🚘

مصابيح الظلام - ج ٢

محمّد باقر الوحيد البهبهاني

مصابيح الظلام - ج ٢

المؤلف:

محمّد باقر الوحيد البهبهاني


المحقق: مؤسسة العلامة المجدّد الوحيد البهبهاني
الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة العلامة المجدّد الوحيد البهبهاني
الطبعة: ١
ISBN: 964-94422-2-7
ISBN الدورة:
964-94422-0-0

الصفحات: ٥٤١
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

٨ ـ مفتاح

[وجوب صلاة الجمعة عند حضورها]

الذين وضع الله عنهم الجمعة متى حضروها لزمهم الدخول فيها ، كما ورد النص في بعضهم معلّلا (١).

والظاهر أنّه لا خلاف في ذلك فيما سوى المرأة ، ولا في احتسابهم من العدد فيما سوى المسافر والعبد ، بل ولا في عدم احتسابهما ، وذلك لأنّ الساقط عنهم إنّما هو السعي ، ولذا (٢) من كان على رأس فرسخين تجب عليه مع الحضور قطعا.

روى الصدوق في أماليه عن الباقر عليه‌السلام قال : «أيّما مسافر صلّى الجمعة رغبة فيها وحبّا لها أعطاه الله عزوجل أجر مائة جمعة للمقيم» (٣) (٤).

ويستفاد من بعض الروايات إجزاء الجمعة عن المرأة أيضا (٥).

__________________

(١) لاحظ! وسائل الشيعة : ٧ / ٣٣٧ الباب ١٨ من أبواب صلاة الجمعة وآدابها.

(٢) في النسخة المطبوعة : وكذا.

(٣) أمالي الصدوق : ١٩ الحديث ٥ ، وسائل الشيعة : ٧ / ٣٣٩ الحديث ٩٥٢١.

(٤) وبإسناده عن الباقر عليه‌السلام قال : «ما من قدم سعت إلى الجمعة إلا حرّم الله جسده على النار» (أمالي الصدوق : ٣٠٠ الحديث ١٤ ، وسائل الشيعة : ٧ / ٢٩٧ الحديث ٩٣٨٨) «منه رحمه‌الله»

(٥) وسائل الشيعة : ٧ / ٣٣٧ الحديث ٩٥١٨.

٥
٦

قوله : (الذين وضع الله عنهم) .. إلى آخره.

قد عرفتهم وعرفت الدليل على الوضع.

وأمّا أنّهم إذا حضروها لزمهم الدخول ، فهو المشهور بين الأصحاب ، بل في «التذكرة» : أنّه لو حضر المريض والمحبوس لعذر المطر أو الخوف ، وجبت عليهم ، وانعقدت بهم إجماعا (١).

وربّما يؤذن هذا بأنّ لزوم الدخول على غير من ذكره ليس إجماعيّا ، فيشكل الحكم المذكور ، لأنّ مقتضى الأخبار الصحاح المعمول بها سقوطها عنهم (٢) ، فإذا سقطت وجب الظهر ، لأنّ العبادة التوقيفيّة لا بدّ من دليل على صحّتها ومطلوبيّتها.

وما قيل ـ موافقا لما ذكره المصنّف ـ من أنّ مقتضى الصحاح سقوط وجوب السعي إليها خاصّة ، لا سقوط الوجوب مطلقا بدليل أنّ من جملتهم من كان على رأس فرسخين ، ولا خلاف في الجمعة عليه مع الحضور (٣) ، محلّ تأمّل ، لأنّ من جملتهم من سقط عنه مطلقا ، وهو الصبيّ والمجنون.

ومع هذا لا يلزم أن يكون السقوط بالنسبة إلى كلّ سقوط خصوص السعي ، بل ربّما كان أعمّ منه ومن السقوط مطلقا ، فإنّه أقرب المجازات إلى الحقيقة ، فإنّ مقتضى أكثر الصحاح سقوط نفس الجمعة.

وأما ما دلّ على وجوب السعي إليها أو حضورها ، فأقصى ما يستفاد منه خصوص هذا الوجوب وسقوطه عنهم ، أمّا وجوب نفس الجمعة فمن أين؟

وبالجملة ، ما دلّ على وجوب نفسها يقتضي سقوط نفسها ، وما دلّ على

__________________

(١) تذكرة الفقهاء : ٤ / ٣٧ و ٣٨ المسألة ٣٩٣.

(٢) لاحظ! وسائل الشيعة : ٧ / ٢٩٥ الباب ١ من أبواب صلاة الجمعة.

(٣) انظر! الحدائق الناضرة : ١٠ / ١٥٨.

٧

وجوب السعي وسقوطه ، لا يدلّ على وجوب نفسها.

هذا ، مع أنّ عدم الخلاف لم يعلم بعد كونه إجماعا ، سيّما أن يكون إجماعا مقبولا عند المصنّف ومن وافقه ، حتّى يدّعون القطع منه.

إنّما قلنا ذلك ، لأنّ صاحب «المدارك» ادّعى عدم الخلاف في البعيد خاصّة ، وجعله أمارة بالنسبة إلى الباقين (١) ، والمصنّف ادّعى القطع موضع دعوى عدم الخلاف.

هذا ، مع استفاضة الروايات في أنّ فرض المسافر الظهر لا الجمعة ، مثل صحيحة ابن مسلم ، عن الصادق عليه‌السلام أنّه قال : «صلّوا في السفر صلاة الجمعة جماعة بغير خطبة» (٢).

وصحيحته الأخرى ، أنّه سأله عن صلاة الجمعة في السفر؟ فقال : «تصنعون كما تصنعون في الظهر ، ولا يجهر الإمام بالقراءة ، وإنّما يجهر إذا كانت خطبة» (٣).

ومثلها صحيحة جميل عنه عليه‌السلام (٤) ، وغيرها من الأخبار ، مثل ما ورد أنّه : «ليس في السفر جمعة ولا عيد» (٥).

__________________

(١) مدارك الأحكام : ٤ / ٥٣.

(٢) تهذيب الأحكام : ٣ / ١٥ الحديث ٥١ ، الاستبصار : ١ / ٤١٦ الحديث ١٥٩٥ ، وسائل الشيعة : ٦ / ١٦١ الحديث ٧٦٢٥.

(٣) تهذيب الأحكام : ٣ / ١٥ الحديث ٥٤ ، وسائل الشيعة : ٦ / ١٦٢ الحديث ٧٦٢٨.

(٤) تهذيب الأحكام : ٣ / ١٥ الحديث ٥٣ ، الاستبصار : ١ / ٤١٦ الحديث ١٥٩٧ ، وسائل الشيعة : ٦ / ١٦١ الحديث ٧٦٢٧.

(٥) من لا يحضره الفقيه : ١ / ٢٨٣ الحديث ١٢٨٧ ، تهذيب الأحكام : ٣ / ٢٨٩ الحديث ٨٦٨ ، الاستبصار : ١ / ٤٤٦ الحديث ١٧٢٦ ، وسائل الشيعة : ٧ / ٣٣٨ الحديث ٩٥٢٠.

٨

وما ورد : أنّ من أهل القرى ليس عليهم جمعة (١) ، حمل على ما إذا كانوا على رأس فرسخين أو أزيد (٢).

نعم إنّما يصحّ الاستدلال بما رواه الشيخ بسنده إلى حفص بن غياث قال : سمعت بعض مواليهم يسأل ابن أبى ليلى عن الجمعة ، هل تجب على المرأة والعبد والمسافر؟ فقال ابن أبي ليلى : لا تجب على واحد منهم ولا الخائف ، فقال الرجل : فما تقول إن حضر واحد منهم الجمعة مع الإمام فصلّاها معه هل تجزيه تلك الصلاة عن ظهر يومه؟ فقال : نعم ، فقال [له الرجل] : كيف يجزى ما لم يفرضه الله عليه عمّا فرض الله عليه؟ وقد قلت : إنّ الجمعة لا تجب عليه ، ومن لم تجب عليه فالفرض عليه أن يصلّي أربعا ، ويلزمك فيه معنى أنّ الله فرض عليه أربعا ، فكيف أجزأ عنه ركعتان؟ مع ما يلزمك من أنّ من دخل فيما لم يفرضه الله عليه لم يجز عنه ممّا فرض الله عليه ، فما كان عند ابن أبي ليلى فيها جواب فطلب إليه أن يفسّرها له فأبى ، ثمّ سألته أنا عن ذلك ، فقال : الجواب إنّ الله فرض على جميع المؤمنين والمؤمنات ورخّص المرأة والمسافر والعبد أن لا يأتوها ، فلمّا حضروها سقطت الرخصة ولزمهم الفرض الأوّل ، فمن أجل ذلك أجزأ عنهم ، فقلت : عمّن هذا؟ فقال : عن مولانا أبي عبد الله عليه‌السلام (٣).

وضعف السند منجبر بالشهرة ، وأمّا الدلالة فمقتضى قوله : «إنّ الله فرض على جميع المؤمنين والمؤمنات» دخول جميع المكلّفين ممّن وضع الله عنهم فيه ، وأنّها الفرض الأوّل عليهم ، وبالحضور لها تجب عليهم البتة.

__________________

(١) تهذيب الأحكام : ٣ / ٢٤٨ الحديث ٦٧٩ ، الاستبصار : ١ / ٤٢٠ الحديث ١٦١٨ ، وسائل الشيعة : ٧ / ٣٠٧ الحديث ٩٤٢٦ نقل بالمعنى.

(٢) تهذيب الأحكام : ٣ / ٢٤٨ ذيل الحديث ٦٧٩ ، الاستبصار : ١ / ٤٢٠ ذيل الحديث ١٦١٨.

(٣) تهذيب الأحكام : ٣ / ٢١ الحديث ٧٨ ، وسائل الشيعة : ٧ / ٣٣٧ الحديث ٩٥١٨ مع اختلاف يسير.

٩

فيلزم أن يكون وضعها عن كلّ من يكون منهم بمعنى الرخصة في أن لا يأتوها لا مطلقا ، فالدلالة أيضا ظاهرة تامّة ، سيّما بعد فتاوى الأصحاب كذلك ، واشتهارها بحيث لم يظهر مخالف.

ويؤيّدها أيضا صحيحة أبي همام ، عن أبي الحسن عليه‌السلام أنّه قال : «إذا صلّت المرأة في المسجد مع الإمام يوم الجمعة ركعتين فقد نقصت صلاتها ، وإن صلّت في المسجد أربعا نقصت صلاتها ، لتصلّ في بيتها أربعا أفضل» (١).

وضبط «نقصت» ـ بالمهملة ـ في الموضعين ، ولعلّه الأظهر من الرواية أيضا.

ويؤيّدها أيضا ما قاله في «المنتهى» من أنّه لا خلاف في أنّ العبد والمسافر إذا صلّيا الجمعة أجزأتهما عن الظهر ، وحكى نحو ذلك في البعيد (٢).

ويؤيّد أيضا الرواية التي ذكرها المصنّف في ثواب صلاة المسافر الذي يصلّي الجمعة.

وممّا ذكر ظهر أنّ المرأة أيضا إذا حضرتها لزمها الدخول ، والمحقّق حكم بعدم اللزوم ، محتجّا بأنّه مخالف لما عليه اتّفاق فقهاء الأمصار ، وطعن في سند رواية حفص المتقدّمة (٣).

ولا يخفى أنّها منجبرة بالفتاوى ، إذ ظاهر أنّها المستند ، وأمّا المخالفة للإجماع فلم يظهر.

نعم ، الإجماع واقع في عدم وجوب السعي والحضور ، وأمّا إذا اتّفق حضورها ، فلم يعلم من طريقة كلّ المسلمين أو الشيعة عدم اللزوم ، إذ لم يعهد

__________________

(١) تهذيب الأحكام : ٣ / ٢٤١ الحديث ٦٤٤ ، وسائل الشيعة : ٧ / ٣٤٠ الحديث ٩٥٢٤.

(٢) منتهى المطلب : ٥ / ٣٧١ و ٣٧٣ و ٣٧٩.

(٣) المعتبر : ٢ / ٢٩٣.

١٠

حضورها بلا شبهة على ما نشاهد ، وظاهر تشابه أجزاء الزمان في أمثال هذه ، فكيف يمكن الاستدلال باتّفاق فقهاء الأمصار؟

مع أنّ المفيد في «المقنعة» صرّح بأنّ هؤلاء الذين وضع الله عنهم الجمعة متى حضروها لزمهم الدخول فيها (١) ، وهو مؤسّس مذهب الشيعة.

وكذا العلّامة رحمه‌الله في «النهاية» (٢).

والشيخ في «المبسوط» صرّح بأنّ المرأة يجوز لها فعلها (٣) ، وفي «المدارك» مال إلى ذلك (٤) وهذا مؤيّد ، إذ الظاهر أنّ جواز الفعل مع وضعه عنها ليس إلّا لكون ما وضع عنها هو السعي ، كما يظهر من العلّة المذكورة في رواية حفص بعد الإشكال المذكور فيها.

مع أنّ الشيخ جمع في «المبسوط» بين المرأة والمسافر فيما ذكره من الجواز (٥) ، ومع ذلك الأحوط أن لا تحضر ، وإن حضرت جمعت بينها وبين الظهر.

وأمّا انعقاد الجمعة بما سوى المرأة والمسافر والعبد ، بمعنى احتسابهم من العدد المعتبر فيها ، فقد مرّ عن «التذكرة» دعوى الإجماع في المريض والمحبوس ، لعذر المطر والخوف (٦).

ويظهر منه عدم الإجماع في غير ما ذكر ، وإن قال في «المدارك» : اتّفق الأصحاب على انعقاد الجمعة بالبعيد والمريض والأعمى والمحبوس ، بعذر المطر

__________________

(١) لم نعثر على هذا المتن في «المقنعة» ، نقل عنه في مدارك الأحكام : ٤ / ٥٤.

(٢) نهاية الإحكام : ٢ / ٤٢.

(٣) المبسوط : ١ / ١٤٣.

(٤) مدارك الأحكام : ٤ / ٥٥.

(٥) المبسوط : ١ / ١٤٣.

(٦) تذكرة الفقهاء : ٤ / ٣٧ و ٣٨ المسألة ٣٩٣ ، راجع! الصفحة : ٧ من هذا الكتاب.

١١

ونحوه مع الحضور ، كما نقله جماعة (١) ، انتهى.

وربّما يظهر من هذا أنّ اتّفاق الأصحاب على ما ذكر نقله جماعة.

وفيه ما فيه ، إذ لو كان كذلك لكان رحمه‌الله في المسألة السابقة يذكر ذلك شاهدا ، لا أنّه من باب الغريق يتشبّث بما تشبّث.

مع أنّه رحمه‌الله ادّعى عدم الخلاف في البعيد ، وجعل ذلك هو الدليل ، على أنّ المراد من قولهم عليهم‌السلام : وضع الله عن التسعة أو الخمسة (٢) هو سقوط السعي لا سقوط نفس صلاة الجمعة.

ثمّ استشهد بتصريح المفيد في «المقنعة» ، وذكر مقدّما على ذلك كلام «التذكرة» و «المنتهى» ـ وقد ذكرتهما ـ وهما ظاهران في خلاف مطلوبه ، كما لا يخفى.

ثمّ نقل عن «نهايته» أنّ من لا يلزمه الجمعة إذا حضرها وصلّاها انعقدت جمعة وأجزأته ، لأنّها أكمل في المعنى ، وإن كانت أقصر في الصورة ، فإن أجزأت الكاملين الذين لا عذر لهم ، فلأن تجزي أصحاب العذر أولى (٣).

ثمّ قال : ويمكن المناقشة في هذه الأولويّة بعدم ظهور علّة الحكم وباستفاضة الأخبار في سقوطها عن التسعة أو الخمسة (٤) ، فلا يكون الآتي بها من هذه الأصناف آتيا بما هو فرضه.

ثمّ قال : إلّا أن يقال : إن الساقط عنهم السعي إليها خاصّة.

ثمّ جعل عدم الخلاف في البعيد هو الدليل على ذلك ، وقد عرفت

__________________

(١) مدارك الأحكام : ٤ / ٥٥ ، ولم ترد فيه : كما نقله جماعة.

(٢) وسائل الشيعة : ٧ / ٢٩٥ الحديث ٩٣٨٢ ، ٣٠٠ الحديث ٩٣٩٧.

(٣) نهاية الإحكام : ٢ / ٤٥.

(٤) وسائل الشيعة : ٧ / ٢٩٥ الباب ١ من أبواب صلاة الجمعة.

١٢

الإيراد عليه.

ثمّ استشهد بتصريح المفيد رحمه‌الله (١) ، كما ذكرنا.

ولا يخفى على المتأمّل أنّه لو كان له اتّفاق الأصحاب الذي نقله جماعة لما فعل ما فعل ، فتأمّل جدّا!

وما ذكره رحمه‌الله من الحكم لم أجده في كلام المتقدّمين حتّى في «نهاية» الشيخ رحمه‌الله ، بل لم أجده إلّا في بعض كتب الفاضلين والشهيد رحمه‌الله وبعض كتب المتقدّمين (٢).

وأين هذا من الاتّفاق؟ فضلا عن نقل الاتّفاق ، فضلا أن يكون الناقل جماعة ، مع أنّ الذي وجدت في بعض كتبهم الانعقاد لجميع المكلفين سوى المرأة (٣).

ولا شكّ في أنّه ليس بوفاقيّ ، كما صرّح به في «المدارك» والمصنّف تبعا له ، وصاحب «المدارك» أعرف ، إلّا أنه لا بدّ لنا من دليل على الانعقاد ، ولم يثبت من كلام «المدارك» إجماع منقول يعتمد عليه لما عرفت.

بل ربّما لم يظهر إجماع أصلا ، وإن قلنا باتّفاق الأصحاب ، إذ لم يعلم بعد كونه إجماعا ، فتأمّل جدّا!

وقد عرفت فيما تقدّم عند ذكر العدد وشرائطه الإشكال في انعقاد الجمعة بالمسافر والعبد ، وعرفت في صدر هذا المبحث أيضا الإشكال الذي ذكرنا.

فإن قلت : لعلّ رواية حفص دليل الانعقاد ، لتضمّنها أنّ الفرض الأوّل كان

__________________

(١) مدارك الأحكام : ٤ / ٥٣ ـ ٥٥.

(٢) المبسوط : ١ / ١٤٣ ، السرائر : ١ / ٩٣ ، نهاية الإحكام : ٢ / ٤٥ ، قواعد الأحكام : ١ / ٣٦ ، الدروس الشرعيّة : ١ / ١٨٦.

(٣) المبسوط : ١ / ١٤٣.

١٣

شاملا لهم ، والفرض الأوّل كان نسبته إلى جميع المكلّفين على السواء.

قلت : وجوب الجمعة على شخص غير انعقادها به ، ولذا لم تنعقد بالمرأة اتّفاقا وإجماعا ، كما هو ظاهر.

وشرائط وجوب الجمعة (١) غير شرائط العدد ، كما صرّح به المصنّف رحمه‌الله فيما سبق ، فإنّ الإسلام والإيمان ليسا بشرط في الوجوب ، لوجوبها على الكافرين وأهل السّنة وأمثالهم عند الشيعة والعامّة (٢) ، سوى أبي حنيفة (٣) ، لما اشتبه عليه الفرق بين مقدّمة الواجب المطلق وبين مقدّمة الواجب المشروط.

ولذا جعل المصنّف الإسلام شرطا في العدد دون من وجب عليه الجمعة ، وظاهر أنّ مراده ما هو مرادف الإيمان ، لعدم صحة صلاة المخالف إجماعا ، ويدلّ عليه الأخبار المتواترة أيضا ، فالعبادة الفاسدة كيف تكون الجمعة منعقدة بها وصحيحة من جهتها؟! فكيف تصير متبوعة للصلاة الصحيحة؟!

وبعض الشروط مشترك بين الوجوب والانعقاد ، وهو الذي صرّح به المصنّف في الوجوب ، ثمّ صرّح به أيضا في شروط العدد ، وصرّح بكون ذلك شرطا حيث قال : أربعة نفر كذا وكذا ، وأكّد ذلك بقوله : (لا غير) ، ولم يذكر في العدد مثل السلامة عن المرض والعمى وأمثالهما ، لعدم كونها شرطا في العدد ، لانعقادها بهم ، نعم ، يكون شرطا في الوجوب ، ولذا ذكرها فيه.

نعم ، لم يذكر عدم البعد بفرسخين من جملة شرائط الوجوب مع كونه من شرائطه بالإجماع والأخبار المستفيضة ، كما ستعرف ، وجعله شرطا في العدد.

__________________

(١) في (ز ٣) : وشرائط الوجوب.

(٢) في (ز ٣) : والمشهور من العامّة.

(٣) لاحظ! فواتح الرحموت : ١ / ١٢٨ مع اختلاف يسير.

١٤

مع أنّه يذكر هنا أنّه لا خلاف في احتسابهم من العدد ، وهو صريح في أنّه ليس شرطا في العدد ، فكان اللازم عليه أن يجعله شرطا للوجوب دون العدد ، كالمرض والعمى وأمثالهما.

ويمكن أن يقال : قوله : (حاضر) ، في ذكر شرائط الوجوب أعمّ من غير المسافر وغير البعيد بفرسخين ، والظاهر أنّه كذلك.

وأمّا تقييد الأربعة بكونهم غير بعيدين ، فإنّه قيّد ذلك القيد بقوله : «جميعا» ، أي لا يكون جميع الأربعة ومجموعهم بعيدين.

ويمكن أن يكون مراده : لا يكونون مع الإمام جميعا غير بعيدين ، وهذا غير احتسابهم من العدد ، فإنّ الظاهر من قوله : احتسابهم من العدد ، أن يكون واحدا من العدد أو اثنين ـ مثلا ـ منهم ، لا أن يكون المجموع من حيث المجموع بعيدين ، إذ لا شبهة في أنّ المسافرين لا يجب عليهم الجمعة ، بل فرضهم الظهر ، كما عرفت.

وكذلك الحال في البعيدين عنده ، بأن لا يظهر تفاوت بينهم وبين المسافر في ذلك.

وممّا ذكرنا ظهر أنّ ما نقلناه سابقا عن الشهيد في بحث شرائط العدد من وقوع الاتّفاق على صحة الجمعة بجماعة المسافرين (١) فاسد البتة ، بل مخالف لإجماعهم ، إذ قلّما يتحقّق السفر بجماعة أقلّ من خمسة ، بل غالبا أكثر ، وكثيرا ما يكون فيهم من يصلّى بهم جماعة.

فلو كانت في السفر واجبة عليهم بالوجوب التخييرى بل مستحبّة بالاستحباب العيني ، لما كانوا يتركونها بالمرّة البتة ، فلا شكّ في الترك بالمرة ولا شبهة ، وأنّ ذلك المدار في الأعصار والأمصار ، والظاهر أنّ الحال في البعيدين أيضا

__________________

(١) ذكرى الشيعة : ٤ / ١١٧.

١٥

كذلك ، لعدم دليل على الصحّة.

مع أنّ مقتضى الأخبار سقوطها عنهم بالمرّة ، ولزوم الدخول عند الحضور غير انعقاد الجمعة بمجموعهم ، بل عرفت التأمّل أيضا في احتساب المسافر من العدد ، وكذا العبد.

وأمّا البعيد فإن ثبت إجماع واقعي أو منقول بخبر الواحد على احتساب البعيد من العدد ، وإلّا فلعلّ للمناقشة طريق إليه ، وقلنا : إنّا لم نجد ذلك إلّا في كلام بعض المتأخرين والقدماء ، وظاهر بعض القدماء عدم الانعقاد ، بل ظاهر الكليني والصدوق وأضرابهما عدم الوجوب والسقوط عنهم ، مثل : المجنون والصبي وإن حضروها (١) ، حتّى أنّ الصدوق رحمه‌الله ذكر في كتابه «العلل» كلّ حديث تضمّن علّة ، وإن لم يكن الحديث صحيحا عنده ، بل ويكون فاسدا ، كما صرّح به فيه (٢) ، ومع ذلك لم يذكر رواية حفص المتقدّمة أصلا.

ومقتضى الأخبار الصحاح المتضمّنة للسقوط والوضع عدم صحّتها منهم فضلا عن الوجوب عليهم ، كما اعترف صاحب «المدارك» (٣) ، مع نهاية ظهور الاقتضاء ، فهذا هو الظاهر من الكليني وأضرابه.

ورواية الصدوق رحمه‌الله في أماليه (٤) ـ على ما نقل عنه المصنّف ـ لا يكون دليلا على رضاه بها وفتواه بمضمونها ، لأنّ أماليه ليس كتاب فتواه ، بل «الفقيه» كتاب فتواه ، فإذا لم يذكرها فيه ، وذكر ما يخالفها كثيرا ، وظهر أن فتواه بالمخالف البتة ،

__________________

(١) الكافي : ٣ / ٤١٩ الحديث ٦ ، من لا يحضره الفقيه : ١ / ٢٦٦ الحديث ١٢١٧ ، تهذيب الأحكام : ٣ / ٢١ ذيل الحديث ٧٧.

(٢) لاحظ! علل الشرائع : ٢ / ٣٥٠ ذيل الحديث ٦.

(٣) مدارك الأحكام : ٤ / ٥٣.

(٤) أمالي الصدوق : ١٩ الحديث ٥ ، وسائل الشيعة : ٧ / ٣٣٩ الحديث ٩٥٢١.

١٦

البتة ، فكيف يمكن أن يقال : إنّ تلك الرواية فتواه؟!

مع أنّ المسافر إذا قصد الإقامة ، أو زاد مكثه مترددا عن الثلاثين يكون حاله حال المقيم ، على ما صرّح به بعض الأصحاب (١) ، فربّما تكون الجمعة وجوبها عليه تخييريّا ، وثوابها أزيد من ثواب جمعة المقيم.

وهذا ، وإن كان خلاف الظاهر ، إلّا أنّ القاعدة أنّ الخبر الذي يعارض الأخبار أو الخبر الواحد الذي يكون حجة يؤوّل حتّى يوافقها ، صونا عن الطرح.

مع أنّ ذلك الخبر ليس بصحيح ، مع أنّه على فرض أن يكون قائلا بظاهرها ، يكون الحكم مختصّا بالمسافر.

وجعل حكم المسافر قرينة على إرادة سقوط السعي خاصّة ، قد عرفت فساده ، ومع ذلك انعقاد الجمعة به من أين؟ فإنّ ظاهرها انعقاد الجمعة بغيره ، ودخوله معهم ومتابعته إيّاهم ، ومع ذلك مقتضى الإجماع المنقول بخبر الواحد ، كون المريض والمحبوس بالمطر والخوف خاصّة ينعقد بهم الجمعة لا غيرهم.

فانظر أيّها العاقل إلى دعوى صاحب «المدارك» وموافقيه الإجماع هاهنا في مقابل الأخبار المستفيضة بالصحاح الظاهرة في عدم صحّة الجمعة ، مع طعنهم في رواية حفص بالضعف (٢) ، ونهاية اعتمادهم على هذا الإجماع.

مع ما عرفت من عدم ذكر الفتوى بذلك إلّا في كتاب بعض المتأخّرين ، ومخالفة القدماء لهم ، وفتواهم بتلك الصحاح المستفيضة.

ومع ذلك صدر منهم بالنسبة إلى الإجماعات المنقولة في كون الجمعة منصب الإمام عليه‌السلام ونائبه الخاصّ ما صدر ، مع زيادة عدد النقل عن الأربعين ، وموافقة

__________________

(١) منتهى المطلب : ٥ / ٣٧٢ ، جامع المقاصد : ٢ / ٤٢٠.

(٢) مدارك الأحكام : ٤ / ٥٥.

١٧

الباقين في الفتوى.

حتّى أنّ المحقّق السيّد الداماد ادّعى إطباق الفقهاء على دعوى الإجماع على عدم عينيّة وجوبها (١) ، مضافا إلى الأخبار. (٢) الدالّة على مضمون إجماعاتهم ، والاعتبارات القطعيّة ، والقرائن على حسب ما عرفت.

بل عرفت أنّه لم يوجد في مسألة من مسائل الفقه إجماع بهذه المثابة بلا شبهة.

مع أنّ ما صدر منهم إنّما صدر باعتبار ظاهر عبارة بعض القدماء في بعض مواضع كتبهم ، مع ما عرفت في ذلك الظاهر أيضا.

مع أنّ مدار هؤلاء على العمل بأمثال ما عرفت من الإجماع الذي لا يصير طرف النسبة أصلا بالنسبة إلى تلك الإجماعات في كونها منصب الإمام عليه‌السلام ، بل أين الثريا من الثرى!

مع أنّه على فرض ثبوت احتسابهم من العدد ، انعقاد الجمعة بهم جميعا من أين؟ ولذا ذكر المصنّف فيما سبق ما ذكر.

قوله : (ولذا من كان). إلى آخره.

قد عرفت ما فيه ، سيّما مع دعواه القطع ، مع أنّ من كان على رأس فرسخين وقع النزاع في وجوب حضوره ، واختلفت الأخبار أيضا فيه ، ومقتضى حسنة ابن مسلم خلاف ما ذكره ، لأنّه روى عن الصادق عليه‌السلام أنّه قال : «تجب الجمعة على كلّ من كان منها على رأس فرسخين ، فإذا زاد على ذلك فليس عليه شي‌ء» (٣).

__________________

(١) نقل عنه في مفتاح الكرامة : ٣ / ٥٦.

(٢) انظر! وسائل الشيعة : ٧ / ٣٠٣ الباب ٢ من أبواب صلاة الجمعة وآدابها.

(٣) الكافي : ٣ / ٤١٩ الحديث ٣ ، تهذيب الأحكام : ٣ / ٢٤٠ الحديث ٦٤١ ، الاستبصار : ١ / ٤٢١ الحديث ١٦١٩ ، وسائل الشيعة : ٧ / ٣٠٩ الحديث ٩٤٣٢.

١٨

وقيل : لا تجب عليه ، بل تجب على من نقص عن الفرسخين ، ونسب هذا إلى الصدوق وابن حمزة (١) ، كما نسب الأوّل إلى الشيخ والمرتضى وابن إدريس (٢).

ويدلّ عليه صحيحة زرارة ، عن الباقر عليه‌السلام أنّه قال : «وضعها عن تسعة». إلى قوله : «ومن كان منها على رأس فرسخين» (٣).

وهذه أقوى سندا وأوفق بالاصول ، ومع ذلك الوقوع على رأس فرسخين بحيث لا يزيد ولا ينقص من الفروض النادرة ، والمطلقات تنصرف إلى غيرها.

ويمكن أن يكون كلام الفقهاء هاهنا أيضا كذلك.

لكن نقل عن ابن أبي عقيل أنّه قال : تجب الجمعة على من إذا غدا من منزله بعد ما صلّى الغداة أدرك الجمعة (٤).

وعن ابن الجنيد أنّه قال بوجوب السعي إليها على من سمع النداء بها ، أو من كان يصل إلى منزله إذا راح منها قبل خروج نهاره (٥) ، وهو ما يقارب ما ذكره ابن أبي عقيل.

ولعلّ مستندهما صحيحة زرارة ، عن الباقر عليه‌السلام : «الجمعة واجبة على من إن صلّى الغداة في أهله أدرك الجمعة ، وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إنّما يصلّي العصر في وقت الظهر في سائر الأيّام كي إذا قضوا الصلاة مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله رجعوا إلى

__________________

(١) نسب إليهما في ذكرى الشيعة : ٤ / ١٢٢ ، لاحظ! الهداية : ١٤٤ ، الوسيلة الى نيل الفضيلة : ١٠٣.

(٢) نسب إليهما في ذخيرة المعاد : ٣٠٠ ، لاحظ! رسائل الشريف المرتضى : ٣ / ٤١ ، المبسوط : ١ / ١٤٣ ، النهاية للشيخ الطوسي : ١٠٣ ، الخلاف : ١ / ٥٩٤ المسألة : ٣٥٧ ، السرائر : ١ / ٢٩٣.

(٣) الكافي : ٣ / ٤١٩ الحديث ٦ ، من لا يحضره الفقيه : ١ / ٢٦٦ الحديث ١٢١٧ ، تهذيب الأحكام : ٣ / ٢١ الحديث ٧٧ ، وسائل الشيعة : ٧ / ٢٩٥ الحديث ٩٣٨٢ مع اختلاف يسير.

(٤) نقل عنه العلّامة في مختلف الشيعة : ٢ / ٢٢٧.

(٥) نقل عنه العلّامة في مختلف الشيعة : ٢ / ٢٢٧.

١٩

رحالهم قبل الليل ، وذلك سنّة إلى يوم القيامة» (١).

وأجاب عنها في «الذكرى» بالحمل على الفرسخين (٢).

ولا يخلو عن قرب ، بقرينة اتّحاد راوي هذه الرواية والمروي عنه مع رواية الفرسخين عنه ، وأنّ بناء أمثال هذه التقادير (٣) على ملاحظة حال أضعف الناس في الأيّام ، فإنّ كلّ الناس ليس لهم دابّة فارهة.

بل ربّما لا يكون لهم دابّة أصلا ويمشون ، وربّما كانوا في المشي ضعفاء قاصري الخطوات ، والأيّام ربّما يكون تسع ساعات ، وربّما يكون في بعض البلاد أنقص من ذلك ، بل ربّما يكون ستّ ساعات.

ويؤيّده أيضا ظهور وجه المصلحة في وجوب السعي إليها على خصوص هؤلاء دون من يكون أبعد بقليل.

وهذه الصحيحة في غاية الظهور ـ كنظائرها ـ في كون الجمعة الواجبة عينيّا منصب شخص معيّن ، ويكون الواجب بالوجوب العينيّ على أهل أطرافه السعي إلى صلاته من كلّ طرف إلى الحدّ الذي إذا وجب عليهم السعي ويسعون بعد صلاة غداتهم يرجعون إلى منازلهم قبل إدراك الليل.

وأنّ في عهد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله كان الأمر كذلك ، وأنّه سنة إلى يوم القيامة ، وأنّ أهل الأطراف ما كانوا يصلّون سوى خلف الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وما كان يجوز لهم التخلّف ، وأنّ هذه سنّته وطريقة دينه إلى يوم القيامة ، لا خصوصيّة له ولا لصلاته في ذلك.

__________________

(١) تهذيب الأحكام : ٣ / ٢٤٠ الحديث ٦٤٢ ، الاستبصار : ١ / ٤٢١ الحديث ١٦٢١ ، وسائل الشيعة :

٧ / ٣٠٧ الحديث ٩٤٢٧.

(٢) ذكرى الشيعة : ٤ / ١٢٣.

(٣) في (ز ١ ، ٢) و (ط) : هذه الروايات.

٢٠