إثبات الوصية للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام

أبو الحسن علي بن الحسين بن علي الهذلي المسعودي

إثبات الوصية للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام

المؤلف:

أبو الحسن علي بن الحسين بن علي الهذلي المسعودي

المحقق: المترجم:
الموضوع : العقائد والكلام الناشر: مؤسسة أنصاريان للطباعة والنشر ISBN: 964-438-486-5
نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

كلمة الناشر

تشكل مسألة الامامة ركنا جوهريا في العقيدة الشّيعية ، حيث يؤمن اتباع مذهب أهل البيت (ع) بأنّ الأرض لا تخلو من حجّة لله وإمام. وانطلاقا من هذا المعتقد الذي يستند الى في تأسيسه الى منطق العقل يؤمن الاماميّون بوجود الامام في العصر الحالي والعصور الغابرة واللاحقة وان الحكمة الالهية اقتضت غيابه عن الانظار حتى تتمهد الظروف المؤاتية لظهوره.

على أن مسألة الايمان بالمهدي لا تتوقف على القواعد العقلية التي تقضي بانتفاء ضرورة استمرار النوع الانساني في غياب المثال الذي يجسد مسارها التكاملي.

فهناك الوثائق التاريخية التي سجلت ولادته في الخامس عشر من شعبان سنة ٢٥٦ ه‍ ، في مدينة سامراء ، اضافة الى حشد هائل من الروايات والاحاديث الشريفة التي بشّرت بظهور منقذ للبشرية في آخر الزمان.

والكتاب الذي بين يديك عزيزى القارئ محاولة لمؤرخ كبير هو المسعودي ، صاحب تاريخ «مروج الذهب» من اجل تقديم تفسير للحديث الشريف بأن الارض لا تخلو من حجة لله.

و «اثبات الوصية» يواكب تسلسل الحجج الالهية من لدن آدم وبدء تاريخ النوع البشري على سطح الارض وحتى ولادة الامام محمد المهدي ، واختفائه عن الانظار.

وتمتاز هذه الطبعة الجديدة بتبويبها وتصحيحها مما علق بها من أخطاء في التركيب اللغوي وبعض التواريخ ، اضافة الى اعتماد قواعد الاملاء الحديث في تركيب المفردات.

ولا ننسى أن ننتهز هذه الفرصة لنقدم شكرنا وتقديرنا الى كل من الاستاذ كمال السيد والاستاذ عبد الرضا افتخاري على ما بذلاه من جهد في إخراج هذا الكتاب بحلته الجديدة ... سائلين الله أن يوفقهما للمزيد من اعمال البرّ والخير. انه سميع مجيب.

أنصاريان

٥
٦

ترجمة المؤلف

هو ابو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي الهذلي (١). من ذرية عبد الله بن مسعود الصحابي ولذا قيل له المسعودي (٢). وهو جد الشيخ الطوسي (٣).

ولد في «بابل» كما نص عليه في «مروج الذهب» ، ج ١ ، ص ٢٧٣ عند وصف الارض والبلدان وحنين النفوس للاوطان. قال :

«واوسط الاقاليم الاقليم الذي ولدنا به وان كانت الأيام أنأت بيننا وبينه وساحقت مسافتنا عنه وولدت في قلوبنا الحنين إليه اذ كان وطننا ومسقطنا وهو اقليم بابل وقد كان هذا الاقليم عند ملوك الفرس جليلا وقدره عظيما ... الخ».

وحينئذ فلا موقع لقول ابن النديم في «الفهرست» ، ص ٢١٩ انّه من اهل المغرب.

نشأ في بغداد وأقام بها زمانا ، وبمصر اكثر ، ودخل البصرة فلقي بها ابا خليفة الجمحي (٤) ورحل في طلب العلم الى اقصى البلاد فطاف فارس وكرمان سنة ٣٠٩ حتى استقر في «اصطخر» وفي السنة التالية قصد الهند الى ملثان والمنصورة ثم عطف الى كنباية فصيمور فسرنديب (سيلان) ومن هناك ركب البحر الى بلاد الصين وطاف البحر الهندي الى مداغسكر (مدغشقر) وعاد الى عمان ورحل رحلة أخرى سنة ٣١٤ الى ما وراء اذربيجان وجرجان ثم الى الشام وفلسطين.

وفي سنة ٣٣٢ جاء الى انطاكية والثغور الشامية الى دمشق واستقر اخيرا بمصر ونزل الفسطاط سنة ٣٤٥ (٥) توفي في مصر (٦) ، في جمادى الآخرة (٧) سنة ٣٤٥.

__________________

(١) الخلاصة للحلي ، ص ٤٩.

(٢) آداب اللغة العربية ، جرجي زيدان ، ج ٢ ، ص ٣١٣.

(٣) رياض العلماء مخطوط.

(٤) طبقات الشافعية للسبكي ، ج ٢ ، ص ٣٠٧.

(٥) آداب اللغة العربية ، ج ٢ ، ص ٣١٣ ، ومعجم المطبوعات ، ج ٢ ، ص ١٧٤٣.

(٦) لسان الميزان ، ج ٤ ، ص ٢٢٥.

(٧) شذرات الذهب ، ج ٢ ، ص ٣٧١.

٧

عقيدته

كان اماميا اثنا عشريا ومن الاجلاء الثقات. وقد اعترف بذلك علماؤنا الاعلام. ففي «الخلاصة» للعلامة الحلي : ثقة من اصحابنا.

ولم يتعقب عليه الشهيد الثاني في «حواشي الخلاصة».

وفي «رياض العلماء» للمولى عبد الله المعروف بالافندي : كان شيخا جليلا متقدما في اصحابنا الامامية عاصر الصدوق عليه الرحمة.

ثم حكى عن السيد الداماد في حاشيته على اختيار رجال الكشي للشيخ الطوسي انه قال : شيخ جليل ثقة ثبت مأمون الحديث عند العامة والخاصة.

وعدّه المجلسي (قدّس سره) في «الوجيزة» من الممدوحين. وفي «البحار» ، ج ١ ، فصل ٢ ذكر ان النجاشي عدّه من رواة الشيعة ولم يتعقب عليه.

وفي «فرج المهموم» للسيد ابن طاوس :

من العاملين بالنجوم الشيخ الفاضل الشيعي علي بن الحسين المسعودي صاحب مروج الذهب.

وقال ابن إدريس الحلي في «السرائر» في كتاب الحج :

هو من مصنفي اصحابنا معتقد للحق.

وقال أبو علي الحائري في «منتهى المقال» : هو من جلة العلماء الامامية ومن قدماء الفضلاء الاثنا عشرية. ولم اقف الى الآن على من توقف في تشيع هذا الرجل.

وفي «روضات الجنات» :

اشتهر بين العامة بانه شيعي المذهب.

ثم ذكر الشواهد على تشيعه وانه من الامامية الاثنا عشرية.

وحكى خاتمة المحدثين ميرزا محمد حسين النوري (قدّس سره) في «خاتمة

٨

المستدرك» ، ج ٣ ، ص ٣١٠ كلمات العلماء في عده من ثقات الامامية ثم قال :

ولم يطعن عليه الا في تصنيف «مروج الذهب» وليس بشيء ، اذ هو بمرأى من هؤلاء ومسمع.

والمتأمل في خباياه يستخرج ما كان مكتوما في سريرته ، فانه ذكر من مناقب أمير المؤمنين عليه السلام المقتضية لأحقيته بالخلافة شيئا كثيرا كحديث المنزلة والطير والغدير والاخوة. واصرح من ذلك ما ذكره في مروج الذهب ، ج ١ ، ١٧ عند ذكر المبدأ وشأن الخليقة. ونص ما قال :

«وروي عن أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام انه قال : ان الله حين شاء تقدير الخليقة وذرء البرية وابداع المبدعات ، نصب الخلق في صورة كالهباء قبل دحو الأرض ورفع السماء وهو في انفراد ملكوته وتوحد جبروته فأتاح نورا من نوره فلمع ونزع قبسا من ضيائه فسطع ثم اجتمع النور في وسط تلك الصورة الخفية فوافق ذلك صورة نبينا محمد صلّى الله عليه وآله فقال الله عز من قائل : أنت المختار المنتجب وعندك مستودع نوري وكنوز هدايتي ، من اجلك أسطح البطحاء وأمواج الماء وأرفع السماء وأجعل الثواب والعقاب والجنة والنار وأنصب اهل بيتك للهداية وأوتيهم من مكنون علمي ما لا يشكل عليهم دقيق ولا يعييهم خفي وأجعلهم حجتي على بريتي والمنبهين على قدرتي ووحدانيتي.

ثم أخذ الله الشهادة عليهم بالربوبية والاخلاص بالوحدانية فقبل أخذ ما أخذ جل شأنه ببصائر الخلق انتخب محمدا وآله وأراهم ان الهداية معه والنور له والامامة في آله تقديما لسنة العدل وليكون الاعذار متقدما ثم اخفى الله الخليقة في غيبه وغيبها في مكنون علمه.

الى ان قال : فكان حظ آدم من الخير ما آواه من مستودع نورنا ولم يزل الله يخبئ النور تحت الزمان الى ان وصل الى محمد صلّى الله عليه وآله في ظاهر الفترات فدعا الناس ظاهرا وباطنا وندبهم سرا وإعلانا.

واستدعى (عليه السّلام) التنبيه على العهد الذي قدمه الى الذر قبل النسل. فمن وافقه

٩

واقتبس من مصباح النور المقدم اهتدى الى سيره واستبان واضح أمره ، ومن ألبسته الغفلة استحق السخط.

ثم انتقل النور الى غرائزنا ولمع في ائمتنا فنحن انوار السماء وانوار الأرض فبنا النجاة ومنا مكنون العلم وإلينا مصير الامور وبمهدينا تنقطع الحجج خاتمة الائمة ومنقذ الامة وغاية النور ومصدر الامور فنحن أفضل المخلوقين واشرف الموحدين وحجج رب العالمين فليهنأ بالنعمة من تمسك بولايتنا وقبض عروتنا.

فهذا ما روي عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي ابن الحسين عن أبيه الحسين بن علي عن أمير المؤمنين علي بن ابي طالب كرم الله وجهه ولم نتعرض لكثير من اسانيد هذه الاخبار وطرقها لأنا قد اتينا على جميع ذكرها واتصالها في النقل بمن ذكرناها عنه وعزوناها إليه فيما سلف من كتبنا خوف الاكثار والتطويل في هذا الكتاب.

وعلى هذا فلا موقع لما في لسان الميزان ، ج ٤ ، ص ٢٢٥ من انه شيعي معتزلي وحيث لم يتحققه السبكي نسبه الى القيل ، فقال في «طبقات الشافعية» ، ج ٢ ، ص ٣٠٧ : قيل كان معتزلي العقيدة.

مؤلفاته

ذكر النجاشي في «الرجال» ، ص ١٧٨ :

له كتاب المقالات في اصول الديانات والزلف ، والاستبصار ، وبشر الحياة ، وبشر الابرار ، والصفوة في الامامة ، والهداية الى تحقيق الولاية ، والمعالي في الدرجات ، والابانة في اصول الديانات واثبات الوصية ورسالة الى ابن صفوة المصيصي ، واخبار الزمان من الامم الماضية والاحوال الخالية ، ومروج الذهب.

وفي «أمل الآمل» للحر العاملي نقلا عن «حواشي الشهيد» على الخلاصة :

ان له كتاب الانتصار وآخر اسمه الاستبصار وآخر اكبر من مروج الذهب اسمه

١٠

الاوسط وآخر اسماه القضاء والتجارب والنصرة ومزاهر الاخبار وطرائف الآثار وحدائق الازهار في اخبار آل محمد عليهم السّلام والواجب في الاحكام اللوازب.

وفي «روضات الجنات» ، ص ٣٧٩ :

له كتاب ذخائر العلوم وما كان في سالف الدهور ، والرسائل والاستذكار لما مر في سالف الاعصار ، والتاريخ في اخبار الامم من العرب والعجم ، والتنبيه والاشراف وخزائن الملك وسر العالمين والبيان في اسماء الائمة وكتاب اخبار الخوارج.

وفي بعض المواضع المعتبرة : له كتاب الادعية نسبه إليه الكفعمي في مصباحه.

وفي «فهرست ابن النديم» ، ص ٢١٩ :

له اسماء القرابات والرسائل.

وفي «لسان الميزان» لابن حجر ، ج ٤ ، ص ٢٢٤ :

له كتاب التعيين للخليفة الماضي.

وفي «فوات الوفيات» للكتبي ، ج ٢ ، ص ٤٥ :

له كتاب البيان في اسماء الائمة.

وذكر كتاب البيان في اسماء الائمة ياقوت في المعجم ، ج ١٣ ، ص ٩٤.

كتاب اثبات الوصية

ذكره النجاشي في الرجال

والعلامة الحلي في الخلاصة

والشهيد الثاني في الحاشية عليها

والمجلسي عند ذكر الكتب التي ينقل عنها في البحار

وابو علي الحائري في منتهى المقال

والخونساري في روضات الجنات

والمحدث النوري في خاتمة المستدرك

والشيخ العلامة الشيخ عبد الله المامقاني في تنقيح المقال.

١١

ولعل ما ذكره ياقوت في المعجم ، والكتبى في فوات الوفيات من البيان في اسماء الأئمة عين اثبات الوصية ، كما ان ما ذكره ابن حجر في لسان الميزان من كتاب تعيين الخليفة الماضي لعله يوافقه.

والحجة الامام كاشف الغطاء في كتابه «اصل الشيعة واصولها»

والعلامة الشيخ آغا بزرك الطهراني في كتابه «الذريعة الى تصانيف الشيعة» في الجزء الاول.

١٢

القسم الاول

اتصال الحجج والأنبياء

من أبينا آدم الى سيدنا محمد [ص]

١٣
١٤

مقدمة في بدء الخليقة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان الا على الظالمين وصلّى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.

(روي) عن عالم اهل البيت (عليهم السلام) انه قال لشيعته : اعلموا العقل وجنوده واعرفوا الجهل وجنوده تهتدوا.

فقيل له : انا لا نعرف الا ما عرفتنا.

فقال عليه السلام : ان الله جل وعلا خلق العقل وهو اول خلق خلقه من الروحانيين من يمين العرش من نوره فقال له أدبر فأدبر ، ثم قال له أقبل فأقبل. فقال له : خلقتك خلقا عظيما وكرمتك على جميع خلقي. ثم خلق الجهل من البحر الاجاج الظلماني فقال له ادبر فلم يدبر ثم قال له اقبل فلم يقبل فلعنه وقال له استكبرت ، ثم جعل للعقل خمسا وسبعين جندا فلما رأى الجهل ما اكرم الله به العقل اضمر له العداوة وقال يا رب هذا خلق مثلي خلقته وكرمته وقويته بالجنود وانا ضده فتضعفني ولا يكون لي قوة فاعطني من الجند مثل ما أعطيته.

فقال : نعم ، فان عصيت بعد ذلك اخرجتك وجنودك من رحمتي.

قال : قد رضيت.

١٥

فاعطاه خمسا وسبعين جندا. فكان ما اعطاهما من الجنود ما فسره العالم عليه السّلام وهو كما يوضع في الجهة التي تتلوها إن شاء الله تعالى.

جند العقل

الخير وزير العقل ، الاخلاص ، العلم ، التهيئة ، الرفق ، الستر ، النفس ، الصبر التذكر ، التوبة ، الدعاء ، التصديق ، الاسلام ، الشهامة ، المداراة ، البركة ، الرهبة ، الحلم ، النظافة ، الراحة ، الحفظ ، المواساة ، النشاط ، السلامة ، الحق ، الايمان ، الطمع في الغفران ، سلامة العيب ، البر للوالدين ، الصمت ، العفو ، السهولة ، الحكمة ، المودة ، الفرح ، الالفة ، العدل ، الامانة ، التوكل ، الصلاة ، العفة ، الحقيقة ، التقية ، الرحمة ، الصفا ، الوقار ، الاستغفار ، السخاء ، الحب في الله عز وجل ، الفهم ، الصوم ، الزهد ، التواضع ، الانصاف ، الحياء ، الغنى بالله عز وجل ، التعطف ، المحافظة ، الإغضاء ، الصدق ، الرجاء ، المعرفة ، الجهاد ، الكتمان ، التؤدة ، الاستسلام ، القصد ، العافية ، القناعة ، الوفاء ، الشكر ، الرضاء ، الرأفة ، الحج ، صون الحديث ، المعروف ، التسليم ، اليقين ، القوام ، السعادة ، الطاعة.

جند الجهل

الشر وزير الجهل ، الكفران ، البلادة ، المكاشفة ، الخرق ، التبرج ، الجحود ، الكفر ، الطمع ، المماكرة ، الجرأة ، الاضاعة ، التطاول ، الباطل ، الحرص ، التهتك ، العقوق ، الافطار ، البلاء ، الخيانة ، الغباوة ، الرعنة ، الرياء ، السفه ، الجور ، القنوط ، الانكار ، الافشاء ، الكبر ، الهذر ، البغض ، السخط ، الغلظة ، النميمة ، التسرع ، الاذاعة ، الكذب ، الشؤم ، الجهل ، الغضب ، المنكر ، الحمية ، الاستكبار ، العدوان ، الخلع ، المحق ، البلوى ، الشره ، المعصية ، التجبر ، الشك ، الفرقة ، المكاثرة ، الشقاوة ، الاستنكاف ، الحسد ، الجزع ، البخل ، السهو ، الاصرار ، الكسل ، الغدر ، الحرص لغير الله ، التعب ، النسيان ، المنع ، الحزن ، الحقد ، النكول ، الصعوبة ، الهوى ، العداوة ، القساوة ، نبذ الميثاق ، الانتقام ، الخفة ، الاغترار ، القحة ، البغي ، الفقر ، القطيعة ، التهاون ، العصبية.

١٦

فلا يجمع هذه الخصال كلها التي هي جنود العقل الا نبي أو وصي نبي أو مؤمن قد امتحن الله قلبه للايمان ، فاما ساير المؤمنين فلا يخلو احدهم من بعض هذه الجنود للخير حتى اذا استكمل وصفا من جنود الجهل كان في الدرجة العليا مع الأنبياء. تدرك معرفة العقل وجنوده بمجانبة الجهل وجنوده.

بدء الخليقة

وروي ان الله جل وعلا خلق الجن والنسناس وأسكنهم الارض فسفكوا الدماء وغيّروا وبدلوا فأهبط الله إبليس اللعين في جند من الملائكة وكان اسمه عزازيل فأبادوا الجن والنسناس الى اطراف الارض وسكن ابليس ومن معه العمران وكان يحكم بين أهل الارض ويتشبه بالملائكة ، ولم يكن منهم ، ويظهر الطاعة لله عز وجل ويبطن المعصية ، ثم لعنه الله ، وأظهر معصية الله وحكم بخلاف ما أمر الله وغيّر وبدل فلما اراد ـ جل وعلا ـ أن يخلق آدم (صلّى الله عليه) وذلك بعد أن مضى للجن والنسناس سبعة آلاف سنة وبعد ان مضى لابليس (لعنه الله) حين من الدهر كشف عن اطباق السماوات ثم قال للملائكة انظروا الى أهل الارض من خلقي.

فلما رأى الملائكة الفساد في الارض وسفك الدماء عظم ذلك عليهم ، فأوحى الله إليهم (إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) يكون حجة لي على من في ارضي على خلقي.

فقالت الملائكة (أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) فقالوا اجعله منا فانا لا نفسد في الأرض ولا نسفك الدماء. فقال : (إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ) اني اريد ان أخلق خلقا بيدي وأجعل من ذريته انبياء مرسلين وعبادا أئمة مهديين أجعلهم خلفاء على خلقي وحججا ينهونهم عن معصيتي وينذرونهم من عذابي ويهدونهم الى طاعتي ويسلكون بهم الى سبيلي وابتر النسناس عن أرضي وأهل مردة الجن العصاة عن بريتي وخلقي وأسكنهم في الهواء وفي أقطار الأرض وأجعل بين الخلق وبين الجن حجابا فلا يرى نسل خلقي الجن ولا يجالسونهم.

فقالت الملائكة : (لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ).

١٧

قال الله عز وجل (إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ).

وكان ذلك تقدمة من الله عز وجل في آدم عليه السّلام قبل أن يخلقه ؛ احتجاجا به عليهم.

قال فاغترف ـ تبارك وتعالى ـ من ذات اليمين بيمينه غرفة من الماء العذب الفرات فصلصلها فجمدت ثم قال لها : منك أخلق النبيين والمرسلين وعبادي الصالحين الأئمة المهديين والدعاة الى الجنة وأتباعهم الى يوم القيامة ولا أبالي (ولا أسأل عما أفعل وهم يسألون) يعني خلقه.

ثم اغترف غرفة من الماء المالح الأجاج من ذات الشمال فصلصلها فجمدت فقال لها : منك أخلق الخنازير والفراعنة وأئمة الكفر والدعاة الى النار واتباعهم الى يوم القيامة.

وشرط ـ جل وعز ـ في هؤلاء البدء ثم خلط الطينتين جميعا ثم أكفاهما مثله قدام عرشه.

وروي ان الله جل وعلا فرق الطينتين ثم رفع لهما نارا فقال لهما ادخلوها ناري فدخلها اصحاب اليمين فكان أول من دخلها محمد وآل محمد عليهم السلام ثم اتبعهم أولو العزم من الرسل وأوصياؤهم واتباعهم فكانت عليهم بردا وسلاما. وأبى أصحاب الشمال أن يدخلوها ، فقال للجميع كونوا طينا باذني ثم خلق منه آدم.

قال : فمن كان من هؤلاء لا يكون من هؤلاء ومن كان من هؤلاء لا يكون من هؤلاء.

وقال العالم عليه السلام للذي حدثه من شيعته ومواليه : فما رأيت من فرق أصحابك وخلقهم ما أصاب من لطخ أصحاب الشمال ، وما رأيت من حسن سيما ووقار أعدائك ما أصاب من لطخ أصحاب اليمين.

وروي ان الله جل وعز أخذ عليهم الميثاق بالتوحيد والرسالة والامامة وثبت المعرفة في قلوبهم ونسوا الموقف وسيذكرونه. ولو لا ذلك لم يدر أحد من خالقه ورازقه.

وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله : كل مولود يولد على الفطرة (يعني تلك المعرفة) ان يقولوا يوم القيامة انا كنا عن هذا غافلين.

١٨

وروي أنه سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض من عذبها ومالحها ومرّها ومنتنها فجعلت الملوحة في العينين ولو لا ذلك لذابتا وجعلت المرارة في الأذنين ولو لا ذلك لدخلها الهوام وجعل النتن في الانف ليجد الانسان الروايح الطيبة وجعلت العذوبة في الفم ليجد به لذة المطعم والمشرب.

ولما خلق الله تعالى آدم عليه السلام ونفخ فيه الروح وأمر بالسجود له وانما كان السجود لله تبارك وتعالى والطاعة لآدم عليه السّلام وامتنع ابليس حسدا له وطغيانا وقال (خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ *).

وأخطأ إبليس اللعين في القياس لان الطين الذي خلق منه آدم أنور من النار لأن النار من الشجر والشجر من الطين.

ثم قال ابليس : يا رب اعفني من السجود لآدم حتى أعبدك عبادة لم يعبدك بها أحد.

فأوحى الله تعالى : لست أقبل شيئا من عبادتك الا الطاعة لآدم.

فأبى ابليس اللعين ذلك ، فلعنه الله وغضب عليه وأمر الملائكة بإخراجه ثم قال له (وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ).

فسئل العالم عن السبب في اجابته الى الإنظار. فقال له : انه لما هبط الى الأرض تحكّم فيها وغيّر وبدل ، فغضب الله عليه فسجد أربعة آلاف سنة سجدة واحدة فجعل الله تلك السجدة سببا للاجابة للنظرة الى قيام صاحب الامر عليه السّلام وهو يوم الوقت المعلوم.

قال : فقال اللعين (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) فروي أنه لا سلطان لابليس على المؤمنين في اخراجهم من ولاية أمير المؤمنين عليه السّلام الى ولاية الجبت والطاغوت ، وله عليهم سلطان فيما سوى ذلك.

وروي ان رجلا سأل العالم عليه السلام عن قول الله عز وجل (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ) فقال : ما زال مذ خلق الله آدم في كل زمان دولتين دولة لله جل وعز وهي دولة الأنبياء والاوصياء ، ودولة لابليس. فاذا كانت الدولة للانبياء والاوصياء عبد الله نبيّه في الظاهر ، واذا كانت دولة ابليس (لعنه الله) عبد الله في السر.

١٩

هبوط آدم [ع]

قال : وكان مكث آدم في الجنة فيما روي سبع ساعات الدنيا ؛ روي أنه دخلها قبل زوال الشمس وخرج قبل ان تغيب ، وأنها كانت جنة تطلع فيها الشمس والقمر. ولو كانت جنة الخلد لما أخرج منها ، وأنه لما ذاق الشجرة انتزعت عنه زينته وكان عليه أحسن الثياب وأنفس الجواهر فاستتر بورق الموز ثم أمر الله جل وعز الملائكة باخراجه فاخذوا بيده ليخرجوه فقال اللهم بحق محمد وعلي والحسن والحسين تب علي فاوحى الله إليه : اهبط الى الأرض حتى أتوب عليك ، فهبط وأهبط معه من الحمرات ، فلما استوى على الأرض مدّ بصره فرأى ابليس قد سبقه الى الأرض.

وروي انه لم يصعد آدم شجرة الا صعد ابليس بحياله شجرة مثلها فرفع آدم يده ثم قال : يا رب انك تعلم اني لم أطقه وأنا في جوارك ، وقد أهبطته معي الى الأرض حتى أطيقه.

فأوحى الله إليه : يا آدم السيئة سيئة والحسنة عشر الى سبعمائة.

قال : يا رب زدني.

فأوحى الله إليه : لا يأتي احد من ولدك بمثل الجبال من الذنوب ثم يتوب منها الا غفرت له.

قال يا رب : زدني.

فأوحى الله إليه : أغفر الذنوب ولا أبالي.

قال : حسبي.

فقال ابليس : قد حلت بيني وبينه ومنعتني منه.

فأوحى الله إليه : انه لا يولد له ولد الا ولد لك ولدان.

قال يا رب : زدني.

فأوحى الله إليه : (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً).

قال : حسبي.

٢٠