الزبدة الفقهيّة - ج ٣

السيّد محمّد حسن ترحيني العاملي

الزبدة الفقهيّة - ج ٣

المؤلف:

السيّد محمّد حسن ترحيني العاملي

المحقق: المترجم:
الموضوع : الفقه الناشر: دار الفقه للطباعة والنشر المطبعة: سليمان‌زاده ISBN: 964-8220-34-4
نسخة غير مصححة

تقض (١) ، إلا أن تكون واجبة بنذر وشبهه (٢) (ولو تعذرت) تصدق بثمنها (٣) إن اتفق في الأثمان ما يجزي منها ، أو ما يريد إخراجه (٤) (فإن اختلفت ، فثمن موزع عليها) بمعنى إخراج قيمة منسوبة إلى القيم المختلفة بالسوية فمن الاثنين النصف ، ومن الثلاث الثلث. وهكذا. فلو كان قيمة بعضها مائة ، وبعضها مائة وخمسين ، تصدّق بمائة وخمسة وعشرين ، ولو كانت ثالثة بخمسين تصدق بمائة. ولا يبعد قيام مجموع القيمة مقام بعضها لو كانت موجودة (٥) ، وروي استحباب الصدقة بأكثرها (٦) وقيل : الصدقة بالجميع أفضل ، فلا إشكال حينئذ في القيمة (ويكره)

______________________________________________________

ـ استعلت الشمس) (١) ، وهو محمول على الندب لجواز ذبح الأضحية في ثلاثة أو أربعة أيام للأخبار المتقدمة.

(١) قال في الجواهر (بل على المنتهى التصريح بفوات وقتها بفوات الأيام ، فإن ذبحها لم تكن أضحية ، وإذا فرّق لحمها على المساكين استحق الثواب على التفريق دون الذبح).

(٢) كالعهد واليمين.

(٣) وإن اختلفت اثمانها جمع بين الأعلى والوسط والأدنى وتصدق بثلث الجميع ، بلا خلاف فيه ـ كما في الجواهر ـ لخبر عبد الله بن عمر قال (كنا بمكة فأصابنا غلاء في الاضاحي ، فاشترينا بدينار ثم بدينارين ثم بلغت سبعة ، ثم لم يوجد قليل ولا كثير ، فرقّع هشام المكاري رقعة إلى أبي الحسن عليه‌السلام فأخبره بما اشترينا وإنا لم نجد بعد ، فوقع إليه : انظروا إلى الثمن الأول والثاني والثالث فاجمعوا ثم تصدقوا بمثل ثلثه) (٢) ، وثلث القيمة منسوبة إلى ما كان من القيم ، فمن الاثنين النصف ومن الثلاثة ثلث وهكذا ، هذا مع اختلاف الأثمان ، وأما إذا اتفق الثمن فالرواية أجازت التصدق بالثمن على كل حال.

(٤) إذ يجزي الماعز والغنم ولكن قد يكون عازما على الابل فالتصدق بثمن الإبل حينئذ.

(٥) أي أن التصدق بجميع ثمنها لا ينافي التصدق بثلث لحمها عند وجودها لتغاير موضوع الحكمين مع أنه لا يبعد قيام مجموع القيمة مقام ثلث الأضحية لو كانت موجودة.

(٦) لخبر أبي الصباح الكناني (سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن لحوم الاضاحي فقال : كان علي بن الحسين وابو جعفر عليهم‌السلام يتصدقان بثلث على جيرانهم وثلث على السؤال ، وثلث يمسكانه لأهل البيت) (٣) ، والتصدق بالثلثين تصدق بالأكثر ، هذا هو المشهور ، وعن ـ

__________________

(١) الوسائل الباب ـ ٢٩ ـ من أبواب صلاة العيد حديث ٣.

(٢) الوسائل الباب ـ ٥٨ ـ من أبواب الذبح حديث ١.

(٣) الوسائل الباب ـ ٤٠ ـ من أبواب الذبح حديث ١٣.

٥٠١

أخذ شي‌ء من جلودها وإعطاؤها الجزار) (١) أجرة. أما صدقة إذا اتصف بها فلا بأس ، وكذا حكم جلالها وقلائدها تأسيا بالنبي (ص) ، وكذا يكره بيعها (٢) وشبهه ، (بل يتصدق بها) ، وروي جعله مصلى ينتفع به في البيت.

(وأما الحلق فيتخير بينه وبين التقصير ، والحلق أفضل) (٣) الفردين الواجبين

______________________________________________________

ـ الشيخ في المبسوط الصدقة بالجميع أفضل ، وفي الجواهر لم نعرف له شاهدا بذلك.

(١) أي الجلود ، لصحيح علي بن جعفر عن أخيه موسى عليهم‌السلام (سألته عن جلود الاضاحي ، هل يصلح لمن ضحى بها أن يجعلها جرابا ، قال : لا يصلح أن يجعلها جرابا إلا أن يتصدق بثمنها) (١) ، وخبر معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه‌السلام (ينتفع بجلد الاضحية ويشتري به المتاع ، وإن تصدق به فهو أفضل ، وقال : نحر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بدنة ولم يعط الجزارين جلودها ولا قلائدها ولا جلالها ولكن تصدق به ، ولا تعط السلّاخ منها شيئا ولكن اعطه من غير ذلك) (٢) ، وخبره الآخر عنه عليه‌السلام (سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن الإهاب فقال : تصدق به أو تجعله مصلى تنتفع به في البيت ، ولا تعطه الجزارين ، وقال : نهى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يعطى جلالها وجلودها وقلائدها الجزارين ، وأمر أن يتصدق بها) (٣).

فالخبر الأول دال على كراهة أخذ شي‌ء من الجلود ولو لجعله جرابا ، وهو دال على كراهة التصرف فيه سواء أخذه لنفسه أو باعه أو وهبه للغير لأن الجراب جعل كالمثال. ويكره إعطاؤه للجزار في قبال الاجرة لأن هذا هو المنصرف من الخبرين الاخيرين ، ولذا قال في المدارك (ولا يخفى أن كراهة إعطاء الجزارين منها إنما ثبت إذا وقع على سبيل الاجرة ، أما لو أعطاه صدقة وكان مستحقا لذلك فلا بأس) ، ويكره إعطاؤه قلائدها وجلالها أيضا ، وقال في مصباح المنير (وجلّ الدابة كثوب الإنسان يلبسه يقيه البرد ، والجمع جلال وأجلال) ، ويستفاد من الخبر الأخير أنه لا بأس بجعل الجلود مصلى.

(٢) أي الجلود.

(٣) خصوصا للصرورة والملبّد على المشهور ، لظاهر قوله تعالى : (مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ) (٤) ، والجمع غير مراد بالاتفاق فيثبت التخيير ، وصحيح حريز عن أبي عبد الله عليه‌السلام (قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم الحديبية : اللهم اغفر للمحلّقين مرتين ، قيل : ـ

__________________

(١ و ٢) الوسائل الباب ـ ٤٣ ـ من أبواب الذبح حديث ٤ و ٢.

(٣) الوسائل الباب ـ ٤٣ ـ من أبواب الذبح حديث ٥.

(٤) سورة الفتح الآية : ٢٧.

٥٠٢

تخييرا (خصوصا للملبّد) شعره ، وتلبيده هو أن يأخذ عسلا وصمغا ويجعله في رأسه ، لئلا يقمل أو يتسخ (والصرورة) وقيل : لا يجزئهما إلا الحلق ، للأخبار الدالة عليه ، وحملت على الندب جمعا (١) (ويتعين على المرأة التقصير) (٢) فلا يجزئها الحلق ، حتى لو نذرته لغى (٣) ، كما لا يجزي الرجل في عمرة التمتع (٤) وإن

______________________________________________________

ـ وللمقصّرين يا رسول الله ، قال : وللمقصّرين) (١) ، والدعاء مرتين دال على أفضلية الحلق.

وأما تأكد الحلق في الصرورة والملبّد فللأخبار منها : صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه‌السلام (ينبغي للصرورة أن يحلق ، وإن كان قد حج فإن شاء قصّر وإن شاء حلق) (٢) ، وهو ظاهر في الاستحباب بقرينة (ينبغي) ، وعن الشيخ وابن حمزة أنه لا بد من الحلق للصرورة والملبّد ، وعن المفيد ذكر الصرورة فقط ، وعن ابن أبي عقيل ذكر الملبّد والمعقوص ، للأخبار منها : صحيح هشام بن الحكم عن أبي عبد الله عليه‌السلام (إذا عقص الرجل رأسه أو لبّده في الحج أو العمرة فقد وجب عليه الحلق) (٣) ، وصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه‌السلام (إذا أحرمت فعقصت رأسك أو لبّدته فقد وجب عليك الحلق وليس لك التقصير ، وإن أنت لم تفعل فمخيّر لك التقصير والحلق في الحج) (٤) ، وصحيح أبي سعيد عن أبي عبد الله عليه‌السلام (يجب الحلق على ثلاثة نفر : رجل لبّد ، ورجل حج بدوا لم يحج قبلها ، ورجل عقص رأسه) (٥) ، وهو الأولى للتعبير بالوجوب.

(١) عند التعارض ، ولكن صحيح معاوية المشتمل على لفظ (ينبغي) غير معارض للأخبار المصرحة بالوجوب ، فيتعين الحلق.

(٢) بلا خلاف فيه ، للأخبار منها : صحيح الحلبي عن أبي عبد الله عليه‌السلام (ليس على النساء حلق ويجزيهن التقصير) (٦) ، وما رواه حماد بن عمرو وأنس بن محمد عن أبيه عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم‌السلام في وصية النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلي عليه‌السلام : (يا علي ليس على النساء جمعة ـ إلى أن قال ـ ولا استلام الحجر ولا الحلق) (٧).

(٣) لأنه غير مشروع في حقها.

(٤) لتعين التقصير عليه ، ويشهد له صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه‌السلام (وليس في المتعة إلا التقصير) (٨)

__________________

(١) الوسائل الباب ـ ٧ ـ من أبواب الحلق والتقصير حديث ٦.

(٢ و ٣ و ٤ و ٥) الوسائل الباب ـ ٧ ـ من أبواب الحلق والتقصير حديث ١ و ٢ و ٨ و ٣.

(٦ و ٧) الوسائل الباب ـ ٨ ـ من أبواب الحلق والتقصير حديث ٣ و ٤.

(٨) الوسائل الباب ـ ٧ ـ من أبواب الحلق والتقصير حديث ٨.

٥٠٣

نذره ، ويجب فيه النية (١) المشتملة على قصد التحلل من النسك المخصوص متقرّبا ، ويجزي (٢) مسمّاه كما مرّ (٣) ، (ولو تعذر) فعله (في منى) في وقته (٤) (فعل بغيرها) (٥) وجوبا ، (وبعث بالشعر إليها ليدفن) فيها (مستحبا) (٦) ...

______________________________________________________

(١) لأنه عبادي بلا خلاف فيه.

(٢) بالنسبة للتقصير ، وذلك لتحقق الامتثال بذلك بعد ورود الأمر بمطلق التقصير ، نعم المستحب أن يكون بقدر الانملة ، لمرسل ابن أبي عمير عن أبي عبد الله عليه‌السلام (تقصر المرأة من شعرها لعمرتها مقدار الأنملة) (١) ، وعن ابن الجنيد أنه لا يجزي في المرأة ما دون القبضة ، وقال في الجواهر (لم نعرف له مأخذا).

(٣) في تقصير العمرة.

(٤) ووقته يوم النحر بعد الهدي على المشهور ، وعن أبي الصلاح جوّز تأخيره إلى آخر أيام التشريق ولكن لا يزور البيت قبله ، واستحسنه العلامة في التذكرة والمنتهى ، وهو ضعيف للأخبار الآمرة بالذبح بعد الحلق ، مثل خبر عمر بن يزيد عن أبي عبد الله عليه‌السلام (إذا ذبحت أضحيتك فاحلق رأسك) (٢).

(٥) إن لم يمكن الرجوع إلى منى ، وإلا فإذا أمكن وجب الرجوع إلى منى بلا خلاف فيه ، للأخبار منها : خبر أبي بصير (سألته عن رجل جهل أن يقصر من رأسه أو يحلق حتى ارتحل من منى ، قال : فليرجع إلى منى حتى يحلق شعره بها أو يقصر) (٣) ، وصحيح الحلبي عن أبي عبد الله عليه‌السلام (عن رجل نسي أن يقصّر من شعره أو يحلق حتى ارتحل من منى ، قال : يرجع إلى منى حتى يلقي شعره بها حلقا كان أو تقصيرا) (٤).

وأما مع عدم التمكن من الرجوع حلق مكانه أو قصّر بلا خلاف ولا إشكال لسقوط التكليف بالرجوع المشروط بالقدرة المنتفية بحسب الفرض.

(٦) ذهب الشيخ في النهاية والمحقق في الشرائع إلى أن بعث الشعر إلى منى واجب ، لصحيح حفص بن البختري عن أبي عبد الله عليه‌السلام (في الرجل يحلق رأسه بمكة ، قال : يردّ الشعر إلى منى) (٥) ، وخبر أبي بصير عن أبي عبد الله عليه‌السلام (في رجل زار البيت ولم يحلق رأسه ، قال : يحلق بمكة ويحمل شعره إلى منى وليس عليه شي‌ء) (٦).

__________________

(١) الوسائل الباب ـ ٣ ـ من أبواب التقصير حديث ٣.

(٢) الوسائل الباب ـ ١ ـ من أبواب الحلق والتقصير حديث ١.

(٣ و ٤) الوسائل الباب ـ ٥ ـ من أبواب الحلق والتقصير حديث ٤ و ١.

(٥ و ٦) الوسائل الباب ـ ٦ ـ من أبواب الحلق والتقصير حديث ١ و ٧.

٥٠٤

فيهما (١) من غير تلازم ، فلو اقتصر على أحدهما تأدت سنته خاصة.

(ويمرّ فاقد الشعر الموسى على رأسه) (٢) مستحبا إن وجد ما يقصّر

______________________________________________________

ـ وعن المحقق في النافع والعلامة في المنتهى أنه مستحب جمعا بين ما تقدم وبين خبر أبي بصير (سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن الرجل ينسى أن يحلق رأسه حتى ارتحل من منى ، فقال : ما يعجبني أن يلقي شعره إلا بمنى) (١) ، ولأنه مختص بحال النسيان استوجه العلامة في المختلف وجوب بعث الشعر إلى منى إن كان خروجه عمدا ، واستحبابه إذا كان الخروج على جهة النسيان ، وهو ضعيف السند فلا يصلح لمعارضة ما دل على وجوب البعث.

وأما دفن الشعر بمنى فقد قطع الأكثر باستحبابه ، وأوجبه الحلبي ، والمستند صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه‌السلام (كان علي بن الحسين عليه‌السلام يدفن شعره في فسطاطه بمنى ويقول : كانوا يستحبون ذلك) (٢) ، فإذا استحب دفنه لمن كان في منى فهو مستحب لمن كان خارجها.

(١) في البعث والدفن.

(٢) لا خلاف في سقوط الحلق على من ليس في رأسه شعر لعدم موضوعه ، وإنما اختلفوا في أن إمرار الموسى على رأسه واجب أو مستحب ، فذهب الأكثر إلى الاستحباب ، ونقل العلامة في التذكرة الوجوب عن أبي حنيفة ومال إليه ، وذهب المحقق والشهيد الثانيان إلى أنه من حلق في إحرام العمرة فيجب عليه الإمرار في إحرام الحج ، وأما الاقرع فيستحب له الإمرار.

والاصل في هذه المسألة ما رواه الشيخ عن زرارة (إن رجلا من أهل خراسان قد حاجا وكان أقرع الرأس لا يحسن أن يلبّي فاستفتي له أبو عبد الله عليه‌السلام ، فأمر أن يلبي ويمرّ الموسى على رأسه ، فإن ذلك يجزي عنه) (٣) ، والخبر ضعيف لاشتمال سنده على ياسين الضرير وهو مجهول ، فلا يصلح لإثبات الوجوب.

واستدل للوجوب من أن ذا الشعر يجب عليه إزالة الشعر وإمرار الموسى على رأسه فلا يسقط الأخير بفوات الأول وهو ضعيف جدا لأن الواجب من الإمرار ما يكون في ضمن الحلق لا مطلقا ، والمفروض عدم الحلق لعدم موضوعه ، وأما التفصيل بين من حلق في إحرام العمرة فيجب الإمرار وبين الأقرع فيستحق فقد ذكر الشارح في المسالك

__________________

(١ و ٢) الوسائل الباب ـ ٦ ـ من أبواب الحلق والتقصير حديث ٤ و ٥.

(٣) الوسائل الباب ـ ١١ ـ من أبواب الحلق والتقصير حديث ٣.

٥٠٥

منه (١) غيره (٢) ، وإلا وجوبا ، ولا يجزي الإمرار مع إمكان التقصير لأنه (٣) بدل عن الحلق اضطراري ، والتقصير قسيم اختياري ، ولا يعقل إجزاء الاضطراري مع القدرة على الاختياري. وربما قيل : بوجوب الإمرار على من حلق في إحرام العمرة وإن وجب عليه التقصير من غيره (٤) لتقصيره بفعل المحرم (٥).

(ويجب تقديم مناسك منى) الثلاثة (على طواف الحج (٦) فلو أخرها) عنه

______________________________________________________

ـ بوجود رواية تدل على هذا التفصيل وأن العمل بها أولى ، وقال في المدارك (ولم نقف عليها في شي‌ء من الأصول ولا نقلها غيره).

(١) كالظفر وشعر الذقن.

(٢) أي غير الرأس.

(٣) أي الإمرار.

(٤) من غير الرأس.

(٥) وهو الحلق في عمرة التمتع.

(٦) وعلى السعي بلا خلاف فيه ، وقال في المدارك (لا ريب في وجوب تقديم الحلق أو التقصير على زيارة البيت للتأسي والأخبار الكثيرة) ، وقال في الجواهر بالنسبة لهذا الكلام (ولعل مراده ما تسمعه من النصوص الآمرة بإعادته للناسي أو مطلقا ، وبالشاة للعالم).

والصور ثلاث ، الأولى : أن يكون عالما بالحكم وقد أتى بالطواف قبل المناسك عامدا عالما ، فيبطل الطواف وعليه إعادته بعد المناسك وعليه شاة ، لصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه‌السلام (في رجل زار البيت قبل أن يحلق ، فقال : إن كان زار البيت قبل أن يحلق ، وهو عالم أن ذلك لا ينبغي ، فإن عليه دم شاة) (١) ، وأما إعادة الطواف لأنه وقع منهيا عنه فيقع فاسدا.

الصورة الثانية : أن يكون ناسيا فالمعروف من مذهب الأصحاب إعادة الطواف فقط بعد الحلق ، لإطلاق صحيح علي بن يقطين (سألت أبا الحسن عليه‌السلام عن المرأة رمت وذبحت ولم تقصر حتى زارت البيت فطافت وسعت من الليل ، ما حالها ، وما حال الرجل إذا فعل ذلك؟ قال : لا بأس به ، يقصر ويطوف للحج ثم يطوف للزيارة ، ثم قد أحلّ من كل شي‌ء) (٢) ، ولا دم عليه كما هو صريح الخبر وهو مما لا خلاف فيه ، فقول المحقق في الشرائع (على الأظهر) الدال على وجود خلاف ليس في محله ، ولذا قال في المدارك

__________________

(١) الوسائل الباب ـ ٢ ـ من أبواب الحلق والتقصير حديث ١.

(٢) الوسائل الباب ـ ٤ ـ من أبواب الحلق والتقصير حديث ١.

٥٠٦

عامدا فشاة ، ولا شي‌ء على الناسي ، ويعيد الطواف) كل منهما العامد اتفاقا ، والناسي على الأقوى. وفي الحاق الجاهل بالعامد والناسي قولان ، أجودهما الثاني في نفي الكفارة ، ووجوب الإعادة ، وإن فارقه في التقصير (١) ، ولو قدم السعي (٢) أعاده أيضا على الأقوى (٣) ولو قدم الطواف أو هما (٤) على التقصير فكذلك (٥) ، ولو قدمه (٦) على الذبح ، أو الرمي ففي الحاقة بتقديمه (٧) على التقصير خاصة وجهان. أجودهما ذلك (٨). هذا كله في غير ما استثني سابقا من تقديم المتمتع

______________________________________________________

ـ (ومقتضى كلام المصنف تحقق الخلاف في المسألة ولم أقف على مصرح به).

الصورة الثالثة : أن يكون جاهلا فلا دم عليه لأصالة البراءة ، وقد وقع الخلاف في إعادة الطواف ، فعن الشارح في المسالك أنه تجب الإعادة لإطلاق صحيح علي بن يقطين المتقدم فيكون حكمه حكم الناسي ، وعن الصدوق عدم وجوب الاعادة لصحيح جميل بن دراج عن أبي عبد الله عليه‌السلام (سألته عن الرجل يزور البيت قبل أن يحلق فقال : لا ينبغي إلا أن يكون ناسيا ، ثم قال : إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أتاه أناس يوم النحر فقال بعضهم : يا رسول الله حلقت قبل أن أذبح ، وقال بعضهم : حلقت قبل أن أرمي ، فلم يتركوا شيئا كان ينبغي لهم أن يؤخروه إلا قدموه ، فقال : لا حرج) (١) ، وهو غير صريح في نفي وجوب الإعادة.

(١) أي أن حكم الجاهل حكم الناسي غير أن الجاهل مقصّر مذنب لتركه التعلم بخلاف الناسي.

(٢) قدمه على مناسك منى ، أعاده لتوقف الامتثال عليه لأن الأمر بالسعي بعد الحلق والتقصير.

(٣) لم أجد من تعرض لهذا الفرع في الكتب الفقهية الجامعة.

(٤) أي الطواف والسعي.

(٥) أي يعيد وهو مورد الأخبار المتقدمة.

(٦) أي الطواف.

(٧) أي بتقديم الطواف على التقصير كما هو مورد الأخبار المتقدمة.

(٨) أي الإلحاق للأولوية لما في المسالك والمدارك وغيرهما. لأن من قدم الطواف على الذبح يصدق عليه أنه قدمه على التقصير فيكون مشمولا للأخبار المتقدمة.

__________________

(١) الوسائل الباب ـ ٣٩ ـ من أبواب الذبح حديث ٤.

٥٠٧

لهما (١) اضطرارا وقسيميه (٢) مطلقا (٣).

(وبالحلق) بعد الرمي والذبح (يتحلل) من كل ما حرّمه الإحرام ، (إلا من النساء والطيب والصيد) (٤) ولو قدمه عليهما (٥) ، أو وسّطه بينهما ، ففي تحلله به (٦) أو توقفه على الثلاثة (٧) قولان ، أجودهما الثاني ، (فإذا طاف) طواف الحج ،

______________________________________________________

(١) للطواف والسعي.

(٢) من القران والافراد.

(٣) اضطرارا أو اختيارا.

(٤) نسب إلى الأكثر بل إلى المشهور ، وعن المنتهى نسبته إلى علمائنا ، للأخبار منها : صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه‌السلام (إذا ذبح الرجل وحلق فقد أحلّ من كل شي‌ء أحرم منه إلا النساء والطيب ، فإذا زار البيت وطاف وسعى بين الصفا والمروة فقد أحل من كل شي‌ء أحرم منه إلا الصيد) (١) ، والمراد منه الصيد الحرمي لا الإحرامي كما هو واضح ، وخبر عمر بن يزيد عن أبي عبد الله عليه‌السلام (اعلم أنك إذا حلقت رأسك فقد حلّ لك كل شي‌ء إلا النساء والطيب) (٢).

وعن الشيخ في التهذيب أنه يحل له كل شي‌ء ما عدا النساء والطيب فقط ، وصحيح معاوية المتقدم يدفعه ، وعن الصدوقين أنه بالرمي يتحلل من كل شي‌ء إلا من الطيب والنساء ويشهد له خبر الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم‌السلام (إذا رميت جمرة العقبة فقد حلّ لك كل شي‌ء حرم عليك إلا النساء) (٣) ، وهي محمولة على من حلق وطاف جمعا بين الأخبار.

(٥) أي هل يثبت التحلل بعد الحلق مطلقا أو لا يثبت بعده إلا بإكمال الثلاثة التي هي مناسك منى ، ذهب الشيخ وابن الجنيد والفاضلان وسيد المدارك وجماعة إلى أن التحلل لا يثبت بعد الحلق إلا بعد إكمال الثلاثة ، وهذا ما دل عليه صحيح معاوية المتقدم وعن المقنع والتحرير والمنتهى وكشف اللثام عدم اشتراط إكمال الثلاثة ، وقال صاحب الجواهر (وإن كان محجوجا بما عرفت).

(٦) بالحلق.

(٧) أي توقف التحلل على إكمال الثلاثة.

__________________

(١ و ٢) الوسائل الباب ـ ١٣ ـ من أبواب الحلق والتقصير حديث ١ و ٤.

(٣) الوسائل الباب ـ ١٣ ـ من أبواب الحلق والتقصير حديث ١١.

٥٠٨

(وسعى) سعيه (حل الطيب) (١) ، وقيل : يحل بالطواف خاصة ، والأول أقوى للخبر الصحيح.

هذا إذا أخر الطواف والسعي عن الوقوفين. أما لو قدمهما (٢) على أحد الوجهين (٣) ففي حله من حين فعلهما ، أو توقفه على أفعال منى وجهان. وقطع المصنف في الدروس بالثاني وبقي من المحرمات النساء والصيد (فإذا طاف النساء حللن له) إن كان رجلا (٤) ، ولو كان صبيا (٥) فالظاهر أنه كذلك من حيث

______________________________________________________

(١) على المشهور ، لصحيح معاوية بن عمار المتقدم ، ومثله غيره ، وعن النافع والقواعد والمبسوط والانتصار أنه بعد الطواف خاصة ، لخبر منصور بن حازم عن أبي عبد الله عليه‌السلام (إذا كنت متمتعا فلا تقربنّ شيئا فيه صفرة حتى تطوف بالبيت) (١) ، وهو لا يقاوم الطائفة الأولى.

(٢) قال سيد المدارك : (وإنما يحلّ الطيب بالطواف والسعي إذا تأخر عن الموقوفين ومناسك منى ، أما مع التقديم كما في القارن والمفرد مطلقا ، والمتمتع مع الاضطرار ، فالأصح عدم حلّه بذلك ، بل يتوقف على الحلق المتأخر عن باقي المناسك ، تمسكا باستصحاب حكم الإحرام إلى أن يثبت المحلّل ، والتفاتا إلى إمكان كون المحلّل هو المركب من الطواف والسعي وما قبلهما من الأفعال ، بمعنى كون السعي آخر العلة ، وذهب بعض الأصحاب إلى حل الطيب بالطواف وإن تقدم ، واستوجهه الشارح قدس‌سره وهوضعيف).

(٣) وهما اضطرارا في التمتع ، ومطلقا في القران والافراد.

(٤) بلا خلاف فيه ، للأخبار منها : صحيح معاوية بن عمار المتقدم ، وصحيحه الآخر عن أبي عبد الله عليه‌السلام (ثم أخرج إلى الصفا فاصعد عليه واصنع كما صنعت يوم دخلت مكة ، ثم ائت بالمروة فاصعد عليها وطف بينهما سبعة أشواط ، فتبدأ بالصفا وتختم بالمروة ، فإذا فعلت ذلك فقد أحللت من كل شي‌ء أحرمت منه إلا النساء ، ثم ارجع إلى البيت وطف به اسبوعا آخر ثم تصلي ركعتين عند مقام إبراهيم عليه‌السلام ، ثم قد أحللت من كل شي‌ء وفرغت من حجك كله ، وكل شي‌ء أحرمت منه) (٢) ، وهو ظاهر في الرجل.

(٥) صرح بعضهم بحرمة النساء على المميّز لو ترك طواف النساء ، بل ادعى العلامة عليه ـ

__________________

(١) الوسائل الباب ـ ١٨ ـ من أبواب تروك الاحرام حديث ١٢.

(٢) الوسائل الباب ـ ٤ ـ من أبواب زيارة البيت حديث ١.

٥٠٩

الخطاب الوضعي وإن لم يحرمن عليه حينئذ فيحرمن بعد البلوغ بدونه إلى أن يأتي به.

وأما المرأة فلا إشكال في تحريم الرجال عليها بالإحرام ، وإنما الشك في المحلل. والأقوى أنها كالرجل (١) ، ولو قدّم طواف النساء على الوقوفين ففي

______________________________________________________

ـ الاجماع وقال في الجواهر : (لا إشكال في الحل إذا لم يتركه ، إذ كما أن إحرامه يصلح سببا للحرمة الشرعية أو مطلقا فكذا طوافه يصلح سببا للحل).

وأما غير المميّز فكذلك كما عن جماعة ، وعن بعضهم العدم لعدم شرعية إحرامه لكون فعله تمرينيا ، وهو ضعيف.

(١) كما صرح به علي بن بابويه في الرسالة وغير واحد من المتأخرين لقاعدة الاشتراك ، ولصحيح جماعة ـ وهم العلاء بن صبيح وعبد الرحمن بن الحجاج وعلي بن رئاب وعبد الله بن صالح ـ عن أبي عبد الله عليه‌السلام (المرأة المتمتعة إذا قدمت مكة ثم حاضت ـ إلى أن قال ـ ثم خرجت إلى منى فإذا قضت المناسك وزارت بالبيت ، طافت بالبيت طوافا لعمرتها ثم طافت طوافا للحج ، ثم خرجت فسعت ، فإذا فعلت ذلك فقد أحلت من كل شي‌ء يحلّ منه المحرم إلا فراش زوجها ، فإذا طافت طوافا آخر حلّ لها فراش زوجها) (١) ، وخبر عجلان بن صالح عن أبي عبد الله عليه‌السلام في حديث (فإذا قدمت مكة طافت بالبيت طوافين ثم سعت بين الصفا والمروة ، فإذا فعلت ذلك فقد حلّ لها كل شي‌ء ما خلا فراش زوجها) (٢) ، وصحيح علي بن يقطين (سألت أبا الحسن عليه‌السلام عن الخصيان والمرأة الكبيرة عليهم طواف النساء؟ قال : نعم عليهم الطواف كلهم) (٣) ، وخبر إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله عليه‌السلام (لو لا ما منّ الله به على الناس من طواف الوداع لرجعوا إلى منازلهم ، ولا ينبغي لهم أن يمسّوا نسائهم ، يعني لا تحل لهم النساء حتى يرجع فيطوف بالبيت اسبوعا آخر بعد ما يسعى بين الصفا والمروة ، وذلك على الرجال والنساء واجب) (٤).

وعن القواعد والمختلف التوقف فيه لعدم الدليل ، بل الشارح في المسالك استوجهه نظرا إلى أن الأخبار الدالة على حلّ الجميع ما عدا الطيب والنساء بالحلق شامل للمرأة ، ولازمه أن حل الرجال لهنّ يكون قد تحقق بالحلق ، وفيه : إن هذه الأخبار مخصوصة بالرجل وتستفاد أحكام النساء من أدلة أخرى كالأخبار الخاصة أو قاعدة الاشتراك ، وكلاهما موجود.

__________________

(١ و ٢) الوسائل الباب ـ ٨٤ ـ من أبواب الطواف حديث ١ و ٢.

(٣ و ٤) الوسائل الباب ـ ٢ ـ من أبواب الطواف حديث ١ و ٣.

٥١٠

حلهن به ، أو توقفه على بقية المناسك الوجهان (١) ، ولا يتوقف المحلل على صلاة الطواف عملا بالإطلاق (٢) ، وبقي حكم الصيد (٣) غير معلوم من العبارة وكثير من غيرها والأقوى حلّ الإحرامي منه بطواف النساء.

(ويكره له لبس المخيط قبل طواف الزيارة) وهو طواف الحج ، وقبل السعي أيضا (٤) ، وكذا يكره تغطية الرأس ، والطيب حتى يطوف للنساء (٥).

______________________________________________________

(١) قال في المسالك (لو قدم الحاج طواف النساء حيث يسوّغ له ذلك ، ففي حلهن بفعله أو توقفه على الحلق أو التقصير نظر من تعليق الحل عليه مطلقا ، ومن إمكان كون الحل هو المركب من الأفعال السابقة) وقد عرفت أن الثاني هو المنصرف من الأخبار.

(٢) بإطلاق الأخبار وقد تقدم بعضها كصحيح معاوية بن عمار.

(٣) قال في المسالك : (فبقي الصيد غير معلوم من العبارة ، وشاركها في ذلك أكثر العبارات تبعا لإطلاق النصوص ، وفي حكمه حينئذ خلاف ، فذكر العلامة أنه يحلّ بطواف النساء ، وذكر أنه مذهب علمائنا وتبعه عليه المتأخرون ، وروى الصدوق تحريم الصيد بعد طواف النساء ، وصرح ابن الجنيد بتحريم الصيد أيام منى وإن أحلّ ، والمختار الأول ، هذا كله حكم الصيد الذي حرّمه الإحرام ، وأما الذي حرم بالحرم فهو باق ما دام فيه) ، وعن البعض ومال إليه في الجواهر أن الصيد يحلّ بالحلق لإطلاق الأخبار السابقة التي أحلت كل شي‌ء ومنه الصيد إلا النساء والطيب بعد الحلق.

(٤) لخبر إدريس القمي (قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : إن مولى لنا تمتع فلما حلق لبس الثياب قبل أن يزور البيت ، فقال : بئس ما صنع ، فقلت : أعليه شي‌ء؟ قال : لا ، قلت : فإني رأيت ابن أبي سماك يسعى بين الصفا والمروة وعليه خفان وقباء ومنطقة ، فقال : بئس ما صنع ، قلت : أعليه شي‌ء؟ قال : لا) (١) ، وصحيح محمد بن مسلم (سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن رجل تمتع بالعمرة فوقف بعرفة ووقف بالمشعر ورمى الجمرة وذبح وحلق ، أيغطي رأسه؟ فقال : لا ، حتى يطوف بالبيت وبالصفا والمروة ، قيل له : فإن كان فعل ، قال : ما أرى عليه شيئا) (٢)، وصحيح ابن حازم عن أبي عبد الله عليه‌السلام (في رجل كان متمتعا فوقف بعرفات وبالمشعر وذبح وحلق فقال : لا يغطي رأسه حتى يطوف بالبيت وبالصفا والمروة ، فإن أبي عليه‌السلام كان يكره ذلك وينهى عنه ، فقلنا : فإن كان فعل؟ فقال : ما أرى عليه شيئا) (٣) ، وهذه الأخبار محمولة على الكراهة جمعا بينها وبين الأخبار التي دلت على أنه قد حل له كل شي‌ء بالحلق ما عدا النساء والطيب.

(٥) لصحيح محمد بن إسماعيل (كتبت إلى أبي الحسن الرضا عليه‌السلام : هل يجوز للمحرم ـ

__________________

(١ و ٢ و ٣) الوسائل الباب ـ ١٨ ـ من أبواب الحلق والتقصير حديث ٣ و ٢ و ١.

٥١١

(القول في العود إلى مكة للطوافين والسعي)

(يستحب تعجيل العود من يوم النحر) متى فرغ من مناسك منى (إلى مكة) ليومه (١) ، (ويجوز تأخيره إلى الغد (٢) ، ثم يأثم المتمتع) إن أخره (بعده) في المشهور (٣) ...

______________________________________________________

ـ المتمتع أن يمسّ الطيب قبل أن يطوف طواف النساء؟ قال : لا) (١) ، وهي محمولة على الكراهة جمعا بينه وبين ما دل على حل الطيب بعد طواف الزيارة.

(١) لموثق إسحاق بن عمار (سألت أبا إبراهيم عليه‌السلام عن زيارة البيت تؤخر إلى اليوم الثالث ، قال : تعجيلها أحبّ إليّ ، وليس به بأس إن أخّره) (٢).

(٢) للأخبار منها : صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه‌السلام (سألته عن المتمتع متى يزور البيت؟ قال : يوم النحر أو من الغد ولا يؤخر ، والمفرد والقارن ليسا بسواء موسع عليهما) (٣)، ولكن يكره له التأخير لصحيح معاوية بن عمار الآخر عن أبي عبد الله عليه‌السلام (في زيارة البيت يوم النحر ، قال : زره ، فإن شغلت فلا يضرك أن تزور البيت من الغد ، ولا تؤخر أن تزور من يومك ، فإنه يكره للمتمتع أن يؤخر ، وموسع للمفرد أن يؤخره) (٤) ، وصحيح عمران الحلبي عن أبي عبد الله عليه‌السلام (ينبغي للمتمتع أن يزور البيت يوم النحر أو من ليلته ولا يؤخر ذلك اليوم) (٥).

(٣) لظاهر النهي في الأخبار المتقدمة ، وعن ابن إدريس الكراهة وأنه يجوز تأخيره طول ذي الحجة ، ونسبه في المدارك إلى الاستبصار والمختلف وسائر المتأخرين أيضا جمعا بين ما تقدم وبين صحيح ابن سنان عن أبي عبد الله عليه‌السلام (لا بأس بأن يؤخر زيارة البيت إلى يوم النفر ، إنما يستحب تعجيل ذلك مخافة الأحداث والمعاريض) (٦) ، وصحيح عبيد الله الحلبي عن أبي عبد الله عليه‌السلام (سألته عن رجل نسي أن يزور البيت حتى أصبح ، فقال : لا بأس ، أنا ربما أخّرته حتى تذهب أيام التشريق ولكن لا يقرب النساء والطيب) (٧)، وقريب منه صحيح هشام بن الحكم أو سالم (٨)، وأجاب البعض بحملها على القارن والمفرد ، وهو بعيد جدا خصوصا ما وقع من تأخير المعصوم عليه‌السلام بعد الالتفات إلى أن حجه حج تمتع ، نعم لا يجوز التأخير عن ذي الحجة لما تقدم من أن ذي الحجة من أشهر

__________________

(١) الوسائل الباب ـ ١٩ ـ من أبواب الحلق والتقصير حديث ١.

(٢ و ٣) الوسائل الباب ـ ١ ـ من أبواب زيارة البيت حديث ١٠ و ٨.

(٤ و ٥ و ٦ و ٧ و ٨) الوسائل الباب ـ ١ ـ من أبواب زيارة البيت حديث ١ و ٧ و ٩ و ٢ و ٣.

٥١٢

أما القارن والمفرد فيجوز لهما تأخيرهما طول ذي الحجة (١) لا عنه ، (وقيل : لا أثم) على المتمتع في تأخيره عن الغد ، (ويجزئ طول ذي الحجة) كقسيميه. وهو الأقوى لدلالة الأخبار الصحيحة عليه ، واختاره المصنف في الدروس وعلى القول بالمنع لا يقدح التأخير في الصحة وإن أثم (٢).

(وكيفية الجميع (٣) كما مر) في الواجبات والمندوبات ، حتى في سنن دخول مكة من الغسل ، والدعاء ، وغير ذلك (٤) ويجزي الغسل بمنى (٥) ، بل غسل النهار ليومه ، والليل لليلته ما لم يحدث فيعبده (٦) (غير أنه هنا ينوي بها) أي بهذه

______________________________________________________

ـ الحج ، وقال تعالى : (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومٰاتٌ) (١) فيجوز إيقاع أفعاله فيه مطلقا إلا ما خرج بالدليل.

(١) بعد كونه من أشهر الحج كما عرفت مضافا إلى صحيح معاوية المتقدم (فإنه يكره للمتمتع أن يؤخر ، وموسع للمفرد أن يؤخره) (٢) ، وصحيحه الآخر المتقدم (والمفرد والقارن ليسا بسواء ، موسع عليهما) (٣).

(٢) لمخالفة النهي المدعى ، وعدم البطلان لوقوعه في ذي الحجة وهو من أشهر الحج.

(٣) من الطوافين والسعي.

(٤) ففي صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد الله عليه‌السلام (ثم احلق رأسك واغتسل وقلّم أظفارك وخذ من شاربك وزر البيت ، وطف اسبوعا تفعل كما صنعت يوم قدمت مكة) (٤).

(٥) لخبر الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبد الله عليه‌السلام (سألته عن الغسل إذا زرت البيت من منى ، فقال : أنا اغتسل بمنى ثم أزور البيت) (٥).

(٦) لصحيح عبد الرحمن (سألت أبا إبراهيم عليه‌السلام عن الرجل يغتسل للزيارة ثم ينام أيتوضأ قبل أن يزور؟ قال : يعيد غسله) (٦)، وموثق إسحاق بن عمار (سألت أبا الحسن عليه‌السلام عن غسل الزيارة يغتسل الرجل بالليل ويزور بالليل بغسل واحد ، أيجزيه ذلك؟ قال : يجزيه ما لم يحدث ما يوجب وضوءا ، فإن أحدث فليعد غسله بالليل) (٧) ـ

__________________

(١) سورة البقرة الآية : ١٩٦.

(٢ و ٣) الوسائل الباب ـ ١ ـ من أبواب زيارة البيت حديث ١ و ٨.

(٤) الوسائل الباب ـ ٢ ـ من أبواب زيارة البيت حديث ٢.

(٥ و ٦) الوسائل الباب ـ ٣ ـ من أبواب زيارة البيت حديث ١ و ٤.

(٧) الوسائل الباب ـ ٣ ـ من أبواب زيارة البيت حديث ٣.

٥١٣

المناسك (١) (الحج) أي كونها مناسكه ، فينوي طواف حج الإسلام حجّ التمتع ، أو غيرهما من الافراد ، مراعيا للترتيب ، فيبدأ بطواف الحج ، ثم بركعتيه ، ثم السعي ، ثم طواف النساء ، ثم ركعتيه (٢).

القول في العود إلى منى

(ويجب بعد قضاء مناسكه بمنى العود إليها) هكذا الموجود في النسخ.

والظاهر أن يقال : بعد قضاء مناسكه بمكة العود إلى منى ، لأن مناسك مكة

______________________________________________________

ـ وخبره الآخر عنه عليه‌السلام (سألته عن غسل الزيارة يغتسل بالنهار ويزور بالليل بغسل واحد ، قال : يجزيه إن لم يحدث ، فإن أحدث ما يوجب وضوء ـ كذا ـ فليعد غسله) (١) ، والأخير ظاهر في إجزاء غسل النهار لليوم والليلة.

(١) من الطوافين والسعي.

(٢) ففي صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه‌السلام في حديث (فإذا أتيت البيت يوم النحر فقمت على باب المسجد قلت : اللهم أعني على نسكي وسلّمني له ، وسلّمه لي ، اسألك مسألة العليل الذليل المعترف بذنبه أن تغفر لي ذنوبي ، وأن ترجعني بحاجتي ، اللهم إني عبدك والبلد بلدك والبيت بيتك ، جئت أطلب رحمتك وأؤمّ طاعتك ، متبعا لأمرك راضيا بقدرك ، اسألك مسألة المضطر إليك المطيع لأمرك المشفق من عذابك الخائف لعقوبتك ، أن تبلغني عفوك وتجيرني من النار برحمتك ، ثم تأتي الحجر الأسود فتستلمه وتقبله ، فإن لم تستطع فاستقبله وكبّر ، وقل كما قلت حين طفت بالبيت يوم قدمت مكة ، ثم طف بالبيت سبعة أشواط كما وضعت لك يوم قدمت مكة ، ثم صل عند مقام إبراهيم عليه‌السلام ركعتين ، تقرأ فيهما بقل هو الله وقل يا أيها الكافرون ، ثم ارجع إلى الحجر الأسود فقبّله إن استطعت واستقبله وكبّر ، ثم اخرج إلى الصفا فاصعد عليه وأضع كما صنعت يوم دخلت مكة ، ثم ائت المروة فاصعد عليها وطف بينهما سبعة أشواط تبدأ بالصفا وتختم بالمروة ، فإذا فعلت ذلك فقد أحللت من كل شي‌ء أحرمت منه إلا النساء ، ثم ارجع إلى البيت وطف به اسبوعا آخر ، ثم تصلي ركعتين عند مقام إبراهيم عليه‌السلام ، ثم قد أحللت من كل شي‌ء ، وفرغت من حجك كله وكل شي‌ء أحرمت منه). (٢)

__________________

(١) الوسائل الباب ـ ٣ ـ من أبواب زيارة البيت حديث ٢.

(٢) الوسائل الباب ـ ٤ ـ من أبواب زيارة البيت حديث ١.

٥١٤

متخللة بين مناسك منى أولا وآخرا. ولا يحسن تخصيص مناسك منى مع أن بعدها (١) ما هو أقوى (٢) ، وما ذكرناه عبارة الدروس وغيرها ، والأمر سهل. وكيف كان فيجب العود إلى منى إن كان خرج منها (للمبيت بها ليلا) (٣) ليلتين ، أو ثلاثا كما سيأتي تفصيله ، مقرونا بالنية (٤) المشتملة على قصده في النسك المعين بالقربة بعد تحقق الغروب ، ولو تركها (٥) ففي كونه كمن لم يبت ، أو يأثم خاصة مع التعمد وجهان : من تعليق (٦) وجوب الشاة على من لم يبت ، وهو حاصل بدون النية ، ومن عدم (٧) الاعتداد به شرعا بدونها ، (ورمي الجمرات الثلاث نهارا) في كل يوم (٨) يجب مبيت ليلته.

______________________________________________________

(١) وهو مناسك مكة.

(٢) لأن العود بعدها ذاتا ، بخلاف العود بعد مناسك منى الأولية فإن العدد بعدها وبعد مناسك مكة.

(٣) بلا خلاف فيه ، للأخبار منها : صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه‌السلام (لا تبت ليالي التشريق إلا بمنى) (١) ، وخبر مالك بن أعين عن أبي جعفر عليه‌السلام (إن العباس استأذن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يبيت بمكة ليالي منى ، فأذن له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أجل سقاية الحاج) (٢) ، ونقل عن الشيخ في التبيان استحباب المبيت وهو نادر كما في المدارك.

(٤) قال في الجواهر (فتجب فيه النية التي هي الأصل في كل مأمور به ، وقد نص عليه في الدروس وغيرها) ، وهذا بناء على أصالة التعبدي في كل واجب وهو ضعيف ، نعم إن قام إجماع على اشتراط النية أو قيل بأن المبيت جزء من الحج العبادي فتجب فيه النية لأنه عبادي لأمكن المصير إلى اشتراطها.

(٥) أي النية ، قال في الجواهر : (فإن أخلّ بالنية عمدا أثم ، وفي الفدية وجهان كما في المسالك ، بل نفى فيها البعد من عدم الفدية ، ولعله للأصل وعدم معلومية شمول إطلاق ما دل على لزوم الفدية بترك المبيت لمثله ، لانصرافه بحكم التبادر إلى الترك الحقيقي لا الحكمي).

(٦) تعليل لعدم وجوب الفدية.

(٧) تعليل لوجوب الفدية.

(٨) بلا خلاف فيه ، للأخبار التي سيأتي ذكر بعضها.

__________________

(١) الوسائل الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى حديث ٨.

(٢) الوسائل الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى حديث ٢١.

٥١٥

(ولو بات بغيرها فعن كل ليلة شاة) (١) ، ومقتضى الإطلاق عدم الفرق بين المختار ، والمضطر في وجوب الفدية ، وهو ظاهر الفتوى والنص (٢) ، وإن جاز مريض ، ويحتمل سقوط الفدية عنه ، وربما بني الوجهان (٣) على أن الشاة هل هي كفارة (٤) ، أو فدية وجبران (٥) فتسقط على الأول دون الثاني ، أما الرعاة وأهل سقاية العباس فقد رخص لهم في ترك المبيت من غير فدية (٦).

ولا فرق في وجوبها بين مبيته بغيرها (٧) لعبادة وغيرها (إلا أن يبيت بمكة مشتغلا بالعبادة) (٨) ...

______________________________________________________

(١) هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب كما في المدارك ، للأخبار منها : صحيح علي بن جعفر عن أخيه عليهم‌السلام (عن رجل بات بمكة في ليالي منى حتى أصبح ، قال : إن كان أتاها نهارا فبات فيها حتى أصبح فعليه دم يهريقه) (١).

(٢) قال في الجواهر : (ثم إن إطلاق النص والفتوى يقتضي ما صرح به بعض من عدم الفرق في ذلك بين الجاهل والناسي والمضطر وغيرهم) ، وعن بعض الحواشي المنسوبة إلى شيخنا الشهيد كما في جامع المقاصد والمدارك أن الجاهل لا شي‌ء عليه ، وفي المدارك : (وفي سقوطها ـ أي الفدية ـ عن المضطر وجهان ، اظهرهما ذلك ، تمسكا بمقتضى الأصل ، والتفاتا إلى انتفاء العموم في الأخبار المتضمنة للفدية على وجه يتناول المضطر ، وأن الظاهر كون الفدية كفارة عن ترك الواجب ، وهو منتف هنا).

(٣) من وجوب الفدية المضطر وسقوطها عنه.

(٤) أي كفارة لترك الواجب ، وهو ساقط عن المضطر.

(٥) أي بدل عن المبيت ، وهو يشمل المضطر ، ولكن قد عرفت من قال بثبوت الفدية للمفطر إنما قال به تمسكا بعموم الأخبار المدعى ، ومن قال بالعدم إنما قال به لعدم العموم مع جريان الأصل لنفيها.

(٦) أما السقاية فقد تقدم خبر مالك بن أعين (٢) المتضمن للرخصة ، ولا خصوصية للباس بل يشمل كل عامل على السقاية ، وأما الرعاة فقد قال في الجواهر (وفحوى الرخصة للرعاة والسقاية فإن العامة روت ترخصهم) ، وعن الخلاف والمنتهى نفي الخلاف فيه.

(٧) بغير منى.

(٨) على المشهور ، للأخبار منها : صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه‌السلام (عن رجل

__________________

(١) الوسائل الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى حديث ٢.

(٢) الوسائل الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى حديث ٢١.

٥١٦

الواجبة ، أو المندوبة (١) مع استيعابه الليلة بها (٢) إلا ما يضطر إليه من أكل ، وشرب ، وقضاء حاجة ، ونوم يغلب عليه ، ومن أهم العبادة الاشتغال بالطواف والسعي (٣) ، لكن لو فرغ منهما قبل الفجر وجب عليه إكماله (٤) بما شاء من العبادة (٥). وفي جواز رجوعه بعده (٦) إلى منى ليلا (٧) نظر : من استلزامه فوات جزء من الليل بغير أحد الوصفين ، أعني المبيت بمنى وبمكة متعبدا ، ومن أنه تشاغل بالواجب ويظهر من الدروس جوازه وإن علم أنه لا يدرك منى إلا بعد انتصاف الليل.

ويشكل بأن مطلق التشاغل بالواجب غير مجوز.

______________________________________________________

ـ زار البيت فلم يزل في طوافه ودعائه والسعي والدعاء حتى طلع الفجر ، قال : ليس عليه شي‌ء ، كان في طاعة الله عزوجل) (١) ، وصحيحه الآخر عنه عليه‌السلام (إذا فرغت من طوافك للحج وطواف النساء فلا تبيت إلا بمنى ، إلا أن يكون شغلك في نسكك) (٢).

وأوجب ابن إدريس الدم على المشتغل بمكة بالعبادة للعموم ولكنه ضعيف بما سمعت من الأخبار.

(١) لعموم الأخبار المتقدمة.

(٢) بالعبادة كما هو ظاهر الأخبار المتقدمة وقد نص عليه الشهيدان في الدروس والمسالك ، ويستثنى من ذلك ما يضطر إليه من غداء أو شرب أو نوم يغلب عليه حملا للنصوص على الغالب.

(٣) كما يقتضيه صحيح معاوية بن عمار المتقدم.

(٤) أي إكمال الليلة.

(٥) بناء على استيعاب الليلة بالعبادة.

(٦) أي بعد الطواف والسعي.

(٧) وإن علم أنه لا يدركها قبل الانتصاف فيجوز كما صرح به غير واحد ـ كما في الجواهر ، للأخبار منها : صحيح صفوان عن أبي الحسن عليه‌السلام (وما أحب أن ينشق الفجر له إلا وهو بمنى) (٣) ، وصحيح العيص عن أبي عبد الله عليه‌السلام (إن زار بالنهار أو عشاء فلا ينفجر الصبح إلا وهو بمنى) (٤).

__________________

(١ و ٢) الوسائل الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى حديث ١٣ و ١.

(٣ و ٤) الوسائل الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى حديث ٥ و ٤.

٥١٧

(ويكفي) في وجوب المبيت بمنى (أن يتجاوز) الكون بها (نصف الليل) (١) فله الخروج بعده منها ولو إلى مكة ، (ويجب في الرمي الترتيب) بين الجمرات الثلاث (يبدأ بالأولى) وهي أقربها إلى المشعر تلي مسجد الخيف (ثم الوسطى ، ثم جمرة العقبة ، ولو نكس) فقدم مؤخرا (عامدا) كان ، (أو ناسيا) بطل رميه أي مجموعه من حيث هو مجموع وأما رمي الأولى فإنه صحيح. وإن تأخرت ، لصيرورتها أولا ، فيعيد على ما يحصل معه الترتيب. فإن كان النكس محضا كما هو الظاهر أعاد على الوسطى وجمرة العقبة وهكذا (٢).

(ويحصل الترتيب بأربع حصيّات) بمعنى أنه إذا رمى الجمرة بأربع وانتقل

______________________________________________________

(١) للأخبار منها : صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه‌السلام (وإن خرجت بعد نصف الليل فلا يضرك أن تصبح في غيرها) (١) ، وخبر عبد الغفار الجازي عن أبي عبد الله عليه‌السلام (فإن خرج من منى بعد نصف الليل لم يضره شي‌ء) (٢) ، وقال في الرياض : (إن ظاهر الأصحاب انحصاره في النصف الأول فأوجبوا عليه الكون بها قبل الغروب إلى النصف الثاني ، وقال الشيخ إنه لو خرج من منى بعد انتصاف الليل ولكن لا يدخل مكة حتى يطلع الفجر ، وهو ضعيف كما عن المدارك).

(٢) بلا خلاف فيه ، للأخبار منها : صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه‌السلام (إرم في كل يوم عند زوال الشمس ، وقل كما قلت حين رميت جمرة العقبة ، فابدأ بالجمرة الأولى فارمها عن يسارها في بطن المسيل وقل كما قلت يوم النحر ، ثم قم عن يسار الطريق فاستقبل القبلة واحمد الله وأثن عليه وصلّ على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم تقدم قليلا فتدعو وتسأله أن يتقبل منك ، ثم تقدم أيضا ثم افعل ذلك عند الثانية ، واصنع كما صنعت بالأولى ، وتقف وتدعو الله كما دعوت ، ثم تمضي إلى الثالثة وعليك السكينة والوقار فارم ولا تقف عندها) (٣) ، والأمر بالبدأة والعطف بثمّ يقتضي الترتيب ، ولو رماها منكوسة فيجب الإعادة بما يحصل به الترتيب ، فيدل عليه صراحة صحيح الحلبي عن أبي عبد الله عليه‌السلام (في رجل رمى الجمار منكوسة ، قال : يعيد على الوسطى وجمرة العقبة) (٤) ، ومثله ـ

__________________

(١) الوسائل الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى حديث ٨.

(٢) الوسائل الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى حديث ١٤.

(٣) الوسائل الباب ـ ١٢ ـ من أبواب رمي جمرة العقبة حديث ١.

(٤) الوسائل الباب ـ ٥ ـ من أبواب العود إلى منى حديث ٣.

٥١٨

إلى ما بعدها صح (١) ، وأكمل الناقصة بعد ذلك ، وإن كان أقل من أربع استأنف التالية وفي الناقصة وجهان (٢) أجودهما الاستئناف أيضا ، وكذا لو رمى الأخيرة دون أربع ، ثم قطعه ، لوجوب الولاء (٣).

هذا كله مع الجهل ، أو النسيان ، أما مع العمد (٤) فيجب إعادة ما بعد التي

______________________________________________________

ـ صحيح معاوية بن عمار (١)، وهما مطلقان يشملان العامد والناسي ، ومما يدل على الناسي خبر مسمع عن أبي عبد الله عليه‌السلام (في رجل نسي الجمار يوم الثاني فبدأ بجمرة العقبة ثم الوسطى ثم الأولى ، قال : يؤخر ما رمى بما رمى ، فيرمي الوسطى ثم جمرة العقبة) (٢).

(١) وحصل الترتيب بلا خلاف فيه ، للأخبار منها : صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه‌السلام (في رجل رمى الجمرة الأولى بثلاث والثانية بسبع والثالثة بسبع ، قال : يعيد رميهن جميعا سبع سبع ، قلت : فإن رمى الأول بأربع والثانية بثلاث والثالثة بسبع ، قال : يرمي الجمرة الأولى بثلاث والثانية بسبع ويرمي الجمرة العقبة بسبع ، قلت : فإنه يرمي الجمرة الأولى بأربع والثانية بأربع والثالثة بسبع قال : يعيد فيرمي الأولى بثلاث والثانية بثلاث ولا يعيد على الثالثة) (٣) ، ومثله صحيحه الآخر لوارد في الكافي (٤).

(٢) أي لو رمى جمرة أقل من أربع حصيات ، فما بعدها يجب رميه بسبع وإن كان قد رماها أولا ، أما هذه الناقصة التي رماها بأقل من أربع فهل يجب عليه استئناف السبع عليها كما هو ظاهر المعظم ويشهد له صحيح معاوية المتقدم ، أو يجب إكمال الناقص فقط كما عن القواعد والتحرير والتذكرة والمنتهى والسرائر ، وظاهر الصحيح يدفعه.

(٣) قال في الجواهر : (نعم لو كان الناقص في الثالثة أكملها واكتفى به من غير فرق بين الأربع وغيرها ، لعدم ترتيب عليه بعدها ، ولعله لا خلاف فيه إلا ما سمعته من ابن بابويه بناء على اعتبار الموالات الذي لم نجد له دليلا بالخصوص ، بل ظاهر الأدلة سابقا خلافه).

(٤) قال في المدارك : (وإطلاق النص يقتضي البناء على الأربع مع العمد والجهل والنسيان ، إلا أن الشيخ وأكثر الأصحاب قيدوه بحالتي النسيان والجهل ، وصرحوا بوجوب إعادة ما بعد التي لم يكمل مع العمد مطلقا ـ سواء رماها بأربع أو أقل ـ لتحريم الانتقال إلى الجمرة المتأخرة قبل إكمال المتقدمة ، وهو جيد إن ثبت التحريم لمكان النهي المفسد للعبادة ، لكن يمكن القول بالجواز تمسكا بالروايتين).

__________________

(١ و ٢) الوسائل الباب ـ ٥ ـ من أبواب العود إلى منى حديث ١ و ٢.

(٣ و ٤) الوسائل الباب ـ ٦ ـ من أبواب العود إلى منى حديث ٢ و ١.

٥١٩

لم تكمل مطلقا (١) ، للنهي عن الاشتغال بغيرها قبل إكمالها وإعادتها (٢) إن لم تبلغ الأربع وإلا بنى عليها واستأنف الباقي ويظهر من العبارة عدم الفرق بين العامد وغيره ، وبالتفصيل قطع في الدروس.

(ولو نسي) رمي (جمرة أعاد على الجميع ، إن لم تتعين) ، لجواز كونها الأولى فتبطل الأخيرتان (٣) ، (ولو نسي حصاة) واحدة واشتبه الناقص من الجمرات (٤) (رماها على الجميع) ، لحصول الترتيب بإكمال الأربع ، وكذا لو نسي اثنتين وثلاثا ، ولا يجب الترتيب هنا (٥) ، لأن الفائت من واحدة ووجوب الباقي من باب المقدمة ، كوجوب ثلاث فرائض عن واحدة مشتبهة من الخمس (٦).

نعم لو فاته من كل جمرة واحدة ، أو اثنتان ، أو ثلاث وجب الترتيب (٧) لتعدد الرمي بالأصالة ، ولو فاته ما دون أربع وشك في كونه من واحدة ، أو اثنتين ، أو ثلاث وجب رمي ما يحصل معه يقين البراءة مرتبا (٨) لجواز التعدد ، ولو شك في أربع كذلك (٩) استأنف الجميع.

______________________________________________________

(١) سواء رماها بأربع أو أقل.

(٢) أي إعادة الأولى التي لم تكمل.

(٣) بلا خلاف فيه.

(٤) أي وجهل من أي الجمرات ، فيجب رميها على الثلاث لقاعدة الاشتغال مع علمه بأن كل جمرة قد رماها بست وهي أزيد من أربع فيجوز البناء حينئذ.

(٥) بأن يرمي الأول ثم الوسطى ثم العقبة بحصاة واحدة فلا يجب لأن الواجب رمي حصاة على جمرة ، والباقي من باب المقدمة العلمية ، وعلى كل يحصل امتثال الواجب.

(٦) بأن يعلم فوات صلاة ولم يعلم أنها ثنائية أو ثلاثية أو رباعية فيأتي بالثلاث ولا يجب الترتيب بل لو أتى بالرباعية ثم الثلاثية ثم الثنائية لحصل امتثال.

(٧) فيجب الترتيب في الباقي كما وجب في الجميع بالأصالة وليس الوجوب هنا من باب المقدمة.

(٨) أي وجب عليه رمي ما فاته وهو ما دون الأربع على كل واحدة من الجمرات بالترتيب لجواز أن يكون قد فاته من الأولى أو الثانية أو الثالثة ولا يحصل اليقين بالبراءة إلا بما قلنا.

(٩) أي من واحدة من الجمرات أو اثنتين أو ثلاث فيجب الاستئناف كما يقتضيه قاعدة الاشتغال ، لاحتمال فوات الأربع من الأولى.

٥٢٠