فلسفة الحج في الاسلام

الشيخ حسن طراد

فلسفة الحج في الاسلام

المؤلف:

الشيخ حسن طراد

المحقق: المترجم:
الموضوع : الفقه الناشر: دار الزهراء
نسخة غير مصححة

١

٢

٣

٤

تقديم وتمهيد

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين

والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد المرسلين نبينا محمّد بن عبدالله وعلى آله الطاهرين وصحبه المنتجبين.

وبعد : إذا فتح الإنسان العاقل عين بصيرته على صفحات كتاب هذا الكون الفسيح والتفت إلى ما يحمل في طيه من الأسرار العميقة وتدبر أيضاً آيات كتاب التشريع الفصيح وتنبه لما يحفل به ويشتمل عليه من الحِكَم البالغة والتعاليم السامية.

يُدرك بهذا وذاك أن خالق هذا الكون ومنزل ذلك الكتاب إلهٌ عليم حكيم واحد أحد فرد صمد لا شريك له ولا ولد. وأن ما صدر عنه من خلق وتشريع كان لغاية سامية تتناسب مع كماله المطلق وحكمته البالغة.

وقد صرح بالغاية التي أوجد الكون من أجلها في العديد من الآيات الكريمة :

٥

منها قوله تعالى : ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرضِ جَمِيعاً ) (١).

وقوله تعالى : ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعمَتِ اللَّهِ لِيُريَكُم مِّن ءاياتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيات لِّكُلّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ) (٢).

وقوله سبحانه : ( وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرض جَمِيعاً مِّنْهُ ) (٣).

كما صرح بالغاية التي خلق الجن والإنس من أجلها وهي عبادته وحده لا شريك له بقوله تعالى :

( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ) (٤).

والمراد بالعبادة التي جعلها الله تعالى غايةً لخلق الجن والإنس الخضوع المطلق والانقياد الكلّي لإرادته سبحانه بكل عمل اختياري يمارسه الإنسان بإرادته واختياره سواء كان عملاً باطنياً كالتفكر في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ونحو ذلك من الآيات التكوينية من أجل التوصل بهذا التفكر إلى الإيمان بالعقائد الحقّة المتمثلة بأصول الدين المعهودة وما يتعلق بها.

أم كان هذا العمل الاختياري ظاهرياً يتمثل بكل التصرفات الخارجية التي تصدر من الإنسان المكلف بإرادته واختياره وفق إرادة الله تعالى بفعل ما أمر به من الواجبات والمستحبات وترك ما نهى عنه من المحرمات والمكروهات.

__________________

(١) سورة البقرة ، الآية : ٢٩.

(٢) سورة لقمان ، الآية : ٣١.

(٣) سورة الجاثية ، الآية : ١٣.

(٤) سورة الذاريات ، الآية : ٥٦.

٦

وبعد التدبر في الأسرار والحِكَم التي كانت الباعثَ لخلق الله سبحانه الأكوان بما فيها الإنسان وإنزاله الشرائع والأديان.

ندرك بجلاء ووضوح ـ أنها كمال الإنسان وسعادتهُ في الدنيا والآخرة.

وذلك لأن ما أودعه الله تعالى في الكون من النظم التكوينية يساهم في إنعاش الجانب المادي منه وما يحفل به من التشريع السماوي وينطوي عليه من المصالح والحِكم يساهم في إنعاشه مادياً ومعنوياً.

وبانتعاشه وتطوره يرتقي إلى المستوى الرفيع الذي أراد الله سبحانه صعوده إليه ويصبح قادراً على النهوض بدور الخلافة الذي خلقه من أجله ونص عليه بقوله تعالى :

( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنّي جَاعِلٌ فِي الأَرضِ خَلِيفَةً ) (١).

وأراد تعالى أن يلفت نظرهم إلى كفاءته وقدرته على قيامه بهذا الدور من خلال أمرهم بالسجود له بقوله تعالى :

( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدوا إِلاَّ إبلِيس أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) (٢).

ويظهر أثر العبادة ودورها الإيجابي في بناء الشخصية الإسلامية السامية وصنع المجتمع الرسالي المتضامن المتكامل من خلال ملاحظة ما يترتب على الارتباط بالله سبحانه والانقياد لإرادته الحكيمة المتمثل بتطبيق شريعته القويمة من فوائد معنوية ومادية كثيرة ناشئة من فعل الواجبات

__________________

(١) سورة البقرة ، الآية : ٣٠.

(٢) سورة البقرة ، الآية : ٣٤.

٧

والمستحبات مع سلامته من الأضرار العديدة بسبب تركه المحرمات كما هو مقتضى حكمته البالغة ورحمته الواسعة الداعية للالتزام بمنهج الحكمة في التشريع بحيث لا يصدر منه أمر إلا بما فيه مصلحة تعود على المكلف ولا ينهى إلا عما فيه مفسدة تحصل له وتحطمه مادياً ومعنوياً.

وبذلك يظهر أن فائدة التقيد بمنهج العبودية لا تنحصر بيوم الجزاء بل تحصل له معجلاً في هذه الدار قبل انتقاله إلى الدار الآخرة كما يفهم من صريح قوله تعالى :

( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءامَنُوا وَاتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّن السّماءِ وَالأَرْضِ ) (١). وقوله تعالى : ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاواتٍ وَمِن الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ وَأنّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلمَا ) (٢).

ومن أجل توضيح هذه الحقيقة أكثر نقدم تشبيهاً لارتباط الإنسان بمنهج العبودية والخضوع الاختياري لإرادة الله سبحانه بتطبيقه شرعه العادل الكامل ـ بارتباط غيره من سائر الكائنات غير المختارة بالإرادة التكوينية للذات الإلهية المتمثل بالخضوع القسري لهذه الإرادة الحكيمة المسيرة لهذا الكون بما فيه الجانب المادي من الإنسان الخاضع لنظام الله التكويني والمسير له بمعزل عن إرادته واختياره.

فكما أن خضوع هذه الكائنات للنظام التكويني المسيطر عليها والمسير لها في إطار الحكمة والمصلحة التامة العامة يثمر الكثير والكبير من المنافع ويسلم الكون كله من الكوارث الكونية والأخطار المدمرة.

__________________

(١) سورة الأعراف ، الآية : ٩٦.

(٢) سورة الطلاق ، الآية : ١٢.

٨

هكذا خضوع الإنسان الاختياري لنظام الإله التشريعي يعود عليه فرداً ومجتمعاً بالكثير من الفوائد ويجنبه العديد من المفاسد.

وقد أشارت الآية الأولى السابقة إلى كلا النوعين من الآثار الإيجابية البناءة والسلبية المدمرة أما الأولى فقد مر ذكرها في أولها أي أول الآية وأما الثانية فقد بينها سبحانه في آخرها حيث قال :

( وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (١).

وتتجلى هذه الحقيقة الموضوعية بالمقارنة بين الوضع الجاهلي الذي كان سائداً في العالم بصورة عامة والجزيرة العربية بصورة خاصة قبل بزوغ فجر الرسالة الإسلامية. والوضع الرسالي الذي تطورت إليه الأمة العربية بعد بزوغ هذا الفجر الوضاء واستنارتها بأضوائه الزاهرة وتحولها من عبادة الأصنام إلى عبادة الإله الواحد العلام ومن النظم الجاهلية المفرقة إلى القوانين الدينية الموحدة لتصبح بفضل هذا التحول والتبدل في المفاهيم والعقائد والممارسة.

خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف بعد فعله وتنهى عن المنكر بعد تركه ويحب كل فرد من أبنائها لأخيه ما يحبه لنفسه ويكره له ما يكره لها من أجل أن يحقق بذلك مصداقية إيمانه الذي لا يتم بدون ذلك.

وكذلك يُسلِّم الناس من يده ولسانه تجاوباً مع طبيعة إسلامه الأصيل بعد أن كان في ظل الجاهلية العمياء على عكس ذلك كله ، وبضدها تتميز الأشياء.

وقد شرحت ذلك مفصلاً في حديث ديني منشور في الجزء الأول من

__________________

(١) سورة الأعراف ، الآية : ٩٦.

٩

وحي الإسلام ، صفحة ٣٥ تحت عنوان (الإسلام دين السعادة والسلام وارتباط الإنسان المكلف وتقيده بالنظام الإلهي التشريعي يعبر عنه بالعبادة بمعناها العام في مقابل العبادة بمعناه الخاص المتمثلة بالعبادات الخاصة المعهودة وهي الصلاة وبعض مقدماتها التي لا تصح بدون قصد القربة ـ والحج والصوم والزكاة والخمس ونحوها مما اعتبر في صحته وفراغ الذمة منه قصد التقرب به لله تعالى.

والحكمة في تشريع هذه العبادات على هذا الوجه هو تأثيرها الإيجابي في تقوية الرابطة الإيمانية وترسيخها في حقل النفس لتشد المكلف وباستمرار بسلك العبودية إلى الذات الإلهية المقدسة فلا يتجاوز حد الإطاعة لها والاستقامة في خط عبادتها والخضوع المطلق لإرادتها مهما كانت الضغوطات أو الإغراءات المقتضية بطبعها للإنحراف عن نهج العبودية القويم وصراطها المستقيم.

وذلك لأن الإتيان بالعمل تقرباً لله سبحانه وانقياداً لإرادته ، إذا استمر المكلف عليه فهو يقوي ارتباطه به فكرياً وروحياً ونفسياً ويؤدي ذلك بطبعه إلى انحصار تصرفاته في إطار إطاعته لله تعالى وعدم تجاوزه حد عبوديته له في كل الأوضاع والأحوال وإذا اتفق تجاوزه له بتأثير بعض العوامل الضاغطة فسرعان ما يعود إلى نهج الإطاعة والاستقامة ـ من باب التوبة ليطهر نفسه بها من أدران المعصية كما أمره الله تعالى ورغبه فيها بقوله سبحانه :

( إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطهِّرِينَ ) (١).

وبذلك ندرك أن فلسفة تشريع العبادات بمعناها الخاص وكيفيتها

__________________

(١) سورة البقرة ، الآية : ٢٢٢.

١٠

المحددة هي ترسيخ الرابطة الإيمانية وتقوية ملكة العبودية والخضوع لله سبحانه ليبقى الإنسان المكلف على حالة صلة به وصلاة له بكل عمل يمارسه قربة لله تعالى.

وهذه النتيجة الإيجابية وهي الاتصال بالله دائماً هي المعبر عنها بالتقوى التي هي روح العبادة وقلبها النابض المحرك لشخص العابد في طريق الكمال والسعادة كما أراد الله سبحانه.

ولذلك اعتبر نبي الإسلام الصلاة المجردة عن روح التقوى الناهية عن الفحشاء والمنكر شبحاً بلا روح لا يترتب عليه سوى التعب والسهر كما اعتبر الصوم المجرد عنها بحكم العدم حيث لا يترتب عليه سوى الجوع والعطش وكذلك فريضة الحج التي لا تثمر لمؤديها صفة التقوى كما أراد الله سبحانه لا يترتب عليها سوى التعب وخسارة المال والوقت اللذين يُبذلان في سبيل تأديتها.

وقد بين الله سبحانه أن التجمل بصفة التقوى هي الغاية الأساسية المقصودة من تأدية فريضة الحج بعدة آيات من كتابه المجيد.

منها قوله تعالى : ( وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ) (١).

لأن هذه الآية واردة في سياق الحديث عن فريضة الحج.

ومنها قوله تعالى في معرض الحديث عن بعض شعائر الحج وهو الهدي : ( لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَآؤُهَا وَلكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ ) (٢).

وإذا نظرنا إلى العبادات الخاصة من خلال جوهر الغاية المقصودة منها نجدها مشتركة في هذا الجوهر ومتحدة في الروح وإن اختلفت

__________________

(١) سورة البقرة ، الآية : ١٩٧.

(٢) سورة الحج ، الآية : ٣٧.

١١

بالخصوصيات المميزة وقد مرت الإشارة إلى القاسم المشترك بينها وهو التقوى المستفادة من نصوص الكتاب والسنة الواردة في مقام بيان الحكمة والغاية المستهدفة من تشريعها.

ونتيجة اشتراكها في الغاية الأساسية العامة هي حصول التفاعل والتكامل فيما بينها لتشبه بذلك أعضاء الجسم الواحد حيث يؤدي كل واحد منها دوره الخاص به ويساعد غيره على القيام بدوره فهي مضافاً إلى مساهمتها في تحقيق الهدف المشترك وهو التقوى والخضوع المطلق بكل الممارسات الاختيارية لإرادة الله التشريعية ـ نرى لكل واحدة منها فائدتها الخاصة بها.

فالصلاة لها فوائدها الروحية والمادية الكثيرة والصوم كذلك له فوائده الجسمية والروحية العديدة وهكذا الزكاة والخمس والحج وتمتاز الفريضة الأخيرة ـ أي الحج ـ بكونها ملتقى ومجمعاً لغيرها من العبادات الأخرى لأن البعض منها فريضة بدنية كالصوم والصلاة وبعضها مالية فقط كالخمس والزكاة وبعضها الثالث مشترك بين النوعين الأولين وهو فريضة الحج ـ موضوع الحديث وتندرج فيه فريضة الجهاد أيضاً لما يقتضيه بطبعه من تجشم المشاق الشديدة والتعرض للأخطار العديدة وذلك بسبب ما يحصل لمؤدي فريضة الحج غالباً في هذه الرحلة من أنواع العناء وألوان المشقة التي يتعرض لها المجاهد في أغلب الأحوال كما هو معلوم.

ولعل هذا هو السر في إيجاب الله له مرة في العمر على من استطاع إليه سبيلاً وقد تحصل من مجموع ما تقدم بيانه في هذه المقدمة التمهيدية أن النظر بعين العقل إلى هذا الكون الفسيح وما يشتمل عليه من قوانين مادية تحكم مسيرته التكوينية وتساهم في تحقيق الغاية الكبرى المقصودة من إيجاده وهي خدمة الإنسان ـ مع النظر بعين البصيرة والتدبر في آيات

١٢

الكتاب الكريم وما تشتمل عليه من نظم وقوانين تشريعية تنظم سير الإنسان وتضبط تصرفاته في إطار الحكمة والمصلحة والفضيلة وتنأى به من مسالك الفوضى والمفسدة والرذيلة ليصل إلى ما أراد الله وصوله إليه من الكمال والسعادة.

أجل : إن التفكر في هذا الكون وآياته التكوينية وقوانينه المادية المسيرة له وفق المصلحة والحكمة والتدبر في آيات كتاب الله وما يشتمل عليه من قوانين وتعاليم تنظم سير الإنسان وتنتهي به إذا تقيد بها وعبدالله بتطبيقها ـ إلى السعادة والتقدم في جميع الحالات.

يوحي للإنسان العاقل المتفكر في تلك الآيات أن مبدع هذا الكون وقوانينه التكوينية ومنزل ذلك الكتاب ومشرع قوانينه التشريعية ـ هو إلهٌ واحدٌ عليم قادر على كل شيء وحكيم خلق وشرع لحكمة بالغة وهي خدمة الإنسان وانتعاشه مادياً ببركة القوانين المادية المسيطرة على الكون وعلى الجانب المادي من كيان الإنسان مع انتعاشه مادياً وروحياً فردياً واجتماعياً بتطبيقه للنظم الشرعية وخضوعه للإرادة الإلهية التشريعية في كل تصرفاته الاختيارية.

وتطبيق القوانين الشرعية هو العبادة العامة الداعية لخلق الله الأكوان بما فيها الإنسان وحيث أن تحقق هذه الغاية باستمرار واستقرار ـ يتوقف على قوة إرادية وبطولة روحية تثبت أقدام الإنسان على نهج العبودية لله تعالى وكانت هذه القوة والبطولة متوقفة على ممارسة رياضة تساهم في حصولها لمن يمارسها شرعت العبادات الخاصة بكيفيتها المحددة لتحقق تلك الرياضة وتنتج هذه القوة.

وقد وضح الله هذه الحكمة وبين تلك الغاية المنشودة والفائدة

١٣

المقصودة من تشريع العبادات ـ وهي تحصيل ملكة التقوى التي تُغرس أولاً بيد الفطرة السليمة في حقل النفس الواعية ثم تنمو وتسمو في آفاق الفضيلة والكمال ببركة ممارسة هذه العبادات بوعي وتدبر حتى تصبح تلك الملكة ـ شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها وهو الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة التي تثمر للإنسان فرداً ومجتمعاً السعادة الكاملة في الدنيا والآخرة وحيث أن فريضة الحج تنطوي بطبيعتها على سائر العبادات كما تقدم كان لها أهميتها في ميزان التشريع الديني عبر التاريخ.

ويُستوحي ذلك بجلاء من التصريح بأهميتها وعظيم فائدتها في العديد من الآيات الحكيمة والروايات المباركة.

من الآيات قوله تعالى :

( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ ) (١).

ومن الروايات ما نقل عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في وصيته لعلي عليه‌السلام وهو قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

يا علي كفر بالله العظيم عشرة وعد منهم من وجد سعة فمات ولم يحج.

يا علي تارك الحج وهو مستطيع كافر يقول الله تعالى :

( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ ).

__________________

(١) سورة آل عمران ، الآية : ٩٧.

١٤

يا علي من سوَّف الحج حتى يموت بعثه الله يوم القيامة يهودياً أو نصرانياً (١) وسيظهر السر في أهمية هذه الفريضة المقدسة ودورها التربوي في بناء كيان الإنسان المسلم الملتزم بها عقيدة وعملا ـ من خلال هذه الدراسة التي استهدفتُ بها الكشفَ عن سر هذه الأهمية ولفتَ النظر إلى الوجه والسبب في حصول تلك المنافع الكثيرة التي أشار الله تعالى الى ترتبها على تأدية هذه الفريضة ـ أي فريضة الحج المباركة بقوله سبحانه مخاطباً نبيه ابراهيم الخليل عليه‌السلام :

( وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشهَدوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةٍ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنها وَأَطْعِمُوا البَائسَ الفَقِيرَ ) (٢).

والله سبحانه هو المسؤول والمعتمد لنيل الغاية المنشودة من هذه الدراسة الهادفة إنه نعم المولى ونعم النصير وهو حسبنا ونعم الوكيل.

٢٥ ـ ٧ ـ ١٩٩٧ م

٢١ ـ ٣ ـ ١٤١٨ هـ

__________________

(١) الوسائل ج٥ ، صفحة ٢٠ و٢١ ح٣.

(٢) سورة الحج ، الآية : ٢٧ و٢٨.

١٥

أهداف الحج الرسالية وفوائده التربوية

من أجل استجلاء هذه الأهداف واجتناء تلك الفوائد لابد لنا من الوقوف بتدبر عند كل شعيرة من شعائر هذه الفريضة المقدسة.

وقبل ذلك نحتاج إلى وقفة تبصر أمام أول واجب من واجبات الحج وأهم ركن من أركانه وهو النية الخالصة المعتبرة في صحته وتحقق الغاية المقصودة منه شأن سائر العبادات.

ولا أريد بالحديث حول هذا الركن الأساس بيان اعتباره في صحة الحج لكون ذلك من أوضح الواضحات بعد تسليم كون هذه الفريضة من الواجبات العبادية التي لا تصح بدون قصد التقرب بها لله تعالى وإنما أردت التنبيه على ما يخالط هذه النية من شوائب الشرك الخفي وهو الرياء الذي لا يسلم منه إلا من رحمه الله تعالى وتحذر من الإصابة بهذا المرض الخطير الذي يُودي بحياة عباداتنا لتقع باطلةً بسبب فقدها أهم شروط صحتها كما يؤدي إلى خسران الثواب الذي لا يحصل للإنسان إلا إذا توفق للعمل الصالح الصادر عن النية الخالصة والقصد السليم من كل الشوائب المؤثرة سلبياً على تحقق الإخلاص المصحح للعبادة والمقرب للعابد من ساحة القبول منه تعالى ونيل رضوانه.

١٦

دور الإخلاص في صحة العمل العبادي والنجاح في غيره :

لذلك يتعين الوقوف أمام هذا الركن لالتفت شخصياً وألفتَ نظر الآخرين إلى أهمية وضرورة المحافظة على تحققه تمهيداً لنيل الغاية المقصودة المتوقفة عليه وهي صحة العمل العبادي وترتب الأجر عليه ونيل الثواب بفعل غير العبادي من الأعمال الصالحة الواجبة أو المستحبة.

وتحصيل المحافظة والإهتمام بتحقق الركن المذكور يكون بالتفكر والالتفات التفصيلي لدوره الحيوي في صحة العبادة ونيل ثوابها وثواب غيرها من الأعمال الراجحة غير العبادية.

ويتعين توفير ذلك أي التفكر والالتفات التفصيلي المذكور قبل الشروع بأي عمل وذلك بمحاسبة النفس والتدقيق في الباعث الباطني الداعي للإتيان بالعمل الراجح في نفسه فإذا أحرز المكلف تحققه وتجرده من البواعث الأخرى غير المقربة من الله تعالى حمد الله على ذلك وانطلق في درب عمله محافظاً على إخلاصه في نيته إلى نهاية الشوط. وإذا وجده مقترناً ببعض البواعث الأخرى المنافية للإخلاص فليبذل جهده في سبيل تنقيته وتجريده منها كما يطهر ثوبه وبدنه من النجاسة المانعة من صحة صلاته.

وبعد إحرازه صفاء الباعث وتخلصه من الشوائب المانعة من صحة العمل أو ثوابه وكماله يشرع به تعبداً لله تعالى ورغبةً في نيل رضاه وتوفيقه.

وحيث كان للنية الخالصة دورها الطليعي في قبول عبادات المكلف وترتب آثارها الإيجابية عليها في حاضر دنياه ومستقبل آخرته كما أن لها

١٧

دورها في نجاح مساعيه المشروعة وإدراك غاياته المنشودة في جميع المجالات.

أجل : حيث كان للنية الخالصة هذا الدور الكبير فقد ورد الحث على الإخلاص لله فيها كتاباً وسنةً في أي عمل يمارسه المكلف على صعيد هذه الحياة وذلك بأن يأتي به بقصد التقرب لله سبحانه ونيل رضاه بعد أن يكون العمل راجحاً في نفسه وقابلاً لأن يقصد به التقرب لله تعالى قال سبحانه :

( وَمَا أُمِرُوا إلاَّ لِيعْبُدوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) (١).

وقال سبحانه : ( إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فأولئكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤتِ اللَّهُ المُؤمِنِينَ أَجراً عَظِيماً ) (٢).

وروى عن الرسول الأكرم قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يُصيبها أو امرأةٍ يتزوجها فهجرتُه إلى ما هاجر إليه (٣).

وروي عنه أيضاً قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا ابن مسعود إذا عملت عملاً فاعمله لله خالصاً لأنه لا يقبل من الأعمال إلا ما كان لله خالصاً عليه‌السلام(٤).

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا ابن مسعود إذا عملت من البر وأنت تريد بذلك غير

__________________

(١) سورة البينة ، الآية : ٥.

(٢) سورة النساء ، الآية : ١٤٦.

(٣) الحقائق للفيض الكاشاني (قده) ، ص : ٢٠٢.

(٤) عن نزهة الأفكار ، ص : ٥٥٦.

١٨

الله فلا ترجُ منه ثواباً (١) فإنه يقول :

( أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَآئِه فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَزْناً ) (٢).

هذا وتختلف درجة الإخلاص في النية قوةً وضعفاً باختلافِ درجة إيمان العامل المخلص فهناك قسم من العاملين يُريد بعبادة الله وإطاعته نيل التوفيق والنجاح في الدنيا والآخرة وعبر عن هذا النوع من العبادة بأنه عبادة التجار. وهناك قسم منهم يعبد الله سبحانه ويُطيعه بقصد السلامة من الفشل وعدم التوفيق في حاضر الدنيا ومن عذاب النار في الآخرة وعُبر عن هذا النوع بأنه عبادة العبيد وأُضيف إلى النوعين المذكورين نوع ثالث وهو الذي يصدر من العبد المؤمن الواعي لا بدافع الرغبة ولا بعامل الرهبة بل بدافع المحبة لذات الله سبحانه والإيمان بكونه أقلا للعبادة ويتجلى هذا النوع السامي الواعي في عبادة العارفين بالله تعالى الذين ذابوا في ذاته المقدسة حبا فازدادوا منه قرباً.

وفي طليعة العارفين بمقام الربوبية وحقها العظيم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيته عليهم‌السلام وخصوصاً الإمام علي عليه‌السلام القائل في مناجاته لله سبحانه :

إلهي ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك ولكني وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك(٣).

وقد عبر عن هذا النوع الثالث من العبادة ـ بعبادة الأحرار كما ورد في حديث مروي عن الإمام الصادق عليه‌السلام في حقائق الكاشاني قده ،

__________________

(١) نفس المصدر السابق والصفحة.

(٢) سورة الكهف ، الآية : ١٠٥.

(٣) الحقائق للكاشاني (قده) صفحة ٢٠٢ ، طبعة طهران.

١٩

حيث ورد فيه ما نقل عنه من قوله عليه‌السلام :

العُبادُ ثلاثة قوم عبدوا الله خوفاً فتلك عبادة العبيد وقوم عبدوا الله عزوجل طلب الثواب فتلك عبادة الأجراء وقوم عبدوا الله حباً فتلك عبادة الأحرار وهي أفضل العبادة (١).

ويفهم من قوله عليه‌السلام وهي أفضل العبادة أن القسمين الأولين من العبادة لهما درجة من الفضل والقبول وليسا محكومين بالبطلان والسقوط في ميزان الاعتبار الإلهي.

والوجه في ذلك أن الميزان في صحة العبادة هو الإتيان بها مضافةً لله تعالى بوجه من وجوه الإضافة التي تربطها به وتقرب صاحبها منه بمقدار من القرب وهذا ينسجم مع الرحمة الإلهية وطبيعة الشريعة السماوية المتجاوبة مع الفطرة البشرية والطبيعة الإنسانية العامة التي تتحرك وتُحرك الكائن البشري في إطار حبه لذاته ورغبته في النعيم وسلامته من الشقاء الأليم حتى في حال ممارسته الطقوس الدينية التعبدية.

وأما الأشخاص الذين يذوبون في حب الله تعالى فينسون أنفسهم وتطلعاتهم الذاتية بحيث لا يصدر منهم سوى ما ينسجم مع ذلك الحب المقدس.

أما هؤلاء فأقلاء جداً ومثالهم الواضح الأنبياء المقربون وخصوصاً سيدهم الرسول الأعظم وأهل بيته الأطهار عليه وعليهم أفضل التحية وأزكى التسليم ويُلحق بهم السائرون على ضوء هداهم من المؤمنين الأبرار ويشهد بهذه الحقيقة الإيمانية الرائعة ما ورد في مناجاة علي عليه‌السلام السابقة التي يقول فيها :

__________________

(١) نفس المصدر السابق ، صفحة ٢٠٤.

٢٠