تذكرة الفقهاء - ج ٣

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]

تذكرة الفقهاء - ج ٣

المؤلف:

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الطبعة: ١
ISBN: 964-5503-36-1
الصفحات: ٣٨٦

ب ـ يستحب الجلوس متوركا كما تقدم‌ ، وقال الشافعي : يجلس مفترشا كما بين السجدتين (١) لأن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثنّى رجليه وقعد واعتدل حتى يرجع كل عضو إلى موضعه (٢). وأحمد وافقنا (٣) ليفرّق بينه وبين الجلوس بين السجدتين فيأمن الشك ، هل جلس عن الأولى ، أو الثانية؟.

ج ـ قالت الشافعية : إن قلنا بالجلوس أنهى التكبير حالة الجلوس ، ويقوم بغير تكبير ، وإن قلنا لا يجلس أنهاه مع انتهاء الرفع وذلك عند ابتداء القيام. وقال بعضهم : يتم التكبير عند انتهاء القيام فيمدّه (٤). وقد بينا أنه يكبر عند انتهاء الجلوس.

مسألة ٢٧٢ : يستحب الاعتماد على يديه‌ سابقا برفع ركبتيه عند القيام من السجدة الثانية ، أو من جلسة الاستراحة عند علمائنا أجمع ـ وبه قال ابن عمر ، وعمر بن عبد العزيز ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق (٥) ـ لأن مالك بن الحويرث لما وصف صلاة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : فلمّا رفع رأسه من السجدة الأخيرة في الركعة الاولى واستوى قاعدا ، قام واعتمد على الأرض بيديه (٦).

ومن طريق الخاصة قول محمد بن مسلم : رأيت الصادق عليه‌السلام

__________________

(١) المجموع ٣ : ٤٤٢ ، الوجيز ١ : ٤٤ ، كفاية الأخيار ١ : ٧٤ ، المغني ١ : ٦٠٣.

(٢) سنن الدارمي ١ : ٣١٤ ، سنن البيهقي ٢ : ١٢٣.

(٣) المغني ١ : ٦٠٢ ، الشرح الكبير ١ : ٦٠٥.

(٤) المجموع ٣ : ٤٤١ و ٤٤٢ ، فتح العزيز ٣ : ٤٨٩.

(٥) الام ١ : ١١٧ ، المجموع ٣ : ٤٤٤ ، السراج الوهاج : ٥١ ، المهذب للشيرازي ١ : ٨٦ ، المنتقى للباجي ١ : ١٦٦ ، المغني ١ : ٦٠٣ ، الشرح الكبير ١ : ٦٠٣ ، المحرر في الفقه ١ : ٦٤ ، الجوهر النقي ٢ : ١٢٥.

(٦) سنن النسائي ٢ : ٢٣٤ ، صحيح البخاري ١ : ٢٠٩ ، سنن البيهقي ٢ : ١٢٤.

٢٠١

إذا سجد وأراد القيام ، رفع ركبتيه قبل يديه (١) ، ولأنه أشبه بالتواضع وأعون للمصلي.

وقال أبو حنيفة ، والثوري : لا يعتمد على يديه بل يرفعهما أولا ويقوم على صدور قدميه معتمدا على ركبتيه. وهو رواية عن أحمد ، ورواه الجمهور عن علي عليه‌السلام ، وابن مسعود (٢) لقول أبي هريرة : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ينهض من الصلاة معتمدا على صدور قدميه (٣) ، وخبرنا زائد والزائد أولى.

مسألة ٢٧٣ : يكره الإقعاء بين السجدتين ، وهو أن يعتمد بصدور قدميه على الأرض‌ ويجلس على عقبيه ، وقال بعض أهل اللغة : هو أن يجلس على ألييه ناصبا فخذيه مثل إقعاء الكلب (٤). وتفسير الفقهاء أولى لأن البحث على تقديره.

وبالكراهة قال علي عليه‌السلام ، وأبو هريرة ، ومالك ، وقتادة ، والشافعي ، وأحمد ، وأصحاب الرأي ، وعليه العمل عند أكثر أهل العلم (٥) ـ وفعله ابن عمرو قال : لا تفتدوا بي فإني قد كبرت (٦) ـ لأن عليا عليه‌السلام

__________________

(١) التهذيب ٢ : ٧٨ ـ ٢٩١.

(٢) شرح فتح القدير ١ : ٢٦٨ ، الهداية للمرغيناني ١ : ٥١ ، شرح العناية ١ : ٢٦٨ ، عمدة القارئ ٦ : ٩٩ ، اللباب ١ : ٧١ ، المغني ١ : ٦٠٣ ، الشرح الكبير ١ : ٦٠٣ ، سنن البيهقي ٢ : ١٢٥ ، المجموع ٣ : ٤٤٤.

(٣) سنن البيهقي ٢ : ١٢٤.

(٤) الصحاح ٦ : ٢٤٦٥ ، مجمع البحرين ١ : ٣٤٨.

(٥) المجموع ٣ : ٤٣٩ ، المهذب للشيرازي ١ : ٨٤ ، مغني المحتاج ١ : ١٥٤ ، السراج الوهاج : ٤٢ ، المدونة الكبرى ١ : ٧٣ ، المنتقى للباجي ١ : ١٦٦ ، بداية المجتهد ١ : ١٣٩ ـ ١٤٠ ، المغني ١ : ٥٩٩ ، الانصاف ٢ : ٩١ ، المبسوط للسرخسي ١ : ٢٦.

(٦) سنن البيهقي ٢ : ١٢٤.

٢٠٢

قال : « قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( لا تقع بين السجدتين ) » (١).

ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه‌السلام : « لا تقع بين السجدتين » (٢) والنهي للكراهة لا التحريم ، لقول الصادق عليه‌السلام : « لا بأس بالإقعاء في الصلاة بين السجدتين » (٣).

وللشافعي قول آخر باستحبابه (٤) لأنّ طاوسا قال لابن عباس في الإقعاء على القدمين فقال : هي السنّة (٥). قال طاوس : رأيت العبادلة ـ ابن عمر ، وابن الزبير ، وابن العباس ـ يقعون بين السجدتين (٦).

والأصح الأول ؛ لأنّ أبا حميد الساعدي لمّا وصف جلوسه عليه‌السلام في ( عشرة ) (٧) من الصحابة قال : ثم ثنى رجله اليسرى فقعد عليها ثم هوى ساجدا ، فصدقه كلهم (٨).

مسألة ٢٧٤ : يستحب له رفع اليدين بالتكبير عند القيام من السجود ، وبالجملة عند كل تكبير ، وبه قال ابن المنذر (٩) ، قال : وهذا باب ( أغفله ) (١٠) كثير من أصحابنا قد ثبت فيه حديث أبي حميد‌

__________________

(١) سنن الترمذي ٢ : ٧٢ ـ ٢٨٢ ، سنن ابن ماجة ١ : ٢٨٩ ـ ٨٩٤ ، سنن البيهقي ٢ : ١٢٠.

(٢) الكافي ٣ : ٣٣٦ ـ ٣ ، التهذيب ٢ : ٣٠١ ـ ١٢١٣ ، الاستبصار ١ : ٣٢٧ ـ ١٢٢٥.

(٣) التهذيب ٢ : ٣٠١ ـ ١٢١٢ ، الاستبصار ١ : ٣٢٧ ـ ١٢٢٦.

(٤) المجموع ٣ : ٤٣٨ ـ ٤٣٩ ، مغني المحتاج ١ : ١٥٤.

(٥) صحيح مسلم ١ : ٣٨٠ ـ ٣٨١ ـ ٥٣٦ ، سنن الترمذي ٢ : ٧٣ ـ ٢٨٣ ، سنن أبي داود ١ : ٢٢٣ ـ ٨٤٥.

(٦) المجموع ٣ : ٤٣٨ ، المغني ١ : ٥٩٩.

(٧) في نسخة ( ش ) : غيره.

(٨) سنن الترمذي ٢ : ١٠٥ ـ ١٠٧ ـ ٣٠٤ ، سنن الدارمي ١ : ٣١٣ ـ ٣١٤ ، مسند أحمد ٥ : ٤٢٤ ، سنن البيهقي ٢ : ١١٨.

(٩) المجموع ٣ : ٤٤٦ ، المهذب للشيرازي ١ : ٨٤ ـ ٨٥.

(١٠) وفي نسخة ( م ) : أغلقه.

٢٠٣

الساعدي (١) ، وروي في حديث علي عليه‌السلام أيضا (٢) ، ولأنه ابتداء ركعة فكان بمنزلة تكبيرة الافتتاح.

وقال الشافعي : لا يستحب الرفع (٣) ، لأن ابن عمر قال : رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه ، وإذا أراد أن يركع ، وبعد ما رفع ، ولا يرفع بين السجدتين (٤) ، ولأنها تكبيرة يتصل طرفها بسجود أو قعود فلا يرفع يديه فيها كتكبيرة السجود من القيام. ولا تقبل رواية النفي مع الإثبات ، والحكم في الأصل ممنوع.

مسألة ٢٧٥ : قد بينا وجوب وضع الجبهة على الأرض ، فإن كان عليها دمل حفر حفيرة ليقع الدمل فيها ، والصحيح على الأرض لأن مصادفا قال : خرج بي دمل فكنت أسجد على جانب ، فرآني الصادق عليه‌السلام فقال : « ما هذا؟ » فقلت : لا استطيع أن أسجد لمكان الدمل. فقال : « احفر حفيرة واجعل الدمل في الحفيرة حتى تقع جبهتك على الأرض » (٥).

فإن كانت مستوعبة سجد على أحد اللحيين ؛ لأنه أشبه بالسجود على الجبهة من الإيماء ، والإيماء سجود مع تعذر الجبهة فالجبين أولى.

فإن تعذّر سجد على ذقنه وهو مجمع اللحيين ؛ لقوله تعالى ( يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً ) (٦) وإذا صدق عليه اسم السجود وجب أن يكون مجزئا ، وقد سئل الصادق عليه‌السلام عمّن بجبهته علّة لا يقدر على السجود عليها ،

__________________

(١) سنن الترمذي ٢ : ١٠٥ ـ ١٠٧ ـ ٣٠٤ ، سنن أبي داود ١ : ١٩٤ ـ ٧٣٠ ، مسند أحمد ٥ : ٤٢٤.

(٢) سنن أبي داود ١ : ١٩٨ ـ ٧٤٤.

(٣) المجموع ٣ : ٤٤٦ ، المهذب للشيرازي ١ : ٨٤.

(٤) سنن البيهقي ٢ : ٢٣.

(٥) الكافي ٣ : ٣٣٣ ـ ٥ ، التهذيب ٢ : ٨٦ ـ ٣١٧.

(٦) الاسراء : ١٠٧.

٢٠٤

فقال : « يضع ذقنه على الأرض ، إن الله سبحانه يقول ( يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً ) (١) » (٢) فإن تعذّر أومأ.

مسألة ٢٧٦ : لو عجز عن التنكيس ـ وهو الانحناء إلى أن تستعلي الأسافل ـ لمرض ، وجب وضع وسادة ليضع الجبهة عليها‌ أو رفع ما يسجد عليه عند علمائنا ـ وبه قال أحمد (٣) ـ لأن السجود فرض فيجب أن يؤدّى على القدر الممكن ، ولأنه أشبه بالسجود من الإيماء ، وقول الصادق عليه‌السلام : « وإن كان له من يرفع الخمرة إليه فليسجد » (٤) ، ولأن على الساجد هيئة التنكس ووضع الجبهة فلا يسقط الثاني بتعذر الأول.

وقال أبو حنيفة : لا يجب (٥). وللشافعي قولان : أحدهما : وجوبه ، والآخر : وجوب الهوي بقدر الإمكان لأن هيئة السجود فاتته ، وإن وضع الجبهة فيكتفي بالانحناء المقدور عليه (٦) ، ولو تعذر رفع شي‌ء أجزأه الإيماء إجماعا ، ولو عجز عن الطمأنينة سقطت.

مسألة ٢٧٧ : يجب أن لا يقصد بهويّه غير السجود‌ ، فلو سقط لا للسجود لم يجزئه ، والأقرب بطلان الصلاة لوجود ما ينافيها ، ولأنه تغيير لهيئة الصلاة ، ولو أراد السجود فسقط من غير قصد أجزأته إرادته السابقة ، إذ لا يجب في كل فعل تجديد قصد مقارن على التفصيل ، ولو لم تسبق منه نيّة السجود ففي الإجزاء إشكال أقربه ذلك ، لأنه لم يخرج بذلك عن هيئة الصلاة ونيّتها.

__________________

(١) الاسراء : ١٠٧.

(٢) الكافي ٣ : ٣٣٤ ـ ٦ ، التهذيب ٢ : ٨٦ ـ ٣١٨.

(٣) المغني ١ : ٥٩١ ، الشرح الكبير ١ : ٥٩٢.

(٤) الفقيه ١ : ٢٣٨ ـ ١٠٥٢ ، التهذيب ٣ : ٣٠٧ ـ ٩٥١.

(٥) بدائع الصنائع ١ : ١٠٥.

(٦) المجموع ٣ : ٤٣٦ ، الوجيز ١ : ٤٤ ، فتح العزيز ٣ : ٤٦٧ ـ ٤٦٨ ، كفاية الأخيار ١ : ٦٨.

٢٠٥

ولو هوى ليسجد فسقط على بعض جسده ثم انقلب على وجهه فماست جبهته الأرض ، قال الشافعي : لا يعتد بهذا السجود لأنه لم يرده بانقلابه وإنما أراد انقلابه فقطع بذلك نية السجود كما لو نوى الطهارة ثم نوى بغسل بعض الأعضاء التبرد ، وقطع بذلك نيّة الطهارة (١).

ولو انقلب يريده أجزأه فلو سجد فعرض له ألم ألقاه على جنبه ثم عاد للسجود ، فإن تطاول انقلابه لم يجزئه ، وإلاّ أجزأه لبقائه على النيّة.

مسألة ٢٧٨ : ويجب الاعتماد على موضع السجود‌ فلا يتحامل عنه بثقل رأسه وعنقه ، ولو كان يسجد على قطن ، أو حشيش ثقّل عليه حتى ينكبس وتمكن جبهته عليه. ويجب أن يجافي بطنه عن الأرض فلو أكب على وجهه ومدّ يديه ورجليه ووضع جبهته على الأرض منبطحا لم يجزئه ؛ لأن ذلك لا يسمّى سجودا. ولو كان به مرض ولا يتمكن من السجود إلاّ على هذا الوجه أجزأه. وهل يجب أن يلقى الأرض ببطون راحتيه ، أو يجزئه إلقاء زنديه؟ ظاهر كلام الأصحاب الأول ، وكلام المرتضى (٢) الثاني.

ولو ضم أصابعه إلى كفه ، وسجد عليها ، ففي الإجزاء إشكال أقربه المنع ؛ لأنه عليه‌السلام جعل يديه مبسوطتين حالة السجود (٣). ولو قلب يديه وسجد على ظهر راحتيه لم يجزئه ـ وبه قال الشافعي (٤) ـ لأنّه مناف لفعله عليه‌السلام.

ويستحب أن يفرج بين رجليه في السجود ؛ لأنه عليه‌السلام صلّى‌

__________________

(١) الام ١ : ١١٤ ، المجموع ٣ : ٤٣٤ ـ ٤٣٥ ، فتح العزيز ٣ : ٤٧١ ، مغني المحتاج ١ : ١٦٩.

(٢) جمل العلم والعمل ( ضمن رسائل الشريف المرتضى ) ٣ : ٣٢.

(٣) سنن البيهقي ٢ : ١١٣.

(٤) الام ١ : ١١٤ ، المجموع ٣ : ٤٢٩ ، كفاية الأخيار ١ : ٦٨.

٢٠٦

كذلك (١) ـ وبه قال الشافعي (٢) ـ وهل يجزئه وضع الأصابع دون الكف وبالعكس؟ الأقرب ذلك ، وبه قال الشافعي (٣).

مسألة ٢٧٩ : المريض الذي يصلي مضطجعا يومئ برأسه بالركوع والسجود‌ ، ويجعل إشارته بالسجود أخفض من إشارته بالركوع ، فإن عجز عن الإشارة بالرأس أومأ بطرفه ، فإن عجز عن ذلك تفكّر بقلبه.

ولا يسقط فرض الصلاة ما دام عقله تاما (٤) ـ وبه قال الشافعي (٥) ـ للعموم (٦) ، ولما رووه عن علي عليه‌السلام : « فإن لم يستطع صلّى مستلقيا على قفاه ورجلاه إلى القبلة وأومى بطرفه » (٧).

وقال أبو حنيفة : إذا عجز عن الإشارة بالرأس سقط عنه فرض الصلاة (٨). وقد تقدم.

خاتمة : السجدات الخارجة عن الصلاة ثلاث :

الأولى : سجدة التلاوة وهي في خمسة عشر موضعا : في الأعراف ، والرعد ، والنحل ، وبني إسرائيل ، ومريم ، والحج في موضعين ،

__________________

(١) مصنف ابن أبي شيبة ١ : ٢٥٧ ، سنن البيهقي ٢ : ١١٥.

(٢) مختصر المزني : ١٤ ، المجموع ٣ : ٤٣١ ، المهذب للشيرازي ١ : ٨٣ ، مغني المحتاج ١ : ١٧٠.

(٣) الام ١ : ١١٤ ، المجموع ٣ : ٤٢٩.

(٤) في نسخة ( م ) : ثابتا.

(٥) فتح العزيز ٣ : ٢٩١ ، الوجيز ١ : ٤١ ـ ٤٢ ، كفاية الأخيار ١ : ٦٨ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٠٨ ، الميزان ١ : ١٣٨.

(٦) انظر الآية ١١٤ من سورة هود.

(٧) سنن الدارقطني ٢ : ٤٢ ـ ١ ، سنن البيهقي ٢ : ٣٠٧.

(٨) المبسوط للسرخسي ١ : ٢١٦ ـ ٢١٧ ، بدائع الصنائع ١ : ١٠٧ ، فتح العزيز ٣ : ٢٩١ ، الوجيز ١ : ٤٢ ، المغني ١ : ٨١٨ ، الميزان ١ : ١٣٨.

٢٠٧

والفرقان ، والنمل ، والم تنزيل وهي سجدة لقمان ، وص ، وحم السجدة ، والنجم ، والانشقاق ، واقرأ باسم ربّك ، ثلاث منها في المفصل وهي النجم ، والانشقاق ، واقرأ عند علمائنا ، لأن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : أقرأني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خمس عشرة سجدة ثلاث في المفصل ، وسجدتان في الحج (١).

والخلاف مع الجمهور في المفصّل (٢) ، والثانية في الحج ، و « ص » ، فأما المفصّل فقال الشافعي في القديم : ليس فيه سجود ـ وبه قال مالك في المشهور عنه (٣) ـ لان ابن عباس روى أن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يسجد في شي‌ء من المفصل منذ تحول إلى المدينة (٤).

وقال في الجديد : فيه سجود ـ وبه قال أبو حنيفة ، وأحمد ، وإسحاق (٥) ـ كما قلناه نحن ، لأن أبا رافع صلّى خلف أبي هريرة العتمة فقرأ إذا السماء انشقت وسجد ، فقلت : ما هذه السجدة؟ فقال : سجدت‌

__________________

(١) سنن أبي داود ٢ : ٥٨ ـ ١٤٠١ ، سنن ابن ماجة ١ : ٣٣٥ ـ ١٠٥٧ ، سنن الدارقطني ١ : ٤٠٨ ـ ٨ ، مستدرك الحاكم ١ : ٢٢٣ ، وفيها : عبد الله بن منين عن عمرو بن العاص. فلاحظ.

(٢) قيل : سمي به لكثرة ما يقع فيه من فصول التسمية بين السور ، وقيل : لقصر سوره. واختلف في أوله فقيل : من سورة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقيل : من سورة ق وقيل : غير ذلك. أنظر مجمع البحرين ٥ : ٤٤١ ومفردات ألفاظ القرآن للراغب : ٣٨١ « فصل ».

(٣) مختصر المزني : ١٦ ، المجموع ٤ : ٦٠ و ٦٢ ، فتح العزيز ٤ : ١٨٥ ، الميزان ١ : ١٦٥ ، المهذب للشيرازي ١ : ٩٢ ، بلغة السالك ١ : ١٥٠ ، الشرح الصغير ١ : ١٥٠ ، المنتقى للباجي ١ : ٣٤٩ و ٣٥١ ، بداية المجتهد ١ : ٢٢٣ ، الموطأ ١ : ٢٠٧ ، المغني ١ : ٦٨٣ ، الشرح الكبير ١ : ٨٢٠ ، بدائع الصنائع ١ : ١٩٣.

(٤) سنن أبي داود ٢ : ٥٨ ـ ١٤٠٣.

(٥) الام ١ : ١٣٧ و ١٣٨ ، مختصر المزني : ١٦ ، المجموع ٤ : ٦٢ ، المهذب للشيرازي ١ : ٩٢ ، الميزان ١ : ١٦٥ ، بدائع الصنائع ١ : ١٩٣ ، اللباب ١ : ١٠٢ ، الحجة على أهل المدينة ١ : ١٠٩ ، المغني ١ : ٦٨٣ ، الشرح الكبير ١ : ٨٢٠ ، المنتقى للباجي ١ : ٣٤٩ ، بداية المجتهد ١ : ٢٢٣ ، سبل السلام ١ : ٣٥٣.

٢٠٨

فيها خلف أبي القاسم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا أزال أسجدها حتى ألقاه (١). وأبو هريرة متأخر أسلم بالمدينة (٢) ، وهو مثبت فيقدم على النافي.

وقال أبو ثور : ليس في النجم خاصة سجدة (٣). ويدفعه حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (٤).

وأما الحج فقال الشافعي كقولنا بالسجدتين فيها ـ وبه قال أحمد وإسحاق ، وأبو ثور (٥) ـ لأن عقبة بن عامر قال : قلت لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : في سورة الحج سجدتان؟ فقال : ( نعم من لم يسجدهما فلا يقرأهما ) (٦) وسجدهما علي عليه‌السلام ، وعمر ، وابن عباس ، وأبو الدرداء ، وأبو موسى الأشعري ، وابن عمر (٧). قال أبو إسحاق : أدركت الناس منذ سبعين سنة يسجدون في الحج سجدتين (٨) ، وهذا إجماع.

وقال أبو حنيفة ، ومالك : الثانية ليست سجدة ؛ لأنه جمع فيها بين‌

__________________

(١) صحيح البخاري ٢ : ٥٢ ، صحيح مسلم ١ : ٤٠٧ ـ ١١٠ ، سنن أبي داود ٢ : ٥٩ ـ ١٤٠٨ ، سنن النسائي ٢ : ١٦٢.

(٢) أسد الغابة ٥ : ٣١٦ ، الاستيعاب بهامش الإصابة ٤ : ٢٠٨.

(٣) نيل الأوطار ٣ : ١٢٤.

(٤) سنن ابن ماجة ١ : ٣٣٥ ـ ١٠٥٧ ، جامع الأصول ٥ : ٥٥٤ ، مستدرك الحاكم ١ : ٢٢٣.

(٥) الام ١ : ١٣٣ ، المجموع ٤ : ٦٢ ، فتح العزيز ٤ : ١٨٧ ، الوجيز ١ : ٥٣ ، مختصر المزني : ١٦ ، السراج الوهاج : ٦١ ، المهذب للشيرازي ١ : ٩٢ ، الميزان ١ : ١٦٥ ، المغني ١ : ٦٨٤ ، الشرح الكبير ١ : ٨٢٣ ، بدائع الصنائع ١ : ١٩٣ ، المنتقى للباجي ١ : ٣٤٩ ، بداية المجتهد ١ : ٢٢٤.

(٦) سنن أبي داود ٢ : ٥٨ ـ ١٤٠٢ ، سنن الترمذي ٢ : ٤٧٠ ـ ٤٧١ ـ ٥٧٨ ، مسند أحمد ٤ : ١٥١ ، سنن الدارقطني ١ : ٤٠٨ ـ ٩ ، مستدرك الحاكم ١ : ٢٢١.

(٧) الام ١ : ١٣٣ ، المجموع ٤ : ٦٢ ، المغني ١ : ٦٨٤ ، الشرح الكبير ١ : ٨٢٣ ، المنتقى للباجي ١ : ٣٤٩ ، سبل السلام ١ : ٣٥٦.

(٨) المجموع ٤ : ٦٢ ، المغني ١ : ٦٨٥ ، الشرح الكبير ١ : ٨٢٣.

٢٠٩

الركوع والسجود (١) فقال ( ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا ) (٢) كقوله لمريم : ( وَاسْجُدِي وَارْكَعِي ) (٣) ولا حجة فيه.

وأما ( ص ) ، فعند الشافعي أنها سجدة شكر ليست من سجود التلاوة ـ وبه قال أحمد في إحدى الروايتين (٤) ـ لأن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قرأ على المنبر ( ص ) فلمّا بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه فلمّا كان يوم آخر قرأها فلمّا بلغ السجود ( تشزن ) (٥) الناس للسجود ، فقال : ( إنما هي توبة نبي ولكني رأيتكم تشزنتم للسجود فنزلت وسجدت ) (٦) فبيّن أنها توبة وليست سجدة.

وقال أبو حنيفة ، ومالك ، وأبو ثور ، وإسحاق ، وأحمد في الرواية الأخرى : إنها من عزائم السجود (٧) لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص (٨) ، وعن ابن عباس أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سجدها (٩) ،

__________________

(١) اللباب ١ : ١٠٢ ، بدائع الصنائع ١ : ١٩٣ ، المنتقى للباجي ١ : ٣٤٩ ، بلغة السالك ١ : ١٥٠ ، الشرح الصغير ١ : ١٥٠ ، المغني ١ : ٦٨٤ ، الشرح الكبير ١ : ٨٢٣ ، الميزان ١ : ١٦٥ ، المجموع ٤ : ٦٢.

(٢) الحج : ٧٧.

(٣) آل عمران : ٤٣.

(٤) المجموع ٤ : ٦٢ ، مختصر المزني : ١٦ ، المهذب للشيرازي ١ : ٩٢ ، السراج الوهاج : ٦٢ ، الميزان ١ : ١٦٥ ، المغني ١ : ٦٨٤ ، الشرح الكبير ١ : ٨٢٢ ، بداية المجتهد ١ : ٢٢٣ ، القوانين الفقهية : ٨٧ ـ ٨٨ ، بدائع الصنائع ١ : ١٩٣.

(٥) التشزن : التأهب والتهيؤ للشي‌ء والاستعداد له .. لسان العرب ١٣ : ٢٣٧.

(٦) سنن أبي داود ٢ : ٥٩ ـ ١٤١٠ ، سنن الدارقطني ١ : ٤٠٨ ـ ٧.

(٧) اللباب ١ : ١٠٢ ، بدائع الصنائع ١ : ١٩٣ ، بداية المجتهد ١ : ٢٢٣ ، القوانين الفقهية : ٨٧ ، المغني ١ : ٦٨٤ ، الشرح الكبير ١ : ٨٢١ ـ ٨٢٢ ، المجموع ٤ : ٦٢ ، الميزان ١ : ١٦٥ ، سبل السلام ١ : ٣٥٣.

(٨) سنن أبي داود ٢ : ٥٨ ـ ١٤٠١ ، سنن ابن ماجة ١ : ٣٣٥ ـ ١٠٥٧.

(٩) صحيح البخاري ٢ : ٥٠ ، سنن أبي داود ٢ : ٥٩ ـ ١٤٠٩ ، سنن النسائي ٢ : ١٥٩ ، سنن الترمذي ٢ : ٤٦٩ ـ ٥٧٧.

٢١٠

وروى غيره أنه سجدها وقرأ ( أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ ) (١) (٢).

مسألة ٢٨٠ : موضع السجود في ( حم ) عند قوله تعالى ( وَاسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ ) (٣) ‌ـ وبه قال ابن عمر ، والحسن البصري ، ومالك ، وحكاه مسروق عن أصحاب ابن مسعود (٤) ـ لأن الأمر بالسجود فيها فيجب عندها.

وقال الشافعي : في الآية الثانية عند قوله ( وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ ) (٥) ـ وبه قال سعيد بن المسيب ، والنخعي ، والثوري ، وأبو حنيفة ، وأحمد ، وهو مروي عن ابن عباس (٦) ـ لأن تمام الكلام في الثانية فكان السجود عقيبها ، وأولوية السجود عند الذكر راجحة عليه عند التتمة.

أما الأعراف فآخرها ( وَلَهُ يَسْجُدُونَ ) (٧) والرعد ( وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ) (٨) والنحل ( وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ) (٩) وبني إسرائيل : ( وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً ) (١٠) ومريم ( خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا ) (١١) والحج : ( يَفْعَلُ

__________________

(١) الانعام : ٩٠.

(٢) سنن الدارمي ١ : ٣٤٢ ، سنن أبي داود ٢ : ٥٩ ـ ١٤١٠ ، سنن الدارقطني ١ : ٤٠٨ ـ ٧.

(٣) فصلت : ٣٧.

(٤) الشرح الصغير ١ : ١٥٠ ، المنتقى للباجي ١ : ٣٥٢ ، المجموع ٤ : ٦٠ ، المغني ١ : ٦٨٥ ، الشرح الكبير ١ : ٨٢٤.

(٥) فصلت : ٣٨.

(٦) المجموع ٤ : ٦٠ ، المهذب للشيرازي ١ : ٩٢ ، بدائع الصنائع ١ : ١٩٤ ، المغني ١ : ٦٨٥ ، الشرح الكبير ١ : ٨٢٤.

(٧) الأعراف : ٢٠٦.

(٨) الرعد : ١٥.

(٩) النحل : ٥٠.

(١٠) الاسراء : ١٠٩.

(١١) مريم : ٥٨.

٢١١

ما يَشاءُ ) (١) ( وَافْعَلُوا الْخَيْرَ ) (٢) والفرقان ( وَزادَهُمْ نُفُوراً ) (٣) والنمل : ( رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) (٤) والم تنزيل ( وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ) (٥) والنجم : ( فَاسْجُدُوا لِلّهِ ) (٦) والانشقاق ( وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ ) (٧) والقلم ( وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ) (٨).

مسألة ٢٨١ : سجود التلاوة واجب في العزائم الأربع : سجدة لقمان ، وحم ، والنجم ، والقلم. ومستحب في البواقي عند علمائنا أجمع ؛ لأنّ عليا عليه‌السلام قال : « عزائم السجود أربع » (٩) وقال الصادق عليه‌السلام : « إذا قرئ شي‌ء من العزائم الأربع فسمعتها فاسجد ، وان كنت على غير وضوء ، وان كنت جنبا ، وان كانت المرأة لا تصلي ، وسائر القرآن أنت فيه بالخيار » (١٠) ولأنها تتضمن الأمر بالسجود فتكون واجبة ؛ لأن الأمر للوجوب ، وغير الأربع ليس بصريح في الأمر فيكون ندبا.

وقال أبو حنيفة ، وأصحابه : السجود واجب في الجميع (١١) ولم يفصل لقوله تعالى ( وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ ) (١٢) وهذا ذم ، ولأنه‌

__________________

(١) الحج : ١٨.

(٢) الحج : ٧٧.

(٣) الفرقان : ٦٠.

(٤) النمل : ٢٦.

(٥) السجدة : ١٥.

(٦) النجم : ٦٢.

(٧) الانشقاق : ٢١.

(٨) العلق : ١٩.

(٩) سنن البيهقي ٢ : ٣١٥.

(١٠) الكافي ٣ : ٣١٨ ـ ٢ ، التهذيب ٢ : ٢٩١ ـ ١١٧١.

(١١) المبسوط للسرخسي ٢ : ٤ ، اللباب ١ : ١٠٣ ، المغني ١ : ٦٨٧ ، الميزان ١ : ١٦٤ ، المنتقى للباجي ١ : ٣٥١ ، بداية المجتهد ١ : ٢٢٢ ، القوانين الفقهية : ٨٧.

(١٢) الانشقاق : ٢١.

٢١٢

سجود يفعل في الصلاة فكان واجبا كسجودها ، والذم على ترك السجود الواجب وهي العزائم الأربع ، أو غير معتقد فضله ولا مشروعيته. ونمنع المشترك ، وينتقض بسجود السهو فإنه ليس بواجب عندهم.

وقال مالك ، والأوزاعي ، والليث ، والشافعي ، وأحمد : الكل مستحب ، لأن عمر خطب يوم الجمعة ولم يسجد في النحل (١). ونقول بموجبه فإنه ليس بواجب عندنا.

مسألة ٢٨٢ : وتجب الأربع على القاري والمستمع بلا خلاف عندنا‌ وعند الموجبين ، ومستحب في الباقي عندنا لهما وعند الباقين لأن ابن عمر قال : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقرأ علينا السورة في غير الصلاة فيسجد ونسجد معه حتى لا يجد أحدنا مكانا لموضع جبهته (٢).

أما السامع غير القاصد للسماع فيستحب في حقه في الجميع عندنا عملا بالأصل ، ولقول الصادق عليه‌السلام وقد سأله عبد الله بن سنان عن رجل يسمع السجدة تقرأ قال : « لا يسجد إلاّ أن يكون منصتا ، مستمعا لها ، أو يصلّي بصلاته ، فأما أن يكون يصلّي في ناحية وأنت في ناحية فلا تسجد لما سمعت » (٣).

وقال أبو حنيفة : يجب على السامع أيضا. ونحوه عن ابن عمر ،

__________________

(١) الام ١ : ١٣٦ ، الوجيز ١ : ٥٣ ، الميزان ١ : ١٦٤ ، بلغة السالك ١ : ١٤٩ ، الشرح الصغير ١ : ١٤٩ ، المنتقى للباجي ١ : ٣٥٠ و ٣٥١ ، بداية المجتهد ١ : ٢٢٢ ، المغني ١ : ٦٨٧ ، الشرح الكبير ١ : ٨١٤ ، المبسوط للسرخسي ٢ : ٤.

(٢) صحيح البخاري ٢ : ٥١ و ٥٢ ، صحيح مسلم ١ : ٤٠٥ ـ ٥٧٥ ، سنن أبي داود ٢ : ٦٠ ـ ١٤١٢.

(٣) الكافي ٣ : ٣١٨ ـ ٣ ، التهذيب ٢ : ٢٩١ ـ ١١٦٩.

٢١٣

والنخعي ، وسعيد بن جبير ، ونافع ، وإسحاق (١) ، لأنه سامع للسجدة فأشبه المستمع.

وقال الشافعي : لا أوكد عليه السجود ، وإن سجد فحسن (٢).

وقال مالك ، وأحمد : لا يستحب للسامع ، وهو مروي عن عثمان ، وابن عباس وعمران بن الحصين (٣) ، لأن عثمان مرّ بقاص فقرأ القاص سجدة ليسجد عثمان معه فلم يسجد وقال : إنما السجدة على من استمع (٤).

مسألة ٢٨٣ : هذا السجود ليس بصلاة ، ولا بجزء منها فلا يشترط فيه ما يشترط في الصلاة عند علمائنا ـ وبه قال عثمان ، وسعيد بن المسيب ، والشعبي (٥) ـ عملا بالأصل ، وقول الصادق عليه‌السلام : « فاسجد وإن كنت على غير وضوء ، وإن كنت جنبا ، وإن كانت المرأة لا تصلّي » (٦).

وقال الشافعي ، وأحمد ، وأبو حنيفة ، ومالك : تشترط الطهارة من الحدث والخبث ، وستر العورة ، والاستقبال (٧) لقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

__________________

(١) المبسوط للسرخسي ٢ : ٤ ، شرح فتح القدير ١ : ٤٦٦ ، الكفاية ١ : ٤٦٦ ، الهداية للمرغيناني ١ : ٧٨ ، المجموع ٤ : ٦١ ، المغني ١ : ٦٨٨ ، الشرح الكبير ١ : ٨١٥ ـ ٨١٦ ، بداية المجتهد ١ : ٢٢٥ ، اللباب ١ : ١٠٣.

(٢) المجموع ٤ : ٥٨ ، الوجيز ١ : ٥٣ ، السراج الوهاج : ٦٢ ، المغني ١ : ٦٨٨ ، الشرح الكبير ١ : ٨١٦.

(٣) المغني ١ : ٦٨٨ ، الشرح الكبير ١ : ٨١٤ و ٨١٥ و ٨١٦ ، المجموع ٤ : ٥٨ ، العدة شرح العمدة : ٩٢.

(٤) المغني ١ : ٦٨٨ ، الشرح الكبير ١ : ٨١٦.

(٥) المغني ١ : ٦٨٥ ، الشرح الكبير ١ : ٨١٣ ، سبل السلام ١ : ٣٥٤.

(٦) الكافي ٣ : ٣١٨ ـ ٢ ، التهذيب ٢ : ٢٩١ ـ ١١٧١.

(٧) المجموع ٤ : ٦٣ ، السراج الوهاج : ٦٢ ، المغني ١ : ٦٨٥ ، الشرح الكبير ١ : ٨١٣ ، المبسوط للسرخسي ٢ : ٤ ، شرح العناية ١ : ٤٦٤ ، المنتقى للباجي ١ : ٣٥٢ ، بلغة السالك ١ : ١٥٠ ، الشرح الصغير ١ : ١٤٩.

٢١٤

( لا يقبل الله صلاة بغير طهور ) (١) فيدخل في عمومه السجود ، ولأنّ ما نافى الصلاة نافى السجود كالكفر.

ولا دلالة في الخبر ؛ لأنها ليست صلاة ، والكفر مناف للعبادات الواجبة والمندوبة المشروطة فيها الطهارة وغير المشروطة بها.

أما النية فلا بدّ منها ؛ لأنه فعل مشترك فيفتقر التخصيص إلى نيته.

فروع :

أ ـ لو سمع السجود وهو على غير طهارة لم يلزمه الوضوء‌ ولا التيمم ـ وبه قال أحمد (٢) ـ لأنها تتعلق بسبب فإذا فات لم يسجد كما لو قرأ سجدة في الصلاة فلم يسجد لم يسجد بعدها ، ونحن نوجب السجود ، أو نستحبه وإن لم يتطهر ؛ لعدم اشتراط الطهارة كما تقدم.

وقال النخعي : يتيمم ويسجد ، وعنه : يتوضأ ويسجد ، وبه قال الثوري وأصحاب الرأي (٣).

ب ـ لو توضأ سجد ، وقال أحمد : لا يسجد ؛ لفوات سببها ، ولا يتيمم لها مع وجود الماء (٤).

ج ـ لو عدم الماء فتيمم سجد عندنا‌ ، وبه قال أحمد إذا لم يطل ؛ لعدم بعد سببها ، بخلاف الوضوء عنده (٥).

مسألة ٢٨٤ : ولا تكبير فيها للسجود‌ عندنا ـ وبه قال أبو حنيفة في رواية ،

__________________

(١) صحيح مسلم ١ : ٢٠٤ ـ ٢٢٤ ، سنن الترمذي ١ : ٥ ـ ١.

(٢) المغني ١ : ٦٨٦ ، الشرح الكبير ١ : ٨١٣.

(٣) المبسوط للسرخسي ٢ : ٤ ، المغني ١ : ٦٨٦ ، الشرح الكبير ١ : ٨١٣.

(٤) المغني ١ : ٦٨٦ ، الشرح الكبير ١ : ٨١٤.

(٥) الشرح الكبير ١ : ٨١٤.

٢١٥

وابن أبي هريرة (١) ـ عملا بالأصل ، قال الشيخ : ويكبّر للرفع منه (٢) لقول الصادق عليه‌السلام : « إذا قرأت السجدة فاسجد ، ولا تكبّر حتى ترفع رأسك » (٣) وقال عليه‌السلام فيمن يقرأ السجدة من القرآن من العزائم : « فلا يكبّر حين يسجد ولكن يكبّر حين يرفع رأسه » (٤).

وقال الشافعي : إن كان في غير صلاة نوى الساجد ، وكبّر للافتتاح ، ورفع يديه حذو منكبيه كما في افتتاح الصلاة (٥) ـ خلافا لأبي حنيفة في الرفع (٦) ـ ثم يكبّر تكبيرة أخرى للهويّ من غير رفع ، فإذا رفع رأسه كبّر.

وفي وجه : لا يكبّر للافتتاح.

ثم هو مستحب أو شرط؟ وجهان.

وإن كان في الصلاة فلا يكبّر للافتتاح ، ويكبّر للهوي من غير رفع اليدين ثم يكبّر عند رفع الرأس (٧).

وقال ابن أبي هريرة : لا يكبّر للسجود ، ولا للرفع في غير الصلاة (٨).

وقال النخعي ، وأحمد ، وأصحاب الرأي ـ كقول الشافعي ـ : باستحباب التكبير للسجود ، والرفع منه ؛ لأنها صلاة ذات سجود فوجب أن‌

__________________

(١) بدائع الصنائع ١ : ١٩٢ ، حلية العلماء ٢ : ١٢٤.

(٢) المبسوط للطوسي ١ : ١١٤.

(٣) التهذيب ٢ : ٢٩٢ ـ ١١٧٥.

(٤) الكافي ٣ : ٣١٧ ـ ١ ، التهذيب ٢ : ٢٩١ ـ ١١٧٠.

(٥) المجموع ٤ : ٦٤ ـ ٦٥ ، الوجيز ١ : ٥٣ ، فتح العزيز ٤ : ١٩٢ ، مغني المحتاج ١ : ٢١٦ ، المهذب للشيرازي ١ : ٩٣ ، السراج الوهاج : ٦٢ ، المغني ١ : ٦٨٦.

(٦) شرح فتح القدير ١ : ٤٧٦ ، اللباب ١ : ١٠٤ ، الهداية للمرغيناني ١ : ٨٠ ، شرح العناية ١ : ٤٧٦.

(٧) المجموع ٤ : ٦٣.

(٨) المجموع ٤ : ٦٣.

٢١٦

تفتقر إلى تكبيرة الإحرام كسائر الصلوات (١). والصغرى ممنوعة.

فروع :

أ ـ منع أحمد من تثنية التكبير في الابتداء‌ وإن كان خارجا من الصلاة (٢) ، وقال الشافعي : إذا سجد خارجا من الصلاة كبّر واحدة للافتتاح ، واخرى للسجود ؛ لأنها صلاة فيكبّر للافتتاح غير تكبيرة السجود (٣). والصغرى ممنوعة.

ب ـ قال الشافعي ، وأحمد : يرفع يديه عند تكبيرة الابتداء‌ إن كان في غير الصلاة ؛ لأنها تكبيرة إحرام (٤). وإن سجد في الصلاة ، قال أحمد : يرفع (٥) ، خلافا للشافعي (٦).

ج ـ ليس فيها ذكر موظف ؛ لأصالة براءة الذمة فإن الأمر تعلق بالسجود خاصة ، وقال أحمد : يقول ما يقول في سجود صلب صلاته (٧). وهو ممنوع ، نعم يستحب الذكر.

مسألة ٢٨٥ : وليس في سجود التلاوة تشهد ، ولا تسليم‌ عند علمائنا أجمع ـ وهو قول أبي حنيفة ، وأحد قولي الشافعي (٨) ـ لأن الأمر بالسجود‌

__________________

(١) المغني ١ : ٦٨٦ ، الشرح الكبير ١ : ٨٢٤ ، العدة شرح العمدة : ٩٣ ، المحرر في الفقه ١ : ٨٠ ، المبسوط للسرخسي ٢ : ١٠ ، الميزان ١ : ١٦٦.

(٢) المغني ١ : ٦٨٦ ، الشرح الكبير ١ : ٨٢٥.

(٣) المجموع ٤ : ٦٤ ـ ٦٥ ، السراج الوهاج : ٦٢ ، المهذب للشيرازي ١ : ٩٣.

(٤) المجموع ٤ : ٦٤ ـ ٦٥ ، الوجيز ١ : ٥٣ ، فتح العزيز ٤ : ١٩٢ ، المهذب للشيرازي ١ : ٩٣ ، السراج الوهاج : ٦٢ ، المغني ١ : ٦٨٦ ، الشرح الكبير ١ : ٨٢٧.

(٥) المغني ١ : ٦٨٦ ، الشرح الكبير ١ : ٨٢٧.

(٦) الوجيز ١ : ٥٣ ، فتح العزيز ٤ : ١٩٥.

(٧) المغني ١ : ٦٨٦ ، الشرح الكبير ١ : ٨٢٦.

(٨) المجموع ٤ : ٦٥ ، الوجيز ١ : ٥٣ ، المهذب للشيرازي ١ : ٩٣ ، السراج الوهاج : ٦٢ ، الميزان ١ : ١٦٦ ، اللباب ١ : ١٠٤ ، المغني ١ : ٦٨٧.

٢١٧

لا يتناول غيره فيكون منفيا بالأصل ، ولأنه لم ينقل عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا عن أحد من الأئمة عليهم‌السلام تشهد ولا تسليم ، ولأن التشهد في مقابلة القيام ولا قيام ، ولأنه لا تشهد فيه عند أحمد فلا يستحب له التسليم كغير الصلاة ، وبه قال النخعي ، والحسن ، وسعيد بن جبير (١).

وقال بعض الشافعية : يتشهد ؛ لأنه سجود يحتاج إلى الإحرام والسلام فيكون كسجود الصلاة (٢). والصغرى ممنوعة ، وهو خلاف نص الشافعي (٣).

والقول الثاني للشافعي : أنه يسلّم من غير تشهد ـ وبه قال أحمد (٤) ـ لقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( تحريمها التكبير وتحليلها التسليم ) (٥) ولأنّها ذات تكبيرة إحرام فافتقرت إلى التسليم. والصغرى ممنوعة ، وضمير الحديث راجع إلى الصلاة.

إذا ثبت هذا فاختلفت الرواية عن أحمد فروي إيجاب تسليمتين ، وروي واحدة (٦).

مسألة ٢٨٦ : لا يقوم الركوع مقام السجود‌ عند علمائنا أجمع ـ وبه قال الشافعي ، وأحمد (٧) ـ لأنه سجود مشروع فلا يقوم الركوع مقامه كسجود الصلاة ، ولأن الأمر ورد بالسجود والركوع مغاير.

__________________

(١) المغني ١ : ٦٨٧ ، الشرح الكبير ١ : ٨٢٥ ـ ٨٢٦.

(٢) المجموع ٤ : ٦٦ ، الوجيز ١ : ٥٣ ، فتح العزيز ٤ : ١٩٤ ، المهذب للشيرازي ١ : ٩٣.

(٣) المجموع ٤ : ٦٥ ـ ٦٦ ، الوجيز ١ : ٥٣ ، المهذب للشيرازي ١ : ٩٣.

(٤) المجموع ٤ : ٦٦ ، الوجيز ١ : ٥٣ ، الميزان ١ : ١٦٦ ، المغني ١ : ٦٨٧ ، الشرح الكبير ١ : ٨٢٥.

(٥) سنن أبي داود ١ : ١٦ ـ ٦١ ، سنن الدارمي ١ : ١٧٥ ، سنن ابن ماجة ١ : ١٠١ ـ ٢٧٥ و ٢٧٦ ، سنن الترمذي ١ : ٨ ـ ٣ ، مسند أحمد ١ : ١٢٣.

(٦) المغني ١ : ٦٨٧ ، الشرح الكبير ١ : ٨٢٦.

(٧) المجموع ٤ : ٧٢ ، المغني ١ : ٦٨٩ ، الشرح الكبير ١ : ٨١٨.

٢١٨

وقال أبو حنيفة : يقوم مقامه استحسانا (١) ؛ لقوله تعالى ( وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ ) (٢) وإنما يقال : خرّ ساجدا لا راكعا فعبّر بالركوع عن السجود مجازا ، ولأن المروي عن داود [ عليه‌السلام ] السجود (٣).

مسألة ٢٨٧ : يجوز السجود في الأوقات المكروهة‌ عند علمائنا ـ وبه قال الحسن ، والشعبي ، وسالم ، وعطاء ، وعكرمة ، والشافعي ، وأحمد في رواية (٤) ـ لإطلاق الأمر بالسجود فيتناول بإطلاقه جميع الأوقات ، ولأنها ذات سبب.

وقال أبو ثور ، وابن عمر ، وسعيد بن المسيب ، وأحمد في رواية ، وإسحاق : إنّه لا يسجد (٥) لقوله عليه‌السلام : ( لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس ، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس ) (٦) ونحن نقول بموجبه فإنها ليست صلاة ، وكره مالك قراءة السجدة في وقت النهي (٧).

مسألة ٢٨٨ : لا يشترط لسجود المستمع سوى الاستماع‌ لعموم الأمر ، وقال مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وقتادة : يشترط كون التالي ممّن يصلح أن يكون إماما للمستمع ، فإن كان التالي امرأة أو خنثى مشكلا لم يسجد الرجل باستماعه منهما ، ولو كان التالي أمّيا سجد القارئ المستمع‌

__________________

(١) المبسوط للسرخسي ٢ : ٨ ـ ٩ ، المجموع ٤ : ٧٢ ، المغني ١ : ٦٨٩ ، الشرح الكبير ١ : ٨١٨.

(٢) ص : ٢٤.

(٣) سنن النسائي ٢ : ١٥٩ ، سنن الدارقطني ١ : ٤٠٧ ـ ٣ و ٤.

(٤) المجموع ٤ : ١٧٠ ، فتح العزيز ٣ : ١١٠ ، الوجيز ١ : ٣٥ ، الميزان ١ : ١٧١ ، المهذب للشيرازي ١ : ٩٩ ، المغني ١ : ٦٨٧.

(٥) المغني ١ : ٦٨٧ ، الشرح الكبير ١ : ٨٤٠.

(٦) الكامل لابن عدي ٣ : ١٢٢٥ ونحوه في صحيح البخاري ١ : ١٥٢ ، صحيح مسلم ١ : ٥٦٧ ـ ٨٢٧ ، تاريخ بغداد ٥ : ٣٦.

(٧) المغني ١ : ٦٨٧.

٢١٩

لسجوده ؛ لأن القراءة ليست بركن في السجود ، وإن كان صبيا ففي سجود الرجل بسجوده عند أحمد وجهان بناء على صحة إمامته (١) ، والكل عندنا باطل ؛ لما تقدم.

ولو لم يسجد التالي سجد المستمع عند علمائنا ـ وبه قال الشافعي (٢) ـ لأن السبب وهو الاستماع موجود.

وقال أحمد : لا يسجد ؛ لأنه تابع له فإنّ الاستماع إنما يحصل بالقراءة ، ولا يسجد بدون سجوده (٣). وهو ممنوع.

ولا فرق بين أن يكون التالي إماما ، أو لا.

وقال الشافعي : إن كان التالي إماما ولم يسجد تبعه في تركها كما يتبعه في ترك سائر المسنونات (٤).

وتحقيق مذهبنا أن الإمام إن كان ممّن يقتدى به وقرأ العزيمة في فرض ناسيا أومأ بالسجود عند آيته ، وكذا المأموم ، وإن كان في نافلة تسوغ فيها الجماعة فإن سجد الإمام سجد المأموم ، وكذا إن لم يسجد إن كانت السجدة عزيمة ، وإلاّ فلا ، وإن كان ممّن لا يقتدى به وقرأ في فرض لم يتابعه المأموم في سجوده بل يومئ ، وإن لم يسجد الإمام تابعه في الترك وأومى.

ولو كان التالي في غير الصلاة والمستمع في الصلاة حرم عليه الاستماع فإن فعله احتمل السجود إذا فرغ ـ وبه قال أبو حنيفة (٥) ـ لوجود سبب‌

__________________

(١) الشرح الصغير ١ : ١٤٩ ، بداية المجتهد ١ : ٢٢٥ ، المغني ١ : ٦٨٨ ـ ٦٨٩ ، الشرح الكبير ١ : ٨١٦ ـ ٨١٧.

(٢) المجموع ٤ : ٥٨ ، المهذب للشيرازي ١ : ٩٢.

(٣) المغني ١ : ٦٨٩ ، الشرح الكبير ١ : ٨١٧.

(٤) فتح العزيز ٤ : ١٩٠ ، الوجيز ١ : ٥٣ ، السراج الوهاج : ٦٣ ، المجموع ٤ : ٥٩.

(٥) اللباب ١ : ١٠٣ ، الهداية للمرغيناني ١ : ٧٩ ، شرح العناية ١ : ٤٦٨ ، حلية العلماء ٢ : ١٢٣.

٢٢٠