• الفهرس
  • عدد النتائج:
📷

وأمّا ما ذكرت من غارة الضحّاك على أهل الحيرة فهو أقلّ وأذلّ من أن يلمّ بها أو يدنو منها ، ولكنه قد كان أقبل في جريدة خيل فأخذ على السماوة حتّى مرّ بواقصة وشراف والقطقطانية (١) ، فما والى ذلك الصقع ، فوجّهت إليه جنداً كثيفاً من المسلمين ، فلمّا بلغه ذلك فرّ هارباً ، فلحقوه ببعض الطريق وقد أمعن ، وكان ذلك حين طفلت الشمس للإياب ، فتناوشوا القتال قليلاً كلّا ولا ، فلم يصبر لوقع المشرفية وولّى هارباً ، وقتل من أصحابه تسعة عشر رجلاً ، ونجا جريضاً بعد ما أخذ منه بالمخنق ولم يبق منه غير الرمق فلأيا بلأي ما نجا.

والله ما سألتني أن أكتب إليك برأيي فيما أنا فيه ، فإنّ رأيي جهاد المحلّين حتّى ألقى الله ، لا يزيدني كثرة الناس معي عزّة ، ولا تفريقهم عنّي وحشة ؛ لأنّي محقّ والله مع الحقّ ، والله ما أكره الموت على الحقّ ، وما الخير كلّه بعد الموت إلّا لمن كان محقّاً.

وأمّا ما عرضت عليّ من مسيرك إليّ ببنيك وبني أبيك فلا حاجة لي في ذلك ، فأقم راشداً محموداً فوالله ما أحبّ أن تهلكوا معي إنْ هلكت ، ولا تحسبن أنّ ابن أمّك ـ ولو سلّمه الناس ـ متخشّعاً ولا متضرّعاً ولا مقراً للضيم واهناً ولا سلس الزمام للقائد ولا وطئ الظهر للراكب المقتعد ، إنّي لكما كما قال أخو بني سليم :

فإن تسأليني كيف أنت فإنّني

صبور على ريب الزمان صليب

يعـزّ عليّ أن ترى بي كآبة

فيشمت عـاد أو يسـاء حبيب) (٢)

_______________________

(١) اسم موضع قرب مكة. ياقوت الحموي : معجم ٤ / ٣١٣.

(٢) الثقفي : الغارات ٢ / ٤٣١ ، وينظر الإسكافي : المعيار والموازنة / ١٨٠ ، ابن قتيبة : الإمامة والسياسة ١ / ٧٥ ، ابن الدمشقي : جواهر ١ / ٣٦٦ ، المحمودي : نهج السعادة ٥ / ٣٠٠.