مودّة أهل البيت وفضائلهم في الكتاب والسنّة

السيد تقي يوسف الحكيم

مودّة أهل البيت وفضائلهم في الكتاب والسنّة

المؤلف:

السيد تقي يوسف الحكيم

المحقق: المترجم:
الموضوع : سيرة النبي (ص) وأهل البيت (ع) الناشر: مركز الرسالة المطبعة: ستاره ISBN: 964-8629-78-1
نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

بسم اللّه الرحمن الرحيم

مقدمة المركز :

الحمدُ للّه ربِّ العالمين .. والصلاة والسلام على رسول اللّه سيد الخلائق وخاتم النبيين محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين.

وبعد .. فإنّ حق الرسول العظيم على أتباعه لحق عظيم ، يتفاوت الأفراد في معرفته ومستويات أدائه ، وليس من شك فإنّ حبه هو من أولى هذه الحقوق ، إذ هو المقدمة الضرورية لما يتبعه من اقتفاء أثره وتحرّي سُنّته وإحياء أمره وحسن اتباعه ، فما لم يتحقق الحب الصادق فلا نستطيع أن ننتظر الاتباع والاهتداء والاقتداء. ومن هنا قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لا يؤمن أحـدكم حتى أكون أحبُّ إليه من نفسه ووالده وولده والناس أجمعين ».

إنّ حبه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فرع لحب اللّه تعالى ، وكلاهما من بديهيات الايمان وأولوياته ، كما ان حبه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يستلزم حب أولى الناس به وأقربهم منزلة لديه وأخصّهم بحمل أمانته وأداء رسالته ، وبهذا تتكامل سلسلة الحب متلازمة الحلقات ، وبدون ذلك فليس ثمة حب للّه ولا لرسوله .. ومن هنا قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « احبوا اللّه لما يغذوكم به من نعمه ، واحبوني بحب اللّه ، وأحبوا أهل بيتي لحبي ».

وأهل بيته وأولى الناس به هم الذين اختارهم حين أمره اللّه تعالى بمباهلة النصارى في قوله تعالى : ( قُلْ تعالُوا ندعُ أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل ... ).

وهم الذين خصّهم في تأويل آية التطهير حين نزلت ( إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) فأدار كساءه على نفسه الشريفة وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام ، وقال : « اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس ، وطهرهم تطهيرا .. » وهم الذين اختصهم في الأمر بالصلاة حين نزل قوله تعالى : ( وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها ) فراح يطرق

٥

باب بيت علي وفاطمة فجر كل يوم ويقول : « الصلاة الصلاة .. ( إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) ».

وهم الذين أمرنا بالصلاة عليهم معه كلما ذكر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ قال : « قولوا اللّهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ».

وليس ينفك هذا الحب عن صدق الولاء وحسن الاهتداء والاقتداء بالهدي الذي كانوا عليه « إن كنتم تحبون اللّه فاتبعوني يحببكم اللّه ... » فكما كان الحب مقدمة أولى للاتباع ، فإنّ الاتباع شرطا لازم ومصداق أكيد للحب الصادق .. وإلاّ كان مجرد دعوى قاصرة عن بلوغ معناها وغايتها. ومن هنا كان حب أهل بيت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مقدمة لحسن اتباعهم والسير على نهجهم واقتفاء أثرهم ، قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « إنّي تارك فيكم ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي ، كتاب اللّه .. وعترتي أهل بيتي » فلم يكن الحب الذي من علاماته الاحترام لهم والتأدب معهم وميل القلب إلى ذكرهم .. لم يكن لوحده غاية مالم تتحقق لوازمه ومصاديقه في اتباع نهجهم والاهتداء بهديهم والذبّ عنهم ، وبدون هذا سيبقى مفهوما قاصرا لم يحقق معناه ولم يبلغ أهدافه ومقاصده.

من كل هذا أصبح هذا النوع من الحب ، حب اللّه وحب رسوله وحب أهل بيت رسوله ، مبدأً رساليا كبيرا يتضمن أبعادا مهمة وخطيرة في حياة الفرد والمجتمع ، فهو المفتاح في علاقة الفرد والاُمّة بتعاليم السماء ، على هذا دلّنا اللّه تعالى ورسوله ، وبه أمرنا ، لا لقرب لحمتهم من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحسب ، على ما في هذا من شرف رفيع ، بل لأنّهم عيبة علمه وحملةُ أمانته والمصطفين على الناس من بعده شرفا وعلما وحكمة وهديا.

وفي هذا الكتاب نحاول الاقتراب أكثر فأكثر إلى معرفتهم ومعرفة حقهم الثابت علينا ، فكل ذلك من المعارف الضرورية التي لا غنى لمسلم عنها.

واللّه من وراء القصد ، وهو الهادي إلى سواء الصراط

مركز الرسالة

٦

المقدِّمة

الحمدُ للّه ربِّ العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على محمد المصطفى الأمين وآله الهداة الميامين.

وبعد : إنّ حبّ أهل البيت عليهم‌السلام عترة النبي المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعدّ ضرورة من ضرورات الدين الإسلامي الثابتة بالقطع كتابا وسُنّة ، قال تعالى : ( قُل لا أسألُكُم عَلَيهِ أجرا إلاّ المودَّةَ في القُربَى ).

وتواتر عن النبي المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : «أحبوا اللّه لما يغذوكم من نعمته ، وأحبوني بحبّ اللّه ، وأحبوا أهل بيتي بحبي ».

وتواتر عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « أنّ حبهم علامة الإيمان ، وأن بغضهم علامة النفاق » و « أنّ من أحبهم أحب اللّه ورسوله ، ومن أبغضهم أبغض اللّه ورسوله » وعشرات الأحاديث التي تحث على حبهم وتنهى عن بغضهم.

ومما لا ريب فيه أنّه تعالى لم يفرض حبهم ومودتهم إلى جانب وجوب التمسك بهم إلاّ لأنهم أهل للحب والولاء من حيث قربهم إليه سبحانه ومنزلتهم عنده وطهارتهم من الشرك والمعاصي ومن كل ما يبعد عن دار كرامته وساحة رضاه.

لذا فإنّ حبّ أهل البيت عليهم‌السلام عقيدة مستمدة من كتاب اللّه تعالى وسُنّة نبيه المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وليس هو مجرد هوىً عابر أو عاطفة مجرّدة ، إنّه مبدأ يتعلق بحبّ القادة الرساليين الذين جعلهم اللّه تعالى هداة للبشر بعد نبيه الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحباهم أفضل صفات الكمال من شجاعة وعفّة وصدق وعلم وحكمة وخلق ، وجعلهم أبوابه والسبل إليه والأدلاّء عليه وعيبة علمه وخزّان معرفته وتراجمة وحيه وأركان توحيده.

إنّه مبدأ يتعلق بحبّ أحد الثقلين اللذين أوجب الرسول

٧

المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على أُمّته التمسك بهما حتى يردا عليه الحوض ، وجعلهم أمانا لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء ، وكسفينة نوح من ركبها نجا ، ومن تخلّف عنها غرق وهوى.

وفي هذا البحث حاولنا إلقاء الضوء على بعض الجوانب المهمة التي تخصّ مودة أهل البيت عليهم‌السلام باعتبارها فرضا علينا وواجبا في أعناقنا ، وذلك من خلال خمسة فصول :

الفصل الأول : من هم أهل البيت؟

الفصل الثاني : حبهم عليهم‌السلام في الكتاب والسُنّة والأدب.

الفصل الثالث : بعض فضائلهم عليهم‌السلام في الكتاب والسُنّة.

الفصل الرابع : معطيات حبهم عليهم‌السلام.

الفصل الخامس : أهل البيت عليهم‌السلام بين الغلو والبغض.

نرجو من اللّه تعالى أن ينفع به الاخوة المؤمنين وأن يجعله خيرا لنا في الدنيا وذخرا في الآخرة.

واللّه ولي التوفيق

٨

الفصل الأول

من هم أهل البيت؟

المبحث الأول

أهل البيت في اللغة والاصطلاح

أولاً : أهل البيت في اللغة والعرف :

يحددّ المفهوم اللغوي لكلمة أهل بما يضاف إليها ، فأهل القرى : سكانها ، وأهل الشيء : صاحبه ، وأهل الكتاب : أتباعه أو قرّاؤه ، وكذلك أهل التوراة وأهل الانجيل ، وقد ورد بعض هذه الألفاظ في القرآن الكريم (١).

وأهل الرجل : عشيرته وذوو قرباه (٢) ، وأخصّ الناس به (٣) ، ومن

__________________

١) راجع الأنباء بما في كلمات القرآن من أضواء / محمد جعفر الكرباسي : ٢٤١ ـ ٢٤٢ ، منشورات الوفاق ـ النجف الأشرف.

٢) القاموس المحيط / مجدالدين الفيروزآبادي ١ : ٣٣١ ـ مادة أهل ـ ، مؤسسة الرسالة ـ بيروت.

٣) لسان العرب / ابن منظور ١١ : ٢٨ ـ ٢٩ ـ مادة أهل ـ ، أدب الحوزة ـ قم.

٩

يجمعه وإياهم نسب أو دين (١).

قال تعالى ( وأمُر أهلَكَ بِالصَّلاةِ ) (٢) أي ذوي قرباك ومن يرتبط بك في النسب.

وقال تعالى ( يا نُوحُ إنَّهُ ليسَ مِن أهلِكَ ) (٣) مشيرا إلى ابنه ، وهو من أهله من حيث النسب ، لكنه تعالى أراد أنه ليس من أهل دينك وملتك والسائرين على منهجك.

وأهل بيت الرجل : ذوو قرباه ومن يجمعه وإياهم نسب (٤) ، وأطلقت في الكتاب الكريم على أولاد إبراهيم عليه‌السلام وأولاد أولاده ، قال تعالى : ( رحمةُ اللّه وبرَكاتُهُ عَليكُم أهلَ البيتِ إنَّهُ حَميدٌ مجيدٌ ) (٥).

وصار «أهل البيت» متعارفا بين المسلمين في آل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٦) ، تبعا للنصوص ، وهم كما في حديث الكساء وغيره : محمد رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والإمام علي والزهراء والحسن والحسين عليهم‌السلام ، والذين نزلت فيهم آية التطهير ( إنَّما يُريدُ اللّه لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أهلَ البيتِ ويُطهِّركُم تَطهيرا ) (٧).

__________________

١) مفردات الراغب : ٢٩ ـ أهل ـ ، المكتبة المرتضوية.

٢) سورة طه : ٢٠ / ١٣٢.

٣) سورة هود : ١١ / ٤٦.

٤) مفردات الراغب : ٢٩ ـ أهل ـ.

٥) سورة هود : ١١ / ٧٣.

٦) مفردات الراغب : ٦٤ ـ بيت ـ.

٧) سورة الاحزاب : ٣٣ / ٣٣ ، راجع : صحيح مسلم ـ كتاب فضائل الصحابة ٤ : ١٨٨٣ / ٢٤٢٤.

١٠

ويطلق عليهم آل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو عترته أيضا ، والآل مقلوب عن الأهل (١) ، فيقال : آل اللّه وآل رسوله ، أي أولياؤه ، أصلها أهل ، ثم اُبدلت الهاء همزة ، فصارت في التقدير أأل ، فلمّا توالت الهمزتان أبدلوا الثانية ألفا (٢).

والعترة هم أهل البيت عليهم‌السلام ، صرّح به ابن منظور ، مستدلاً بقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « إني تارك فيكم الثقلين : كتاب اللّه ، وعترتي أهل بيتي » قال : فجعل العترة أهل البيت عليهم‌السلام (٣).

وثمة فرق بين أهل الرجل وأهل بيت الرجل ، فقد عُبّر في اللغة مجازابأهل الرجل عن امرأته ، قال الزبيدي في تاج العروس : (ومن المجاز : الأهل للرجل زوجته) (٤).

أما أهل بيت الرجل : فهم من يجمعه وإياهم نسب ، وتُعورِف في اُسرة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٥).

__________________

وسنن الترمذي ـ كتاب التفسير ٥ : ٣٥١ / ٣٢٠٥. ومصابيح السُنّة / البغوي ٤ : ١٨٣ / ٤٧٩٦. وجامع الاصول ٩ : ١٥٥ / ٦٧٠٢ و ٦٧٠٣ و ٦٧٠٥. ومسند أحمد ٤ : ١٠٧. ومستدرك الحاكم ٢ : ٤١٦ و ٣ : ١٤٧ ـ ١٤٨.

١) مفردات الراغب : ٣٠ ـ آل ـ.

٢) لسان العرب ١١ : ٢٨ ـ ٢٩ ـ أهل ـ.

٣) لسان العرب ٩ : ٣٤ ـ عتر ـ.

٤) تاج العروس من جواهر القاموس / محمد مرتضى الزبيدي ٧ : ٢١٧ ـ أهل ـ ، المطبعة الخيرية ـ مصر ط١.

٥) مفردات الراغب : ٢٩ ـ أهل ـ.

١١

ثانيا : أهل البيت في اصطلاح الكتاب والسُنّة :

ولـ «أهل البيت» في لسان الكتاب والسُنّة معنى خاص ، فالمراد من أهل البيت هم : رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والإمام علي ، وفاطمة الزهراء ، وسيدا شباب أهل الجنة الحسن والحسين عليهم‌السلام ، ويلحق بهم الذرية الطاهرة ، وهم الأئمة التسعة المعصومون من ولد الإمام الحسين عليهم‌السلام ، وهؤلاء هم أقرب الناس إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأخصّهم به من حيث العلم ، وأعرفهم بدينه ، وأعلمهم بسنته ونهجه.

وهناك جملة وافرة من الروايات الصحيحة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الطرفين المصرّحة بأسمائهم (١) ، زيادة على تواتر نصوص سابقهم على إمامة لاحقهم عند الامامية ، وهذا ما ينطبق تمام الانطباق على ما جاء في الصحيحين ، عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أن الأئمة اثنا عشر وكلهم من قريش (٢). وقد اختصّ عنوان أهل البيت بهم دون غيرهم ، مهما كان قربه من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، سواء بذلك نساؤه أو أتباعه أو ذوو قرباه ، وهذا ما نطق به القرآن الكريم ، وما ذكرته السُنّة النبوية المطهّرة ، وما نقله الصحابة والتابعون ورواة الحديث.

جاء عن أم سلمة أنه عندما نزلت ( إنَّما يُريدُ اللّه ليُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أهلَ البيتِ ويُطهِّركُم تطهيرا ) قالت : فأرسل رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى علي

__________________

١) اُنظر ينابيع المودة / القندوزي الحنفي ٣ : ٢٨١ / ١ ، دار الاُسوة ط١.

٢) صحيح البخاري ٩ : ١٤٧ / ٧٩ باب الاستخلاف ، عالم الكتب ـ بيروت ط٥. وصحيح مسلم ٤ : ١٨٨٣.

١٢

وفاطمة والحسن والحسين ، فقال : « هولاء أهل بيتي » (١).

وعن عائشة قالت : كان أحبّ الرجـال إلى رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ تعني الإمام عليّا عليه‌السلام ـ لقد رأيته وقد أدخله تحت ثوبه ، وفاطمة وحسنا وحسينا ، ثم قال : « اللهم هولاء أهل بيتي » (٢).

وعن الإمام علي عليه‌السلام أنّه عندما نزلت آية التطهير قال : « فقال رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا علي هذه الاية نزلت فيك وفي سبطيَّ والأئمة من ولدك » (٣).

هذا بالاضافة إلى أن المراد من البيت في لفظة (أهل البيت) ليس المسكن ، وإنما المراد هو بيت الرسالة أي البيت النبوي ، وأهل البيت عليهم‌السلام هم الذين تربّوا ودرجوا في أحضان الرسالة ، ونشأوا في بيت الطهارة والعلم ، وعرفوا كل صغيرة وكبيرة ، وأحاطوا بكل شاردة وواردة ، لذلك تجد أنهم قد أجابوا على كل مسألة ومعضلة وجّهت إليهم وفي كل مجالات الدين وعلومه ، ولا تجد ذلك عند غيرهم مهما بلغ في العلم والمعرفة.

روي أن رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، عندما قرأ قوله تعالى : ( في بُيُوتٍ أذِنَ اللّه أن

__________________

١) المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٥٨ / ٤٧٠٥. والسنن الكبرى / البيهقي ٧ : ٦٣.

٢) ترجمة الإمام علي عليه‌السلام من تاريخ مدينة دمشق ٢ : ١٦٣ ـ ١٦٤ / ٦٤٢. وشواهد التنزيل لقواعد التفضيل / الحاكم الحسكاني ٢ : ٦١ / ٦٨٢ ـ ٦٨٤ ، مجمع احياء الثقافة الإسلامية ط١. وعمدة عيون صحاح الأخبار في مناقب إمام الأبرار / ابن البطريق : ٤٠ / ٢٣ ، مؤسسة النشر الإسلامي ـ قم.

٣) كفاية الأثر في النصّ على الأئمة الاثني عشر / أبو القاسم الخزاز الرازي : ١٥٦ ، مؤسسة النشر الإسلامي ـ قم.

١٣

تُرفَعَ وَيُذكَرَ فيها اسمُهُ ) (١) سُئل : أي بيوت هذه؟ فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « بيوت الأنبياء » ، قال أبو بكر : يا رسول اللّه ، هذا البيت منها؟ ـ يعني بيت علي وفاطمة ـ قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « نعم ، من أفاضلها » (٢).

وعن أمير المؤمنين عليه‌السلام قال : « نحن بيت النبوّة ، ومعدن الحكمة ، أمان لأهل الأرض ، ونجاة لمن طلب » (٣).

وقال الإمام الحسين عليه‌السلام : « إنّا أهل بيت النبوّة » (٤).

المبحث الثاني

أهل البيت في آية التطهير

المراد بآية التطهير قوله تعالى : ( إنَّما يُريدُ اللّه لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أهلَ البيتِ ويُطهِّركُم تَطهيرا ) (٥).

ولقد أكّدت مصادر الحديث والتفسير على أن المراد من أهل البيت الذين نزلت فيهم هذه الآية هم : محمد رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعلي بن أبي طالب ، وفاطمة الزهراء ، والسبطان الحسن والحسين (صلوات اللّه عليهم أجمعين).

__________________

١) سورة النور : ٢٤ / ٣٦.

٢) الدر المنثور ٥ : ٥٠. وروح المعاني / الالوسي ١٨ : ١٧٤. وشواهد التنزيل ١ : ٥٦٧ ـ ٥٦٨.

٣) نثر الدرر ١ : ٣١٠.

٤) مقتل الإمام الحسين / الخوارزمي ١ : ١٨٤ ، مكتبة المفيد ـ قم. واللهوف في قتلى الطفوف / ابن طاووس : ١٠ ، مكتبة الداوري ـ قم.

٥) سورة الاحزاب : ٣٣ / ٣٣.

١٤

فقد أخرج مسلم في الصحيح بالإسناد إلى عائشة ، قالت : خرج النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غداةً وعليه مِرط مرجّل من شعر أسود ، فجاء الحسن بن علي فأدخله ، ثم جاء الحسين فدخل معه ، ثم جاءت فاطمة فأدخلها ، ثم جاء علي فأدخله ، ثم قال : ( إنَّما يُريدُ اللّه لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أهلَ البيتِ ويُطهِّركُم تَطهيرا ) (١).

وذكر الفخر الرازي هذه الرواية في تفسيره وعقّب عليها بقوله : واعلم أن هذه الرواية كالمتفق على صحّتها بين أهل التفسير والحديث (٢).

وأخرج الترمذي في سننه حديث أم سلمة : أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جلّل على الحسن والحسين وعلي وفاطمة كساءً وقال : « اللهمّ هؤلاء أهل بيتي وحامّتي ، أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ».

قالت أمّ سلمة : وأنا معهم يا رسول اللّه؟ فقال : إنك على خير (٣).

وأخرج الحاكم في المستدرك عن أمّ سلمة ، قالت : في بيتي نزلت ( إنَّما يُريدُ اللّه لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أهلَ البيتِ ويُطهِّركُم تَطهيرا ) ، قالت : فأرسل رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى علي وفاطمة والحسن والحسين ، فقال : « هؤلاء أهل بيتي ».

قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه (٤).

__________________

١) صحيح مسلم ـ كتاب فضائل الصحابة ـ ٤ : ١٨٨٣ / ٢٤٢٤.

٢) التفسير الكبير ٨ : ٨٥ عند الآية ٦١ من سورة آل عمران.

٣) سنن الترمذي ٥ : ٣٥١ / ٣٢٠٥ كتاب التفسير ، و ٥ : ٦٦٣ / ٣٧٨٧ ، و ٦٦٩ / ٣٨٧١ كتاب المناقب.

٤) المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٤٦.

١٥

وعن واثلة بن الأسقع ، قال : أتيت علياً فلم أجده ، فقالت لي فاطمة : « انطلق إلى رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يدعوه » فجاء مع رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فدخلا ودخلت معهما ، فدعا رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الحسن والحسين ، فأقعد كل واحد منهما على فخذيه ، وأدنى فاطمة من حجره وزوجها ، ثم لفّ عليهم ثوبا وقال : ( إنَّما يُريدُ اللّه لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أهلَ البيتِ ويُطهِّركُم تَطهيرا ) ، ثم قال : « هؤلاء أهل بيتي ، اللهم أهل بيتي أحق ».

قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (١).

حديث الكساء بين الرواة والمصادر :

رواة الحديث من الفريقين :

لقد روى حديث الكساء المبين لآية التطهير في كتب العامة جمع كبير من كبار الصحابة والتابعين ، مؤكدين نزول الآية في الخمسة أهل الكساء عليهم‌السلام.

كأنس بن مالك والبراء بن عازب وثوبان مولى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والإمام الحسن المجتبى عليه‌السلام وأبي الحمراء مولى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحكيم بن سعد وحماد بن سلمة ودحية بن خليفة الكلبي وأبو الدرداء وزيد بن أرقم وزينب بنت أبي سلمة وسعد بن أبي وقاص وأبي سعيد الخدري وأم سلمة وشداد بن عمار وشهر بن حوشب وعائشة وعبداللّه بن جعفر وعبداللّه بن عباس وعبداللّه بن معين مولى أم سلمة وعطاء بن أبي رباح وعطاء بن يسار وعطية العوفي والإمام علي بن أبي طالب عليه‌السلام والإمام علي

__________________

١) المستدرك ٣ : ١٤٦ ـ ١٤٧.

١٦

ابن الحسين زين العابدين عليه‌السلام وعمر بن أبي سلمة وعمرة بنت أفعى وقتادة ومجاهد بن جبر المكي ومحمد بن سوقة وأبي المعدّل الطفاوي ومعقل ابن يسار وواثلة بن الأسقع (١) وغيرهم.

ورواه مفسرو الشيعة ومحدّثوهم عن الإمام أمير المؤمنين علي عليه‌السلام وولده الإمام الحسن السبط والإمام علي بن الحسين زين العابدين والإمام محمد بن علي الباقر والإمام جعفر بن محمد الصادق والإمام علي بن موسى الرضا عليهم‌السلام.

ورووه أيضا عن أبي الأسود الدؤلي وأنس بن مالك وجابر بن عبداللّه الأنصاري وأبي الحمراء مولى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبي ذر الغفاري وسعد بن أبي وقاص وأبي سعيد الخدري وأم سلمة وشهر بن حوشب وعائشة وعبداللّه ابن عباس وعطاء بن يسار وعطية العوفي وعلي بن زيد وعمر بن ميمون الأودي وواثلة بن الأسقع وغيرهم (٢).

__________________

١) راجع مسند أحمد ٢ : ١٨ و ٣ : ٢٨٥ ، ٣٥٩ و ٦ : ٢٩٢ ، ٢٩٦ ، ٢٩٨ ، ٣٠٤ ، ٣٢٣. وتفسير الطبري ٢٢ : ٥ ـ ٧ وقد رواه بأربعة عشر طريقا. وتفسير القرطبي ١٤ : ١٨٢. وتفسير ابن كثير ٣ : ٤٩٢ ـ ٤٩٥ وقد رواه بتسعة عشر طريقا. والبحر المحيط ٧ : ٢٢٨. والدر المنثور ٥ : ١٩٨ ـ ١٩٩. وفتح القدير ٤ : ٣٤٩ ـ ٣٥٠ وقال فيه : إنّ هذا القول قول الجمهور.

٢) راجع تفسير فرات الكوفي : ١٢١ ، المطبعة الحيدرية ـ النجف الأشرف. وتفسير الحبري : ٢٩٧ ـ ٣١١ ، مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام ط١. وتفسير التبيان ٨ : ٣٣٩. وتفسير مجمع البيان / الطبرسي ٨ : ٤٦٢ ـ ٤٦٣ ، دار المعرفة ـ بيروت. وتفسير الميزان ١٦ : ٣١١. وأصول الكافي / الكليني ١ : ٢٨٦ ـ ٢٨٧ / ١ ، دار الاضواء ـ بيروت ط٣. وكمال الدين وتمام النعمة / الصدوق ١ : ٢٧٨ / ٢٥ ، مؤسسة النشر الإسلامي ط٣. وسعد السعود / ابن طاووس : ١٠٦ ـ ١٠٧ ، منشورات الرضي ـ قم. والعمدة / ابن البطريق : ٣١ ـ ٤٦. ونهج الحق وكشف الصدق / العلاّمة الحلي ١ :

١٧

ومما تجدر الاشارة إليه هنا هو أن طرق العامة إلى حديث الكساء قد بلغت أربعين طريقاً ، وطرق الشيعة الامامية قد بلغت ثلاثين طريقا (١).

مصادر حديث الكساء :

أما المصادر التي دوّنت حديث الكساء ونصّت على نزول آية التطهير في الخمسة الذين شملهم رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بردائه فهي كثيرة جداً ، نقتصر على ذكر بعض مصادر العامة :

١ ـ مسند أحمد بن حنبل ١ : ٣٣١ و ٣ : ٢٥٩ ، ٢٨٥ و ٤ : ١٠٧ و ٦ : ٢٩٢ ، ٢٩٦ ، ٢٩٨ ، ٣٠٤ ، دار الفكر ـ بيروت.

٢ ـ فضائل الصحابة / أحمد بن حنبل ٢ : ٦٦ ـ ٦٧ / ١٠٢ وغيره ، مؤسسة الرسالة ـ بيروت ط١.

٣ ـ التاريخ الكبير / البخاري ١ : القسم الثاني : ٦٩ ـ ٧٠ و ١١٠ ، دار الكتب العلمية ـ بيروت.

٤ ـ صحيح مسلم ٤ : ١٨٨٣ / ٢٤٢٤ ، دار الفكر ـ بيروت ط٢.

٥ ـ الجامع الصحيح للترمذي ٥ : ٣٥١ ، ٣٥٢ ، ٦٦٣ ، ٦٩٩ ، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.

٦ ـ خصائص أمير المؤمنين عليه‌السلام / النسائي : ٣٧ ، ٤٩ وغيرها ، مكتبة

__________________

٨٨ ، مؤسسة النشر الاسلامي ط٣. والصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم / زين الدين العاملي النباطي ١ : ١٨٤ ـ ١٨٨ ، المكتبة المرتضوية ط١. وغاية المرام في علم الكلام / الامدي : ٢٥٩ ـ القاهرة.

١) راجع تفسير الميزان / العلاّمة الطباطبائي ١٦ : ٣١١ ، مؤسسة الأعلمي ـ بيروت ط٢.

١٨

المعلا ـ الكويت ط١.

٧ ـ المعجم الكبير / الطبراني ٣ : ٤٦ / ٢٦٦٢ و ٣ : ٤٧ / ٢٦٦٦ و ٣ : ٤٩ / ٢٦٩٨ ، وغيرها كثير ، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ط٢.

٨ ـ المعجم الصغير / الطبراني ١ : ١٣٥ ، دار الكتب العلمية ـ بيروت.

٩ ـ أنساب الأشراف / البلاذري ٢ : ١٠٤ ، مؤسسة الأعلمي ـ بيروت ط١.

١٠ ـ مصابيح السُنّة / البغوي ٤ : ١٨٣ / ٣٧٩٦ ، دار المعرفة ـ بيروت ط١.

١١ ـ معالم التنزيل / البغوي ٤ : ٤٦٤ ، دار الفكر ـ بيروت.

١٢ ـ الاحسان بترتيب صحيح ابن حبان ٩ : ٦١ / ٦٩٣٧ ، دار الكتب العلمية ـ بيروت ، ط١.

١٣ ـ مشكل الآثار / الطحاوي ١ : ٣٣٢ ، دار صادر ـ بيروت ط١.

١٤ ـ العقد الفريد / ابن عبد ربه الاندلسي ٤ : ٣١١ ، دار الكتاب العربي ـ بيروت.

١٥ ـ المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري ٢ : ٤١٦ و ٣ : ١٣٣ ، ١٤٦ ، ١٤٧ ، ١٥٨ ، ١٧٢ ، دار الفكر ، بيروت.

١٦ ـ أسباب النزول / الواحدي : ٢٠٣ ، دار الكتب العربية ـ بيروت ط١.

١٧ ـ الاستيعاب في معرفة الصحابة / ابن عبدالبر ٣ : ١١٠٠ ، دار الجيل ، بيروت ط١.

١٩

١٨ ـ تاريخ بغداد / الخطيب البغدادي ١٠ : ٢٧٨ / ٥٣٩٦ ، دار الكتاب العربي ـ بيروت.

١٩ ـ تفسير الخازن ٥ : ٢٥٩ ، دار المعرفة ـ بيروت.

٢٠ ـ أُسد الغابة في معرفة الصحابة / ابن الأثير ٢ : ١٠ ، ١٣ ، ١٩ ، ٢١ و ٤ : ٤٦ ـ ٤٧ و ٤ : ١١٠ و ٥ : ٤٠٧ و ٦ : ٧٨ ـ ٧٩ ، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.

٢١ ـ جامع الاصول / ابن الأثير الجزري ٩ : ١٥٥ / ٦٧٠٢ و ٦٧٠٣ و ٦٧٠٥ ، دار الفكر ـ بيروت ط٢.

٢٢ ـ أحكام القرآن / الجصاص ٣ : ٥٢٩ ، المكتبة التجارية ـ مكة المكرمة.

٢٣ ـ أحكام القرآن / ابن عربي ٣ : ١٥٣٨ ، دار المعرفة ـ بيروت.

٢٤ ـ تذكرة الخواص / سبط ابن الجوزي : ٢٣٣ ، مؤسسة أهل البيت عليهم‌السلام ـ بيروت.

٢٥ ـ الكشّاف / الزمخشري ١ : ٣٦٩ ، دار الكتاب العربي ـ بيروت ط٣.

٢٦ ـ مفاتيح الغيب / الرازي ٨ : ٧١.

٢٧ ـ ترجمة الإمام علي عليه‌السلام من تاريخ دمشق / ابن عساكر ، تحقيق محمد باقر المحمودي ١ : ٢٧٣ ـ ٢٧٤ / ٣٢٢ ، دار التعارف ـ بيروت ط١. وترجمة الإمام الحسين عليه‌السلام : ٦١ ـ ٧٧ ، مؤسسة المحمودي ـ بيروت ط١.

٢٨ ـ منهاج السُنّة / ابن تيمية ٣ : ٤ و ٤ : ٢٠ ، المكتبة العلمية ـ بيروت.

٢٠