🚘

زبدة التّفاسير - ج ٧

فتح الله بن شكر الله الشريف الكاشاني

زبدة التّفاسير - ج ٧

المؤلف:

فتح الله بن شكر الله الشريف الكاشاني


المحقق: مؤسسة المعارف الإسلاميّة
الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة المعارف الإسلاميّة
المطبعة: عترت
ISBN: 964-7777-09-4
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

(٥٩)

سورة الحشر

مدنيّة. وهي أربع وعشرون آية بالإجماع.

أبيّ بن كعب قال : «قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ومن قرأ سورة الحشر لم يبق جنّة ، ولا نار ، ولا عرش ، ولا كرسيّ ، ولا حجاب ، ولا السماوات السبع ، ولا الأرضون السبع ، والهوامّ ، والرياح ، والطير ، والشجر ، والدوابّ ، والشمس ، والقمر ، والملائكة ، إلّا صلّوا عليه ، واستغفروا له ، وإن مات من يومه أو ليلته مات شهيدا».

وعن أبي سعيد المكاري ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : «من قرأ إذا أمسى الرحمن والحشر ، وكّل الله بداره ملكا شاهرا سيفه حتّى يصبح».

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (٢) وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي

٥

الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ (٣) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤))

ولمّا ختم الله سبحانه سورة المجادلة بذكر حزب الشيطان وحزب الله تعالى ، افتتح هذه السورة بقهره حزب الشيطان ، وهم بنو النضير من اليهود ، وما نالهم من الخزي والهوان ، ونصرة حزبه من أهل الإيمان.

وبيان ذلك : أنّ النبيّ لمّا قدم المدينة صالح بني النضير على أن لا يكونوا عليه ولا له. فلمّا ظهر يوم بدر قالوا : هو النبيّ المنعوت في التوراة ، لا تردّ له راية.

فلمّا هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا ، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبا إلى مكّة ، فأتوا قريشا وحالفوهم وعاقدوهم على أن تكون كلمتهم واحدة على محمّد. ثمّ دخل أبو سفيان في أربعين ، وكعب في أربعين من اليهود المسجد الحرام ، وأخذ بعضهم على بعض الميثاق بين الأستار والكعبة ثمّ رجع كعب بن الأشرف وأصحابه إلى المدينة.

ونزل جبرئيل فأخبر النبيّ بما تعاقد عليه كعب وأبو سفيان ، وأمره بقتل كعب بن الأشرف ، فقتله محمد بن مسلمة الأنصاري ، وكان أخاه من الرضاعة. فخرج ومعه سلكان بن سلامة ، وثلاثة من بني الحرث. وخرج النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على أثرهم على حمار مخطوم (١) بليف ، وجلس في موضع ينتظر رجوعهم. فذهب محمد بن مسلمة مع القوم إلى قرب قصره ، وأجلس قومه عند جدار ، وناداه : يا كعب. فانتبه وقال : من أنت؟

__________________

(١) أي : مشدود بليف. ومنه : الخطام ، وهو حبل يجعل في عنق البعير.

٦

قال : أنا محمد بن مسلمة أخوك ، جئتك أستقرض منك دراهم ، فإنّ محمدا يسألنا الصدقة ، وليس معنا الدراهم.

فقال كعب : لا أقرضك إلّا بالرهن.

قال : معي رهن ، انزل فخذه.

وكانت له امرأة بنى بها تلك الليلة عروسا ، فقالت : لا أدعك تنزل ، لأنّي ارى حمرة الدم في ذلك الصوت. فلم يلتفت إليها ، فخرج فعانقه محمّد بن مسلمة وهما يتحادثان ، حتّى تباعدا من القصر إلى الصحراء. ثمّ أخذ رأسه ودعا بقومه. وصاح كعب ، فسمعت امرأته وصاحت ، وسمع بنو النضير صوتها ، فخرجوا نحوه فوجدوه قتيلا. ورجع القوم سالمين إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

فلمّا أسفر الصبح أخبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أصحابه بقتل كعب ، ففرحوا. فأمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بحربهم ، والسير إليهم. فسار بالناس حتّى نزل بهم ، فتحصّنوا منه في الحصن.

فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لهم : اخرجوا من أرض المدينة.

فقالوا : الموت أحبّ إلينا من ذاك.

فتنادوا بالحرب.

وقيل : استمهلوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عشرة أيّام ليتجهّزوا للخروج. فدسّ عبد الله بن أبيّ المنافق أصحابه إليهم : لا تخرجوا من الحصن ، فإن قاتلوكم فنحن معكم لا نخذلكم ، ولئن خرجتم لنخرجنّ معكم. فدربوا (١) على الأزقّة وحصّنوها. فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة. فلمّا قذف الله الرعب في قلوبهم ، وأيسوا من نصر المنافقين ، طلبوا الصلح. فأبى عليهم إلّا الجلاء ، على أن يحمل كلّ ثلاثة أبيات على بعير ما شاؤا من متاعهم. فجلوا إلى الشام ، إلى أريحا وأذرعات ، إلّا أهل بيتين منهم : آل أبي الحقيق وآل حييّ بن أخطب ، فإنّهم

__________________

(١) أي : ضيّقوا أفواهها بالخشب والحجارة.

٧

لحقوا بخيبر ، ولحقت طائفة بالحيرة. فنزلت فيهم :

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) مرّ تفسيره.

(هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ) يعني : يهود بني النضير (مِنْ دِيارِهِمْ) بأن سلّط الله المؤمنين عليهم ، وأمر نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بإخراجهم من منازلهم وحصونهم (لِأَوَّلِ الْحَشْرِ) متعلّق بـ «أخرج». وهي اللام في قوله تعالى : (يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي) (١). وقولك : جئته لوقت كذا. والمعنى : أخرج الّذين كفروا في أوّل حشرهم من جزيرة العرب ، إذ لم يصبهم هذا الذلّ قبل ذلك. أو في أوّل إجلائهم إلى الشام ، وآخر حشرهم إجلاء عمر إيّاهم من خيبر إلى الشام. أو أوّل حشر الناس إلى الشام ، وآخر حشرهم أنّهم يحشرون إليه عند قيام الساعة ، فيدركهم هناك. أو أنّ نارا تخرج من المشرق فتحشرهم إلى المغرب ، فهذا هو الحشر الثاني. وعن عكرمة : من شكّ أنّ المحشر هاهنا ـ يعني : الشام ـ فليقرأ هذه الآية.

وقيل : معناه : أخرجهم من ديارهم لأوّل ما حشر لقتالهم ، لأنّه أوّل قتال قاتلهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. والحشر : إخراج جمع من مكان إلى آخر.

(ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا) لشدّة بأسهم ومنعتهم ، ووثاقة حصونهم ، وكثرة عددهم وعدّتهم (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ) أي : أنّ حصونهم تمنعهم من بأس الله. وفي تقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط وثوقهم بحصانتها ومنعها إيّاهم. وفي تصيير ضميرهم اسما لـ «أنّ» ، وإسناد الجملة إليه ، دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنّهم في عزّة ومنعة لا يبالى معها بأحد يتعرّض لهم ، أو يطمع في معازّتهم (٢). وليس ذلك في قولك : وظنّوا أنّ حصونهم تمنعهم. ولذلك غيّر النظر؟

__________________

(١) الفجر : ٢٤.

(٢) عازّه معازّة : عارضه في العزّة.

٨

(فَأَتاهُمُ اللهُ) أي : عذابه. وهو الرعب والاضطرار إلى الجلاء. وقيل : الضمير للمؤمنين ، أي : فأتاهم نصر الله. (مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا) لم يظنّوا ولم يخطر ببالهم ، وهو قتل رئيسهم كعب بن الأشرف غرّة (١) وغيلة على يد أخيه. وذلك ممّا أضعف قوّتهم ، وفلّ من شوكتهم ، وثبّط المنافقين الّذين كانوا يتولّونهم عن مظاهرتهم ، وسلب قلوبهم الأمن والطمأنينة بما قذف فيها من الرعب ، وألهمهم أن يوافقوا المؤمنين في تخريب بيوتهم ، ويعينوا على أنفسهم ، كما قال عزّ اسمه :

(وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ) وأثبت فيها الخوف الّذي يرعبها ، أي : يملؤها (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ) ضنّا (٢) بها على المسلمين ، واحتياجا لهم إلى الخشب والحجارة ليسدّوا بها أفواه الأزقّة ، وإخراجا لما استحسنوا من آلاتها (وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ) فإنّهم أيضا كانوا يخربون ظواهرها نكاية وتوسيعا لمجال القتال ، فلا يبقى لهم بالمدينة دار ، ولا منهم ديار. وعطفها على «أيديهم» من حيث إنّ تخريب المؤمنين مسبّب عن نقضهم ، فكأنّهم استعملوا المؤمنين في التخريب. والجملة حال ، أو تفسير للرعب. وقرأ أبو عمرو : يخرّبون بالتشديد. وهو أبلغ ، لما فيه من التكثير. وقيل : الإخراب : التعطيل ، أو ترك الشيء خرابا. والتخريب : الهدم.

(فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ) فاتّعظوا بما دبّر الله ويسّر من أمر إخراجهم ، وتسليط المسلمين عليهم من غير قتال ، فلا تعتمدوا على غير الله.

وفيه دليل على أنّ القياس المنصوص العلّة حجّة لا مطلقا ، من حيث إنّه أمر بالمجاوزة من حال إلى حال ، مثلها في اشتراك العلّة ، فحملها عليها في الحكم لما بينهما من العلّة المشتركة المقتضية له.

وقيل : وعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المسلمين أن يورثهم الله أرضهم وأموالهم بغير

__________________

(١) أي : غفلة.

(٢) ضنّ بالشيء : بخل.

٩

قتال ، ويريحوهم من جوارهم ، فكان كما قال ، فاستدلّوا بذلك على صدق الرسول.

(وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ) الخروج من أوطانهم على ما اقتضته حكمته (لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا) بالقتل والسبي ، كما فعل بإخوانهم بني قريظة (وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ) استئناف معناه : إنّهم إن نجوا من عذاب الدنيا لم ينجوا من عذاب الآخرة.

(ذلِكَ) إشارة إلى ما ذكر من عذاب الدنيا ، وما كانوا بصدده من الفساد ، وما هو معدّ لهم في الآخرة. أو إلى الأخير. (بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ) خالفوهما (وَمَنْ يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) فيعاقبهم على مشاقّتهم أشدّ العقاب.

(ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ (٥))

روي : أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين محاصرة حصونهم أمر بقطع نخيلهم وتحريقها ، فنادوه : يا محمّد قد كنت تنهى عن الفحشاء ، فما بالك تقطع النخل؟ ووقع في أنفس بعض المؤمنين شيء من ذلك. فأنزل الله سبحانه :

(ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ) محلّ «ما» نصب بـ «قطعتم» ، أي : أيّ شيء قطعتم من نخلة. فعلة ، وياؤها عن واو ، كالديمة. من اللون ، ويجمع على ألوان. والمراد ضروب النخل وأنواعها. وقيل : من اللين. ومعناها : النخلة الكريمة ، مثل العجوة والبرنية. وجمعها : لين وأليان. وعلى هذا تخصيصها بالقطع ليكون غيظ اليهود أشدّ.

(أَوْ تَرَكْتُمُوها) الضمير لـ «ما». وتأنيثه لأنّه مفسّر باللينة. (قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللهِ) فبأمره (وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ) علّة لمحذوف ، أي : وفعلتم ، أو وأذن لكم في القطع ليجزيهم على فسقهم بما غاظهم منه ، وضاعف لهم حسرة. وفيه دليل على جواز هدم ديار الكفّار ، وقطع أشجارهم ، زيادة لغيظهم.

١٠

(وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٧) لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٠))

روي : أنّ بعض المسلمين طلبوا القسمة في أموال بني النضير ، فنزلت : (وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ) وما أعاده عليه ، بمعنى : صيّره له أو ردّه عليه ، فإنّه كان حقيقا

١١

بأن يكون له ، لأنّه تعالى خلق الناس لعبادته ، وخلق ما خلق لهم ليتوسّلوا به إلى طاعته ، فهو جدير بأن يكون للمطيعين. (مِنْهُمْ) من بني النضير ، أو من جميع الكفرة (فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ) فما أجريتم على تحصيله. من الوجيف ، وهو سرعة السير. (مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ) ما يركب من الإبل غلّب فيه كما غلّب الراكب على راكبه.

والمعنى : وما تعبتم عليه بركض الخيل والركاب وعدوهما ، وإنّما مشيتم إليه على أرجلكم. وذلك لأنّ قرى بني النضير كانت على ميلين من المدينة ، فمشوا إليها رجالا غير رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإنّه ركب حمارا ، وقيل : جملا ، ولم يجر قتال ، ولذلك قسّم الفيء بين المهاجرين ، ولم يعط الأنصار منه شيئا ، إلّا ثلاثة كانت بهم حاجة.

(وَلكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ) وعلى ما في أيديهم ، بقذف الرعب في قلوبهم. فالأمر فيه مفوّض إليه ، يضعه حيث يشاء. يعني : أنّه لا يقسّم قسمة الغنائم الّتي قوتل عليها وأخذت عنوة وقهرا (وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فيفعل ما يريد تارة بالوسائط الظاهرة ، وتارة بغيرها.

ثمّ أمر رسوله أن يضع الفيء حيث يضع الخمس من الغنائم ، مقسوما على الأقسام الستّة ، فقال :

(ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى) من أموال الكفّار. وهذا بيان للأوّل ، ولذلك لم يعطف عليه. (فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى) من أهل قرابته ، وهم بنو هاشم (وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) منهم ، لأنّ التقدير : ولذي قرباه ، ويتامى أهل بيته ، ومساكينهم ، وابن السبيل منهم. ويؤيّده ما روى المنهال بن عمرو ، عن عليّ بن الحسين عليه‌السلام قال : «قلت : قوله : (وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) قال : هم قربانا ، ومساكيننا ، وأبناء سبيلنا».

١٢

وقال فقهاء العامّة : هم يتامى الناس عامّة ، وكذلك المساكين وأبناء السبيل.

وقد روى محمد بن مسلم ، عن أبي جعفر عليه‌السلام أنّه قال : «كان أبي يقول : لنا سهم الرسول وسهم ذي القربى ، ونحن شركاء الناس فيما بقي».

وروي عن الصادق عليه‌السلام أنّه قال : «نحن قوم فرض الله طاعتنا ، ولنا الأنفال ، ولنا صفو المال».

يعني : ما كان يصطفى لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من فره الدوابّ ، وحسان الجواري ، والدرّة الثمينة ، والشيء الّذي لا نظير له. والشروط المعتبرة في الخمس وكيفيّة تقسيمه قد مرّ في سورة الأنفال.

(كَيْ لا يَكُونَ) أي : لئلّا يكون الفيء الّذي حقّه أن يعطى الفقراء ليكون لهم بلغة يعيشون بها. وقرأ هشام بالتاء. (دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ) ما يتداوله الأغنياء ويدور بينهم ، يتكاثرون به ، فلا يصيب الفقراء منه ، كما كان في الجاهليّة ، فإنّ الرؤساء منهم كانوا يستأثرون بالغنيمة ، لأنّهم أهل الرئاسة والدولة والغلبة ، وكانوا يقولون : من عزّ (١) بزّ. وهذا الخطاب للمؤمنين ، دون الرسول وأهل بيته عليهم‌السلام.

قال الكلبي : نزلت في رؤساء المسلمين قالوا له : يا رسول الله خذ صفيّك والربع ، ودعنا والباقي ، فهكذا كنّا نفعل في الجاهليّة. فلمّا نزلت هذه الآية قالت الصحابة : سمعا وطاعة لأمر الله وأمر رسوله.

وقرأ هشام : دولة بالرفع ، على «كان» التامّة ، أي : كيلا يقع دولة جاهليّة.

(وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ) وما أعطاكم من الفيء ، أو من الأمر (فَخُذُوهُ) لأنّه حلال لكم. أو فتمسّكوا به ، لأنّه واجب الطاعة. (وَما نَهاكُمْ عَنْهُ) عن أخذه ، أو عن إتيانه (فَانْتَهُوا) عنه (وَاتَّقُوا اللهَ) في مخالفة رسوله (إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) لمن خالفه. والأجود أن يكون الحكم عامّا في كلّ ما أتى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونهى عنه ، وأمر الفيء داخل في عمومه وإن نزل في آية الفيء.

__________________

(١) أي : من غلب سلب.

١٣

وروى زيد الشحّام ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : «ما أعطى الله نبيّا من الأنبياء شيئا إلّا وقد أعطى محمّدا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. قال لسليمان : (فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ) (١).

وقال لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)».

وفي هذه الآية دلالة على أنّ تدبير الأمّة إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإلى الأئمّة القائمين مقامه. ولهذا قسّم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أموال خيبر ، ومنّ عليهم في رقابهم ، وكذا منّ على أهل مكّة ، وأجلى بني النضير وبني قينقاع ، وأعطاهم شيئا من المال ، وقتل رجال بني قريظة ، وسبى ذراريهم ونساءهم ، وقسّم أموالهم على المهاجرين ، كما قال الله عزوجل :

(لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ) بدل من (لِذِي الْقُرْبى) وما عطف عليه ، فإنّ الرسول لا يسمّى فقيرا ، لترفّعه عن هذه التسمية ، ولقوله : «وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ» (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ) فإنّ كفّار مكّة أخرجوهم وأخذوا أموالهم (يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً) حال مقيّدة لإخراجهم بما يوجب تفخيم شأنهم (وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ) بأنفسهم وأموالهم (أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) الّذين ظهر صدقهم في إيمانهم.

قال الزجّاج : بيّن سبحانه من المساكين الّذين لهم الحقّ بقوله : (لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ). ثمّ ثنّى سبحانه بوصف الأنصار ومدحهم ، حتّى طابت أنفسهم عن الفيء ، فقال :

(وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ) عطف على «المهاجرين». والمراد بهم الأنصار الّذين لزموا المدينة والإيمان ، وتمكّنوا فيهما. وقيل : المعنى : تبوّؤا دار الهجرة ودار الإيمان. فحذف المضاف من الثاني ، والمضاف إليه من الأوّل ، وعوّض عنه اللام. أو تبوّؤا الدار وأخلصوا الإيمان ، كقوله : علفتها تبنا وماء باردا. وقيل :

__________________

(١) ص : ٣٩.

١٤

سمّى المدينة بالدار والإيمان ، لأنّها دار الهجرة ومكان ظهور الإيمان. (مِنْ قَبْلِهِمْ) من قبل هجرة المهاجرين. وقيل : قبل إيمان المهاجرين. والمراد به أصحاب ليلة العقبة ، وهم سبعون رجلا بايعوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على حرب الأحمر والأبيض.

(يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ) ولا يثقل عليهم ، لأنّهم أحسنوا إليهم ، وأسكنوهم دورهم ، وأشركوهم في أموالهم (وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ) في أنفسهم (حاجَةً) ما يحملهم الاحتياج عليه ، كالطلب والحزازة والحسد والغيظ (مِمَّا أُوتُوا) ممّا أعطي المهاجرون من الفيء وغيره. يعني : نفوسهم لم تتبع ما أعطي المهاجرون ، ولم تطمح إلى شيء منه يحتاج إليه.

(وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ) ويقدّمون المهاجرين على أنفسهم ، حتّى إنّ من كان عنده امرأتان نزل عن واحدة وزوّجها من أحدهم (وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ) خلّة. من خصاص البيت ، وهي فرجه. والجملة في موضع الحال ، أي : مفروضة خصاصتهم.

روي : أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قسّم أموال بني النضير على المهاجرين ، ولم يعط الأنصار إلّا ثلاثة محتاجين : سماك بن خرشة ، وسهل بن حنيف ، والحارث بن الصمة. وقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لهم : إن شئتم قسّمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم ، وشاركتموهم في هذه الغنيمة ، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ، ولم يقسّم لكم شيء من الغنيمة. فقالت الأنصار : بل نقسّم لهم من أموالنا وديارنا ، ونؤثرهم بالغنيمة ، ولا نشاركهم فيها. فنزلت هذه الآية.

(وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ) ومن غلب ما أمرته به نفسه ـ من حبّ المال ، وبغض الإنفاق ـ بتوفيق الله سبحانه ولطفه ، وخالف هواها بمعونته (فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الفائزون بالثناء العاجل ، والثواب الآجل.

وقيل : من لم يأخذ شيئا نهاه الله عنه ، ولم يمنع شيئا أمره الله بأدائه ، فقد وقي

١٥

شحّ نفسه.

وعن سعيد بن جبير : شحّ النفس هو أخذ الحرام ومنع الزكاة.

(وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ) عطف أيضا على المهاجرين ، أي : هم الّذين هاجروا بعدهم حين قوي الإسلام. أو التابعون بإحسان. وهم المؤمنون بعد الفريقين إلى يوم القيامة. ولذلك قيل : الآية قد استوعبت جميع المؤمنين.

(يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ) أي : لإخواننا السابقين في الدين (وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا) حقدا لهم (لِلَّذِينَ آمَنُوا) لطفا منك (رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ) فحقيق بأن تجيب دعاءنا.

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٣) لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (١٤) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٥) كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ

١٦

قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (١٦) فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (١٧))

ولمّا وصف سبحانه المهاجرين الّذين هاجروا الديار والأوطان ، ثمّ مدح الأنصار الّذين تبوّؤا الدار والإيمان ، ثمّ ذكر التابعين بإحسان ، وما يستحقّونه من النعيم في الجنان ، عقّب ذلك بذكر المنافقين وما أسرّوه من الكفر والعصيان ، فقال :

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ) يريد الّذين بينهم وبينهم أخوّة الكفر أو الصداقة والموالاة (لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ) من دياركم (لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ) في قتالكم أو خذلانكم مساعدين لكم (وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ) في قتالكم (أَحَداً أَبَداً) أي : من رسول الله والمسلمين إن حملنا عليه. أو في خذلانكم وإخلاف ما وعدناكم من النصرة. (وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ) لنعاوننّكم (وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) في مواعيدهم لليهود. يعني : لا يفعلون ذلك ، كما قال :

(لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ) وكان كذلك ، فإنّ ابن أبيّ وأصحابه راسلوا بني النضير بذلك ثمّ أخلفوهم. وفيه دليل على صحّة النبوّة وإعجاز القرآن. (وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ) أي : على التقدير والفرض ، كقوله : (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) (١). فلا ينافي قوله : (لا يَنْصُرُونَهُمْ). (لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ) أي : ليهز منّ الله اليهود (ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ) لا ينفعهم نصرة المنافقين. أو ليهزمنّ المنافقون ثمّ لا ينصرون بعد ذلك ، أي : يهلكهم الله ولا ينفعهم نفاقهم ، لظهور كفرهم. إذ ضمير

__________________

(١) الزمر : ٦٥.

١٧

الفعلين يحتمل أن يكون لليهود أو للمنافقين.

ثمّ خاطب المؤمنين بقوله : (لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً) مصدر للفعل المبنيّ للمفعول ، أي : أشدّ مرهوبيّة في صدورهم. وهذا دلالة على نفاقهم ، يعني : أنّهم يظهرون لكم في العلانية خوف الله وأنتم أهيب (فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ) فإنّ استبطان رهبتكم سبب لإظهار رهبة الله (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ) لا يعلمون عظمة الله حتّى يخشوه حقّ خشيته ، ويعلموا أنّه الحقيق بأن يخشى.

(لا يُقاتِلُونَكُمْ) اليهود والمنافقون ، أي : لا يقدرون على مقاتلتكم (جَمِيعاً) مجتمعين متساندين (إِلَّا) كائنين (فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ) بالدروب والخنادق (أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ) يرمونكم دون أن يصحروا لكم ويبارزوكم ، لفرط رهبتهم. وقرأ ابن كثير وابو عمرو : جدار. وأمال أبو عمرو فتحة الدال.

(بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ) أي : ليست رهبتهم منكم لضعفهم وجبنهم ، فإنّه يشتدّ بأسهم إذا حارب بعضهم بعضا ، بل لقذف الله الرعب في قلوبهم ، وتأييد الله ونصرته معكم. ولأنّ الشجاع يجبن ، والعزيز يذلّ ، إذا حارب الله ورسوله.

(تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً) مجتمعين متّفقين في الظاهر (وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) متفرّقة ، لافتراق دواعيهم وأهوائهم ، واختلاف آرائهم ومقاصدهم ، لأنّ بينهم إحنا وعداوات ، خذلانا وتخلية من الله ، فلا يتعاضدون حقّ التعاضد ، ولا يرمون عن قوس واحدة.

(ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ) ما فيه صلاحهم ، وأنّ تشتّت القلوب يوهن قواهم. وفيه تجسير للمؤمنين ، وتشجيع لقلوبهم على قتالهم.

(كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي : مثل اليهود كمثل أهل بدر أو بني قينقاع إن صحّ أنّهم أخرجوا قبل النضير. أو المهلكين من الأمم الماضية. (قَرِيباً) في زمان قريب. وانتصابه بـ «مثل» ، على تقدير : كوجود مثل. (ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ) سوء

١٨

عاقبة كفرهم في الدنيا ، كالقتل والسبي والإجلاء (وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) في الآخرة.

(كَمَثَلِ الشَّيْطانِ) أي : مثل المنافقين في إغوائهم اليهود على القتال ، ووعدهم إيّاهم النصر ، ثمّ متاركتهم وإخلافهم ، كمثل الشيطان (إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ) أغراه على الكفر بكيده إغراء الآمر المأمور.

وعن ابن عبّاس : هو عابد في بني إسرائيل اسمه برصيصا ، عبد الله زمانا من الدهر حتّى كان يؤتى بالمجانين يداويهم ، ويعوّذهم فيبرءون على يده. وأنّه أتي بامرأة في شرف قد جنّت ، وكان لها إخوة فأتوه بها ، فكانت عنده ، فلم يزل به الشيطان يزيّن له حتّى وقع عليها فحملت ، فلمّا استبان حملها قتلها ودفنها.

فلمّا فعل ذلك ذهب الشيطان حتّى لقي أحد إخوتها ، فأخبره بالّذي فعل الراهب ، وأنّه دفنها في مكان كذا ، ثمّ أتى بقيّة إخوتها رجلا رجلا ، فذكر ذلك له.

فجعل الرجل يلقى أخاه فيقول : والله لقد أتاني آت فذكر لي شيئا يكبر عليّ ذكره.

فذكر بعضهم لبعض حتّى بلغ ذلك ملكهم ، فسار الملك والناس فاستنزلوه ، فأقرّ لهم بالّذي فعل ، فأمر به فصلب.

فلمّا رفع على خشبته تمثّل له الشيطان ، فقال : أنا الّذي ألقيتك في هذا ، فهل أنت مطيعي فيما أقول لك ، أخلّصك ممّا أنت فيه؟

قال : نعم.

قال : اسجد لي سجدة واحدة.

فقال : كيف أسجد لك وأنا على هذه الحالة؟

فقال : أكتفي منك بالإيماء.

فأومى له بالسجود ، فكفر بالله ، وقتل الرجل. فهو قوله : (كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ).

(فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ) أي : تبرّأ منه مخافة أن يشاركه في

١٩

العذاب ، كما قال : (إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ) ولم ينفعه ذلك.

(فَكانَ عاقِبَتَهُما) عاقبة الفريقين الداعي والمدعوّ ، من الشيطان ومن أغواه من المنافقين واليهود (أَنَّهُما فِي النَّارِ) أنّهما معذّبان في النار (خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ) فضرب الله تعالى هذه القصّة لبني النضير حين اغترّوا بالمنافقين ، ثمّ تبرّؤا منهم عند الشدّة وأسلموهم. وقيل : المراد بالإنسان أبو جهل ، قال له إبليس يوم بدر : (لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ) إلى قوله : (إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ) (١). قيل : أراد بالشيطان والإنسان اسم الجنس لا المعهود ، فإنّ الشيطان أبدا يدعو الإنسان إلى الكفر ، ثمّ يتبرّأ منه وقت الحاجة.

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (١٩))

ثمّ رجع إلى موعظة المؤمنين ، فقال : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ) من عمل صالح ينجيه ، أو طالح يوبقه ويرديه (لِغَدٍ) ليوم القيامة.

سمّاه غدا لدنوّه ، كاليوم الّذي يلي يومك. أو لأنّ الدنيا كيوم ، والآخرة كغده.

وتنكيره للتعظيم ، ولإبهام أمره ، كأنّه قيل : لغد لا يعرف كنهه لعظمته. وأمّا تنكير النفس فلاستقلال الأنفس النواظر فيما قدّمن للآخرة ، كأنّه قال : فلتنظر نفس واحدة في ذلك.

(وَاتَّقُوا اللهَ) تكرير للتأكيد ، أو الأوّل في أداء الواجبات ، لأنّه مقرون

__________________

(١) الأنفال : ٤٨.

٢٠