الحاشية على مدارك الأحكام - ج ٣

محمّد باقر الوحيد البهبهاني

الحاشية على مدارك الأحكام - ج ٣

المؤلف:

محمّد باقر الوحيد البهبهاني

المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم المترجم:
الموضوع : الفقه الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم المطبعة: ستاره ISBN: 964-319-171-0
نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

[ الركن الثاني في أفعال الصلاة ]

قوله : ما أقبح بالرجل منكم. ( ٣ : ٣٠٥ ).

الظاهر أنّ حمادا أتى بواجبات الصلاة إلاّ أنّه لم يأت بالآداب والمستحبات ، ولذا ما أمر عليه‌السلام بإعادته لصلاته ، وقال : فلا يقيم صلاة واحدة بحدودها تامّة ، ثم شرع بالإتيان بالآداب والمستحبات ، إذا جلّ ما ذكر فيها آداب ومستحبات وقلّما توجّه إلى ذكر الواجب ، والقليل الذي توجّه إليه إنّما ذكره تقريبا وبيانا لكيفية الإتيان بآدابه ومستحباته.

قوله : وغمض عينيه. ( ٣ : ٣٠٦ ).

الظاهر أنّ حمادا توهم ذلك ، حيث كان عليه‌السلام ينظر إلى ما بين رجليه فشبّه عينيه عين الغامض ، على أنّ ذلك على سبيل التخيير بينه وبين النظر إلى ما بين الرجلين الذي أمر به في الصحيحة الآتية (١) ، بل وأمر بفتح العين مطلقا في غير الصحيحة المذكورة أيضا (٢).

قوله : بين يدي ركبتيه. ( ٣ : ٣٠٦ ).

لعل حمادا شبّه عليه هذا أيضا بأنّ اليدين لم تكونا بين يدي الركبتين بل كان عليه‌السلام حرّفهما عن ذلك شيئا يسيرا ، على حسب ما سيذكر في الصحيحة‌

__________________

(١) في المدارك ٣ : ٣٠٧.

(٢) التهذيب ٢ : ٣١٤ / ١٢٨٠ ، الوسائل ٧ : ٢٤٩ أبواب قواطع الصلاة ب ٦ ح ١.

٥

الآتية ، وحماد لم يتفطّن بهذا القدر من التحريف.

قوله : وابدأ بيديك تضعهما على الأرض قبل ركبتيك. ( ٣ : ٣٠٧ ).

قال الصدوق رحمه‌الله في أماليه : من دين الإمامية الإقرار بأنّه لا يجوز وضع الركبتين على الأرض في السجود قبل اليدين (١) ، ويظهر من التهذيب أيضا ذلك (٢).

قوله : لأنّ الأصل عدم دخولها في الماهية. ( ٣ : ٣٠٨ ).

فيه : أنّ كون الشي‌ء جزء الشي‌ء وإن كان الأصل عدمه لكونه من الأمور الحادثة والأصل عدمها حتى يثبت ثبوتها ، إلاّ أنّ كون شي‌ء شرطا لشي‌ء يكون كذلك أيضا ، للعلّة المذكورة بعينها.

مع أن هذا الأصل مرجعها إلى الاستصحاب ، والشارح رحمه‌الله لا يقول بحجيته (٣) ، وإن كان دائما يتمسّك بأصالة العدم التي لا نجد لها أصلا ولا معنى سوى استمرار العدم السابق.

وإن أراد منه أصل البراءة ، ففيه : أنّه ـ مع بعد الإرادة من هذا اللفظ ـ لا يمكن إرادته بعد ثبوت التكليف بها وكونه مسلّما ، وعدم الفائدة لهذه المسألة في ما يتعلّق بالعمل ، وظهور الفائدة بعنوان الندرة ليس من مقتضيات أصل البراءة ، إذا ربما يكون الدخول أوفق ( له وربما يكون الخروج أوفق ) (٤) ، فتأمّل جدّا.

__________________

(١) أمالي الصدوق : ٥١٢.

(٢) التهذيب ٢ : ٧٨ ، ٧٩.

(٣) انظر المدارك ١ : ٤٦.

(٤) ما بين القوسين ليس في « ج ».

٦

قوله : فلو كانت جزءا منها لتعلّق الشي‌ء بنفسه. ( ٣ : ٣٠٨ ).

فيه : أنّ الخصم لا يسلّم تعلّقها بجميع الأجزاء ، وبعد التسليم (١) فالمغايرة الاعتبارية كافية ، فتأمّل ، وبالجملة لا تعلّق لها بالصلاة سوى كون الصلاة مفتقرة إليها ، فإن كانت النيّة أيضا مفتقرة إليها يلزم التسلسل ، وهذا بعينه الدليل الآتي ومنع الشارح الملازمة فيه وجوّز كونها جزءا لا يفتقر إليها.

وإن أراد من التعلّق أمرا غير ما ذكرنا فلا نسلّم تعلّقها بالصلاة ، بل ظاهر أنّه لا تعلّق لها بها سوى ما ذكرنا.

قوله : ولا تلزم منها الشرطية. ( ٣ : ٣٠٨ ).

فيه : أنّ لفظ الأعمال لغة وعرفا شامل لكلّ جزء جزء من الصلاة ، فلو كانت النيّة أيضا عملا داخلا فيه لزم التسلسل ، وهذا قرينة على عدم الدخول وكون المراد من الأعمال غير النيّة ، فتأمّل جدّا.

قوله : لانتفاء الدليل عليه رأسا. ( ٣ : ٣٠٩ ).

وعلى تقدير التسليم لا دليل على أنّه إذا اعتبر فيها ما يعتبر في الصلاة يكون جزءا للصلاة.

قوله : وهو جيّد لو ثبت توقّف المقارنة على ذلك. ( ٣ : ٣٠٩ ).

لا خفاء في توقّف المقارنة للتكبير الصحيح على ذلك ، وسيجي‌ء من الشارح اعترافه بذلك عند قول المصنّف : ويجب أن يكبّر قائما (٢) ، إلاّ أن يكون مراده التأمّل في ثبوت الاشتراط بحسب حكم الشرع بأنّ الشارع قال :

__________________

(١) ليس في « أ » و « ب » و « ج » و « د ».

(٢) المدارك ٣ : ٣٢٢ ، ٣٢٣.

٧

إنّه شرط ، ولم يثبت ، لعدم ثبوت كون مقدّمة الواجب المطلق واجبا شرعا بمجرّد إيجاب ذي المقدّمة ، فتأمّل جدّا.

قوله : فإنّ صلاة الظهر مثلا. ( ٣ : ٣١٠ ).

لا يخفى فساد ما ذكره الشارح رحمه‌الله إذ لا شبهة في أنّه يمكن أن يصلّي المكلف الظهر بقصد الندب وإن كانت واجبة عليه واقعا ، وبقصد الوجوب وإن لم تكن واجبة عليه واقعا ، وهكذا الكلام في الأداء والقضاء ، غاية الأمر أنّها لا تكون صحيحة شرعا ، لعدم الموافقة لمطلوب الشارع ، ولهذا أمر الفقهاء بقصد ما هو المطلوب حتى يصير فعله صحيحا ، مثلا من لم يكن عليه سوى صلاة الظهر الواجبة لو صلّى بقصد الصبح أو العصر أو الزلزلة أو أمثال ذلك ، سواء صلّى كذلك عمدا أو سهوا أو جهلا ، لا تكون صلاته صحيحة قطعا ، وكذا لو صلاّها بقصد المستحبة ، لأنّها ليست بالتي أمر بها الشارع فكيف تكون صحيحة؟!

وإمكان الوقوع على أكثر من وجه بحسب قصد المكلف وجعله ـ سواء كان بعنوان العمد أو الجهل أو السهو ـ يكفي للحكم بقصد التعيين ، ولذا يحكم الشرع بوجوب قصد القربة والإخلاص. ولا يجب كون الأكثر من وجه واحد صحيحا شرعيا وإلاّ لم يجب قصد نفس كونها ظهرا مثلا ، بل نفس كونها صلاة إذا لم يكن عليه واجب آخر.

وبالجملة : قصد التعيين إنّما يجب لتحقّق الامتثال ، وهو الإتيان بخصوص ما هو مكلف به ، فإن كان واحدا في الواقع لا بحسب اعتقاد المكلف بأنّه يعتقد تعدده من جهله أو سهوه فلا بدّ من التعيين حتى يتحقّق امتثاله العرفي ويقال : إنّه امتثل ، من دون فرق بينه وبين التعدد في الواقع ، لأنّ المكلف إذا اعتقد أنّ صلاة الظهر ابتداء تكون واجبة وتكون مندوبة‌

٨

وحين الإتيان لم يعيّن إحداهما وتركها متزلزلة متردّدة بين الأمر كيف يعدّ ممتثلا بالنسبة إلى الواجبة ، ولا يعد من كانت ذمته مشغولة بكلّ من الواجبة والمستحبة ، مثل صلاة نافلة الفجر وفريضته ، ممتثلا بالنسبة إلى الواجبة؟ وكذا الحال إذا بنى المكلف على التعدّد عمدا وتشريعا.

وأمّا إذا كان في الواقع واحدا وعند المكلف أيضا كذلك ، ولم يبن على التعدّد أصلا وقصد ذلك الواحد فقد قصد الذي هو متّصف بالوجوب أو متّصف بالندب ، لأنّه أحضر المنوي ، وهو الأمر المتصف بالوجوب واقعا ، لأنّ النيّة أمر بسيط ، إلاّ أن يقال : في الصورة الأخيرة لا يجب الإحضار بصفة الوجوب أو الندب وإن كان متصفا بهما واقعا ، لأنّ الامتثال يتحقّق بقصد المعيّن ، وإن كان الواجب أن لا يحضر ما هو متصف بالوجوب بصفة الندب وما هو متصف بالندب بصفة الوجوب ، لأنّ المندوب غير الواجب وبالعكس ، فلا يكون هو المعيّن في الواقع ، فتأمّل.

قوله : قال بعض الفضلاء. ( ٣ : ٣١١ ).

فيه : أنّه لا شبهة في أنّ الفاعل المختار لا يمكن أن يتحقّق منه الفعل بغير ملاحظة العلّة الغائية لكن العلّة الغائية يمكن أن تكون التقرّب إليه تعالى والإخلاص له ، وأن تكون غير ذلك من الرياء وغيره من الأغراض ، والإخلاص في غاية الصعوبة ، فكيف يكون في غاية السهولة؟ وكذا لا بدّ من التعيين بالتوجّه إلى المعيّنات لتحقّق الامتثال إذا تعدد الاحتمال ، وليس الأمر كذلك في سائر الأفعال ، فتأمّل.

قوله : ما كانوا يذكرون النيّة في كتبهم الفقهية. ( ٣ : ٣١١ ).

كانوا يذكرون بعنوان الكلّية ، لكونها شرطا في جميع العبادات ، وان كانوا لا يذكرون في موضع موضع على حدة.

٩

قوله : أمر لا يكاد يمكن الانفكاك عنه. ( ٣ : ٣١١ ).

قد عرفت أنّ الأمر ليس كذلك ، وأنّ الإخلاص في غاية الصعوبة ، والأخبار في هذا المعنى في غاية الكثرة ، بل ورد : أنّ الرياء أخفى من دبيب النملة في الليلة السوداء على الصخرة الصمّاء ، وأشدّ من هذا (١) ، والعلماء المتقدّمون والمتأخّرون بالغوا في هذا غاية المبالغة وحذّروا نهاية التحذير ، وعرفت أنّهم ما كانوا يذكرون في خصوصيات المقامات ، كما أنّهم ما كانوا يذكرون العقائد الأصولية والإيمان وأمثاله ممّا هو شرط الصحة بلا شائبة شبهة ، مع كون تلك الشرائط ومعرفتها ربما كانت في غاية الإشكال والصعوبة.

قوله : وممّا يؤيّد ذلك عدم ورود النيّة. ( ٣ : ٣١١ ).

غاية ما ثبت ممّا ذكر أنّ النيّة ليست جزءا للعبادات بل شرط لها ، كما هو الأظهر ، وأمّا اعتبارها في العبادات فلا شكّ فيه ، بل لعله صار من الضروريات ، وثابت ذلك من الأخبار (٢) بعد الآية (٣) ومسلّم عنده.

نعم ما ذكره رحمه‌الله من أنّ التلفظ بها وغير ذلك من الخرافات المحدثة حق ، وكذا التفكّر في النيّة ، وهذا هو مراده رحمه‌الله وهو الحق ، وإن كان الإشكال في أمر آخر.

قوله : ووقتها عند أوّل جزء من التكبير. ( ٣ : ٣١٣ ).

قد مرّ في مبحث الوضوء أنّ النيّة ليست هي الأمر المخطر بالبال ، بل ليست إلاّ الأمر الداعي إلى الفعل ، فلا حاجة إلى اعتبار المقارنة ولا الاستدامة‌

__________________

(١) انظر إحياء العلوم ٣ : ٣٠٥.

(٢) انظر الوسائل ١ : ٤٦ أبواب مقدّمة العبادات ب ٥.

(٣) البيّنة : ٥.

١٠

الحكمية (١).

قوله : مع النيّة كيف حصلت. ( ٣ : ٣١٥ ).

لا بدّ من دليل يثبت به هذا ، وإلاّ فالعبادات وظيفة الشرع لا بدّ أن يثبت ماهيتها من الشارع ، والمنقول عن النبي والأئمّة صلوات الله عليهم اتصال النيّة واستمرارها وعدم القطع في الأثناء ، وسيعترف الشارح رحمه‌الله بما ذكرنا عند قول المصنف : وصورتها : الله أكبر. (٢). وغير ذلك ، فتأمّل جدّا.

وكذا الكلام في المسألة الثالثة ، نعم من قال بجريان أصل العدم في العبادات وإثبات ماهيتها به يمكنه الإثبات به ، وتحقيق ذلك في الأصول ، والشارح رحمه‌الله أراه ربما يحكم بالجريان وربما يقول بالنحو الذي ذكرناه ، من غير فرق بين الموضعين على ما أظنّ.

قوله : أجمع الأصحاب. ( ٣ : ٣١٨ ).

الواجب من تكبيرات الصلاة هو تكبيرة الإحرام فقط دون غيرها ، لما ستعرف في تكبير الركوع (٣).

قوله : ولكن كيف يستيقن. ( ٣ : ٣١٨ ).

فيه دلالة على عدم اعتبار الظنّ أيضا وكونه كالشك ، وسيجي‌ء تمام الكلام إن شاء الله تعالى.

قوله : أ ليس كان من نيّته أن يكبّر؟. ( ٣ : ٣١٨ ).

لعل المراد أنّ من كان من نيّته أن يكبّر لا يمكن عادة أن يكون‌

__________________

(١) راجع ج ١ : ٢٥٠ ـ ٢٥٦.

(٢) المدارك ٣ : ٣١٩.

(٣) انظر ص ٨٥.

١١

لا يكبّر ، لكونه أوّل صلاته ، وهذا النسيان لا أصل له ، بل الظاهر أنّه يكبّر ، والظهور يكفي ، إذا سيجي‌ء في بحث الشك والظنّ أن الظنّ في الأفعال كاف كالظنّ في الركعات (١) ، ومن هذا يظهر الكلام في صحيحة البزنطي ، وأنّ قوله عليه‌السلام : « أجزأه » غير باق على ظاهره بالقرينة المذكورة.

ويشهد على ما ذكرناه استبعاده عليه‌السلام في صحيحة ابن مسلم السابقة ، وما رواه الصدوق رحمه‌الله مرسلا عن الصادق عليه‌السلام أنّه قال : « الإنسان لا ينسى تكبيرة الافتتاح » (٢).

وممّا ذكرنا ظهر أنّه لا يعارض ما ذكر من الإجماع والأخبار صحيحة زرارة عن الباقر عليه‌السلام : « لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة : الطهور ، والوقت ، والقبلة ، والركوع ، السجود » (٣) الحديث. ولا حاجة إلى القول بالتخصيص وارتكابه ، فتدبّر.

قوله : وفيها ما يأبى هذا الحمل. ( ٣ : ٣١٩ ).

إن أراد من الإباء أنّه خلاف الظاهر ، ففيه : أنّ الحمل في المقامات إنّما يكون إذا خالف الظاهر ، وإلاّ فلا وجه للحمل.

وإن أراد منه معناه الحقيقي ـ أعني الإباء الواقعي ـ فمع أنّه ليس كذلك ، ينافيه قوله : إلاّ أنّ مخالفة. إلاّ أن يكون مراده أنّ هذا الحمل وإن كان بعيدا إلاّ أنّه لا بدّ من ارتكابه ، فيكون معتذرا للشيخ لا معترضا عليه ، فمع أنّه خلاف مدلول كلامه قد عرفت في الحاشية السابقة قرب هذا الحمل بل نهاية قربه ، لوجود القرينة الظاهرة غير الإجماع.

__________________

(١) انظر ص ٣٠٣ ـ ٣٠٧.

(٢) الفقيه ١ : ٢٢٦ / ٩٩٨ ، الوسائل ٦ : ١٥ أبواب تكبيرة الإحرام ب ٢ ح ١١.

(٣) الفقيه ١ : ٢٢٥ / ٩٩١ ، الوسائل ١ : ٣٧١ أبواب الوضوء ب ٣ ح ٨.

١٢

وبالجملة : هذا الحمل أقرب المحامل التي يرتكبها الشارح في المقامات من دون تأمّل منه وتزلزل وإظهار حزازة فيها.

قوله : إرادة قلبية لا دخل للّسان فيها. ( ٣ : ٣١٩ ).

كونها إرادة قلبية لا يقتضي السكوت ولا يستلزم قطع الكلام ، كيف؟! وهو رحمه‌الله قد قال ـ عند قول المصنّف : وحقيقتها. : إنّ حمادا لم يقل : إنّه فكّر في النيّة ، بل قال : الله أكبر (١) ، فتأمّل.

فالأولى الاستدلال بأن القدر الثابت من النبي والأئمّة عليه‌السلام أنهم عليه‌السلام كبروا بعنوان القطع ، للإجماع على صحته بل الضرورة ، مضافا إلى ما يظهر من بعض الأخبار بل وغير واحد منها (٢) ، ولم ينقل إلينا أنّهم عليه‌السلام بعنوان الوصل كبّروا ، والعبادات توقيفية.

قوله : والمصلّي بالخيار في التكبيرات السبع. ( ٣ : ٣٢١ ).

في الفقه الرضوي : « واعلم أنّ السابعة هي الفريضة ، وهي تكبيرة الافتتاح ، وبها تحريم الصلاة » (٣) انتهى.

لكن ربما يظهر من بعض الأخبار أنّ الأولى تكبيرة الافتتاح (٤) ، وسائر الأخبار لا يظهر منها شي‌ء من الأمرين ، بل الظاهر منها عدم وجوب تعيين تكبيرة الافتتاح ، بأنّ أقل ما يجزي تكبيرة ، وأفضل منها ثلاث ، وأفضل منها الخمس ، وأفضل منها السبع (٥) ، ومقتضي هذه الأخبار أيضا كون الأولى تكبيرة الافتتاح ، لأنّ بعد الأولى تتحقّق براءة الذمة عن القدر‌

__________________

(١) المدارك ٣ : ٣١٢.

(٢) انظر سنن أبي داود ١ : ١٩٤ ، ٢٠١ والوسائل ٦ : ٩ أبواب تكبيرة الإحرام ب ١.

(٣) فقه الرضا عليه‌السلام : ١٠٥.

(٤) انظر الوسائل ٦ : ٢١ أبواب تكبيرة الإحرام ب ٧ ح ٤ ، ٦.

(٥) الوسائل ٦ : ١٠ أبواب تكبيرة الإحرام ب ١ ح ٤ ، ٨.

١٣

الواجب ، وربما قيل بالتخيير بين الصور الأربع (١) ، فإن كان مراده ما ذكر فله وجه ، وإلاّ فلا ، فتأمّل.

قوله : فإنّ أقصى ما يستفاد من الروايات. ( ٣ : ٣٢٢ ).

لا يخفى ما فيه ، لأنّ الحكم ببطلان الصلاة غير منحصر في الصدور في الروايات ، كيف؟ وهو قد أكثر من الحكم بالبطلان من جهة كون العبادة توقيفية وعدم النقل كذلك ، منها : ما مرّ عند قول المصنّف رحمه‌الله : وصورتها : أن يقول : الله أكبر (٢) ، وغير ذلك مما لا يحصى.

ومعلوم بالضرورة أنّ المنقول عن النبي والأئمّة عليه‌السلام أنّهم كبّروا للإحرام تكبيرة واحدة ، وما كبّروا له وبقصد الوجوب والافتتاح الواجب سوى واحدة ، بل المنقول أمّا الواحدة أو الثلاث أو الخمس أو السبع باختيار الأفضل والأولى في غير الأولى.

على أنّه لو تمّ ما ذكره لزم صحة قول الشيخ رحمه‌الله بجواز الإتيان بالتكبير في حال الانحناء ، لأنّ أقصى ما يستفاد من الروايات بطلان الصلاة بتركه عمدا وسهوا ، وهو لا يستلزم البطلان بفعله في حال الانحناء ، والشارح لا يرضى بذلك وأمثاله ، فتأمّل جدّا.

قوله : فيجب فيه كلّ ما يجب فيها. ( ٣ : ٣٢٢ ).

ويدل عليه موثقة عمار عن الصادق عليه‌السلام : عن رجل سها خلف الإمام فلم يفتتح الصلاة ، قال : « يعيد الصلاة ولا صلاة بغير افتتاح » وعن رجل وجبت عليه صلاة من قعود فنسي حتى قام وافتتح الصلاة وهو قائم ، ثم ذكر ، قال : « يقعد ويفتتح الصلاة وهو قاعد ، وكذلك إن وجبت عليه الصلاة‌

__________________

(١) انظر روضة المتقين ٢ : ٢٨٠ ، والبحار ٨١ : ٣٥٨.

(٢) المدارك ٣ : ٣١٩.

١٤

من قيام فنسي حتى افتتح الصلاة وهو قاعد ، فعليه أن يقطع صلاته ويقوم فيفتتح الصلاة وهو قائم ، ولا يعتدّ بافتتاحه وهو قاعد » (١).

قوله : والهاء زيادة على القدر الطبيعي. ( ٣ : ٣٢٣ ).

يلزم على هذا بطلان الصلاة ، لأنّه لم ينقل عن النبي والأئمّة عليه‌السلام المدّ بهذه الزيادة ، بل حالها أسوء من حال وصل همزة « الله » في التكبير ، وقد مرّ من الشارح رحمه‌الله الحكم بالبطلان به بالعلّة التي ذكرها (٢) ، وهي جارية في ما نحن فيه ، بل بطريق أولى ، وكذا الكلام في قوله : وإلاّ ففيه وجهان ، وقوله في الشرح الآتي : ولا بدّ من تقييده ، إلاّ أن يكون مراده أنّ أمثال هذه الأمور عدم ضررها إجماعي ، سوى ما يخرج بسببه عن صيغة الأخبار ، فتأمّل.

قوله : المستند في ذلك روايات كثيرة. ( ٣ : ٣٢٣ ).

في العيون عن الرضا عليه‌السلام : « أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يكبّر واحدة ويجهر بها ، ويسرّ ستّا » في جواب من قال : روي عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه كان يكبّر واحدة (٣).

قوله : وهو حسن. ( ٣ : ٣٢٥ ).

لكن يشكل بأنّ مقتضى صحيحة زرارة عن الباقر عليه‌السلام : « لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة : الطهور ، والوقت ، والقبلة ، والركوع ، والسجود » (٤) عدم ركنيته مطلقا.

__________________

(١) التهذيب ٢ : ٣٥٣ / ١٤٦٦ ، الوسائل ٥ : ٥٠٣ أبواب القيام ب ١٣ ح ١ ، و ٦ : ١٤ أبواب تكبيرة الإحرام ب ٢ ح ٧.

(٢) المدارك ٣ : ٣١٩.

(٣) العيون ١ : ٢١٧ / ١٨ ، الوسائل ٦ : ٣٣ أبواب تكبيرة الإحرام ب ١٢ ح ٢.

(٤) الفقيه ١ : ٢٢٥ / ٩٩١ ، الوسائل ١ : ٣٧١ أبواب الوضوء ب ٣ ح ٨.

١٥

إلاّ أن يقال : إنّ الصحيحة مخصّصة بالإجماع وغيره ، مثل قوله : « من لم يقم صلبه فلا صلاة له » رواه الصدوق في الصحيح في باب القبلة (١) ( والكافي في الصحيح عن أبي بصير ، عن الصادق ، عن أمير المؤمنين عليه‌السلام ) (٢) فتأمّل.

أو يقال : إنّ الركوع من غير قيام مثلا ليس بركوع في الفريضة ، فإنّ الركوع فيها هو أن ينحني من قيام ، فإنّ الإعادة من الركوع والسجود تشمل ما نحن فيه ، وعدم الإعادة من جهة نسيان الذكر فيهما مثلا ثبت من دليل من الخارج.

مع أنّ الإتيان بنفس الركوع والسجود وترك القيام لهما سهوا في الفريضة ـ بأن يكون المكلف آتيا بالركوع والسجود وغيرهما من الأركان فيها إلاّ أنّه نسي كون ركوعه وانحنائه عن قيام وكذا السجود ـ من الفروض البعيدة غاية البعد ، والقيام المتصل بهما لا ينفكّ عنهما غالبا أو متعارفا ، وأخبارنا محمولة على الفروض المتعارفة واردة فيها ، فلا يظهر ضرر (٣) من قبلها للفروض البعيدة ، سيّما وأن تكون غاية البعد.

وكيف كان لا يتحقّق ضرر أصلا في الحكم بركنيته من طرف هذه الصحيحة وغيرها أصلا ، ومقتضى الدليل الركنية على حسب ما ذكره الشهيد رحمه‌الله هذا هو مراد الفقهاء.

قوله : وفي أثنائها. ( ٣ : ٣٢٧ ).

__________________

(١) الفقيه ١ : ١٨٠ / ٨٥٦ ، الوسائل ٥ : ٤٨٨ أبواب القيام ب ٢ ح ١.

(٢) الكافي ٣ : ٣٢٠ / ٤ ، الوسائل ٥ : ٤٨٩ أبواب القيام ب ٢ ح ٢ ، وما بين القوسين ليس في « ج » و « د ».

(٣) في « و » : ظهور.

١٦

لا يخفى ما فيه ، لأنّه يرد عليه ما أورده على المحقّق الشيخ علي من دون تفاوت أصلا ، ولعله كتبه أوّلا ثم ضرب عليه ، ولهذا لا يوجد في بعض النسخ.

قوله نسخة : مدفوع. ( ٣ : ٣٢٧ ).

بدل من قوله : هو إشكال ضعيف.

قوله : وهو غير بعيد. ( ٣ : ٣٢٨ ).

مشكل ، لأنّ المعارض أقوى من حيث عمل الأصحاب ، والإطلاقات والعمومات الدالة على وجوب القيام ، لأنّ المتبادر منه فيها ما لا يكون باستناد على شي‌ء ، وكون العبادة توقيفية ، والمنقول عن النبي والأئمّة عليه‌السلام أنّهم عليه‌السلام ما كانوا يستندون ، وعدم صراحة كون الاستناد في هذه على سبيل الاعتماد ، وتوقّف شغل الذمّة اليقيني على البراءة اليقينية. وحصول الشبهة من جميع ما ذكر لا أقلّ منه ، فتأمّل جدّا.

قوله : ما رواه ابن بابويه مرسلا. ( ٣ : ٣٣١ ).

الأولى والأحوط العمل بمضمون هذه المرسلة ( بل متعيّن تحصيلا للبراءة اليقينية ، مع اعتضادها بالإجماع المدعى من المحقق وغيره (١) أيضا ، وفتاوى الفقهاء ، وموثقة عمار الآتية ، وتحصيل الاستقبال للقبلة مهما أمكن ، والله يعلم ) (٢).

قوله (٣) : ويستفاد من هذه الرواية استحباب وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه حال الإيماء. ( ٣ : ٣٣٣ ).

__________________

(١) كالشيخ في الخلاف ١ : ٤٢٠ ، والعلاّمة في المنتهى ١ : ٢٦٥.

(٢) ما بين القوسين ليس في « ا ».

(٣) هذه الحاشية والتي بعدها ليست في « أ ».

١٧

لا يخفى أنّ مع التمكن من السجود على الأرض يجب بلا تأمّل ، وهذا الرجل المسؤول عن حاله لا يمكنه الجلوس كما سأل ، فالرفع للوضع فاسد ، مع أنّه عليه‌السلام قال : « أن يضع جبهته على الأرض » لا أن يرفع لوضعها عليها ، فالظاهر حملها على المستلقي أو المضطجع الذي يعسر عليه ، ويشهد وضع الجبهة كما هو الغالب في المرضى ، لأنّ إطلاق المريض ينصرف إلى الكامل لا إلى السهل.

قوله : ويمكن أن يريد بالاستمرار. ( ٣ : ٣٣٣ ).

لا خفاء في أنّ مراده هو هذا ، لا السابق ، إذ لا وجه له ، مع بعده عن العبارة.

قوله : شرط مع القدرة. ( ٣ : ٣٣٤ ).

لم نجد دليلا على اشتراط الاستقرار بالمعنى الذي ذكره ، لا إجماعا ولا حديثا ، أمّا الحديث فظاهر فقده ، وامّا الإجماع فقد عرفت كلام المشهور من أنّه ينتقل إلى ما دونها مستمرا.

إلاّ أن يقال : إنّ توقيفية العبادة تقتضي ذلك.

وفيه أيضا تأمّل ، لما عرفت من كلام الأصحاب وتعليلهم ، وظاهرهما يقتضي التعيين ، فتأمّل جدّا ، ( مع أنّ القدر المتصل بالقيام والواقع في حدّه يجب تحقّق القراءة فيه للعموم ، فكذا غيره ، لعدم قائل بالفصل ) (١).

قوله : والأصل فيه. ( ٣ : ٣٣٥ ).

هذا كما يقتضي وجوب قراءة الحمد كذا يقتضي وجوب قراءة السورة تماما أو بعضا ، لأنّ فعل النبي والأئمّة عليه‌السلام بالنسبة إليهما واحد من‌

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « ا ».

١٨

دون تفاوت أصلا ، وكذا الكلام في الأخبار المستفيضة ، فإنّ لفظ القراءة فيها مطلق شامل للحمد والسورة ، مع أنّ الشارح رحمه‌الله سيذكر في بحث وجوب السورة : أنّ التعريف في أمثال المقام ليس للعهد ، ولا للحقيقة ، ولا للعهد الذهني ، فيكون للاستغراق.

وممّا يؤيّد : أنّ الواجب لو كان خصوص الحمد فقط لكان المناسب أن يقول ـ بدل القراءة ـ : الحمد أو الفاتحة ، لأنّه أخصر وأظهر في المطلوب ، ولعدم المناسبة حينئذ بالتعبير بلفظ القراءة ، لأنّ الواجب حينئذ هو الحمد من حيث إنّه حمد لا من حيث إنّه قراءة ، ولأنّ التعليق بلفظ القراءة له ظهور في كون الواجب هو القراءة من حيث إنّه قراءة ، وخصوصية كونها الحمد والسورة تظهر من الخارج ، وليس المقام مقام العناية بإظهار تلك الخصوصية ، بخلاف ما لو كان الواجب خصوص الحمد من حيث إنّه حمد ، فإنّه لا يناسبه التعبير في المقام بالقراءة من حيث إنّها قراءة ( مع أنّه لا عناية بالقراءة من حيث إنّها قراءة ) (١) أصلا.

ويؤكّد ما ذكرناه ما رواه في العلل عن الفضل بن شاذان ، عن الرضا عليه‌السلام : « أمر الناس بالقراءة في الصلاة لئلاّ يكون القرآن مهجورا مضيّعا. ، وإنّما بدئ بالحمد دون سائر السور لأنّه ليس شي‌ء من القرآن. » (٢) الحديث ، وما رواه في الفقيه أيضا (٣).

وفيه شهادة واضحة على كون القراءة من حيث إنّها قراءة مأمورا بها ، وكون الحمد بخصوصها مأمورا بها أيضا ، وكون البدأة بالحمد مأمورا بها ،

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « ج » و « د ».

(٢) علل الشرائع : ٢٦٠ ، الوسائل ٦ : ٣٨ أبواب القراءة في الصلاة ب ١ ح ٣.

(٣) الفقيه ١ : ٢٠٣ / ٩٢٧.

١٩

وفيها دلالة على وجوب السورة ، وكونها مأمورا بها من وجوه متعدّدة.

قوله : كصحيحة محمد بن مسلم ، عن أحدهما عليه‌السلام. ( ٣ : ٣٣٥ ).

ورواه الصدوق رحمه‌الله في الصحيح ، عن زرارة ، عن أحدهما عليه‌السلام (١).

قوله : حتى يبدأ بها. ( ٣ : ٣٣٦ ).

يظهر منه وجوب السورة أيضا ، فإنّه يظهر أنّ القراءة لا بدّ منها ، وأنّه لا قراءة صحيحة حتى يبدأ بالحمد ، فالابتداء بالحمد أيضا لا بدّ منه ، والابتداء به لا يتحقّق إلاّ مع وجوب السورة ووجودها ، ولو لم تكن للسورة مدخلية في الوجوب لما حسن أن يقال : حتى يبدأ بالحمد ، بل كان المناسب أن يقول ـ موضع قوله : « فإنّه لا قراءة. » ـ : فإنّه لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب.

ومثل رواية سماعة رواية محمد بن مسلم ـ رواها الشيخ عنه ـ قال : سألته عن الذي لا يقرأ بفاتحة الكتاب في صلاته ، قال : « لا صلاة له إلاّ أن يبدأ بها في جهر أو إخفات » (٢).

قوله (٣) : وقد نقل جدّي رحمه‌الله عن بعض محقّقي القراءة. ( ٣ : ٣٣٨ ).

لا يخفى أنّ القرآن عندنا نزل بحرف واحد من عند الواحد ، والاختلاف جاء من قبل الرواية (٤) ، فالمراد بالمتواتر ما تواتر صحة قراءته‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٢٧ / ١٠٠٥ ، الوسائل ٦ : ٨٧ أبواب القراءة ب ٢٧ ح ١.

(٢) التهذيب ٢ : ١٤٧ / ٥٧٦ ، الوسائل ٦ : ٣٧ أبواب القراءة ب ١ ح ١.

(٣) هذه الحاشية والتي بعدها ليست في « ا ».

(٤) انظر الكافي ٢ : ٦٣٠ / ١٢ ، ١٣.

٢٠