح : التّيمّم أحبّ الىّ من الوضوء بالحليب واللّبن. وجوّز الأوزاعي الوضوء بسائر الأنبذة بل بسائر المائعات الطاهرة ، والعجب من عبد الله بن عمرو بن العاص حيث لم يجوّز الوضوء بماء البحر انظر تفسير الرّازي لاية الوضوء من المائدة. وحسبنا كتاب الله دليلا حيث قال عزّ

٢٠