وقعة صفّين

نصر بن مزاحم المنقري

وقعة صفّين

المؤلف:

نصر بن مزاحم المنقري

المحقق: عبد السلام محمّد هارون المترجم:
الموضوع : التاريخ الناشر: منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي
نسخة غير مصححة

بسم الله الرحمن الرحيم

أخبرنا الشيخ الحافظ شيخ الإسلام أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك ابن أحمد بن الحسن الأنماطي (١) قال : أخبرنا الشيخ أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي (٢) بقراءتي عليه في شهر ربيع الآخر من سنة أربع وثمانين وأربعمائة ، وقال : أخبرنا أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد بن محمد ابن جعفر الوكيل (٣) قراءة عليه وأنا أسمع ، في رجب من سنة ثمان وثلاثين

__________________

(١) كان أبو البركات محدث بغداد ، وهو أحد حفاظ الحنابلة ، ولد سنة ٤٦٢ وقرأ على ابن الطيوري جميع ما عنده. وقال ابن الجوزي : « كنت أقرأ عليه الحديث وهو يبكي ، فاستفدت ببكائه أكثر من استفادتي بروايته ». وتوفى سنة ٥٣٨. انظر المنتظم ( ١٠ : ١٠٨ ـ ١٠٩ ) وصفة الصفوة ( ٢ : ٢٨١ ) وتذكرة الحفاظ ( ٤ : ٧٥ ـ ٧٦ ) وشذرات الذهب ( ٤ : ١١٦ ـ ١١٧ ).

(٢) هو أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد بن القاسم بن أحمد الصيرفي الطيوري ، ويعرف أيضا بابن الحمامي ، والمحدث البغدادي ، سمع أبا علي بن شاذان ، وأبا الفرج الطناجيري وأبا الحسن العتيقي ، وأبا محمد الخلال. وكان عنده ألف جزء بخط الدارقطني. وأكثر عنه السلفي ، وانتقى عليه مائة جزء تعرف بالطيوريات. وابن الحمامي بتخفيف الميم ، كما في لسان الميزان ( ٥ : ١١ ). ولد سنة ٤١١ وتوفى سنة ٥٠٠. انظر المنتظم ( ٩ : ١٥٤ ) ولسان الميزان ( ٥ : ٩ ـ ١١ ) وشذرات الذهب ( ٣ : ٤١٢ ).

(٣) هو أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر بن أحمد بن جعفر بن الحسن بن وهب ، أبو يعلى ، المعروف بابن زوج الحرة. سمع موسى بن جعفر ، وأبا الحسن الدارقطني. قال الطيب البغدادي : « كتبت عنه ، وكان صدوقا يسكن درب المجوس من نهر طابق. وسألته عن مولده فقال : ولدت بعد أن استخلف القادر بالله بأربعين يوما ، وكان

١

وأربعمائة ، قال : أخبرنا أبو الحسن محمد بن ثابت بن عبد الله بن محمد بن ثابت الصيرفي (١) ، قراءة عليه وأنا أسمع ، قال : أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد [ ابن محمد (٢) ] بن عقبة بن الوليد بن همام بن عبد الله بن الحمار بن سلمة ابن سمير (٣) بن أسعد بن همام (٤) بن مرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة ابن صعب بن علي بن بكر بن وائل ، قراءة عليه في سنة أربعين وثلاثمائة ، قال : أخبرنا أبو محمد سليمان بن الربيع بن هشام النهدي الخزاز (٥) ، قال :

__________________

استخلاف القادر بالله في يوم السبت الحادي عشر من شهر رمضان سنة إحدى وثمانين وثلثمائة. ومات أبو يعلى في يوم الخميس الرابع والعشرين من شهر شوال سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة ، ودفن من يومه بباب الدير قريبا من قبر معروف الكرخي ». انطر تاريخ بغداد ( ٤ : ٢٧٠ ).

(١) ترجم له الخطيب في تاريخ بغداد ( ٢ : ١١١ ) وقال : سمع إسماعيل بن محمد الصفار ، وأبا عمرو بن السماك ، وعبد الصمد بن علي الطستي. وذكر أن وفاته في سنة ٣٩٣. وهي السنة التي توفى فيها أبو الفتح عثمان بن جني ، والقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني.

(٢) هذه التكملة ثابتة في سائر أسانيد أجزاء الكتاب ، وكذلك في ترجمته من منتهى المقال ص ٢٢٥ ، قال : « سمع منه التلعكبري بالكوفة وببغداد ، وله منه إجازة ». والتلعكبري الذي يشير إليه هو أبو محمد هارون بن موسى بن أحمد بن سعيد الشيباني ، ترجم له صاحب منتهى المقال في ص ٣٢٠ ـ ٣٢١.

(٣) ما بعد « الوليد » إلى هنا لم أجده فيما لدي من المراجع.

(٤) ذكر في نهاية الأرب ( ٢ : ٣٣٣ ) : « الأسعد بن همام ». وانظر لإدخال أل على الأعلام التي هي في الأصل صفات ما كتبت في حواشي الحيوان ( ٣ : ٣٨٢ ) ومجلة الثقافة ٢١٥٢.

(٥) هو أبو محمد سليمان بن الربيع بن هشام بن عزور بن مهلهل ، النهدي الكوفي. قدم بغداد وحدث بها عن حصين بن مخارق ، وهمام بن مسلم الزاهد ، وأبي نعيم الفضل بن دكين ، وروي عنه محمد بن جرير الطبري ، ويحيى بن صاعد ، ومحمد بن مخلد العطار. توفى بالكوفة سنة ٢٧٤. انظر تاريخ بغداد ( ٩ : ٥٤ ـ ٥٥ ) ولسان الميزان ( ٣ : ٩١ ).

٢

أنبأنا نصر بن مزاحم التميمي ، قال عمر بن سعد بن أبي الصيد الأسدي (١) عن الحارث بن حصيرة (٢) عن عبد الرحمن بن عبيد بن أبي الكنود وغيره قالوا :

لما قدم علي بن أبي طالب من البصرة إلى الكوفة يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة مضت من رجب سنة ست وثلاثين ، وقد أعز الله نصره وأظهره علي عدوه ، ومعه أشراف الناس وأهل البصرة ، استقبله أهل الكوفة وفيهم قراؤهم وأشرافهم ، فدعوا له بالبركة وقالوا : يا أمير المؤمنين ، أين تنزل؟ أتنزل القصر؟ فقال : لا ، ولكني أنزل الرحبة. فنزلها وأقبل حتى دخل المسجد الأعظم فصلى فيه ركعتين ، ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله وقال : « أما بعد يا أهل الكوفة فإن لكم في الإسلام فضلا ما لم تبدلوا وتغيروا. دعوتكم إلى الحق فأجبتم ، وبدأتم بالمنكر فغيرتم. ألا إن فضلكم فيما بينكم وبين الله في الأحكام والقسم. فأنتم أسوة من أجابكم ودخل فيما دخلتم فيه. ألا إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى ، وطول الأمل. فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق ، وأما طول الأمل فينسي الآخرة. ألا إن الدنيا قد ترحلت مدبرة ، والآخرة ترحلت مقبلة ، ولكل واحدة منها بنون ، فكونوا من أبناء الآخرة. اليوم عمل ولا حساب ، وغدا حساب ولا عمل.

__________________

(١) في ميزان الاعتدال ( ٢ : ٢٥٨ ) : « عمر بن سعد. عن الأعمش. شيعي بغيض. قال أبو حاتم : متروك الحديث ».

(٢) هو الحارث بن حصيرة الأزدي ، أبو النعمان الكوفي. روى عن زيد بن وهب وأبي صادق الأزدي ، وجابر الجعفي. وعنه : عبد الواحد بن زياد ، والثوري ، ومالك بن مغول ، وعبد السلام بن حرب. قال ابن عدي : عامة روايات الكوفيين عنه في فضائل أهل البيت. وهو يعد من المحترفين بالكوفة في التشيع. وحصيرة ، بفتح المهملة وكسر المهملة بعدها. وفي الأصل : ( حضيرة ) بالضاد المعجمة ، تحريف. انظر تهذيب التهذيب ( ٢ : ١٤٠ ) وتقريب التهذيب ٨٧.

٣

الحمد لله الذي نصر وليه ، وخذل عدوه ، وأعز الصادق المحق ، وأذل الناكث المبطل. عليكم بتقوى الله وطاعة من أطاع الله من أهل بيت نبيكم ، الذين هم أولى بطاعتكم فيما أطاعوا الله فيه ، من المنتحلين المدعين المقابلين إلينا (١) ، يتفضلون بفضلنا ، ويجاحدونا أمرنا ، وينازعونا حقنا ، ويدافعونا عنه (٢). فقد ذاقوا وبال ما اجترحوا فسوف يلقون غيا. ألا إنه قد قعد عن نصرتي منكم رجال فأنا عليهم عاتب زار. فاهجروهم وأسمعوهم ما يكرهون حتى يعتبوا (٣) ، ليعرف بذلك حزب الله عند الفرقة ».

فقام إليه مالك بن حبيب اليربوعي ـ وكان صاحب شرطته ـ فقال : والله إني لأرى الهجر وإسماع المكروه لهم قليلا. والله لئن أمرتنا لنقتلنهم. فقال علي : سبحان الله يا مال ، جزت المدى ، وعدوت الحد ، وأغرقت في النزع! فقال : يا أمير المؤمنين ، لبعض الغشم أبلغ في أمور تنو بك من مهادنة الأعادي. فقال علي : ليس هكذا قضى الله يا مال ، قتل النفس بالنفس فما بال الغشم (٤). وقال : ( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا ). والإسراف في القتل أن تقتل غير قاتلك ، فقد نهى الله عنه ، وذلك هو الغشم.

فقام إليه أبو بردة بن عوف الأزدي ـ وكان ممن تخلف عنه ـ فقال :

__________________

(١) في ح ( ١ : ٢٥٦ ) : ( القائلين إلينا ).

(٢) كذا وردت الأفعال الثلاثة هنا وفي ح بحذف نون الرفع لغير ناصب أو جازم ، وهي لغة صحيحة. انظر خزانة الأدب ( ٣ : ٥٢٥ ـ ٥٢٦ ).

(٣) الإعتاب : إعطاء العتبى ، وهي الرضا. وأعتبني فلان : ترك ما كنت أجد عليه من أجله.

(٤) في ح ( ١ : ٢٥٧ ) « قال سبحانه النفس بالنفس فما بال ذكر النفس ».

٤

يا أمير المؤمنين ، أرأيت القتلى حول عائشة والزبير وطلحة ، بم قتلوا (١)؟ قال : « قتلوا شيعتي وعمالي ، وقتلوا أخا ربيعة العبدي ، رحمة الله عليه ، في عصابة من المسلمين قالوا : لا ننكث كما نكثتم ، ولا نغدر كما غدرتم. فوثبوا عليهم فقتلوهم ، فسألتهم أن يدفعوا إلى قتلة إخواني أقتلهم بهم ، ثم كتاب الله حكم بيني وبينهم ، فأبوا علي ، فقاتلوني وفي أعناقهم بيعتي ، ودماء قريب من ألف رجل من شيعتي ، فقتلتهم بهم ، أفي شك أنت من ذلك؟ ». قال : قد كنت في شك ، فأما الآن فقد عرفت ، واستبان لي خطأ القوم ، وأنك أنت المهدي المصيب.

وكان أشياخ الحي يذكرون أنه كان عثمانيا ، وقد شهد مع علي على ذلك صفين ، ولكنه بعد ما رجع كان يكاتب معاوية ، فلما ظهر معاوية أقطعه قطيعة بالفلوجة (٢) ، وكان عليه كريما.

ثم إن عليا تهيأ لينزل ، وقام رجال ليتكلموا ، فلما رأوه نزل جلسوا وسكتوا.

نصر : أبو عبد الله سيف بن عمر ، عن سعد بن طريف ، عن الأصبغ بن نباتة ، أن عليا لما دخل الكوفة قيل له : أي القصرين ننزلك؟ قال : « قصر الخبال لا تنزلونيه ». فنزل على جعدة بن هبيرة المخزومي (٣).

نصر ، عن الفيض بن محمد ، عن عون بن عبد الله بن عتبة ، قال : لما قدم

__________________

(١) في ح : « علام قتلوا. أو قال : بم قتلوا؟ ».

(٢) الفلوجتان : قريتان كبيرتان من سواد بغداد والكوفة قرب عين التمر. ويقال الفلوجة الكبرى والفلوجة الصغرى والفلوجة العليا والفلوجة السفلى أيضا.

(٣) قال ابن أبي الحديد : « قلت : جعدة ابن أخت هانئ بنت أبي طالب ، كانت تحت هبيرة بن أبي وهب المخزومي ، فأولدها جعدة ».

٥

علي الكوفة نزل على باب المسجد فدخل وصلي ، ثم تحول فجلس إليه الناس ، فسأل عن رجل من أصحابه كان ينزل الكوفة ، فقال قائل : استأثر الله به. فقال : « إن الله لا يستأثر بأحد من خلقه » ، وقرأ : ( وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ). قال : فلما لحق الثقل قالوا : أي القصرين تنزل؟ فقال : « قصر الخبال لا تنزلونيه (١) ».

نصر ، عن سيف قال : حدثني إسماعيل بن أبي عميرة ، عن عبد الرحمن ابن عبيد بن أبي الكنود ، أن سليمان بن صرد الخزاعي (٢) دخل على علي ابن أبي طالب بعد رجعته من البصرة ، فعاتبه وعذله وقال له : « ارتبت وتربصت وراوغت ، وقد كنت من أوثق الناس في نفسي وأسرعهم ـ فيما أظن ـ إلى نصرتي ، فما قعد بك عن أهل بيت نبيك ، وما زهدك في نصرهم؟ ». فقال يا أمير المؤمنين ، لا تردن الأمور على أعقابها ، ولا تؤنبني بما مضى منها واستبق مودتي يخلص (٣) لك نصيحتي. وقد بقيت أمور تعرف فيها وليك من عدوك. فسكت عنه وجلس سليمان قليلا ، ثم نهض فخرج إلى الحسن بن علي وهو قاعد في المسجد ، فقال : ألا أعجبك من أمير المؤمنين وما لقيت

__________________

(١) ح : « قالوا انزل القصر. فقال : قصر الجبال لا تنزلوا فيه ». ولم أجد ذكرا لهذا القصر برسميه اللذين وردا في الأصل وح. لكن وجدت السيد فرج الله الحسيني قد كتب « أراد منه عليه‌السلام قصر دار الامارة ؛ فكأنه سماها به لما وقع فيها قبله من أمراء الجور وعمال أهل النفاق والشقاق ، من الهلكة والنقصان ».

(٢) هو سليمان بن صرد ، المهملة وفتح الراء ، بن الجون الخزاعي ، أبو مطرف الكوفي. صحابي جليل. قال ابن حجر : وكان خيرا فاضلا شهد صفين مع علي وقتل حوبشا مبارزة ، ثم كان ممن كاتب الحسين ثم تخلف عنه ، ثم قدم هو والمسيب بن نجبة في آخرين فخرجوا في الطلب بدمه وهم أربعة آلاف ، فالتقاهم عبيد الله بن زياد بعين الوردة بعسكر مروان ، فقتل سليمان ومن معه ، وذلك في سنة خمس وستين. انظر الإصابة وتهذيب التهذيب.

(٣) ح : « تخلص ».

٦

منه من التبكيت والتوبيخ؟ فقال له الحسن : إنما يعاتب من ترجى مودته ونصيحته. فقال : إنه بقيت أمور سيستوسق فيها القنا (١) ، وينتضي فيها السيوف ويحتاج فيها إلى أشباهي ، فلا تستغشوا عتبي (٢) ، ولا نتهموا نصيحتي. فقال له الحسن : رحمك الله : ما أنت عندنا بالظنين.

نصر ، عن عمر ـ يعني ابن سعد ـ عن نمير بن وعلة (٣) عن الشعبي (٤) ، أن سعيد بن قيس دخل على علي بن أبي طالب فسلم عليه ، فقال له علي : « وعليك ، وإن كنت من المتربصين ». فقال : حاش لله يا أمير المؤمنين لست من أولئك. قال : فعل الله ذلك ».

نصر ، عن عمر بن سعد ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن مخنف قال : دخلت مع أبي على علي عليه‌السلام حين قدم من البصرة ، وهو عام بلغت الحلم ، فإذا بين يديه رجال يؤنبهم ويقول لهم : ما بطأ بكم عني وأنتم أشراف قومكم؟ والله لئن كان من ضعف النية وتقصير البصيرة؟ إنكم لبور (٥). والله لئن كان من شك في فضلي ومظاهرة على إنكم لعدو ». قالوا : حاش لله يا أمير المؤمنين ، نحن سلمك وحرب عدوك. ثم اعتذر القوم ، فمنهم من

__________________

(١) القنا : الرماح. والاستيساق : الاجتماع ، وفعله لازم. وفي حديث أحد : « استوسقوا كما يستوسق جرب الغنم » ، أي استجمعوا وانضموا. وبدلها في ح : « سيسرع فيها القتال ».

(٢) استغشه واغتشه : ظن به الغش ، وهو خلافه استنصحه. وفي الأصل : « لا تستبشعوا غيبتي » صوابها في ح.

(٣) ذكره في لسان الميزان مصحفا برسم نمير بن دعلمة.

(٤) هو عامر بن شراحيل الحميري أبو عمرو الكوفي ، ثقة مشهور. روى عن أبي هريرة ، وعائشة ، وابن عباس وغيرهم. أو عنه ابن سيرين ، والأعمش ، وشعبة ، وجابر الجعفي. لسان الميزان ( ٦ : ٨٤٠ ).

(٥) البور بالضم : الهالك ، يقال رجل بور ، ورجلان بور ، وقوم بور ، وكذلك الأنثى .... اللسان.

٧

ذكر عذره ، ومنهم من اعتل بمرض ، ومنهم من ذكر غيبة. فنظرت إليهم فإذا عبد الله بن المعتم العبسي (١) ، وإذا حنظلة بن الربيع التميمي ـ وكلاهما كانت له صحبة ـ وإذا أبو بردة بن عوف الأزدي ، وإذا غريب بن شرحبيل الهمداني. قال : ونظر علي إلى أبى فقال : « لكن مخنف بن سليم وقومه لم يتخلفوا ، ولم يكن مثلهم مثل القوم الذين قال الله تعالى : ( وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معكم شهيدا. ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما (٢) ) ».

ثم إن عليا مكث بالكوفة ، فقال الشني في ذلك (٣) شن بن عبد القيس :

قل لهذا الإمام قد خبت الحر

ب وتمت بذلك النعماء

وفرغنا من حرب من نقض العه‍

د وبالشام حية صماء

تنفث السم ما لمن نهشته

فارمها قبل أن تعض ، شفاء

إنه والذي يحج له النا

س ومن دون بيته البيداء

__________________

(١) هو عبد الله بن المعتم ، بضم الميم وسكون المهملة وفتح المثناة وتشديد الميم ، قال ابن حجر : « له صحبة ، وهو ممن تخلف عن علي يوم الجمل ... وقال أبو زكريا الموصلي في تاريخ الموصل : هو الذي فتح الموصل ». وفي ح : « عبيد الله » بالتصغير ، محرف. انظر الإصابة ٤٩٥٧.

(٢) الآيتان ٧٢ ، ٧٣ من سورة النساء.

(٣) هو الأعور الشني ، بشر بن منقذ ، أحد بني شن بن أفصي بن عبد القيس بن أفصي بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار. قال الآمدي : « شاعر خبيث ، وكان مع علي رضي الله عنه يوم الجمل ». انظر المؤتلف ٣٨ ، ٦٠.

٨

لضعيف النخاع إن رمي اليو

م بخيل كأنها الأشلاء (١)

جانحات تحت العجاج سخالا

مجهضات تخالها الأشلاء (٢)

تتبارى بكل أصيد كالفح‍

ل بكفيه صعدة سمراء

ثم لا ينثني الحديد ولما

يخضب العاملين منها الدماء

إن تذره (٣) فما معاوية الده‍

ر بمعطيك ما أراك تشاء

ولنيل السماك أقرب من ذا

ك ونجم العيوق والعواء (٤)

فاضرب الحد والحديد (٥) إليهم

ليس والله غير ذاك دواء

حدثنا نصر عن أبي عبد الله سيف بن عمر ، عن الوليد بن عبد الله ، عن أبي طيبة (٦) ، عن أبيه قال : أتم على الصلاة يوم دخل الكوفة ، فلما كانت الجمعة وحضرت الصلاة صلى بهم وخطب خطبة.

__________________

(١) أشلاء الانسان : أعضاؤه بعد البلى والتفرق. وقد مثل الخيل في تفرقها للغارة بالأعضاء المتناثرة.

(٢) جانحات : أراد أنها تكسر جوانح هذه السخال. والجوانح : الضلوع القصار التي في مقدم الصدر ، والواحدة جانحة ، يقال جنح البعير : انكسرت جوانحه من الحمل الثقيل. والسخال : جمع سخلة ، وهي ولد الشاة من المعز والضأن ذكرا كان أو أنثى. ويقال أيضا في الخيل ، كما هنا وكما في قول عبد الله بن عنمة :

يطرحن سخل الخيل في كل منزل

تبين منه شقرها وورادها.

انظر المفضلية ( ١١٤ : ٩ طبع المعارف ). وفي الأصل وح : « سحال » محرفة. والمجهضات : التي ألقيت لغير تمام ولما يستبن خلقها. والأسلاء : جمع سلى ، وهو الجلدة الرقيقة التي يكون فيها الولد. وفي البيت إقواء.

(٣) في الأصل : « أو تذره » ، صوابه من ح.

(٤) السماك والعيون والعواء : نجوم في السماء. ح : « ولنيل السماء ».

(٥) ح : « فأعد بالجد والحديد » ، صواب هذه : « فاغد بالجد والحديد ».

(٦) أبو طيبة ، بفتح المهملة بعدها مثناة تحتة ساكنة ثم باء موحدة ، واسمه عبد الله بن مسلم السلمي المروزي ، كان قاضيا بمرو.

٩

نصر : قال أبو عبد الله ، عن سليمان بن المغيرة ، عن علي بن الحسين : خطبة علي بن أبي طالب في الجمعة بالكوفة والمدينة :

« إن الحمد لله ، أحمده (١) وأستعينه وأستهديه ، وأعوذ بالله من الضلالة. من يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، انتجبه (٢) لأمره ، واختصه بالنبوة ، أكرم خلقه وأحبهم إليه ، فبلغ رسالة ربه ، ونصح لأمته ، وأدى الذي عليه. وأوصيكم بتقوى الله ، فإن تقوى الله خير ما تواصي به عباد الله وأقربه لرضوان الله ، وخيره في عواقب الأمور عند الله. وبتقوى الله أمرتم ، وللإحسان والطاعة خلقتم. فاحذروا من الله ما حذركم من نفسه ، فإنه حذر بأسا شديدا. واخشوا الله خشية ليست بتعذير (٣) ، واعملوا في غير رياء ولا سمعة ، فإن من عمل لغير الله وكله الله إلى ما عمل له ، ومن عمل لله مخلصا تولى الله أجره. وأشفقوا من عذاب الله ، فإنه لم يخلقكم عبثا ، ولم يترك شيئا من أمركم سدى ، قد سمى آثاركم ، وعلم أعمالكم ، وكتب آجالكم. فلا تغروا بالدنيا فإنها غرارة بأهلها ، مغرور من اغتر بها ، وإلى فناء ما هي. وإن الآخرة هي دار الحيوان لو كانوا يعلمون. أسأل الله منازل الشهداء ، ومرافقة الأنبياء ، ومعيشة السعداء ، فإنما نحن له وبه ».

ثم إن عليا عليه‌السلام أقام بالكوفة ، واستعمل العمال.

__________________

(١) ح : « الحمد الذي أحمده ».

(٢) في اللسان : « انتجب فلان فلانا ، إذا استخلصه واصطفاه اختيارا على غيره ». ح : « انتخبه ». والانتخاب بالخاء : الاختيار.

(٣) التعذير : التقصير مع إظهار الاجتهاد. وفي الحديث : « جاء بطعام جشيب فكنا نعذر » ، أي نقصر ونظهر أننا مجتهدون.

١٠

نصر ، عن عمر بن سعد قال : حدثنا يحيى بن سعيد ، والصقعب بن زهير عن يوسف وأبي روق ، أن عليا حين قدم من البصرة إلى الكوفة بعث يزيد بن قيس الأرحبي على المدائن وجوخا كلها.

وقال أصحابنا : وبعث مخنف بن سليم على أصبهان وهمدان.

نصر ، عن محمد بن عبيد الله ، عن الحكم ، قال : لما هرب مخنف بالمال قال علي عليه‌السلام : « عذرت القردان فما بال الحلم (١)؟ ».

ثم رجع إلى حديث عمر بن سعد ، قال : وبعث قرظة بن كعب على البهقباذات (٢) ، وبعث قدامه بن مظعون الأزدي على كسكر ، وعدى بن الحارث على مدينة بهرسير وأستانها (٣) ، وبعث أبا حسان البكري على أستان العالي (٤) ، وبعث سعد بن مسعود الثقفي على أستان الزوابي (٥) ،

__________________

(١) القردان : جمع قراد ، بالضم. والحلم جنس منه صغار. قال الميداني : « وهذا قريب من قولهم : « استنت الفصال حتى القرعي ». وفي الأصل : « غددت القردان فما بال الحكم » محرف ، وصواب النص من مجمع الأمثال ( ١ : ٤٤٣ ) ، ولم يذكر نسبته إلى علي.

(٢) هن ثلاث بهقباذات ذكرها ياقوت في معجمه. وبهقباذ ، بالكسر ثم السكون وضم القاف وباء موحدة وألف وذال معجمة. ثلاث كور ببغداد منسوبة إلى قباذ بن فيروز والد أنو شروان. وفي الأصل : « البهقياذات » محرفة.

(٣) بهرسير ، بالفتح ثم الضم وفتح الراء وكسر السين المهملة : من نواحي سواد بغداد. والأستان ، قال العسكري : مثل الرستاق بالضم : السواد والقرى. انظر معجم البلدان ( ١ : ٢٢٣ س ١٢ ) والقاموس ( رزدق ورستق ). والأستان ، بالضم ، كما في القاموس.

(٤) في معجم البلدان : « الأستان العالي » وقال : كورة في غربي بغداد من السواد تشتمل على أربعة طساسيج : وهي الأنبار ، وبادرويا ، وقضربل ، ومسكن.

(٥) الزوابي ، بالزاي المعجمة ، قال ياقوت : « في العراق أربعة أنهر ، نهران فوق بغداد ونهران تحتها ، يقال لكل واحد منها الزاب ». وقال في مادة « الزاب » : « وربما قيل لكن واحد زابي والتثنيه زابيان ... وإذا جمعت قيل لها الزوابي ». وقد تكون : الروابي « ، ففي المعجم : » روابي بني تميم من نواحي الرقة. عن نصر ».

١١

واستعمل ربعي بن كاس على سجستان ـ وكاس أمه يعرف بها ـ وهو من بني تميم. وبعث خليدا إلى خراسان ، فسار خليد حتى إذا دنا من نيسابور بلغه أن أهل خراسان قد كفروا ونزعوا يدهم من الطاعة ، وقدم عليهم عمال كسرى من كابل ، فقاتل أهل نيسابور فهزمهم وحصر أهلها وبعث إلى على بالفتح والسبي ، ثم صمد لبنات كسرى فنزلن على أمان ، فبعث بهن إلى علي عليه‌السلام ، فلما قدمن عليه قال : أزوجكن؟ قلن : لا ، إلا أن تزوجنا ابنيك ، فإنا لا نرى لنا كفوا غيرهما. فقال علي عليه‌السلام : اذهبا حيث شئتما. فقام نرسا فقال : مر لي بهن ، فإنها منك كرامة ، فبيني وبينهن قرابة (١). ففعل فأنزلهن نرسا معه ، وجعل يطعمهن ويسقيهن في الذهب والفضة ، ويكسوهن كسوة الملوك ، ويبسط لهن الديباج.

وبعث علي الأشتر على الموصل ونصيبين ، ودارا ، وسنجار ، وآمد ، وهيت ، وعانات ، وما غلب عليه من تلك الأرضين من أرض الجزيرة.

وبعث معاوية بن أبي سفيان الضحاك بن قيس على ما في سلطانه من أرض الجزيرة ، وكان في يديه حران والرقة والرها وقر قيسيا. وكان من كان بالكوفة والبصرة من العثمانية قد هربوا فنزلوا الجزيرة في سلطان معاوية ، فخرج الأشتر وهو يريد الضحاك بن قيس بحران ، فلما بلغ ذلك الضحاك بعث إلى أهل الرقة فأمدوه ، وكان جل أهلها يومئذ عثمانية ، فجاءوا وعليهم سماك بن مخرمة ، وأقبل الضحاك يستقبل الأشتر ، فالتقى الضحاك وسماك بن مخرمة ، بمرج مرينا بين حران والرقة ، فرحل الأشتر حتى نزل عليهم فاقتتلوا اقتتالا شديدا حتى كان عند المساء ، فرجع الضحاك بمن معه فسار ليلته كلها حتى

__________________

(١) أشار ناسخ الأصل إلى أن في بعض النسخ : « لأن بيني وبينهن قرابة ».

١٢

صبح بحران فدخلها ، وأصبح الأشتر فرأى ما صنعوا فتبعهم حتى نزل عليهم بحران فحصرهم ، وأتى الخبر معاوية فبعث إليهم عبد الرحمن بن خالد في خيل يغيثهم ، فلما بلغ ذلك الأشتر كتب كتائبه ، وعبى جنوده وخيله ، ثم ناداهم الأشتر : ألا إن الحي عزيز ، ألا إن الذمار منيع ، ألا تنزلون أيها الثعالب الرواغة؟ احتجرتم احتجار الضباب. فنادوا : يا عباد الله أقيموا قليلا ، علمتم والله أن قد أتيتم. فمضى الأشتر حتى مر على أهل الرقة فتحرزوا منه ، ثم مضى حتى مر على أهل قرقيسيا فتحرزوا منه ، وبلغ عبد الرحمن بن خالد انصراف الأشتر فانصرف. فلما كان بعد ذلك عاتب أيمن بن خريم الأسدي معاوية ، وذكر بلاء قومه بني أسد [ في مرج (١) ] مرينا. وفي ذلك يقول :

أبلغ أمير المؤمنين رسالة

من عاتبين مساعر أنجاد

منيتهم ، أن آثروك ، مثوبة

فرشدت إذ لم توف بالميعاد

أنسيت إذ في كل عام غارة

في كل ناحية كرجل جراد (٢)

غارات أشتر في الخيول يريدكم

بمعرة ومضرة وفساد

وضع المسالح مرصدا لهلاككم

ما بين عانات إلى زيداد (٣)

وحوى رساتيق الجزيرة كلها

غصبا بكل طمرة وجواد

لما رأى نيران قومي أوقدت

وأبو أنيس فاتر الإيقاد

أمضى إلينا خيله ورجاله

وأغذ لا يجرى لأمر رشاد

__________________

(١) الكلمتان ساقطتان من الأصل.

(٢) الرجل ، بالكسر : الجراد الكثير ، وجمعه أرجال.

(٣) زيداد ، لم أجد لها ذكرا في كتب البلدان ، ولعلها « سنداد ».

١٣

ثرنا إليهم عند ذلك بالقنا

وبكل أبيض كالعقيقة صاد (١)

في مرج مرينا (٢) ألم تسمع بنا

نبغي الإمام به وفيه نعادي

لو لا مقام عشيرتي وطعانهم

وجلادهم بالمرج أي جلاد

لأتاك أشتر مذحج لا ينثني

بالجيش ذا حنق عليك وآد (٣)

نصر : عبد الله بن كردم بن مرثد ، قال : لما قدم علي عليه‌السلام حشر أهل السواد ، فلما اجتمعوا أذن لهم ، فلما رأى كثرتهم قال : إني لا أطيق كلامكم ، ولا أفقه عنكم ، فأسندوا أمركم إلى أرضاكم في أنفسكم ، وأعمه نصيحة لكم. قالوا : نرسا ، ما رضى فقد رضيناه ، وما سخط فقد سخطناه. فتقدم فجلس إليه فقال : أخبرني عن ملوك فارس كم كانوا؟ قال : كانت ملوكهم في هذه المملكة الآخرة اثنين وثلاثين ملكا (٤). قال : فكيف كانت سيرتهم؟ قال : ما زالت سيرتهم في عظم أمرهم واحدة (٥) ، حتى ملكنا كسرى بن هرمز ، فاستأثر بالمال والأعمال ، وخالف أولينا ، وأخرب الذي للناس ، وعمر الذي له ، واستخف بالناس ، فأوغر نفوس فارس ، حتى ثاروا عليه فقتلوه ، فأرملت نساؤه ويتم أولاده. فقال : يا نرسا ، إن الله عز وجل خلق الخلق بالحق ، ولا يرضى من أحد إلا بالحق ، وفي سلطان الله

__________________

(١) العقيقة : البرق إذا رأيته في وسط السحاب كأنه سيف مسلول.

(٢) شدد راء « مرينا » للشعر ، وأصلها التخفيف كما في القاموس. ومرينا : فوم من أهل الحيرة من العباد. قال الجواليقي : « وليس مرينا بكلمة عربية ». وأنشد لامرئ القيس :

فلو في يوم معركة أصيبوا

ولكن في ديار بني مرينا

(٣) الآد والأيد : القوة

(٤) جعلهم المسعودي في التنبيه والإشراف ٨٧ ـ ٩٠ ثلاثين ملكا. وهم الساسانيون.

(٥) عظم الأمر بالضم والفتح : معظمه.

١٤

تذكرة مما خول الله ، وإنها لا تقوم مملكة إلا بتدبير ، ولا بد من إمارة ، ولا يزال أمرنا متماسكا ما لم يشتم آخرنا أولنا ، فإذا خالف آخرنا أولنا وأفسدوا ، هلكوا وأهلكوا.

ثم أمر عليهم أمراءهم. ثم إن عليا عليه‌السلام بعث إلى العمال في الآفاق ، وكان أهم الوجوه إليه الشام.

نصر ، عن محمد بن عبيد الله القرشي ، عن الجرجاني قال : لما بويع علي وكتب إلى العمال في الآفاق كتب إلى جرير بن عبد الله البجلي ، وكان جرير عاملا لعثمان على ثغر همدان (١) ، فكتب إليه مع زحر بن قيس الجعفي (٢) :

« أما بعد فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال. وإني أخبرك عن نبأ (٣) من سرنا إليه من جموع طلحة والزبير ، عند نكثهم بيعتهم (٤) ، وما صنعوا بعاملي عثمان بن حنيف (٥). إني هبطت من المدينة بالمهاجرين والأنصار ، حتى إذا كنت بالعذيب بعثت إلى أهل الكوفة بالحسن بن علي ، وعبد الله بن عباس ، وعمار بن ياسر ، وقيس بن سعد بن عبادة ، فاستنفروهم

__________________

(١) همدان ، كذا وردت في الأصل وفي ح ( ١ : ٢٤٦ ). وهما لغتان في همذان. ولغة الإهمال هي الفارسية ، وبالإعجام معربة. انظر معجم استينجاس ١٥٠٩.

(٢) زحر ، بفتح الزاي وسكون الحاء المهملة. وهو زحر بن قيس الكوفي الجعفي ، أحد أصحاب علي بن أبي طالب ، أنزله المدائن في جماعة جعلهم هناك رابطة ، روي عنه عامر الشعبي ، وحصين بن عبد الرحمن. انظر تاريخ بغداد ٤٦٠٥. ح : « زجر » محرف.

(٣) ح : « عن أنباء ».

(٤) ح : « بيعتي ».

(٥) حنيف ، بهيئة التصغير. وعثمان بن حنيف صحابي أنصاري ، شهد أحدا ، وكان علي استعمله على البصرة قبل أن يقدم عليها فغلبه عليها طلحة والزبير. ومات في خلافة معاوية. الاصابة ٥٤٢٧.

١٥

فأجابوا ، فسرت بهم حتى نزلت بظهر البصرة فأعذرت في الدعاء ، وأقلت العثرة ، وناشدتهم عقد بيعتهم (١) فأبوا إلا قتالي ، فاستعنت بالله عليهم ، فقتل من قتل وولوا مدبرين إلى مصرهم ، فسألوني ما كنت دعوتهم إليه قبل اللقاء ، فقبلت العافية ، ورفعت السيف ، واستعملت عليهم عبد الله بن عباس ، وسرت إلى الكوفة. وقد بعثت إليكم زحر (٢) بن قيس ، فاسأل (٣) عما بدا لك».

قال : فلما قرأ جرير الكتاب قام فقال : أيها الناس ، هذا كتاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وهو المأمون على الدين والدنيا ، وقد كان من أمره وأمر عدوه ما نحمد الله عليه. وقد بايعه السابقون الأولون (٤) من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان. ولو جعل هذا الأمر شورى بين المسلمين كان أحقهم بها. ألا وإن البقاء في الجماعة ، والفناء في الفرقة. وعلى (٥) حاملكم على الحق ما استقمتم ، فإن ملتم أقام ميلكم.

فقال الناس : سمعا وطاعة ، رضينا رضينا. فأجاب جرير وكتب جواب كتابه بالطاعة. وكان مع علي رجل من طيئ ، ابن أخت لجرير ، فحمل زحر بن قيس شعرا له إلى خاله جرير ، وهو :

جرير بن عبد الله لا تردد الهدى

وبايع علينا إنني لك ناصح

فإن عليا خير من وطئ الحصى

سوى أحمد والموت غاد ورائح

__________________

(١) ح :«عهد بيعتهم».

(٢) في الأصل وح :«زجر»بالجيم ، محرفة.

(٣) في ح : « فاسأله » ، وفي الإمامة والسياسة ( ١ : ٧٨ ) : « فاسأله عنا وعنهم ».

(٤) ح : « الناس الأولون ».

(٥) ح : « وإن عليا ».

١٦

ودع عنك قول الناكثين فإنما

اك ، أبا عمرو ، كلاب نوابح

وبايعه إن بايعته بنصيحة

ولا يك معها في ضميرك قادح (١)

فإنك إن تطلب به الدين تعطه

وإن تطلب الدنيا فبيعك رابح

وإن قلت عثمان بن عفان حقه

على عظيم والشكور مناصح

فحق على إذ وليك كحقه ،

وشكرك ما أوليت في الناس صالح (٢)

وإن قلت لا نرضى عليا إمامنا

فدع عنك بحرا ضل فيه السوائح

أبى الله إلا أنه خير دهره

وأفضل من ضمت عليه الأباطح

ثم قام زحر بن قيس خطيبا (٣) ، فكان مما حفظ من كلامه أن قال : « الحمد لله الذي اختار الحمد لنفسه وتولاه دون خلقه ، لا شريك له في الحمد ، ولا نظير له في المجد ، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له ، القائم الدائم ، إله السماء والأرض ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالنور الواضح (٤) والحق الناطق ، داعيا إلى الخير ، وقائدا إلى الهدى ». ثم قال : « أيها الناس ، إن عليا قد كتب إليكم كتابا لا يقال بعده إلا رجيع من القول ، ولكن لا بد من رد الكلام. إن الناس بايعوا عليا بالمدينة من غير محاباة له بيعتهم ؛

__________________

(١) القادح ، بالتاف : أصله الاكل يقع في الشجر والأسنان ، والمراد به الغش والدخل. وفي اللسان : « قدح في ساق أخيه : غشه وعمل في شيء يكرهه ». وفي الأصل : « فادح » بالفاء ، وهو الحمل الثقيل والنازلة تنزل بالمرء. والوجه ما أثبت من ح.

(٢) وليه ، كرضيه : صار وليا له. وسكن الياء للشعر.

(٣) كذا في الأصل. وفي ح : « قال نصر : ثم إن جرير قام في أهل همدان خطيبا ». وعقب ابن أبي الحديد على هذه الخطبة والشعر الذي بعدها بقوله : « قال نصر : فسر الناس بخطبة جرير وشعره ». انظر ح ( ١ : ٢٤٧ ). وقد مضت خطبة لجرير في الصفحة السابقة فيصح ما هنا إن كان قد أشار إلى تلك الخطبة.

(٤) في الأصل : « بالحق الواضح » وأثبت ما في ح.

١٧

لعلمه بكتاب الله وسنن الحق ، وإن طلحة والزبير نقضا بيعته علي غير حدث ، وألبا عليه الناس ، ثم لم يرضيا حتى نصبا له الحرب ، وأخرجا أم المؤمنين ، فلقيهما فأعذر في الدعاء ، وأحسن في البقية ، وحمل الناس على ما يعرفون. هذا عيان ما غاب عنكم. ولئن سألتم الزيادة زدناكم ، ولا قوة إلا بالله ».

وقال جرير في ذلك :

أتانا كتاب علي فلم

نرد الكتاب ، بأرض العجم

ولم نعص ما فيه لما أتى

ولما نذم (١) ولما نلم

نحن ولاة على ثغرها

نضيم العزيز ونحمي الذمم

نساقيهم الموت عند اللقاء

بكأس المنايا ونشفي القرم

طحناهم طحنة بالقنا

وضرب سيوف تطير اللمم

مضينا يقينا على ديننا

ودين النبي مجلى الظلم

أمين الإله وبرهانه

وعدل البرية والمعتصم

رسول المليك ، ومن بعده

خليفتنا القائم المدعم

عليا عنيت وصي النبي

نجالد عنه غواة الأمم

له الفضل والسبق والمكرمات

وبيت النبوة لا يهتضم (٢)

وقال رجل (٣) :

لعمر أبيك والأنباء تنمى

لقد جلى بخطبته جرير

__________________

(١) في الأصل : « ولما نضام » ، صوابه من ح.

(٢) بعد هذا في ح ، كما سبق : « قال نصر : فسر الناس بخطبة جرير وشعره ».

(٣) ح : « وقال ابن الازور القسري في جرير يمدحه بذلك ».

١٨

وقال مقالة جدعت رجالا

من الحيين خطبهم كبير

بدا بك قبل أمته على

ومخك إن رددت الحق رير (١)

أتاك بأمره زحر بن قيس

وزحر بالتي حدثت خبير

فكنت بما أتاك به سميعا

وكدت إليه من فرح تطير

فأنت بما سعدت به ولي

وأنت لما تعد له نصير (٢)

ونعم المرء أنت له وزير

ونعم المرء أنت له أمير

فأحرزت الثواب ، ورب حاد

حدا بالركب ليس له بعير

ليَهنِكَ ما سَبقْتَ به رجالاً

من العلياء والفضل الكبير (٣)

وقال النهدي في ذلك :

أتانا بالنبا زحر بن قيس

عظيم الخطب من جعف بن سعد (٤)

تخيره أبو حسن علي

ولم يك زنده فيها بصلد

رمى أعراض حاجته بقول

أخوذ للقلوب بلا تعد

فسر الحي من يمن وأرضى

ذوي العلياء من سلفى معد (٥)

__________________

(١) مخ رير : ذائب فاسد من الهزال. يقال مخ رار ، ورير بالكسر ، ورير بالفتح. وفي الأصل : « يزير » وفي ح : « وتفخر إن رددت الحق زير » كلاهما محرف ، والصواب ما أثبت.

(٢) في الأصل : « بصير » بالباء ، صوابه من ح.

(٣) تقرأ بالرفع عطفا على : « ما سبقت » ، وبالجر عطفا على « العلياء » ، وفي القراءة الأخيرة إقواء.

(٤) جعف ، أراد « جعفي » وحقها أن تنتهي في الرسم بالياء ، لكن كذا وردت في الأصل وح. وجعفي ، بتشديد الياء ، هم بنو سعد العشيرة بن مذحج ، حي من اليمن.

(٥) يعني ربيعة ومضر ابني نزار بن عدنان.

١٩

ولم يك قبله فينا خطيب

مضى قبلى ولا أرجوه بعدي

متى يشهد فنحن به كثير

وإن غاب ابن قيس غاب جدي (١)

وليس بموحشي أمر إذا ما

دنا مني وإن أفردت وحدي

له دنيا يعاش بها ودين

وفي الهيجا كذي شبلين ورد

قال : ثم أقبل جرير سائرا من ثغر همدان (٢) حتى ورد على علي عليه‌السلام بالكوفة ، فبايعه ودخل فيما دخل فيه الناس ، من طاعة علي ، واللزوم لأمره.

ثم بعث إلى الأشعث بن قيس الكندي.

نصر : محمد بن عبيد الله ، عن الجرجاني قال : لما بويع علي وكتب إلى العمال ، كتب إلى الأشعث بن قيس مع زياد بن مرحب الهمداني ، والأشعث على أذربيجان عامل لعثمان ، وقد كان عمرو بن عثمان تزوج ابنة الأشعث بن قيس قبل ذلك ، فكتب إليه علي :

« أما بعد ، فلولا هنات كن فيك كنت المقدم في هذا الأمر قبل الناس ، ولعل أمرك يحمل بعضه بعضا إن اتقيت الله ثم إنه كان من بيعة الناس إياي ما قد بلغك ، وكان طلحة والزبير ممن بايعاني ثم نقضا بيعتي على غير حدث وأخرجا أم المؤمنين وسارا إلى البصرة ، فسرت إليهما فالتقينا ، فدعوتهم إلى أن يرجعوا فيما خرجوا منه فأبوا ، فأبلغت في الدعاء وأحسنت في البقية. وإن عملك ليس لك بطعمة ، ولكنه أمانة. وفي يديك

__________________

(١) الجد ، ها هنا : الحظ.

(٢) كذا وردت بإهمال الدال ، كما هو أصلها الفارسي. انظر التنبيه ١ ص ١٥.

٢٠