🚘

ثورة الحسين ظروفها الإجتماعيّة وآثارها الإنسانيّة

الشيخ محمّد مهدي شمس الدّين

ثورة الحسين ظروفها الإجتماعيّة وآثارها الإنسانيّة

المؤلف:

الشيخ محمّد مهدي شمس الدّين


الموضوع : سيرة النبي (ص) وأهل البيت (ع)
الناشر: المؤسسة الدوليّة للدراسات والنشر
الطبعة: ٧
الصفحات: ٢٢٩
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

مقدّمة الناشر

بسم الله الرحمن الرحيم

وله الحمد والصلاة والسلام علي سيدنا ونبيِّنا محمد وآله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين الأخيار الذين اتبعوه بإِحسان إلي قيام يوم الدين.

وبعد ،

فهذا الكتاب الذي بين يدي القاريء الكريم الموسوم ثورة الحسين ظروفها الاجتماعية وآثارها الانسانية من كتابات وإفاضات صاحب السماحة آية الله الشيخ محمد مهدي شمس الدين أدام الله بقاه وابقاه ذخراً للمسلمين علماً وعالماً ورائداً فكرياً ومنارة يستضاء بها في هذه العصور المظلمة التي اختلط فيها العلم والجهل والحق والباطل.

كتبه منذ سنين طويلة الأمد وكان في ريعان شبابه ، وطبع مرات عديدة ، تارة بإذن خاص منه ، ومرات كثيرة بدون إِذن ، طمعاً بالربح. وسكت سماحته آملاً في انتشار الكتاب للقراء الكرام ليكون زاداً لهم لمعرفة الحقيقة خصوصاً لمثل هذه الثورة التي كَثُر الحديث عنها والتركيز عليها ، تارة بالايجاب والمغالاة ، وتارة بالموقف المُشكّك فيها والناظر اليها نظرة غير موضوعية.

وقد ترجم هذا الكتاب إلي لغات عديدة نظراً لأهمية الموضوع ولموضوعية الكتابة وأهلية الكاتب الذي لا يحتاج إلي تعريف وشهادة

٥

فالشهادة له بين يديك في هذا الكتاب وفي غيره من الكتب الأخري والمواضيع المتعددة التي كتب فيها وحقق وأبدع فكان له اليد الطولي والباع الطويل في كشف غموض كثير من المسائل بكل ثقة وموضوعية وجرأة ربما في بعض الأحيان خالف الكثير من المرتكزات العرفية وتقاليد العوام فانكروا عليه ووافقه العلماء والمفكرون وأيده كل من كان صاحب فكر ومنطق. (وهذه الطبعة من نتاج المؤسسة الدولية للدراسات والنشر التي كان لها الشرف بأخذ الامتياز في الحق الحصري لطبع ونشر وتوزيع كتب سماحة الشيخ حفظه الله).

لذلك إذ تحذر من أي تجاوز في هذا الموضوع والتمادي في التصرف من الطبع أو الاقتباس محذرة من اتخاذ الاجراءات القانونية بحق كل من يتصرف بدون إذن وترخيص من الجهة المختصة آملين من الجميع الالتزام بهذا الأمر.

وسيصدر في نفس الوقت كتابين آخرين في موضوع الامام الحسين وواقعة كربلاء عن نفس الدار سائلين الله العلي القدير التوفيق لما فيه خير الدنيا والآخرة إنه سميع مجيب.

المؤسسة الدولية للدراسات والنشر

٦

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة الطبعة الرابعة

يُشرّفني ويُسعدني أن أقدّم إلى القرّاء الكرام الطبعة الرابعة من هذا الكتاب (ثورة الحسين ظروفها الاجتماعيّة وآثارها الإنسانيّة) بعد أن نفدت الطبعة الثالثة.

وقد تلقّى القرّاء على اختلافهم ، هذا الكتاب لقاءً كريماً في كلّ إطلالة عليهم من خلال طبعاته الثلاث.

ولعل السّر في ذلك ما قاله عن هذا الكتاب من العلماء والمثقفين الذين نحترم علمهم وحيدتهم : «أنّه أفضل ما كُتب عن ثورة الحسين على الإطلاق».

والحقّ أنّ ما كُتب عن ثورة الحسين عليه‌السلام ـ سوى هذا الكتاب ـ قد عالج تلك الثورة العظيمة وفقاً لأحد منهجين :

١ ـ منهج السّرد التاريخي المحض مع التركيز على عنصر المأساة فيها ، وتعمد إبراز جانب الإثارة العاطفية منها وهذا منهج قديم في الكتابة عن هذه الثورة وغيرها ، وهو استمرار لمنهج كُتّاب (المقتل) الذين كانوا يؤرّخون لبعض الثورات وحركات التمرّد في الإسلام من خلال التأريخ للأبطال البارزين في تلك الثورات وحركات التمرّد ، أمثال (مقتل عثمان)

٧

، و (مقتل حجر بنعدي) ، و (مقتل عبد الله بن الزبير) وهذا النوع من الكتابة يعتبر في رأينا إحدى الحلقات التمهيديّة التي مرّت بها كتابة التأريخ عند المسلمين ، تُضاف إلى الحلقات الأخرى ؛ تدوين الحديث ، ونشوء فئة من المحدّثين والأخباريين (أصحاب الأخبار) ، وكُتّاب السيرة النبويّة (١) ـ هذه الحلقات التي أدّت في النهاية إلى كتابة التأريخ الإسلامي وفقاً لمنهج «الحوليّات» عند محمد بن جرير الطبري وغيره.

٢ ـ المنهج الجمالي التأريخي ـ وكُتّاب هذا المنهج يسلّطون الأضواء على الفضائل أو الرذائل الشخصيّة لأطراف الصراع ، فيفيضون في الحديث عن ما يتمتّع به طرفا الصراع من نبل أو خسّة ، ويقدّم التأريخ الشخصي للشخصيّات شواهد جمّة على هذه المسلكية الأخلاقية ، ويتوسّعون في الحديث عمّا يُميّز أحداث الثورة من رفعة في ميزان الأخلاق لدى فريق ، أو إسفاف وحقارة في سلّم القيم لدى الفريق الآخر ، هذا مع عناية بارزة بسرد أو تحليل الأصول الشخصيّة للخلاف العائلي بين الهاشميين والاُمويِّين في الجاهليّة وفي صدر الإسلام.

وإذا كان المنهج الأول استمراراً للمنهج القديم لكتّاب (المقتل) فإنّ هذا المنهج الثاني يُمثّل جانب الحداثة ـ كما يفهمها بعض المؤرّخين وكتّاب السيرة المحدّثين ـ وهو منهج يستفيد كثيراً من الأساليب التي حفلت بها الثقافة الأوربية في هذا الحقل ؛ إنّ من حيث التخطيط والأسلوب والزوايا التي ينظر منها الباحث إلى موضعه ، أو من حيث الانتفاع بما يوفّره علم

__________________

(١) لاحظ كتابنا ، أنصار الحسين ـ دار الفكر ـ بيروت سنة ١٩٧٥ م ، فقد فصّلنا فيه الحديث عن هذا الموضوع الذي وفّقنا إلى اكتشافه ، ونأمل أن يتوفر بعض الباحثين عليه لدراسته ، ونقّدر أنّ دراسة معمّقة ومستوعبة لهذا الموضوع قد تؤدّي إلى تغيير النظرية السائدة حول نشوء الكتابة التأريخيّة عند المسلمين ، والتي تعتمد على أفكار فرائز روزنتال. لاحظ كتابه (علم التأريخ عند المسلمين).

٨

الاجتماع وعلم النفس ، والدراسات الجمالية والأخلاقية لهذا النوع من البحث التأريخي من فرص التوسّع والتنوّع.

* * *

وقد كان المنهج الأول ـ في الماضي ـ يخدم أهدافاً تربوية وسياسية ، وبالإضافة إلى الهدف الثقافي المحض الذي نقدّر أنّه لم يكن يحظى من كُتّاب المقتل القدماء بعناية ذات شأن.

أمّا لدى المحدّثين من كُتّاب المقتل والسيرة الحسينيّة ، فإنّ هذا المنهج يخدم أهدافاً ثقافية وتربوية فقط ، بعد أن توارى الهدف السياسي منذ زمن طويل.

أمّا المنهج الثاني فإنّه يخدم أهدافاً ثقافية بالدرجة الأولى ، وأهدافاً تربوية إلى حدّ ما دون أن يكون له فيما نقدّر أي مضمون سياسي.

لكنّه يعاني في الوقت نفسه من عيب كبير ؛ إذ إنّه يُعطي انطباعاً قويّاً بأنّ الثورة الحسينيّة ثمرة لخلاف عائلي وشخصي أضرمته المطامع السياسيّة ، وغذّته ـ على مهل ـ طوال عقود كثيرة من السنين أحداث الصراع القبلي حول زعامة قريش ومكة. وهذا انطباع خاطئ بلا شك ؛ فإنّ حوافز الصراع الذي بلغ ذروته بالثورة الحسينيّة كانت من الجانب الحسيني ذات محتوى سياسي اجتماعي يستمد توجيهه العقيدي ومنهجيته التشريعية من الإسلام ، وكانت من الجانب الأموي ـ جانب النظام ـ ذات محتوى سياسي اجتماعي يستمد توجيهه المبدئي ، وخطّ سيره من القيم القبائلية الجاهليّة من جهة ، ومن طرائق الحكم البيزنطي من جهة ثانية ، مع إسباغ صفة إسلاميّة على الممارسات التي يقوم بها النظام.

* * *

ولكنّ هذين المنهجين ـ مع الاعتراف بكلّ فضائلهما ـ يفشلان في تحقيق

٩

هدف معاصر له أهمية بالغة في تحقيق التكامل الحضاري ، والوعي السياسي لدى الإنسان المسلم بوجه خاص ، حيث إنّ الباحث لا يستطيع ـ وفقاً لهذا أو ذاك منهما ـ أن يفهم ويقدّم الثورة الحسينيّة إلى الإنسان الحديث على ضوء المعطيات المعاصرة في المسألة الاجتماعيّة ، ولا يستطيع أن يكشف عناصر الديمومة والاستمرار في الثورة ـ هذه العناصر التي تجعل من الثورة شيئاً ذا صلة بالحاضر الحيّ ، قادراً على إغناء الحاضر ، وتزويده بعناصر من الفكر والرويّة تجعل النضال في حقل المسألة الاجتماعيّة يجمع ـ إلى جانب الحداثة ـ الأصالة الضرورية للحفاظ على سلامة الشخصيّة الإنسانيّة من التشويه ، أو الذوبان في غمرة المتغيّرات المتسارعة لحضارة ماديّة غير إنسانيّة ، هي الحضارة الماديّة الحديثة.

إنّ النقص الذي يُعاني منه هذان المنهجان يتلافاه ـ فيما نعتقد ـ المنهج الذي وضع هذا الكتاب وفقاً له ؛ فقد عالج ثورة الحسين من زوايا جديدة ، وكشف عن أبعاد جديدة ، وأعماق بكر فيها جعلتها ـ من خلال التفسير الذي قدّم هذا الكتاب ـ ذات مضمون يتّسق مع التطلّعات التي يحملها الإنسان المعاصر إلى مجتمع تسوده العدالة ، وتحكم علاقاته الروح الإنسانيّة وكرامة الإنسان.

وبذلك نأى بها عن أن تكون مجرّد مأساة سببها ظلم البشر ، أو مظهراً لصراع عائلي وشخصي على السلطة والنفوذ ، ولم يُهمل في الوقت نفسه جانب المأساة منها ، والعوامل الشخصيّة فيها ، هذه العوامل التي لوّنت السلوك الثوري لهذا الفريق ، والسلوك القمعي لذاك الفريق دون الاعتراف بأنّ هذه العوامل هي السبب الكامن وراء الثورة الحسينيّة ، حيث إنّ هذا السبب يكمن في الإيديولوجيا التي وجّهت طرفي الصراع نحو الاختيارات المبدئية التي قادت كلاً منهما إلى الاختيار الأخير الذي تمثل في الثورة الحسينيّة.

١٠

ويبدو أنّ هذا الكتاب للسبب الذي ذكرنا قد لبّى حاجة حقيقية لدى المثقّفين بوجه عام ، والمعنيين بدراسة التأريخ الثوري للإسلام بوجه خاص.

والله تعالى أسأل أن يجعل هذا العمل مباركاً ونافعاً ، والحمد لله ربّ العالمين.

بيروت

٢ / ٣ / ١٣٩٧

٢٠ / ٢ / ١٩٧٧

محمد مهدي شمس الدين

١١
١٢

المقدّمة

إنّ أكثر ما استأثر باهتمام الناس من ثورة الإمام الحسين عليه‌السلام هو جانب القصّة فيها ما اشتمل عليه من مظاهر البطولة النادرة ، والسمو الإنساني المعجز لدى الثائرين وقائدهم العظيم ، المتمثل في التضحية بكلّ عزيز من النفس والولد ، والمال والدعة ، والأمن في سبيل المبدأ والصالح العام ، مع الضعف والقلّة ، واليأس من النصر العسكري.

وما اشتمل عليه من مظاهر الجبن والخسّة والانحطاط الإنساني لدى السلطة الحاكمة ، وممثلها وأدواتها في تنفيذ جريمتها الوحشية بملاحقة الثائرين واستئصالهم بصورة لم يشهد لها التأريخ مثيلاً.

وما اشتمل عليه من الأمثلة الفريدة على الحبّ ، حبّ الثائرين لجلاّديهم ، وإشفاقهم عليهم من السلطة الجائرة التي تستخدمهم ، وتغرر بهم ، وتدفعهم إلى حرب القوى التي تريد لهم الخير والصلاح ، وحبّ الثائرين بعضهم لبعض بحيث يدفع كلاً منهم إلى طلب الموت قبل صاحبه ؛ لئلا يرى صاحبه مقتولاً قبله.

يُقابل ذلك أبشع مظاهر الحقد والبغضاء لدى الحاكمين وأعوانهم ، المتمثلة في حرمان الثائرين وأطفالهم حتى من الماء ، وفي قتل الأطفال والنساء.

١٣

إلى غير ذلك ممّا تعرضه قصّة هذه الثورة من أنبل ما في الإنسان في الفكر والقول والعمل لدى الثائرين ، وأحطّ ما فيه من غرائز لدى الحاكمين وأعوانهم ، وما نتج من تقابل هذه النماذج المتضادة من المثل ، والمبادئ ، والعواطف ، من مأساة دامية لا تزال تثير الأسى في قلب كلّ مَنْ سمعها أو قرأها.

وقد بلغ من قوّة تأثير الجانب القصصي المأساوي من هذه الثورة ، بما له من دلالات مثيرة ، أنّه فرض نفسه على معظم مَنْ كتب عنها ـ إن لم يكن كلّهم ـ فقصروا دراساتهم على هذا الجانب دون غيره.

ولكنّ الجانب القصصي ـ على ما له من مزايا تربوية وتوجيهية ـ ليس كلّ ثورة الحسين عليه‌السلام ؛ فإنّ أحداث هذه الثورة ، وكلّ ثورة ، ليست معلّقة في الفراغ ، وإنّما هي الجزاء الظاهر من عملية تأريخيّة واسعة النطاق. فلكلّ ثورة جذور في نظام ومؤسسات المجتمع الذي اندلعت فيه ، ولكلّ ثورة ظروف سياسية واجتماعية معينة ، ولكلّ ثورة ـ وإن كانت فاشلة عسكرياً ـ آثار ونتائج.

ولا يمكن أن تُفهم الثورة على وجهها ما لم تُدرس من جميع جوانبها : مقدّماتها ونتائجها.

وهو ما هدفت إليه في هذا الكتاب.

فقد حاولت فيه أن اُحلّل ثورة الحسين عليه‌السلام بدراسة ظروفها التي أحاطت بها ، والملابسات التي أدّت إليها ، والآثار التي نجمت عنها في الحياة الإسلاميّة.

وهو حلقة من سلسلة كتب آمل أن يوفّقني الله لإنجازها عن الثورات في التأريخ الإسلامي.

* * *

١٤

وأعتقد أنّ الثورات في التأريخ الإسلامي لم تحظ بالعناية التي تستحقها من المؤرّخين والباحثين ؛ القدماء منهم والمتأخرين ، بل انصبت عنايتهم على تأريخ السلطة الحاكمة التي تسبغ على نفسها صفة الشرعية ، أمّا الثورات ـ وهي تُمثل الجانب الآخر من قصّة الحكم في الإسلام ـ فقد عولجت بصورة جانبية ، وبروح معادية في كثير من الحالات.

وربّما كان السبب في ذلك هو أنّ المؤرّخ القديم كان ـ في الأعمّ الأغلب ـ يكتب ما يكتب مقيّداً بتوجيه ، أو رغبة الحاكم الذي يعيش في ظلّه ، وينفق عليه. وقد يتعدّى توجيه الحاكم للمؤرّخ عصره الذي يعيش فيه إلى الأحداث والشخصيات الفكرية والسياسية الماضية التي لم تفقد تأثيرها على الوضع السياسي والاجتماعي في عصر المؤرّخ.

ويبدو أنّ المؤرّخين المحدّثين قيّدوا أنفسهم بالمنهج الذي اتّبعه القدماء في هذا الموضوع ، أو ربّما كان الذعر الذي يثيره الحديث عن الثورة في مجتمع مستقر سبباً لدى بعضهم في تجنّب الحديث عن الثورات والثائرين ، لاسيّما وأنّنا لم نبلغ بعد مرحلة من النضج الفكري نفرّق فيها بين السياسة والعلم ، أو مرتبة من الأمانة تبعدنا عن أن نُكرّس البحث العلمي لأغراض السياسة.

ولكن ـ مهما تكن المبرّرات ـ فإنّ إهمال البحث الجاد المستوعب للثورات في التأريخ الإسلامي يجعل الصورة التأريخيّة مشوّهة وناقصة ؛ لأنّ الثورة ـ كما قلت آنفاً ـ هي الوجه الآخر من الصورة التأريخيّة للمجتمع الإسلامي ، ولا يمكن تكوين فكرة صادقة عن أوضاع المسلمين القديمة ما لم نحط بالصورة من وجهيها.

وآمل أن يوفقني الله سبحانه وتعالى لإنجاز سلسلة كتب عن الثورات في التأريخ الإسلامي تكشف عن ألوان من كفاح المسلمين ـ عبر التأريخ ـ في سبيل تحسين أوضاعهم على هُدى من الشريعة الإسلاميّة.

١٥

وعسى أن أكون قد وفّقت في هذا الكتاب ـ وهو أوّل ما يُنشر من حلقات هذه السلسلة ـ إلى الصواب في استنتاجاتي وأحكامي. والله وراء القصد.

محمد مهدي شمس الدين

١٦

ملامح من ثورة الحسين عليه‌السلام (١)

محمد مهدي شمس الدين

الثورة الصحيحة هي الاحتجاج النهائي الحاسم على الواقع المعاش ، فبعد أن تخفق جميع الوسائل الأخرى في تطوير الواقع تصبح الثورة قدراً حتمياً لا بدّ منه.

والقائمون بالثورة الصحيحة هم دائماً أصحّ أجزاء الأمّة ، هم الطّليعة ، هم النُّخبة التي لم يأسرها الواقع المعاش ، وإنّما بقيت في مستوى أعلى منه وإن كانت تدركه ، وتُعبه وترصده ، وتنفعل به ، وتتعذّب بسببه.

تُصبح الثورة قدر هذه النُّخبة ومصيرها المحتوم حيث تُخفق جميع وسائل الإصلاح الأخرى ، وإلاّ فإنّ هذه النُّخبة تفقد مبررات وجودها إذا لم تثر ، ولا يُمكن أن يُقال عنها أنّها نُخبة ، أنّها تكون نُخبة حين يكون لها دور تأريخي ، وحين تقوم بهذا الدور.

ولا بدّ أن تُبشر بأخلاق جديدة إذا حدثت في مجتمع ليس له تُراث ديني وإنساني يضمن لأفراده ـ لو اتّبع ـ حياة إنسانيّة متكاملة ، أو تُحيي المبادئ

__________________

(١) نُشرت هذه المقالة في مجلة الأضواء الإسلاميّة التي كانت تصدر في النجف الأشرف ، في العدد الثاني من السنة الأولى في ١ محرم ١٣٨٠ ـ ٢٦ حزيران ١٩٦٠ م.

١٧

والقيم التي هجرها المجتمع ، أو حرّفها إذا كان للمجتمع مثل هذا التراث ، كما هو الحال في المجتمع الإسلامي الذي كانت سياسة الاُمويِّين المجافية للإسلام تحمله على هجر القيم الإسلاميّة ، واستلهام الأخلاق الجاهليّة في الحياة ، وتوفّر هذا الهدف في الثورة الصحيحة من جملة مقوّمات وجودها ؛ لأنّ العلاقات الإنسانيّة في الواقع علاقات منحطّة وفاسدة ، وموقف الإنسان من الحياة موقف متخاذل ، أو موسوم بالانحطاط والانهيار ، ولذلك انتهى الواقع إلى حدّ من السوء بحيث غدت الثورة علاجه الوحيد. وإذاً فالدعوة إلى نموذج من الأخلاق أسمى ممّا يمارسه المجتمع ضرورة لازمة ؛ لأنّه لا بدّ أن تتغيّر نظرة الإنسان إلى نفسه ، وإلى الآخرين وإلى الحياة ؛ ليمكن إصلاح المجتمع.

ولقد قدّم الحسين عليه‌السلام وأصحابه الأخلاق الإسلاميّة العالية بكامل صفاتها ونقائها ، ولم يُقدّموا إلى المجتمع الإسلامي هذا اللون من الأخلاق بألسنتهم ، وإنّما كتبوه بدمائهم ، بحيواتهم ...

* * *

لقد اعتاد الرجل العادي إذ ذاك أن يرى الزعيم القبلي ، أو الزعيم الديني يبيع ضميره بالمال ، وبعرض الحياة الدنيا. لقد اعتاد أن يرى الجباه تعنو خضوعاً وخشوعاً لطاغية حقير ؛ لمجرّد أنّه يملك أن يحرم من العطاء. لقد خضع الزعماء الدينيون والسياسيون ليزيد على علمهم بحقارته وانحطاطه ، وخضعوا لعبيد الله بن زياد على علمهم بأصله الحقير ، ومنبته الوضيع ، وخضعوا لغير هذا وذلك من الطغاة ؛ لأنّ هؤلاء الطغاة يملكون الجاه ، والمال ، والنفوذ ، ولأنّ التقرّب منهم ، والتودّد إليهم كفيل بأن يجعلهم ذوي نفوذ في المجتمع ، وأن يسبغ عليهم النعمة والرفاه وهناءة العيش. وكان هؤلاء الزعماء يرتكبون كلّ شيء في سبيل نيل هذه الحظوة ، كانوا يخونون مجتمعهم ، فيتمالؤون مع هؤلاء الطغاة على إذلال هذا المجتمع وسحقه ،

١٨

وحرمانه ، وكانوا يخونون ضمائرهم ، فيبتدعون من ألوان الكذب ما يدعم هذه العروش ، وكانوا يخونون دينهم الذي يأمرهم بتحطيم الطغاة بدل عبادتهم.

كان الرجل العادي في المجتمع الإسلامي آنذاك يعرف هذا اللون من الرجال ، ويعرف لوناً آخر منهم ، وهم اُولئك الزهاد الدجّالون الذين يتظاهرون بالزهد رياءً ونفاقاً ، حتّى إذا تقرّبوا من الطغاة كانوا لهم أعواناً وأنصاراً. إنّهم هذا الصنف الذي وصفه الإمام علي عليه‌السلام بقوله :

«ومنهم مَنْ يطلب الدنيا بعمل الآخرة ، ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا ، قد طامن من شخصه ، وقارب من خطوه ، وشمّر من ثوبه ، وزخرف من نفسه للأمانة ، واتّخذ ستر الله ذريعة إلى المعصية» (١).

هؤلاء هم الزعماء الذي كان الرجل العادي يعرفهم وقد اعتادهم وألِفَهم ، بحيث غدا يرى عملهم هذا طبيعياً لا يثير التساؤل.

ولذلك فقد كان غريباً جدّاً على كثير من المسلمين آنذاك أن يروا إنساناً يخيّر بين حياة رافهة فيها الغنى ، وفيها المتعة ، وفيها النفوذ والطاعة ، ولكن فيها إلى جانب ذلك كلّه الخضوع لطاغية ، والإسهام معه في طغيانه ، والمساومة على المبدأ والخيانة له ، وبين الموت عطشاً ، مع قتل الصفوة الخلّص من أصحابه ، وأولاده وإخوته ، وأهل بيته جميعاً أمامه ، وحيث تنظر إليهم عينه في ساعاتهم الأخيرة وهم يلوبون ظمأ ، وهم يكافحون بضراوة وإصرار عدوّاً هائلاً يريد لهم الموت ، أو هذا اللون من الحياة ، ثمّ يرى مصارعهم واحداً بعد واحد ، وأنّه ليعلم أي مصير فاجع محزن ينتظر آله ونساءه من بعده ؛ سبي ، وتشريد ، ونقل من بلد إلى بلد ، وحرمان ...

__________________

(١) انظر : نهج البلاغة / الخطبة ٣٢.

١٩

يعلم ذلك كلّه ثمّ يختار هذا اللون الرهيب من الموت على هذا اللون الرغيد من الحياة.

لقد كان غريباً جدّاً على هؤلاء يروا إنساناً كهذا ... لقد اعتادوا على زعماء يمرّغون بجباههم في التراب خوفاً من مصير أهون من هذا بكثير أمثال عمر بن سعد ، والأشعث بن قيس ونظائرهما. تعوّدوا على هؤلاء فكان غريباً عليهم أن يُشاهدوا هذا النموذج العملاق من الإنسان ، هذا النموذج الذي تعالى ويتعالى حتّى ليكاد القائل أن يقول : ما هذا بشر ...

ولقد هزّ هذا اللون من الأخلاق ... هذا اللون من السلوك الضّمير المسلم هزّاً مُتداركاً ، وأيقظه من سُباته المَرضي الطويل ؛ ليُشاهد صفحة جديدة مشرقة يكتبها الإنسان بدمه في سبيل الشّرف والمبدأ ، والحياة العارية من الذلّ والعبودية. ولقد كشف له عن زيف الحياة التي يحياها ، وعن زيف الزّعماء ـ أصناف اللّحم ـ الذين يعبدهم ، وشق له طريقاً جديداً في العمل ، وقدّم له أسلوباً جديداً في ممارسة الحياة ، فيه قسوة ، وفيه حرمان ، ولكنّه طريق مضيء لا طريق غيره جدير بالإنسان.

ولقد غدا هذا اللون المشرق من الأخلاق ، وهذا النموذج الباهر من السلوك خطراً رهيباً على حاكم يُجافي روح الإسلام في حكمه. إنّ ضمائر الزعماء قليلاً ما تتأثّر بهذه المُثل المُضيئة ، ولكنّ الذي يتأثّر هي الأمّة ، وهذا هو ما كان يريده الحسين عليه‌السلام : لقد كان يريد شقّ الطريق للأمّة المُستعبدة لتُناضل عن إنسانيتها.

وفي جميع مراحل الثورة ، مُنذ بدايتها في المدينة حتّى ختامها الدّامي في كربلاء نلمح التصميم على هذا النمط العالي من السلوك.

ها هو الحسين عليه‌السلام يقول لأخيه محمد بن الحنفيّة (١) ، وهما بعد في المدينة ،

٢٠