الزبدة الفقهيّة - ج ٣

السيّد محمّد حسن ترحيني العاملي

الزبدة الفقهيّة - ج ٣

المؤلف:

السيّد محمّد حسن ترحيني العاملي

المحقق: المترجم:
الموضوع : الفقه الناشر: دار الفقه للطباعة والنشر المطبعة: سليمان‌زاده ISBN: 964-8220-34-4
نسخة غير مصححة

بالثبات أي قدرة مرتين ، (أو أقل إلا لمتحرف لقتال) (١) أي منتقل إلى حالة أمكن

______________________________________________________

ـ وغيره من الفساد) (١) ، والمدار على رجل لرجلين لقوله تعالى : (الْآنَ خَفَّفَ اللّٰهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً ، فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صٰابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ) (٢) ، وهي ناسخة بالاتفاق لقوله تعالى : (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صٰابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) (٣) ، حيث كان القتال على قاعدة رجل لعشرة ثم نسخ بما سمعت ، ويشهد له خبر إسماعيل بن جابر عن جعفر بن محمد عن آبائه عن علي عليهم‌السلام في حديث ـ إلى أن قال ـ : (إن الله تعالى فرض القتال على الأمة فجعل على الرجل أن يقاتل عشرة من المشركين ، فقال : (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صٰابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) ، الآية ، ثم نسخها سبحانه فقال : (الْآنَ خَفَّفَ اللّٰهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً ، فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صٰابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ) ، فنسخ بهذه الآية ما قبلها ، فصار فرض المؤمنين في الحرب إن كان عدة المشركين أكثر من رجلين لرجل لم يكن فارّا من الزحف ، وإن كانت العدة رجلين لرجل كان فارا من الزحف) (٤) ، وخبر مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عليه‌السلام في حديث : (إن الله عزوجل فرض على المؤمن في أول الأمر أن يقاتل عشرة من المشركين ليس له أن يولّي وجهه عنهم ، ومن ولّاهم يومئذ دبره فقد تبوأ مقعده من النار ، ثم حوّلهم عن حالهم رحمة منه لهم ، فصار الرجل منهم عليه أن يقاتل رجلين من المشركين تخفيفا من الله عزوجل ، فنسخ الرجلان العشرة) (٥) ، وخبر الحسن بن صالح عن أبي عبد الله عليه‌السلام (من فرّ من رجلين في القتال في الزحف فقد فرّ ، ومن فرّ من ثلاثة في القتال فلم يفرّ) (٦).

(١) كما في الآية الشريفة المتقدمة ، قال في مصباح المنير : (أي إلا مائلا لأجل القتال ، لا مائلا هزيمة ، فإن ذلك معدود من مكايد الحرب ، لأنه قد يكون لضيق المجال فلا يتمكن من الجولان فينحرف للمكان المتسع ليتمكن من القتال).

والمتحرف هو المائل إما لطلب سعة المكان للقتال ، أو مائلا لطلب موارد المياه دفعا لعطشه ، أو مائلا لاستدبار الشمس ، أو لتسوية لامته ، أو لنزع شي‌ء أو لبسه ، أو ـ

__________________

(١) الوسائل الباب ـ ٢٩ ـ من أبواب جهاد العدو حديث ٢.

(٢) سورة الأنفال الآية : ٦٧.

(٣) سورة الأنفال الآية : ٦٦.

(٤) الوسائل الباب ـ ٢٧ ـ من أبواب جهاد العدو حديث ٣.

(٥ و ٦) الوسائل الباب ـ ٢٧ ـ من أبواب جهاد العدو حديث ٢ و ١.

٦٤١

من حالته التي هو عليها كاستدبار الشمس وتسوية اللامة ، وطلب السعة ، ومورد الماء ، (أو متحيز) أي منضم (إلى فئة) (١) يستنجد بها (٢) في المعونة على القتال ، قليلة كانت أم كثيرة مع صلاحيتها له (٣) ، وكونها غير بعيدة على وجه يخرج عن كونه مقاتلا عادة ، هذا كله للمختار أما المضطر كمن عرض له مرض ، أو فقد سلاحه فإنه يجوز له الانصراف (٤).

(ويجوز المحاربة بطريق الفتح (٥) كهدم الحصون والمنجنيق وقطع الشجر) حيث يتوقف عليه (٦) (وإن كره) قطع الشجر (٧) وقد قطع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أشجار

______________________________________________________

ـ للارتفاع عن هابط أو للاستناد إلى جبل إلى غير ذلك مما يحتاجه المقاتل بحيث لا يعد ذلك فرارا وهروبا.

(١) لظاهر الآية الشريفة المتقدمة ، والمعنى أنه مائل إلى جماعة من الناس منقطعة عن غيرها سواء كانت قليلة أو كثيرة ، قريبة أو بعيدة ، بحيث لا يصدق معها الفرار من الحرب.

(٢) أي يستعين بتلك الفئة بحيث لو كانت غير صالحة للاستنجاد كما لو كانوا مرضى أو زمنى فلا فائدة في التحيز إليها.

(٣) أي مع صلاحية الفئة للاستنجاد.

(٤) لأنه مع الضرورة يسقط التكليف ، إلا أن يكون بالانصراف مفسدة على المسلمين بظهور الضعف والوهن وخوف الانكسار وغلبة العدو فلا يجوز.

(٥) أي يجوز المحاربة بكل ما يرجى به الفتح بلا خلاف فيه ، لخبر حفص بن غياث (كتب بعض اخواني إليّ أن اسأل أبا عبد الله عليه‌السلام عن مدينة من مدائن أهل الحرب ، هل يجوز أن يرسل عليهم الماء أو يحرقون بالنار ، أو يرمون بالمنجنيق حتى يقتلوا ، وفيهم النساء والصبيان والشيخ والأسارى من المسلمين والتجار ، فقال : تفعل ذلك ولا تمسك عنهم لهؤلاء ، ولا دية عليهم ولا كفارة) (١).

(٦) أي حيث يتوقف الفتح على القطع.

(٧) لصحيح جميل عن أبي عبد الله عليه‌السلام (كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا أراد أن يبعث سرية دعا أميرها فأجلسه إلى جنبه وأجلس أصحابه بين يديه ثم يقول : سيروا بسم بالله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله ، لا تضلوا ولا تمثلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا شيخا فانيا ولا صبيا ولا امرأة ولا تقطعوا شجرا إلا أن تضطروا إليها) (٢) الخبر.

__________________

(١) الوسائل الباب ـ ١٦ ـ من أبواب جهاد العدو حديث ٢.

(٢) الوسائل الباب ـ ١٥ ـ من أبواب جهاد العدو حديث ٢.

٦٤٢

الطائف (١) ، وحرّق على بني النضير ، وخرّب ديارهم (٢).

(وكذا يكره إرسال الماء) عليهم ، ومنعه عنهم ، (و) إرسال (النار (٣) وإلقاء السم) على الأقوى (٤) إلا أن يؤدي إلى قتل نفس محترمة فيحرم ، إن أمكن بدونه ،

______________________________________________________

(١) قال المجلسي عليه الرحمة : (وذكر الواقدي عن شيوخه قال : شاور رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أصحابه في حصن الطائف ، فقال له سلمان الفارسي : يا رسول الله أرى أن تنصب المنجنيق على حصنهم فأمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وآله فعمل منجنيق ، ويقال : قدم بالمنجنيق يزيد بن زمعة ودبابتين ، ويقال : خالد بن سعيد.

فأرسل عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار فأحرقت الدبابة ، فأمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقطع أعناقهم وتحريقها ، فنادى سفيان بن عبد الله الثقفي : لم تقطع أموالنا؟ إمّا إن تأخذها إن ظهرت علينا ، وإما أن تدعها الله والرحم ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فإني أدعها لله والرحم فتركها) (١).

(٢) وكذا عن الدروس ، وفي البحار : (وأمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقطع النخل والتحريق فيها ، فنادوه : يا محمد قد كنت تنهى عن الفحشاء ، فما بالك تقطع النخل وتحرقها ، فأنزل الله سبحانه : (مٰا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهٰا) (٢)) (٣).

(٣) فاستعمال الماء والنار بالشكل المذكور جائز كما يستفاد من خبر حفص بن غياث (سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن مدينة من مدائن الحرب هل يجوز أن يرسل عليها الماء أو تحرق بالنار أو ترمى بالمنجنيق حتى يقتلوا ، ومنهم النساء والصبيان والشيخ الكبير والأسارى من المسلمين والتجار؟ فقال : يفعل ذلك بهم ولا يمسك عنهم لهؤلاء ، ولا دية عليهم للمسلمين ولا كفارة) (٤) ، وهو محمول على الكراهة جمعا بينه وبين النهي عن إغراق الشجر بالماء وحرقه ، كما في صحيح جميل المتقدم ، وخبر مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عليه‌السلام (ولا تحرقوا النخل ولا تغرقوه بالماء ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تحرقوا زرعا لأنكم لا تدرون لعلكم تحتاجون إليه) (٥).

(٤) قيل يحرم مع عدم الاضطرار إليه وعدم توقف الفتح عليه ، لخبر السكوني عن أبي عبد الله عليه‌السلام (قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : نهى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يلقى السم في بلاد ـ

__________________

(١) بحار الأنوار ج ٢١ ص ١٦٨.

(٢) سورة الحشر الآية ٥.

(٣) البحار ج ٢٠ ص ١٥٩.

(٤) الوسائل الباب ـ ١٦ ـ من أبواب جهاد العدو حديث ٢.

(٥) الوسائل الباب ـ ١٥ ـ من أبواب جهاد العدو حديث ٣.

٦٤٣

أو يتوقف عليه الفتح فيجب ورجح المصنف في الدروس تحريم القائه مطلقا (١) ، لنهي النبي (ص) عنه ، والرواية ضعيفة السند بالسكوني.

(ولا يجوز قتل الصبيان والمجانين والنساء ، وإن عاونوا (٢) إلا مع الضرورة) بأن تترسوا بهم ، وتوقف الفتح على قتلهم ، (و) كذا (لا يجوز) قتل (الشيخ الفاني) (٣) إلا أن يعاون برأي ، أو قتال (٤) ، (ولا الخنثى المشكل) (٥) لأنه بحكم المرأة في ذلك.

(ويقتل الراهب (٦) والكبير) وهو دون الشيخ الفاني ، أو هو ، واستدرك

______________________________________________________

ـ المشركين) (١) ، وعن العلامة في جملة من كتبه بل في المختلف نسبته إلى أصحابنا أنه مكروه حملا للخبر على ذلك لقصور سنده عن إفادة الحرمة ، وفيه : إن السكوني مقبول الرواية بل حكي الاجماع على العمل بأخباره.

(١) وإن توقف الفتح عليه.

(٢) لصحيح جميل المتقدم ، ويجوز مع الضرورة لخبر حفص بن غياث المتقدم ، وأما المجنون فلخبر طلحة عن أبي عبد الله عليه‌السلام (جرت السنة أن لا تؤخذ الجزية من المعتوه ولا من المغلوب على عقله) (٢) ، بناء على أن من لا جزية عليه لا يقتل لخبر حفص بن غياث (سأل أبا عبد الله عليه‌السلام عن النساء كيف سقطت الجزية عنهن ورفعت عنهن؟ فقال : لأن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهى عن قتل النساء في دار الحرب إلا أن يقاتلن ، فإن قاتلن أيضا فأمسك عنها ما أمكنك ولم تخف خللا ، فلما نهي عن قتلهن في دار الحرب كان ذلك في دار الإسلام أولى ، ولو امتنعت أن تؤدي الجزية لم يمكن قتلها ، فلما لم يمكن قتالها رفعت الجزية عنها) (٣).

(٣) لصحيح جميل المتقدم.

(٤) قال العلامة في المنتهى (إن دريد بن الصمة قتل يوم خيبر وكان له مائة وخمسون سنة ، وكان له معرفة بالحرب ، وكان المشركون يحملونه معهم في قفص حديد ليعرفهم كيفية القتال ، فقتله المسلمون ولم ينكر عليهم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وفي التذكرة قال : (والأصح يوم حنين).

(٥) لاحتمال كونه امرأة فلا يقتل.

(٦) كما عن الشيخ والعلامة وغيرهما ، لعمومات الأمر بقتل المشركين ، وعن ابن الجنيد أنه ل ـ

__________________

(١) الوسائل الباب ـ ١٦ ـ من أبواب جهاد العدو حديث ١.

(٢ و ٣) الوسائل الباب ـ ١٨ ـ من أبواب جهاد العدو حديث ٣ و ١.

٦٤٤

الجواز بالقيد وهو قوله : (إذا كان ذا رأي ، أو قتال) وكان يغني أحدهما عن الآخر.

(و) كذا (يجوز قتل الترس ممن لا يقتل) كالنساء والصبيان (١) (ولو تترسوا بالمسلمين كفّ) عنهم (ما أمكن ، ومع التعذر) بأن لا يمكن التوصل إلى المشركين إلا بقتل المسلمين (فلا قود ، ولا دية) (٢) ، للإذن في قتلهم حينئذ شرعا ، (نعم تجب الكفارة) (٣) وهل هي كفارة الخطأ ، أو العمد وجهان : مأخذهما كونه في الأصل غير قاصد للمسلم ، وإنما مطلوبه قتل الكافر (٤) ، والنظر (٥) إلى صورة الواقع ، فإنه متعمد لقتله ، وهو أوجه. وينبغي أن تكون من بيت المال (٦) ، لأنه للمصالح وهذه من أهمها ، ولأن في إيجابها على المسلم اضرارا يوجب التخاذل عن الحرب لكثير.

______________________________________________________

ـ يجوز قتله إلا إذا قتل مسلما لخبر مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عليه‌السلام (قاتلوا من كفر بالله ، لا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا ولا متبتّلا في شاهق) (١) وهو ضعيف السند.

(١) قد تقدم.

(٢) لخبر حفص بن غياث المتقدم.

(٣) لقوله تعالى : (فَإِنْ كٰانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) (٢) ، بناء على مساواته للمقام لأن المقصود فيهما قتل الكافر لا المؤمن ، وعن المحقق في النافع والعلامة في التحرير التردد.

ولكن هل هي كفارة خطأ أو عمد فالاقوى أنها كفارة عمد لأنه قد عمد إلى قتله.

(٤) وجه كفارة الخطأ ولكن كما ترى لا يرفع العمد عن قتله.

(٥) وجه كفارة العمد.

(٦) ذهب الفاضل والشهيد والمقداد إلى وجوبها على القاتل كما هو الظاهر من الآية المتقدمة ، وذهب الشهيد الثاني في المسالك وهنا إلى أنها من بيت المال ، وقواه في الجواهر لأنه معدّ للمصالح وهذا منها بل من أهمها لأنه جعلت الكفارة على القاتل فيخشى التخاذل على المقاتلين خوف الغرامة.

__________________

(١) الوسائل الباب ـ ١٥ ـ من أبواب جهاد العدو حديث ٣.

(٢) سورة النساء الآية : ٩٢.

٦٤٥

(ويكره التبييت) (١) وهو النزول عليهم ليلا ، (والقتال قبل الزوال) (٢) ، بل بعده ، لأن أبواب السماء تفتح عنده ، وينزل النصر ، وتقبل الرحمة. وينبغي أن يكون بعد صلاة الظهرين (٣) ، (ولو اضطر) إلى الأمرين (زالت (٤) ، وأن يعرقب) المسلم (الدابة) (٥) ، ولو وقفت به ، أو أشرف على القتل ، ولو رأى ذلك صلاحا زالت كما فعل جعفر بمئونة ، وذبحها أجود وأما دابة الكافر فلا كراهة في قتلها ، كما في كل فعل يؤدي إلى ضعفه ، والظفر به.

(والمبارزة) بين الصفين (من دون إذن الإمام) على أصح القولين (٦) وقيل :

______________________________________________________

(١) وهو الإغارة عليهم ليلا ، لخبر عبّاد بن صهيب عن أبي عبد الله عليه‌السلام (ما بيّت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عدوا قط ليلا) (١) ، نعم إذا اضطر إليه جاز لما قاله في الجواهر (نعم لو دعت الحاجة إلى ذلك جاز بلا كراهة ، ولعل منه ما رواه الجمهور عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أنه شنّ الغارة على نبي المصطلق ليلا) (٢).

(٢) ويستحب بعده ، لخبر يحيى بن أبي العلاء عن أبي عبد الله عليه‌السلام (كان أمير المؤمنين عليه‌السلام لا يقاتل حتى تزول الشمس ويقول : تفتح أبواب السماء وتقبل الرحمة وينزل النصر ، ويقول : هو أقرب إلى الليل وأجدر أن يقلّ القتل ويرجع الطالب ويفلت المنهزم) (٣).

(٣) كما صرح به غير واحد ، ولعله ـ كما في الجواهر ـ لمخافة الاشتغال عنهما.

(٤) أي الكراهة.

(٥) وإن وقفت به أو اشرف على القتل ، لخبر السكوني عن أبي عبد الله عليه‌السلام (قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا حرنت على أحدكم دابته في أرض العدو في سبيل الله فليذبحها ولا يعرقبها) (٤) ، نعم إذا اقتضت المصلحة ذلك فلا كراهة ، لخبر السكوني عن أبي عبد الله عليه‌السلام (لما كان يوم مئونة كان جعفر بن أبي طالب على فرس له ، فلما التقوا نزل عن فرسه فعرقبها بالسيف ، فكان أول من عرقب في الاسلام) (٥).

(٦) كما عن الشيخ والعلامة والشهيد ، وعن أبي الصلاح أنها حرام ، والأصل فيه خبر عمرو بن جميع عن أبي عبد الله عليه‌السلام (سئل عن المبارزة بين الصفين بغير إذن الإمام ، فقال : ـ

__________________

(١) الوسائل الباب ـ ١٧ ـ من أبواب جهاد العدو حديث ١.

(٢) جواهر الكلام ج ٢١ ص ٨٢.

(٣) الوسائل الباب ـ ١٧ ـ من أبواب جهاد العدو حديث ٢.

(٤ و ٥) الوسائل الباب ـ ٥٢ ـ من أبواب أحكام الدواب حديث ١ و ٢.

٦٤٦

تحرم ، (وتحرم إن منع) الإمام منها (١) ، (وتجب) عينا (إن ألزم) بها شخصا معينا ، وكفاية إن أمر بها جماعة ليقوم بها واحدة منهم ، وتستحب إذا ندب إليها من غير أمر جازم (٢).

(وتجب مواراة المسلم المقتول) في المعركة (٣) ، دون الكافر (فإن اشتبه) بالكافر (فليوارى كميش الذكر) (٤) أي صغيره ، لما روي من فعل النبي (ص) في قتلى بدر ، وقال : لا يكون ذلك إلا في كرام الناس ، وقيل : يجب دفن الجميع احتياطا. وهو حسن ، وللقرعة وجه أما الصلاة عليه فقيل : تابعة للدفن ، وقيل : يصلّى على الجميع ويفرد المسلم بالنية. وهو حسن.

______________________________________________________

ـ لا بأس به ، ولكن لا يطلب إلا بإذن الإمام) (١) ، وفي النهج قال أمير المؤمنين عليه‌السلام لابنه الحسن عليه‌السلام (لا تدعونّ إلى مبارزة وإن دعيت إليها فأجب ، فإن الداعي باغ والباغي مصروع) (٢).

(١) بلا خلاف ، لوجوب إطاعة أمر الإمام عليه‌السلام ؛ ومنه تعرف الحكم فيما إذا الزم المعصوم بها شخصا معينا فتجب عينا ، أو جماعة ليقوم واحد منهم فتجب عليه كفاية.

(٢) لعدم وجوب إطاعة هذا الأمر غير الجازم.

(٣) قد تقدم في مبحث الدفن.

(٤) كما صرح به غير واحد منهم الفاضل والشهيد ، لصحيح حماد بن عيسى عن أبي عبد الله عليه‌السلام (قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم بدر : لا تواروا إلا من كان كميشا ، يعني من كان ذكره صغيرا ، وقال : لا يكون ذلك إلا في كرام الناس) (٣).

ونوقش فيه بأنه يلزم النظر إلى العورة ، وردّ بأنه يجوز عند الضرورة ، وقال الشيخ في المبسوط (فعلى هذا يصلى من هذه صفته ـ إلى أن قال ـ وإن قلنا إنه يصلي عليهم صلاة واحدة وينوي بالصلاة على المؤمنين منهم كان قويا ، وعن ابن إدريس رمي الخبر بالشذوذ ، وأوجب القرعة في الدفن لأنها لكل أمر مشكل مع الصلاة على الجميع مع تخصيص نية الصلاة على المسلمين دون الكفار ، وعن المقداد أنه مال إلى دفن الكل احتياطا.

__________________

(١ و ٢) الوسائل الباب ـ ٣١ ـ من أبواب جهاد العدو حديث ١ و ٣.

(٣) الوسائل الباب ـ ٦٥ ـ من أبواب جهاد العدو حديث ١.

٦٤٧

(الفصل الثاني ـ في تروك القتال ، ويترك)

القتال وجوبا ـ (لأمور أحدها الأمان) (١) وهو الكلام وما في حكمه الدال

______________________________________________________

(١) لا خلاف في مشروعية الأمان لقوله تعالى : (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجٰارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّٰى يَسْمَعَ كَلٰامَ اللّٰهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) (١) ، وصحيح ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله عليه‌السلام (إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خطب الناس في مسجد الخيف فقال : نضّر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها وبلّغها من لم يسمعها ـ إلى أن قال ـ المسلمون إخوة تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم) (٢) ، وخبر السكوني عن أبي عبد الله عليه‌السلام (قلت له : ما معنى قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يسعى بذمتهم أدناهم؟ قال : لو أن جيشا من المسلمين حاصروا قوما من المشركين فأشرف رجل فقال : أعطوني الأمان حتى ألقى صاحبكم وأناظره ، فاعطاه ادناهم الأمان وجب على أفضلهم الوفاء به) (٣) ، وخبر مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عليه‌السلام (إن عليا عليه‌السلام أجاز أمان عبد مملوك لأهل حصن من الحصون ، وقال : هو من المؤمنين) (٤)، وخبر حبة العرني (قاله أمير المؤمنين عليه‌السلام : من ائتمن رجلا على دمه ثم خاس به فأنا من القاتل بري‌ء وإن كان المقتول في النار) (٥) ، وخبر عبد الله بن سليمان (سمعت أبا جعفر عليه‌السلام يقول : ما من رجل أمن رجلا على ذمة ـ دمه كما من نسخة أخرى ـ ثم قتله إلا جاء يوم القيامة يحمل لواء الغدر) (٦) ، وهذه الأخبار كما تدل على مشروعية الأمان فتدل أيضا على حرمة القتال مع الأمان ، وهي بإطلاقها تدل على أن الأمان أعم من أن يكون على نفس الكافر وماله بل على كل ما وقع عليه إطلاق الأمان ، فتقييده بالنفس أو المال كما عن الشارح ليس في محله ، وهي دالة على جواز صدور الأمان من غير الإمام بل ومن المملوك.

ثم إن ظاهر النصوص أعم من أن يكون الأمان بلفظ أو غيره ، ولا فرق بين اللفظ العربي وغيره ، ولخبر الدعائم عن أبي عبد الله عليه‌السلام (الأمان جائز بأي لسان كان) (٧) ، وخبره الآخر عن أمير المؤمنين عليه‌السلام (إذا آوى أحد من المسلمين أو أشار بالأمان إلى أحد من المشركين فنزل على ذلك فهو أمان) (٨).

__________________

(١) سورة التوبة الآية : ٦.

(٢) الوسائل الباب ـ ٣١ ـ من أبواب القصاص في النفس حديث ٢.

(٣ و ٤ و ٥ و ٦) الوسائل الباب ـ ٢٠ ـ من أبواب جهاد العدو حديث ١ و ٢ و ٦ و ٣.

(٧ و ٨) مستدرك الوسائل الباب ـ ١٨ ـ من أبواب جهاد العدو حديث ٦ و ٥.

٦٤٨

على سلامة الكافر نفسا ، ومالا اجابة لسؤاله ذلك ، ومحله (١) من يجب جهاده (٢) ، وفاعله البالغ العاقل المختار (٣) ، وعقده ما دل عليه من لفظ ، وكتابة ، وإشارة مفهمة ، ولا يشترط كونه من الإمام (٤) بل يجوز : (ولو من آحاد المسلمين لآحاد الكفار). والمراد بالآحاد العدد اليسير. وهو هنا العشرة فما دون (٥) ، (أو من الإمام (٦) أو نائبه) (٧) عاما أو في الجهة التي أذم فيها (للبلد) وما هو أعم

______________________________________________________

(١) أي محل الأمان.

(٢) فلو لم يجب جهاده فلا معنى لإعطائه إياه.

(٣) أما اشتراط البلوغ والعقل لسلب عبارة الصبي والمجنون كما سيأتي في بحث البيع ، وأما اشتراط الاختيار لظهور الأخبار المتقدمة فيه.

(٤) وعن أبي الصلاح اشتراط كونه بإذن الإمام وهو محجوج بإطلاق الأخبار المتقدمة.

(٥) كما صرح به جماعة كما في الجواهر اقتصارا فيما خالف عموم الأمر بقتل المشركين على القدر المتيقن ، حيث قد ورد في النصوص أن الأمان من آحاد المسلمين للآحاد من الكفار ، والآحاد من جموع القلة وأكثرها عشرة ، ففي صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه‌السلام (كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا أراد أن يبعث سرية دعاهم ـ إلى أن قال ـ وأيّما رجل من أدنى المسلمين أو أفضلهم نظر إلى أحد من المشركين فهو جار حتى يسمع كلام الله ، فإن تبعكم فأخوكم في الدين وإن أبى فابلغوه مأمنه واستعينوا بالله) (١) ، وخبر الدعائم عن أمير المؤمنين عليه‌السلام (إذا أومأ أحد من المسلمين أو أشار بالأمان إلى أحد من المشركين فنزل على ذلك فهو في أمان) (٢) ، ووقع الخلاف في أنه هل يجوز له أن يذم الواحد الحصن والقرية الصغيرة ، قيل نعم كما أجاز أمير المؤمنين عليه‌السلام ذمام الواحد لحصن من الحصون كما في خبر مسعدة بن صدقة المتقدم (٣) ، وقيل كما عن المحقق في الشرائع لا يجوز بعد حمل فعل أمير المؤمنين أنه قضية في واقعة بعد التمسك بعموم الأمر بقتال المشركين.

(٦) فيجوز له أن يذم عاما وخاصا بلا خلاف لأن ولايته عامة.

(٧) لأنه له الولاية حينئذ بالتنصيب.

__________________

(١) الوسائل الباب ـ ١٥ ـ من أبواب جهاد العدو حديث ١.

(٢) مستدرك الوسائل الباب ـ ١٨ ـ من أبواب جهاد العدو حديث ٥.

(٣) الوسائل الباب ـ ٢٠ ـ من أبواب جهاد العدو حديث ٢.

٦٤٩

منه (١) ، وللآحاد بطريق أولى.

(وشرطه) أي شرط جوازه (أن يكون قبل الأسر) (٢) إذا وقع من الآحاد ، أما في الإمام فيجوز بعده ، كما يجوز له المن عليه (٣) ، (وعدم المفسدة) (٤).

وقيل : وجود المصلحة (٥) كاستمالة الكافر ليرغب في الإسلام ، وترفيه الجند ، وترتيب أمورهم ، وقلتهم ، ولينتقل الأمر منه إلى دخولنا دارهم فنطلع على عوراتهم ، ولا يجوز مع المفسدة (كما لو أمن الجاسوس فإنه لا ينفذ) ، وكذا من فيه مضرة ، وحيث يختل شرط الصحة يردّ الكافر إلى مأمنه (٦) ، كما لو دخل بشبهة الأمان مثل أن يسمع لفظا فيعتقده أمانا ، أو يصحب رفقة فيظنها كافية ، أو يقال له : لا نذمك فيتوهم الإثبات ، ومثله الداخل بسفارة (٧) ، أو ليسمع

______________________________________________________

(١) كالقطر والجهة.

(٢) بلا خلاف فيه ، فلا يجوز لآحاد الناس بعده لظهور الأخبار المتقدمة في صحة الذمام وأمان في غير هذه الحال ، وعن الاوزاعي أنه يجوز بعد الأسر ، لما روي أن زينب بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أجارت العاص بن الربيع فأمضاه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١) ، وفيه : إنه صح لإمضاء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم له.

(٣) كما سيأتي وإذا جاز اطلاق اسره فيجوز اعطاء الأمان له بطريق أولى.

(٤) كما عن القواعد.

(٥) كما صرح به بعضهم كما في الجواهر ، وهو الأوفق جمعا بين إطلاق الأدلة وبين اعتبار المصلحة التي بني عليها أصل الأمان ، فلو أمّن جاسوسا أو من فيه مضرة فلا يجوز لعموم الأمر بالقتال بعد انصراف أدلة الأمان إلى غير المذكور.

(٦) مثل أن يصطحب رفقة فيتوهمها أمانا ، أو سمع لفظا فاعتقده أمانا ، أو اشتمل عقد الأمان على شرط فاسد والمشرك لا يعلم افساده ، فإنه يردّ إلى مأمنه بلا خلاف ، لخبر محمد بن حكيم عن أبي عبد الله عليه‌السلام (لو أن قوما حاصروا مدينة فسألوهم الأمان فقالوا : لا ، فظنوا أنهم قالوا نعم ، فنزلوا إليهم كانوا آمنين) (٢) ، وهو لا خصوصية فيتعدى منه إلى كل ما قطع المشرك بكونه أمانا.

(٧) لما روته العامة عن ابن مسعود (إن رجلين أتيا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رسولين لمسيلمة فقال لهما : ـ

__________________

(١) سنن البيهقي ج ٩ ص ٩٥.

(٢) الوسائل الباب ـ ٢٠ ـ من أبواب جهاد العدو حديث ٤.

٦٥٠

كلام الله (١).

(وثانيهما ـ النزول (٢) على حكم الإمام ، أو من يختاره) الإمام. ولم يذكر شرائط المختار اتكالا على عصمته المقتضية لاختيار جامع الشرائط وإنما يفتقر إليها من لا يشترط في الإمام ذلك (٣) (فينفذ حكمه) كما أقر النبي (ص) بني قريظة

______________________________________________________

ـ اشهدا أني رسول الله فقالا : نشهد أن مسيلمة رسول الله ، فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لو كنت قاتلا رسولا لضربت عنقيكما) (١) ومنه يستفاد الأمان للرسل.

(١) لقوله تعالى : (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجٰارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّٰى يَسْمَعَ كَلٰامَ اللّٰهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) (٢).

(٢) وهو التراضي مع الكفار على أن ينزلوا على حكم حاكم فيعمل على مقتضى حكمه بلا خلاف في مشروعيته ، لما روته العامة (أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لما حاصر بني قريظة رضوا بأن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ فأجابهم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى ذلك ، فحكم عليهم بقتل رجالهم وسبّي ذراريهم فقال له النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لقد حكمت بما حكم الله تعالى به فوق سبعة أرقعة ، أي سبع سماوات) (٣) ، وما ورد من طرقنا كخبر مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عليه‌السلام في وصية النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمن يؤمّره على سرية : (وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن ينزلوا على حكم الله عزوجل فلا تنزلهم ولكن أنزلهم على حكمكم ، ثم اقض فيهم بعد ما شئتم ، فإنكم إن أنزلتموهم على حكم الله لم تدروا تصيبوا حكم الله فيهم أم لا ، وإذا حاصرتم أهل حصن فإن آذنوك على أن تنزلهم على ذمة الله وذمة رسوله فلا تنزلهم ولكن أنزلهم على ذممكم وذمم آبائكم وإخوانكم ، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمم آبائكم وإخوانكم كان أيسر عليكم يوم القيامة من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) (٤).

وقد روت العامة مثله (٥) ، ولذا ذهب الشيباني منهم إلى عدم جواز إنزال الإمام لهم على حكم الله وهذا يتمشى في أئمتهم ، ولكن عندنا فالأئمة صلوات الله عليهم معصومون كرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعالمون بحكم الله الواقعي فيجوز قبول الإمام عليه‌السلام بنزولهم على حكم الله جل وعلا.

(٣) أي العصمة وهم العامة.

__________________

(١) مجمع الزوائد ج ٥ ص ٣١٤.

(٢) سورة التوبة الآية : ٧.

(٣) تاريخ الطبري ج ٢ ص ٥٨٨.

(٤) الوسائل الباب ـ ١٥ ـ من أبواب جهاد العدو حديث ٣.

(٥) كنز العمال ج ٢ ص ٢٩٧ الرقم ٦٢٨٠.

٦٥١

حين طلبوا النزول على حكم سعد بن معاذ فحكم فيهم بقتل الرجال ، وسبي الذراري ، وغنيمة المال ، فقال له النبي (ص) : لقد حكمت بما حكم الله تعالى به من فوق سبعة أرقعة. وإنما ينفذ حكمه (ما لم يخالف الشرع) (١) بأن يحكم (٢) بما لاحظ فيه للمسلمين ، أو ما ينافي حكم الذمة لأهلها.

(الثالث ، والرابع ـ الإسلام (٣) وبذل الجزية) فمتى أسلم الكافر حرم قتاله مطلقا (٤) حتى لو كان بعد الأسر الموجب (٥) للتخيير بين قتله وغيره ، أو بعد

______________________________________________________

(١) قال في الجواهر : (وبالجملة ينفذ حكمه الموافق لما قرره الشرع فيهم مع ملاحظة مصلحة المسلمين).

(٢) تفسير للنفي لا للمنفي.

(٣) لأنه إذا أسلم الكافر حرم قتاله ، للأخبار الكثيرة منها : خبر مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عليه‌السلام في وصية النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمن بعثه على سرية من السرايا : (فادعوهم إلى إحدى ثلاث فإن هم أجابوكم إليها فاقبلوا منهم وكفوا عنهم ، ادعوهم إلى الإسلام فإن دخلوا فيه فاقبلوا منهم وكفوا عنهم ـ إلى أن قال ـ فإن أبوا هاتين فادعوهم إلى إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون ، فإن أعطوا الجزية فاقبل منهم وكف عنهم ، وإن ابوا فاستعن بالله عزوجل عليهم وجاهدهم في الله حق جهاده) (١).

والنبوي المشهور (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دمائهم) (٢) ، وخبر الزهري عن علي بن الحسين عليهما‌السلام (الأسير إذا أسلم فقد حقن دمه وصار فيئا) (٣).

وهي مطلقة تشمل ما لو أسلم قبل نشوب الحرب وبعد نشوبها وقبل اسره وبعد اسره وقبل تحكيم الحاكم وبعده ، ولا يسقط إلا قتله وأما بقية الأحكام فسيأتي التعرض لها.

(٤) كتابيا كان أو غيره.

(٥) أي الأسر فإنه موجب لضرب العناق أو قطع الأيدي والأرجل من خلاف ثم يتركه حتى يتشحط في دمه إذا أخذ الأسير والحرب لم تضع أوزارها ، وإلا فإذا وضعت (الْحَرْبُ أَوْزٰارَهٰا) فالإمام مخيّر بين المنّ والفداء والاسترقاق كما سيأتي تفصيل ذلك ، وإذا أخذ لا في حال المحاربة فهو مخيّر بين قتله واسترقاقه ، وعليه فعبارة الشارح تحمل على الشق الثالث.

__________________

(١) الوسائل الباب ـ ١٥ ـ من أبواب جهاد العدو حديث ٣.

(٢) سنن البيهقي ج ٩ ص ١٨٢.

(٣) الوسائل الباب ـ ٢٣ ـ من أبواب جهاد العدو حديث ٢.

٦٥٢

تحكيم الحاكم عليه ، فحكم بعده بالقتل (١) ، ولو كان بعد حكم الحاكم بقتله وأخذ ماله وسبي ذراريه سقط القتل وبقي الباقي ، وكذا إذا بذل الكتابي ومن في حكمه (٢) الجزية (٣) وما يعتبر معها (٤) من شرائط الذمة. ويمكن دخوله في الجزية ، لأن عقدها لا يتم إلا به فلا يتحقق بدونه.

(الخامس ـ المهادنة) (٥) وهي المعاقدة من الإمام (ع) أو من نصبه لذلك مع من يجوز قتاله (على ترك الحرب مدة معينة) بعوض وغيره بحسب ما يراه الإمام قلة ، (وأكثرها عشر سنين) (٦) ...

______________________________________________________

(١) أي فحكم الحاكم بعد إسلامه بالقتل.

(٢) وهو المجوسي لأن له شبهة كتاب كما تقدم.

(٣) حرم قتاله وقد تقدم دليله.

(٤) وهو الالتزام ببقية شرائط الذمة ، والواو بمعنى مع هنا ، إن قلت : عبارة المصنف قاصرة إذ جعل ترك القتال ببذل الجزية فقط ، فرد الشارح بأن الالتزام ببقية الشرائط يمكن دخوله في الجزية لعدم تحقق عقد الجزية إلا به.

(٥) وهي المعاقدة على ترك الحرب مدة معينة ، سواء كانت المهادنة بعوض أو بغير عوض ، فهي مشروعة بلا خلاف لقوله تعالى : (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهٰا) (١) وقوله تعالى : (فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلىٰ مُدَّتِهِمْ) (٢) ، وللمقطوع من سيرة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من مهادنته الكفار يوم الحديبية.

(٦) فالهدنة إلى أربعة أشهر فما دون بلا خلاف فيه لقوله تعالى : (بَرٰاءَةٌ مِنَ اللّٰهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عٰاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) (٣) ، ويمكن القول إنه امهال لهم على وجه التهديد والتوعد لا أنه عقد هدنة إلى أربعة أشهر.

هذا من ناحية القلة ، وأما من ناحية الكثرة فذهب الاسكافي والشيخ إلى أنها لعشر سنين لمصالحة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قريشا قدرها ، فيخرج به عن عموم الأمر بقتال المشركين ، والمشهور على أنه لا تجوز الزيادة على سنة لقوله تعالى : (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) (٤) ، والأمر بقتالهم كل سنة يقتضي عدم جواز المهاونة أكثر من سنة ـ

__________________

(١) سورة الأنفال الآية : ٦١.

(٢) سورة التوبة الآية : ٤.

(٣) سورة التوبة الآية : ١.

(٤) سورة التوبة الآية : ٥.

٦٥٣

فلا تجوز الزيادة عنها مطلقا (١) ، كما يجوز أقل من أربعة أشهر إجماعا ، والمختار جواز ما بينهما على حسب المصلحة ، (وهي جائزة مع المصلحة للمسلمين) لقلتهم ، أو رجاء إسلامهم مع الصبر ، أو ما يحصل به الاستظهار. ثم مع الجواز قد تجب مع حاجة المسلمين إليها وقد تباح لمجرد المصلحة التي لا تبلغ حد الحاجة ، ولو انتفت انتفت الصحة.

(الفصل الثالث ـ في الغنيمة)

وأصلها المال المكتسب (٢) ، والمراد هنا ما أخذته الفئة المجاهدة على سبيل الغلبة (٣) ، لا باختلاس وسرقة ، فإنه لآخذه (٤) ، ولا بانجلاء أهله عنه بغير قتال ، فإنه للإمام (٥) ، (وتملك النساء والأطفال بالسبي) (٦) وإن كانت الحرب قائمة

______________________________________________________

ـ وعن العلامة في المنتهى والشارح في المسالك أنه يراعى الأصلح وما تفرضه مصلحة المسلمين لإطلاق أدلة مشروعية المهادنة.

(١) حتى مع مصلحة المسلمين في ذلك.

(٢) قال في المسالك : (الغنيمة هي الفائدة المكتسبة ، سواء اكتسبت برأس مال كأرباح التجارات ، أو بغيره كما يستفاد من دار الحرب ، استطرد البحث عن مفهومها لغة بالمعنى العام مع أن المقصود هنا هو القسم الثاني ، للتنبيه على أن مفهومها العام باق عندنا على أصله ، ومنه يستفاد وجوب الخمس في أرباح التجارات ونحوها لعموم قوله تعالى : (وَاعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ) ، خلافا للعامة حيث خصوها بالمعنى الثاني ، ونقلوها عن موضوعها اللغوي إلى غنائم دار الحرب خاصة ، أو خصوها به).

(٣) للأخبار منها : صحيح ربعي عن أبي عبد الله عليه‌السلام (كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا أتاه المغنم أخذ صفوه وكان ذلك له ، ثم يقسم ما بقي خمسة أخماس ويأخذ خمسه ، ثم يقسم أربعة أخماس بين الناس الذين قاتلوا عليه) (١) ، وتقسيم البقية بين المقاتلين دليل على أن المأخوذ قد أخذ بالغلبة والقتال.

(٤) ويجب فيه الخمس وقد تقدم في باب الخمس.

(٥) لأنه من الأنفال كما تقدم بحثه أيضا.

(٦) إن ما يؤخذ من الكفار على أقسام ثلاثة : ما ينقل كالذهب والفضة والأمتعة ، وما لا ينقل كالأرض والعقار ، وما هو سبي كالأطفال والنساء ، وقد ابتدأ بالقسم الثالث ـ

__________________

(١) الوسائل الباب ـ ١ ـ من أبواب قسمة الخمس حديث ٣.

٦٥٤

والذكور البالغون يقتلون حتما ، إن أخذوا والحرب قائمة (١) إلا أن يسلموا) فيسقط قتلهم (٢) ، ويتخير الإمام حينئذ بين استرقاقهم والمن عليهم ، والفداء.

وقيل : يتعين المن عليهم هنا ، لعدم جواز استرقاقهم حال الكفر (٣) فمع الإسلام أولى.

______________________________________________________

ـ وحكمه أن النساء والذراري يملكن بالسبي وإن كانت الحرب قائمة ، بلا خلاف فيه لما روي (أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهى عن قتل النساء والولدان ، وكان يسترقهم إذا سباهم) (١).

(١) بلا خلاف فيه ، لخبر طلحة بن زيد عن أبي عبد الله عليه‌السلام (كان أبي يقول : إن للحرب حكمين ، إذا كانت الحرب قائمة ولم تضع اوزارها ولم يثخن أهلها فكل أسير أخذ في تلك الحال فإن الإمام فيه بالخيار إن شاء ضرب عنقه ، وإن شاء قطع يده ورجله من خلاف بغير حسم وتركه يتشحط في دمه حتى يموت ، وهو قول الله عزوجل : (إِنَّمٰا جَزٰاءُ الَّذِينَ يُحٰارِبُونَ اللّٰهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسٰاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا ، أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلٰافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ) ، الآية.

ألا ترى أن المخيّر الذي خيّر الله الإمام على شي‌ء واحد وهو الكفر ، وليس هو على أشياء مختلفة ، فقلت : قول الله عزوجل : (أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ) ، قال : ذلك الطلب أن تطلبه الخيل حتى يهرب ، فإن اخذته الخيل حكم عليه ببعض الأحكام التي وضعت لك) (٢).

(٢) كما تقدم ، ولكن وقع الخلاف أنه بعد سقوط قتلهم هل الإمام مخيّر بين الفداء والمنّ والاسترقاق ، كما ذهب إليه الشيخ جمعا بين خبر الزهري عن علي بن الحسين عليهما‌السلام (الاسير إذا أسلم فقد حقن دمه وصار فيئا) (٣) أي ملك المسلمين ، وبين المرسل في المنتهى (أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فادى أسيرا أسلم برجلين) (٤) ، فالأول يدل على الاسترقاق والثاني على الفداء ، والمنّ جائز للإمام وإن لم يسلم الأسير فمع اسلامه من باب أولى.

وقال في الجواهر : (بل قيل ـ وإن كنا لم نعرف القائل بعينه ـ : بتعينه ـ أي المنّ ـ ، لعدم دليل معتد به على جواز الاسترقاق والفداء بعد عدم جمع الخبرين المزبورين لشرائط الحجية).

(٣) لأنه يجب قتله بحسب الفرض لأن الحرب قائمة.

__________________

(١) سنن البيهقي ج ٩ ص ٦٣ و ٧٨.

(٢) الوسائل الباب ـ ٢٣ ـ من أبواب جهاد العدو حديث ١.

(٣) الوسائل الباب ـ ٢٣ ـ من أبواب جهاد العدو حديث ٢.

(٤) سنن البيهقي ج ٩ ص ٧٢.

٦٥٥

وفيه : إن عدم استرقاقهم حال الكفر إهانة ومصير إلى ما هو أعظم منه (١) ، لا إكرام فلا يلزم مثله بعد الإسلام ، ولأن الإسلام لا ينافي الاسترقاق ، وحيث يجوز قتلهم (٢) يتخير الإمام تخير شهوة بين ضرب رقابهم ، وقطع أيديهم ، وأرجلهم ، وتركهم حتى يموتوا إن اتفق وإلا أجهز عليهم.

(وإن أخذوا بعد أن وضعت (الْحَرْبُ أَوْزٰارَهٰا)) (٣) أي أثقالها من السلاح وغيره وهو كناية عن تقضيها (لم يقتلوا ويتخير الإمام) فيهم تخير نظر ومصلحة (٤) (بين المن) عليهم (والفداء) لأنفسهم بمال حسب ما يراه من المصلحة ، (والاسترقاق) حربا كانوا أم كتابيين.

وحيث تعتبر المصلحة لا يتحقق التخيير إلا مع اشتراك الثلاثة فيها على

______________________________________________________

(١) وهو القتل.

(٢) إذا أخذ والحرب قائمة ولم يسلم فالإمام مخيّر تخيير شهوة بين القتل وبين قطع الأيدي والأرجل من خلاف على ما تقدم بيانه ، لا تخيير مصلحة لأن المطلوب قتلهم فاختيار الوسيلة بنظره كما يرى ، بخلاف تخيير المصلحة فإنه يتخير على حسب ما يراه من المصلحة ، وقد عرفت أن مجال الاختيار غير مفتوح ما دام المطلوب قتلهم على كل حال.

نعم المشهور جعلوا التخيير بين ضرب الأعناق وبين قطع الأيدي والأرجل ، والخبر جعل الطلب قسيما فلذا ذهب القاضي إلى أن الإمام مخيّر بين أنواع القتل لأن ما ذكر في الخبر إنما هو من باب المثال لا على نحو الحصر.

(٣) لخبر طلحة بن زيد المتقدم عن أبي عبد الله عليه‌السلام (والحكم الآخر إذا وضعت (الْحَرْبُ أَوْزٰارَهٰا) وأثخن أهلها ، فكل أسير أخذ على تلك الحال فكان في أيديهم فالإمام عليه‌السلام فيه بالخيار إن شاء منّ عليهم فأرسلهم ، وإن شاء فاداهم أنفسهم ، وإن شاء استعبدهم فصاروا عبيدا) (١).

(٤) قال في الجواهر : (ثم إن ظاهر النص والفتوى إطلاق التخيير ـ سواء وجدت المصلحة أم لا ـ لكن الفاضل في المحكي عن جملة من كتبه وثاني الشهيدين عيّنا الأصلح من الثلاثة ، لكونه الولي للمسلمين المكلف بمراعاة مصالحهم ، ومقتضاه عدم التخيير إلا مع التساوي في المصلحة فحينئذ يتخير تخيّر شهوة ، ولا ريب في كونه أحوط وإن كان اجتهادا في مقابلة إطلاق التخيير من ولي الجميع الذي هو أعلم بالمصالح).

__________________

(١) الوسائل الباب ـ ٢٣ ـ من أبواب جهاد العدو حديث ١.

٦٥٦

السواء ، وإلا تعين الراجح واحدا كان أم أكثر. وحيث يختار الفداء ، أو الاسترقاق (فيدخل ذلك (١) في الغنيمة) كما دخل من استرق ابتداء فيها من النساء والأطفال.

(ولو عجز الأسير) الذي يجوز للإمام قتله (عن المشي لم يجز قتله) (٢) لأنه لا يدرى ما حكم الإمام فيه بالنسبة إلى نوع القتل ، ولأن قتله إلى الإمام وإن كان مباح الدم في الجملة كالزاني المحصن. وحينئذ فإن أمكن حمله ، وإلا ترك للخبر.

ولو بدر مسلم فقتله فلا قصاص ، ولا دية ، ولا كفارة وإن أثم (٣) ، وكذا لو قتله من غير عجز.

(ويعتبر البلوغ بالانبات) (٤) لتعذر العلم بغيره من العلامات غالبا وإلا فلو

______________________________________________________

(١) أي الفداء فيدخل في الغنيمة لصدق المال ـ الذي أخذته الفئة المجاهدة على سبيل الغلبة ـ عليه.

(٢) كما عن العلامة والشهيد ، لخبر الزهري عن علي بن الحسين عليهما‌السلام (إذا أخذت أسيرا فعجز عن المشي ولم يكن معك محمل فأرسله ولا تقتله ، فإنك لا تدري ما حكم الإمام فيه) (١).

وعن البعض أنه يجب إرساله تمسكا بظاهر الخبر ، وردّ بأن القتل يتعين عليه إذا أخذ والحرب لم تضع أوزارها ، فلا يجوز للمسلم تركه بعد حمل الخبر أنك لا تدري ما حكم الإمام فيه من ناحية أنواع القتل ، فلو قيل بقتله حينئذ لأن حكمه ذلك كان أوفق بالقواعد ويؤيده خبر علي بن جعفر عن أخيه عليه‌السلام (سألته عن رجل اشترى عبدا مشركا وهو في أرض الشرك فقال العبد : لا استطيع المشي ، وخاف المسلمون أن يلحق العبد بالعدو ، أيحلّ قتله؟ قال : إذا خافوا فاقتله) (٢).

(٣) فلا دية ولا كفارة لأن الكافر مهدور الدم بلا خلاف في ذلك ، وإثمه لتجاوزه الإمام عليه‌السلام ، وكذا لو قتله من غير عجز.

(٤) قد تقدم حكم الأسير البالغ وحكمه إذا كان غير بالغ ، ويعرف البلوغ هنا بالإنبات للشعر الخشن على العانة ، إما باللمس وإما بالنظر بلا خلاف في ذلك كله ، وفي المنتهى أن سعد بن معاذ حكم في بني قريظة بقتل رجالهم وسبي ذراريهم وأن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عرضهم على العانات ، ويشهد له خبر أبي البختري عن جعفر عن أبيه عليهما‌السلام (إن رسول ـ

__________________

(١ و ٢) الوسائل الباب ـ ٢٣ ـ من أبواب جهاد العدو حديث ٢ و ٤.

٦٥٧

اتفق العلم به بها كفى ، وكذا يقبل إقراره بالاحتلام كغيره ولو ادعى الأسير استعجال إنباته بالدواء فالأقرب القبول ، للشبهة الدارئة للقتل (١).

(وما لا ينقل ولا يحوّل) (٢) من أموال المشركين كالأرض والمساكن والشجر (لجميع المسلمين) سواء في ذلك المجاهدون وغيرهم ، (والمنقول) منها (٣) (بعد الجعائل) (٤) التي يجعلها الإمام للمصالح كالدليل على طريق ، أو عورة ، وما يلحق

______________________________________________________

ـ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عرضهم يومئذ على العانات ، فمن وجده أنبت قتله ، ومن لم يجده أنبت ألحقه بالذراري) (١).

وحصر البلوغ بالإنبات هنا لغلبة عدم معرفة غيره من السنّ وغيره وإلا فلا فرق بين الإنبات وغيره من علامات البلوغ ، ولذا لو علم بلوغه من غير الإنبات لكفى لحجية العلم الذاتية ، بل لو ادعى الاحتلام قيل ـ كما عن بعضهم على ما في الجواهر ـ القبول مع إمكان البلوغ في حقه لعموم ما دل على قبول مدعى الاحتلام في غير الكافر ، مع التأمل بأنه خبر كافر فيجب فيه التبين ولازمه عدم القبول.

(١) لأن الحدود تدرأ بالشبهات ، وعن بعضهم عدم القبول لأنه خبر كافر.

(٢) هذا هو القسم الثاني مما يؤخذ من الكفار ، وهو للمسلمين قاطبة بلا خلاف فيه ، للأخبار منها : صحيح الحلبي عن أبي عبد الله عليه‌السلام (عن السواد ما منزلته؟ قال : هو لجميع المسلمين لمن هو اليوم ، ولمن يدخل في الإسلام بعد اليوم ، ومن لم يخلق بعد) (٢) والسواد أرض العراق وقد فتحت عنوة ، ومنه يعرف حكم غيره من الأراضي المفتوحة كذلك.

هذا إذا كانت الأرض محياة حال الفتح ، وأما إذا كانت مواتا فهي للإمام عليه‌السلام خاصة لأنها في باب الأنفال الخمس ، وستأتي البقية في كتاب إحياء الموات.

(٣) من أموال المشركين.

(٤) أي المنقول من الغنيمة يقسم بين المقاتلين ومن حضر القتال كما سيأتي ، ولكن يخرج منه الخمس أولا كما دل عليه صحيح ربعي المتقدم وغيره بلا خلاف فيه.

ويخرج منه الجعائل التي يجعلها الإمام عليه‌السلام أو نائبه للمصالح كالدليل على عورة أو طريق ونحو ذلك لإن له الولاية العامة. ـ

__________________

(١) الوسائل الباب ـ ٦٥ ـ من أبواب جهاد العدو حديث ٢.

(٢) الوسائل الباب ـ ٢١ ـ من أبواب عقد البيع حديث ٤.

٦٥٨

الغنيمة من مئونة حفظ ونقل وغيرهما ، (والرضخ) والمراد به هنا العطاء الذي لا يبلغ سهم من يعطاه لو كان مستحقا للسهم ، كالمرأة والخنثى والعبد والكافر إذا عاونوا ، فإن الإمام (ع) يعطيهم من الغنيمة بحسب ما يراه من المصلحة بحسب حالهم (والخمس).

ومقتضى الترتيب الذكري أن الرضخ مقدم عليه (١) ، وهو أحد الأقوال في

______________________________________________________

ـ ويخرج منه ما ينفقه على الغنيمة من حفظها ونقلها ضرورة كونها من مؤنها التي تؤخذ من أصلها.

ويخرج منه الرضخ ، وهو للنساء والعبيد والكفار ، إن قاتلوا بإذن الإمام ، لأنه لا سهم للثلاثة بلا خلاف فيه ، لخبر سماعة عن أحدهما عليهما‌السلام (إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خرج بالنساء في الحرب يداوين الجرحى ولم يسهم لهن من الفي‌ء شيئا ولكن نفلهن) (١) ، وخبر الدعائم عن علي عليه‌السلام إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : ليس للعبد من الغنيمة شي‌ء وإن حضر وقاتل عليها ، فرأى الإمام أن يعطيه على ملائه إن كان منه ، أعطاه من خراش المتاع ما يراه) (٢).

وهذه النصوص تفيد أنه يجوز للإمام أن يرضخ كل من يحتاج إليه في الحرب ممّن لا سهم له في الغنيمة ، هذا من جهة ومن جهة أخرى فالرضخ لا تقدير له بل هو موكول إلى نظر الإمام ولكن لا يبلغ سهم الفارس المسلم ولا سهم الراجل المسلم كما لا يبلغ الحد التعزيز كما ذهب إليه العلامة في المنتهى.

(١) أي على الخمس ، ذهب العلامة في المختلف إلى إخراج الخمس أولا ثم إخراج الحبائل والسلب والرضخ وغيره ، عملا بالآية الشريفة : (وَاعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبىٰ وَالْيَتٰامىٰ وَالْمَسٰاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) (٣).

وقيل بتقديم السلب والجعائل على الخمس ثم يخرج الرضخ ، أما تقديم السلب والحبائل فلعدم صدق الغنيمة عليها ، وأما تأخير الرضخ فلأنه كالسهم للمقاتل المسلم فلا بدّ من تأخيره وإن كان أنقص منه إلا أن نقصانه لا يخرجه عن الغنيمة.

وقيل : بتقديم السلب والجعائل والرضخ ومؤن الغنيمة ثم يخرج الخمس ، ويؤيده مرسل حماد عن العبد الصالح عليه‌السلام (للإمام صفو المال ، أن يأخذ من هذه الأموال صفوها ، الجارية الفارهة والدابة الفارهة والثوب والمتاع ممّا يجب ويشتهي ، وذلك له قبل ـ

__________________

(١) الوسائل الباب ـ ٤١ ـ من أبواب جهاد العدو حديث ٦.

(٢) مستدرك الوسائل الباب ـ ٣٦ ـ من أبواب جهاد العدو حديث ٦.

(٣) الأنفال آية : ٤١.

٦٥٩

المسألة. والأقوى أن الخمس بعد الجعائل وقبل الرضخ ، وهو اختياره في الدروس ، وعطفه هنا بالواو لا ينافيه ، بناء على أنها لا تدل على الترتيب (١) (والنفل) (٢) بالتحريك وأصله الزيادة ، والمراد هنا زيادة الإمام لبعض الغانمين على نصيبه شيئا من الغنيمة لمصلحة ، كدلالة ، وإمارة ، وسرية ، وتهجم على قرن (٣) ، أو حصن ، وتجسس حال ، وغيرها مما فيه نكاية الكفار.

(وما يصطفيه الإمام لنفسه) (٤) من فرس فاره ، وجارية ، وسيف ، ونحوها بحسب ما يختاره ، والتقييد بعدم الاجحاف ساقط عندنا (٥). وقد تقدم تقديم الخمس وبقي عليه تقديم السلب (٦) ...

______________________________________________________

ـ القسمة وقبل إخراج الخمس ، وله أن يسدّ بذلك المال جميع ما ينوبه من مثل إعطاء المؤلفة وغير ذلك من أصناف ما ينوبه ، فإن بقي بعد ذلك شي‌ء أخرج الخمس منه وقسمه بين أهله ، وقسّم الباقي على من ولي ذلك) (١).

(١) لأنها لمطلق الجمع.

(٢) وهو ما يجعله الإمام لبعض المجاهدين بشرط ، مثل أن يقول : من قتل فلانا المشرك أو حمل الراية أو عمل كذا فله كذا ، بحسب ما يراه من مصلحة ، فإنه جائز لأن الإمام له الولاية العامة.

(٣) وهو المبارز في ميدان الحرب.

(٤) بلا خلاف ، لمرسل حماد المتقدم ، وخبر أبي بصير عن أبي عبد الله عليه‌السلام سألته عن صفو المال : يأخذ الجارية الورقة ، والمركب الفاره ، والسيف القاطع والدرع قبل أن تقسم الغنيمة فهذا صفو المال) (٢) ومثلها غيرها.

(٥) مع أنه على خلاف المنقول عن الكثير من الفقهاء من التقييد بعدم إضرار الجيش قال في المنتهى (ذهب إليه علماؤنا أجمع ما لم يضر بالعسكر).

(٦) فالسلب مقدم على الخمس ، للنبوي (من قتل قتيلا فله سلبه) (٣) وقد قتل أبو طلحة في غزوة حنين عشرين رجلا فأخذ أسلابهم (٤). ـ

__________________

(١) الوسائل الباب ـ ١ ـ من أبواب الأنفال حديث ٤.

(٢) الوسائل الباب ـ ١ ـ من أبواب الأنفال حديث ١٥.

(٣) سنن البيهقي ج ٦ ص ٣٠٧.

(٤) سنن البيهقي ج ٦ ص ٣٠٦.

٦٦٠