الزبدة الفقهيّة - ج ٣

السيّد محمّد حسن ترحيني العاملي

الزبدة الفقهيّة - ج ٣

المؤلف:

السيّد محمّد حسن ترحيني العاملي

المحقق: المترجم:
الموضوع : الفقه الناشر: دار الفقه للطباعة والنشر المطبعة: سليمان‌زاده ISBN: 964-8220-34-4
نسخة غير مصححة

المنقولة وغيرها ، غير المغصوبة ، من مسلم ، أو مسالم ، (وميراث فاقد الوارث) الخاص ، وهو من عدا الإمام ، وإلا فهو عليه‌السلام وارث من يكون كذلك (١) ، (والغنيمة بغير إذنه) غائبا كان ، أم حاضرا على المشهور (٢) وبه رواية مرسلة إلا أنه لا قائل بخلافها ظاهرا.

والمشهور أن هذه الأنفال مباحة حال الغيبة (٣) فيصح التصرف في الأرض المذكورة بالإحياء ، وأخذ ما فيها من شجر ، وغيره. نعم يختص ميراث من لا

______________________________________________________

ـ عبد الله عليه‌السلام (قطائع الملوك كلها للإمام وليس للناس فيها شي‌ء) (١).

(١) للأخبار منها : صحيح ابن مسلم عن أبي جعفر عليه‌السلام (من مات وليس له وارث من قرابته ولا مولى عتاقه قد ضمن جريرته فما له من الأنفال) (٢) ومرسل حماد (الإمام وارث من لا وارث له) (٣).

(٢) لمرسلة العباس الوراق عن رجل سماه عن أبي عبد الله عليه‌السلام (إذا غزا قوم بغير إذن الإمام فغنموا كانت الغنيمة كلها للإمام ، وإذا غزوا بأمر الإمام فغنموا كان للإمام الخمس) (٤).

والرواية ضعيفة بالإرسال وغيره فلذا توقف المحقق في النافع في الحكم ، بل العلامة في المنتهى جزم بالمساواة بين كون الغزو بإذنه أو لا وأن الإمام له الخمس فقط لإطلاق الآية الشريفة (٥) وحسنة الحلبي عن أبي عبد الله عليه‌السلام (في الرجل من أصحابنا يكون في لوائهم فيكون معهم فيصيب غنيمة فقال : يؤدي خمسنا ويطيب له) (٦).

(٣) أما في حال الحضور فلا بد من إذنهم عليهم‌السلام كما في المعتبر ، وفيه : أن أدلة التحليل مطلقة تشمل حال الحضور والغيبة بل بعضها صريح في العموم إلى زمن القائم عليه‌السلام وقد تقدم الكلام في هذه الأخبار ، وأن ما ورد بلفظ الحق فهو محمول على الأنفال فتخصيص المشهور بالمساكن والمتاجر والدور من الأنفال فقط ليس في محله.

__________________

(١) الوسائل الباب ـ ١ ـ من أبواب الأنفال حديث ٦.

(٢ و ٣) الوسائل الباب ـ ٣ ـ من أبواب ولاء ضامن الجريرة والإمامة حديث ١ و ٥.

(٤) الوسائل الباب ـ ١ ـ من أبواب الأنفال حديث ١٦.

(٥) سورة الأنفال الآية : ٤١.

(٦) الوسائل الباب ـ ٢ ـ من أبواب ما يجب فيه الخمس حديث ٨.

١٢١

وارث له بفقراء بلد الميت وجيرانه ، للرواية (١) ، وقيل : بالفقراء مطلقا (٢) ، لضعف المخصص ، وهو قوي. وقيل : مطلقا كغيره (٣).

(وأما المعادن) (٤) الظاهرة والباطنة في غير أرضه عليه‌السلام (فالناس فيها شرع) على الأصح ، لأصالة عدم الاختصاص ، وقيل : هي من الأنفال أيضا ، أما

______________________________________________________

(١) اعلم أن ميراث من لا وارث له في حال حضور الإمام يفعل به حيث يشاء وهو اعلم بتكليفه ، وفي حال الغيبة ، فعن جماعة أنه يحفظ بالوصاية أو الدفن إلى حين ظهوره كسائر حقوقه ، وعن الخلاف الإجماع عليه ، وفيه : إن حفظه أو دفنه موجب للضياع وقد تقدم تضعيف هذا القول سابقا مع أعراض المشهور عنه فكيف يدعى الإجماع عليه ، وذهب المشهور إلى أنه يقسم بين الفقراء والمساكين مطلقا سواء كانوا من بلده أو لا ، وذهب الشهيد في اللمعة في باب الإرث وفي الدروس أنه يقسّم بين فقراء بلد الميت ومساكينه وضعفاء جيرانه لمرسل داود عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه‌السلام (مات رجل في عهد أمير المؤمنين عليه‌السلام لم يكن له وارث ، فدفع أمير المؤمنين عليه‌السلام ميراثه إلى همشهريجه) (١) ومثله خبر خلاد السندي (٢) ، والمراد من همشهريجه أي أهل بلده إلا أن المشهور أعرض عنها كما في الجواهر ، واحتمل في الجواهر أن يكون هذا الميراث من الأنفال التي ثبت تحليلهم لها للشيعة ، ومال سيد الرياض إلى إعطائه للهاشمي وهو شي‌ء لم نعرفه لغيره ، كما أنا لم نعرف ما يومئ إليه ، بل الأدلة كلها على خلافه ومن هنا كان لا وجه للاطناب فيه كما في الجواهر ، والأحوط هو المشهور وأحوط منه أن يوزع على فقراء البلد خروجا عن شبهة خلاف الشبهة مع نية التصدق به عن صاحب الزمان كغيره من المال المتعذر وصوله إلى صاحبه.

(٢) من دون اختصاص ببلد الميت.

(٣) أي يكون هذا الميراث كبقية الأنفال.

(٤) مطلقا فهي من الأنفال كما عن الكليني وشيخه القمي في تفسيره ، والمفيد والشيخ والديلمي والقاضي لموثق إسحاق بن عمار (سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن الأنفال؟ فقال : هي القرى التي قد خربت وانجلى أهلها فهي لله وللرسول ، وما كان للملوك فهو للإمام ، وما كان من الأرض بخربة لم يوصف عليه بخيل ولا ركاب ، وكل أرض لا ربّ لها ، والمعادن منها ، [ومن مات] وليس له مولى فما له من الأنفال) (٣) وخبر أبي بصير عن أبي جعفر عليه‌السلام (قال : لنا الأنفال ، قلت : وما الأنفال؟ قال : منها المعادن ـ

__________________

(١ و ٢) الوسائل الباب ـ ٤ ـ من أبواب ولاء ضمان الجريرة ٣ و ١.

(٣) الوسائل الباب ـ ١ ـ من أبواب الأنفال حديث ٢٠.

١٢٢

الأرض المختصة به فما فيها من معدن تابع لها ، لأنه من جملتها ، وأطلق جماعة كون المعادن للناس من غير تفصيل ، والتفصيل حسن ، هذا كله في غير المعدن المملوكة تبعا للأرض ، أو بالإحياء ، فإنها مختصة بمالكها.

______________________________________________________

ـ والآجام ، وكل أرض لا رب لها ، وكل أرض باد أهلها فهو لنا) (١) ومثله غيره.

وعن جماعة بل في الدروس أنه الأشهر وفي الجواهر أنه المشهور أن الناس فيها شرع سواء ، للأصل والسيرة وعدم تعرض أخبار الخمس لذلك بل ظاهرها أن الباقي بعد الخمس للمخرج بأصل الشرع لا بتحليل الإمام مع ضعف هذه الأخبار هنا ما عدا الموثق وهو مختلف النسخ ففي بعضها (والمعادن منها) وفي البعض الآخر (والمعادن فيها) وعليه فيكون ظاهرا في المعادن الموجودة في أرض الموات فهي تابعة للأرض ، وأرض الموات للإمام فكذا معدنه ولذا ذهب إلى التفصيل بين معدن الأرض المملوكة فهو لمخرجه بعد الخمس ، وبين معدن أرض الأنفال فهو للإمام فيكون من الأنفال وإليه ذهب الحلي والمحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى والتحرير والشارح هنا.

__________________

(١) الوسائل الباب ـ ١ ـ من أبواب الأنفال حديث ٢٨.

١٢٣
١٢٤

كتاب الصوم

١٢٥
١٢٦

(كتاب الصوم (١)

(وهو الكفّ) (٢) نهارا كما سيأتي التنبيه عليه (عن الأكل والشرب (٣) مطلقا)

______________________________________________________

(١) الصوم من أشرف الطاعات وأفضل العبادات والقربات ، ولو لم يكن فيه إلا الارتقاء من حضيض النفس البهيمية إلى ذروة التشبه بالملائكة الروحانية لكفى به منقبة وفضلا ، ففي خبر زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام (بني الإسلام على خمسة أشياء ، على الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية ، وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الصوم جنة من النار) (١) وفي خبر عبد الله بن طلحة عن أبي عبد الله عليه‌السلام (قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الصائم في عبادة ، وإن كان [نائما] على فراشه ما لم يغتب مسلما) (٢) وفي الخبر عن الصادق عليه‌السلام (نوم الصائم عبادة ، وصمته تسبيح ، وعمله متقبل ، ودعاؤه مستجاب) (٣) وفي خبر أبي الصباح الكناني عن الصادق عليه‌السلام (إن الله تبارك وتعالى يقول : الصوم لي وأنا أجزي عليه) (٤).

(٢) قيل هو الكف ، وقيل هو الترك ، وقيل هو الإمساك ، والإطالة في تحديد الأشياء بالتعاريف مضيعة للوقت بعد تعذر معرفة أجناسها وفصولها إلا على رب العالمين جل جلاله.

(٣) ادعي عليه الضرورة ويدل عليه قوله تعالى : (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ) (٥) والأخبار على ذلك كثيرة ، وبالإطلاق يشمل المعتاد وغيره ، وذهب السيد في بعض كتبه وحكاه المختلف عن ابن ـ

__________________

(١) الوسائل الباب ـ ١ ـ من أبواب الصوم المندوب حديث ١.

(٢) الوسائل الباب ـ ١ ـ من أبواب الصوم المندوب حديث ١٢.

(٣) الوسائل الباب ـ ١ ـ من أبواب الصوم المندوب حديث ١٧.

(٤) الوسائل الباب ـ ١ ـ من أبواب الصوم المندوب حديث ٧.

(٥) سورة البقرة الآية : ١٨٧.

١٢٧

المعتاد منهما وغيره ، (والجماع (١) كله) قبلا (٢) ودبرا (٣) ، لآدمي (٤) ، وغيره (٥) على

______________________________________________________

ـ الجنيد أن غير المعتاد كابتلاع الحص والبرد لا يفسد الصوم لأن الأدلة محمولة على المتعارف.

(١) من الضروريات للأخبار منها : صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه‌السلام (لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال : الطعام والشراب والنساء والارتماس في الماء) (١).

(٢) وهو القدر المتيقن من النصوص.

(٣) أما في دبر المرأة مع الإنزال فلا خلاف فيه بين العلماء لإطلاق صحيح ابن الحجاج (سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتى يمني قال : عليه الكفارة مثل ما على الذي يجامع) (٢) وأما مع عدم الإنزال فلصدق الجماع عليه وهو متحقق في الدبر كتحققه في القبل ، ولصدق المباشرة عليه ، مع أن المباشرة منهي عنها في قوله تعالى : (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيٰامِ الرَّفَثُ إِلىٰ نِسٰائِكُمْ هُنَّ لِبٰاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبٰاسٌ لَهُنَّ ، عَلِمَ اللّٰهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتٰانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتٰابَ عَلَيْكُمْ وَعَفٰا عَنْكُمْ ، فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مٰا كَتَبَ اللّٰهُ لَكُمْ ، وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ، ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ ، وَلٰا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عٰاكِفُونَ فِي الْمَسٰاجِدِ) (٣) والنهي مفسد في العبادات نعم ورد في مرسل علي بن الحكم عن رجل عن أبي عبد الله عليه‌السلام (إذا أتى الرجل المرأة في الدبر وهي صائمة لم ينقض صومها وليس عليها غسل) (٤) وهو ضعيف السند قد أعرض المشهور عنه فلا يصلح للحجية فضلا عن معارضة غيره.

(٤) وأما الجماع في دبر الغلام فقد ادعى عليه الشيخ في المبسوط الإجماع ، وكذا الوطي في فرج البهيمة ، وتردد فيه المحقق في الشرائع ، وجزم ابن إدريس بعدم فساد الصوم بذلك وإن حرم.

والمسألة محل إشكال لعدم النص على ذلك ، واستدل العلامة بأن فساد الصوم في هذين الأمرين تابع لوجوب الغسل ، حيث إن الجنابة هي العلة لفساد الصوم كما يستفاد من أخبار حرمة الجماع على الصائم وهو جيد.

(٥) وهو الوطي في فرج البهيمة وقد تقدم الكلام فيه.

__________________

(١) الوسائل الباب ـ ١ ـ من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث ١.

(٢) الوسائل الباب ـ ٤ ـ من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث ١.

(٣) سورة البقرة الآية : ١٨٧.

(٤) الوسائل الباب ـ ١٢ ـ من أبواب الجنابة حديث ٣.

١٢٨

أصح القولين ، (والاستمناء) (١) وهو طلب الإمناء بغير الجماع مع حصوله ، لا مطلق طلبه (٢) وإن كان محرما أيضا ، إلا أن الأحكام الآتية لا تجري (٣) فيه ، وفي حكمه (٤) النظر والاستمتاع بغير الجماع والتخيّل لمعتاده (٥) معه كما سيأتي ، (وإيصال الغبار (٦) المتعدي) إلى الحلق غليظا كان أم لا ، بمحلّل كدقيق ، وغيره

______________________________________________________

(١) بلا خلاف فيه للاخبار منها : صحيح ابن الحجاج المتقدم.

(٢) أي طلب الامناء وإن لم يحصل المني.

(٣) أي في الطلب المجرد عن حصول المني.

(٤) أي حكم الاستمناء.

(٥) أي لمعتاد الامناء من النظر والاستمتاع بغير الجماع مع حصول المني ، لأن المستفاد من النصوص حرمة الاستمناء مع غض البصر عن أسبابه ، فمن نظر أو استمتع وكان معتادا للمنى ، وفعل ذلك مع قصد الإمناء فإنه يصدق عليه طلب المني فيفسد صومه وعليه الكفارة ، وعن الخلاف والسرائر والشرائع الحكم بصحة الصوم في النظر لو أمنى ، وعن المفيد وسلار وابن البراج الحكم بالصحة فيما لو نظر إلى من يحلّ إليه النظر ، وليكن تنزيل كلامهم على صورة عدم قصد الامناء كما صرح بذلك في الرياض.

(٦) على المشهور لرواية سليمان المروزي (سمعته يقول : إذا تمضمض الصائم في شهر رمضان ، أو استنشق متعمدا ، أو شمّ رائحة غليظة ، أو كنّس بيتا فدخل في أنفه وحلقه غبار فعليه صوم شهرين متتابعين ، فإن ذلك له مفطر مثل الأكل والشرب والنكاح) (١).

وهذه الرواية مشتملة على عدة مجاهيل وهي مقطوعة ، ومشتملة على ترتب الكفارة على مجرد المضمضة والاستنشاق وشمّ الرائحة الغليظة وهذا على خلاف ما أجمع عليه الأصحاب فضلا عن معارضته لموثق عمرو بن سعيد عن الرضا عليه‌السلام (سألته عن الصائم يتدخن بعود أو بغير ذلك فتدخل الدخنة في حلقه ، قال : جائز لا بأس به ، وسألته عن الصائم يدخل الغبار في حلقه ، قال عليه‌السلام : لا بأس) (٢) ولذا توقف المحقق في المعتبر في هذه الحكم ، ولم يتعرض الصدوق والسيد والشيخ في المصباح وسلار له وكأنه إشارة إلى عدم مفطريته ، وقد صرح بعض المتأخرين بعدم المفطرية ، إلا أن المشهور عملوا بالخبر الأول مع التفكيك بين عبارات متنه وهذا ليس بعزيز منهم ، مع حمله على الغبار الغليظ وحمل الموثق الدال على عدم البأس على الغبار غير الغليظ ، ويعضده السيرة القطعية على عدم الاجتناب عن غير الغليظ ، فما ذهب إليه الشارح في المسالك وهنا من عموم مفطريته سواء كان غليظا أو لا ليس في محله.

__________________

(١ و ٢) الوسائل الباب ـ ٢٢ ـ من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث ١ و ٢.

١٢٩

كتراب. وتقييده بالغليظ في بعض العبارات ومنها الدروس لا وجه له (١) ، وحد الحلق مخرج الخاء المعجمة ، (والبقاء على الجنابة) (٢) مع علمه بها ليلا ، سواء نوى الغسل أم لا (٣) ، (ومعاودة النوم جنبا بعد انتباهتين) متأخرتين عن العلم بالجنابة

______________________________________________________

(١) قد عرفت أن وجهه هو الجمع بين الأخبار.

(٢) على المشهور للأخبار منها : موثق أبي بصير عن أبي عبد الله عليه‌السلام (في رجل أجنب في شهر رمضان بالليل ، ثم ترك الغسل متعمدا حتى أصبح ، قال عليه‌السلام : يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا) (١) ، وفي الرياض : إنها قريبة من التواتر ، وما ورد معارضا لها وقد دل على الجواز محمول على التقية ويشعر بذلك خبر إسماعيل بن عيسى عن أبي الحسن الرضا عليه‌السلام (عن رجل أصابته جنابة في شهر رمضان فنام عمدا حتى أصبح ، أي شي‌ء عليه؟ قال : لا يضره هذا ولا يفطر ولا يبالي ، فإن أبي عليه‌السلام قال : قالت عائشة : إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أصبح جنبا من جماع من غير احتلام) (٢).

وهذا الحكم كما يجري في شهر رمضان يجري في قضائه لصحيح عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه‌السلام (عن الرجل يقضي [شهر] رمضان فيجنب من أول الليل ولا يغتسل حتى [يجي‌ء] آخر الليل ، وهو يرى أن الفجر قد طلع ، قال عليه‌السلام : لا يصوم ذلك اليوم ويصوم غيره) (٣) ، وصحيحه الآخر (كتب أبي إلى أبي عبد الله عليه‌السلام ـ وكان يقضي شهر رمضان ـ وقال : إني أصبحت بالغسل وأصابتني جنابة ، فلم أغتسل حتى طلع الفجر ، فأجابه عليه‌السلام : لا تصم هذا اليوم وصم غدا) (٤) فما عن المنتهى من التردد فيه ، وعن المعتبر من الجزم بعدمه ليس في محله.

وأما الصوم المندوب فالمشهور على أن تعمد الجنابة لا يفسد الصوم لصحيح عبد الله بن المغيرة عن حبيب الخثعمي (قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : أخبرني عن التطوع ، وعن هذه الثلاثة أيام إذا أجنبت من أول الليل ، فأعلم أني أجنبت فأنام متعمدا حتى ينفجر الفجر ، أصوم أو لا أصوم؟ قال عليه‌السلام : صم) (٥).

وأما الواجب غير شهر رمضان وقضائه فعن المشهور أن تعمد الجنابة يفسد الصوم حملا له على شهر رمضان وقضائه بعد عدم المجال لحمله على التطوع.

(٣) مع تحقق تعمد البقاء على الجنابة.

__________________

(١) الوسائل الباب ـ ١٦ ـ من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث ٢.

(٢) الوسائل الباب ـ ١٣ ـ من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث ٦.

(٣ و ٤) الوسائل الباب ـ ١٩ ـ من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث ١ و ٢.

(٥) الوسائل الباب ـ ٢٠ ـ من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث ١.

١٣٠

وإن نوى الغسل إذا طلع الفجر عليه جنبا (١) ، لا بمجرد النوم كذلك (٢) ، (فيكفّر من لم يكفّ) عن أحد هذه السبعة اختيارا (٣) في صوم واجب متعين ، أو في شهر

______________________________________________________

(١) أما وجوب القضاء بلا خلاف فيه لصحيح ابن أبي يعفور (قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : الرجل يجنب في شهر رمضان ثم يستيقظ ، ثم ينام [ثم يستيقظ ، ثم ينام] حتى يصبح ، قال عليه‌السلام : يتم صومه ويقضي يوما آخر ، وإن لم يستيقظ حتى يصبح أتم صومه وجاز له) (١).

وأما وجوب الكفارة فقد حكي عن الشيخين وابني حمزة وزهرة والحلبي والحلي والعلامة والشهيد والمحقق الثاني ، بل عن الغنية والوسيلة الإجماع عليه ، ولكن دعوى الإجماع مجازفة مع تردد المحقق في الشرائع وجزمه بالعدم في المعتبر وتابعه العلامة في المنتهى ، ومع مخالفة هذين يشكل الاعتماد عليه.

(٢) أي جنبا بعد انتباهتين.

(٣) أما الكفارة في الأكل والشرب فبالاتفاق للأخبار الكثيرة منها : صحيح ابن سنان عن أبي عبد الله عليه‌السلام (في رجل أفطر من شهر رمضان متعمدا يوما واحدا من غير عذر ، قال : يعتق نسمة أو يصوم شهرين متتابعين ، أو يطعم ستين مسكينا) (٢).

وفي الجماع والاستمناء كذلك لصحيح ابن الحجاج (سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتى يمني ، قال عليه : عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع) (٣) ومثله غيره.

وأما إيصال الغبار الغليظ فلخبر المروزي المتقدم (سمعته يقول. إلى أن قال : أو كنّس بيتا فدخل في أنفه وحلقه غبار فعليه صوم شهرين متتابعين ، فإن ذلك له مفطر مثل الأكل والشرب والنكاح) (٤).

وأما تعمد البقاء على الجنابة فللأخبار منها : موثق أبي بصير المتقدم عن أبي عبد الله عليه‌السلام (في رجل أجنب في شهر رمضان بالليل ، ثم ترك الغسل متعمدا حتى أصبح ، قال عليه‌السلام : يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين ، أو يطعم ستين مسكينا) (٥).

وأما معاودة النوم بعد انتباهتين فقد تقدم أنه حكم مشهوري قد ادعي عليه الإجماع.

__________________

(١) الوسائل الباب ـ ١٥ ـ من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث ٢.

(٢) الوسائل الباب ـ ٨ ـ من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث ١.

(٣) الوسائل الباب ـ ٤ ـ من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث ١.

(٤) الوسائل الباب ـ ٢٢ ـ من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث ١.

(٥) الوسائل الباب ـ ١٦ ـ من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث ٢.

١٣١

رمضان مع وجوبه بقرينة المقام (١).

(ويقضي) الصوم مع الكفارة (لو تعمد الإخلال) بالكف (٢) المؤدي إلى فعل أحدها.

والحكم في الستة السابقة قطعي (٣) ، وفي السابع مشهوريّ ، ومستنده غير صالح ، ودخل في المتعمد الجاهل (٤) بتحريمها وإفسادها ، وفي وجوب الكفارة عليه خلاف. والذي قواه المصنف في الدروس عدمه وهو المروي ، وخرج الناسي (٥) فلا

______________________________________________________

(١) إذ لا كفارة في الواجب الموسع ولا في الصوم المستحب ، ولا في شهر رمضان مع عدم وجوب الصوم عليه فيه كما لو كان مسافرا أو حائضا. هذا واعلم أنه لا خلاف بينهم في عدم الكفارة فيما لو أفطر في صوم الكفارات والنذر غير المعين والمندوب وإن فسد الصوم ، لعدم الدليل على الكفارة فالأصل البراءة ، وأما الكفارة في إفطار شهر رمضان والنذر المعين فمحل اتفاق ويدل على الأول الأخبار وقد تقدم بعضها ، وما يدل على الثاني سيأتي الكلام فيه إنشاء الله ، نعم وقع الخلاف فيما لو أفطر في قضاء شهر رمضان بعد الزوال وسيأتي الكلام فيه كذلك.

(٢) متعلق بالإخلال.

(٣) أي الكفارة.

(٤) على المشهور لإطلاق دليل المفطرية بعد صدق العمد عليه ، والمراد منه القصد ، وعن الشيخ وابن إدريس عدم الإلحاق بل في المنتهى احتمل إلحاقه بالناسي لموثق أبي بصير وزرارة (سألنا أبا جعفر عليه‌السلام عن رجل أتى أهله في شهر رمضان ، أو أتى أهله وهو محرم ، وهو لا يرى إلا أن ذلك حلال له ، قال عليه‌السلام : ليس عليه شي‌ء) (١) ويعضده صحيح عبد الصمد الوارد فيمن لبس قميصا في حال الإحرام (أي رجل ركب أمرا بجهالة فلا شي‌ء عليه) (٢).

وذهب المصنف في المعتبر إلى فساد صومه لصدق المتعمد عليه عند عروض أحد الأسباب المقتضية لفساد الصوم ، وإلى عدم وجوب الكفارة لهذه الأخبار وقد نسب إلى أكثر المتأخرين.

(٥) بلا خلاف للأخبار منها : صحيح الحلبي عن أبي عبد الله عليه‌السلام (عن رجل نسي فأكل أو شرب ثم ذكر ، قال عليه‌السلام : لا يفطر ، إنما هو شي‌ء رزقه الله فليتم صومه) (٣)

__________________

(١) الوسائل الباب ـ ٩ ـ من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث ١٢.

(٢) الوسائل الباب ـ ٤٥ ـ من أبواب تروك الإحرام حديث ٣.

(٣) الوسائل الباب ـ ٩ ـ من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث ١.

١٣٢

قضاء عليه ، ولا كفارة ، والمكره عليه ولو بالتخويف فباشر بنفسه على الأقوى (١).

واعلم أن ظاهر العبارة كون ما ذكر تعريفا للصوم كما هو عادتهم ، ولكنه غير تام ، إذ ليس مطلق الكف عن هذه الأشياء صوما كما لا يخفى (٢) ويمكن أن يكون تجوز فيه ببيان أحكامه ، ويؤيده (٣) أنه لم يعرّف غيره من العبادات ، ولا غيرها في الكتاب غالبا وأما دخله (٤) من حيث جعله كفا وهو أمر عدمي فقابل للتأويل بإرادة العزم على الضد أو توطين النفس عليه ، وبه يتحقق معنى الإخلال

______________________________________________________

ـ وموثق عمار عن أبي عبد الله عليه‌السلام (عن الرجل ينسى وهو صائم فجامع أهله ، فقال عليه‌السلام : يغتسل ولا شي‌ء عليه) (١) واختصاصها بالثلاثة لا يقدح في عموم الحكم لكل المفطرات ، وفي الصوم الواجب والمندوب ، والواجب المعيّن وغيره للإطلاق.

(١) فالاكثر على عدم الإفطار لحديث الرفع (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) (٢) ، وفيه : إنه لا يصلح لإثبات صحة الصوم بعد صدق التعمد عليه الموجب لفساد الصوم ، وإنما يصلح لعدم الكفارة ، ويشهد لصدق الإفطار عليه مرسل رفاعة عن رجل عن أبي عبد الله عليه‌السلام (دخلت على أبي العباس بالحيرة ، فقال : يا أبا عبد الله ما تقول في الصيام اليوم ، فقال : ذاك إلى الامام إن صمت صمنا ، وإن أفطرت أفطرنا ، فقال يا غلام ، عليّ بالمائدة ، فأكلت معه وأنا أعلم ـ والله ـ أنه يوم من شهر رمضان ، فكان إفطاري يوما وقضائه أيسر عليّ من أن يضرب عنقي ولا يعبد الله) (٣).

(٢) إذ لا بد من وقت معين مع الإخلاص.

(٣) أي يؤيد التجوز.

(٤) أي عيب التعريف ، ووجهه : أن الكف أمر وجودي والعدم أمر عدمي فلا يصح جعل الأول تعريفا للثاني ، وردّ : بأن التكليف لا يتعلق بالعدم فلا بدّ من صرف متعلقه إلى إرادة العزم على ضد المفسد للصوم أو إلى توطين النفس على هذا الضد ، لأنه لا بد من صرف متعلق الأمر إلى فعل على أن يكون من أفعال القلوب ، هذا بالنسبة لمعنى الصوم ، وأما تعبير المصنف عنه بالكف دون العزم على ضد المفسد أو التوطين عليه ، فلأن الكف والصوم يردا بمعنى الإمساك ، وقد عرفت أنه لا ثمرة مهمة في تحقيق التعاريف.

__________________

(١) الوسائل الباب ـ ٩ ـ من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث ٢.

(٢) سنن ابن ماجه ج ١ ص ٦٥٩ حديث ٢٠٤٥.

(٣) الوسائل الباب ـ ٥٧ ـ من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث ٥.

١٣٣

به إذ لا يقع الإخلال إلا بفعل فلا بد من رده (١) إلى فعل القلب ، وإنما اقتصر على الكف مراعاة لمعناه اللغوي.

(ويقضي) خاصة من غير كفارة (لو عاد) الجنب إلى النوم ناويا للغسل ليلا (بعد انتباهة) واحدة فأصبح جنبا (٢) ، ولا بد مع ذلك من احتماله للانتباه عادة ، فلو لم يكن من عادته ذلك ، ولا احتماله (٣) كان من أول نومه كمتعمد البقاء عليها (٤) ، وأما النومة الأولى فلا شي‌ء فيها (٥) وإن طلع الفجر بشرطيه (٦) ، (أو احتقن بالمائع) في قول (٧) ، والأقوى عدم القضاء بها وإن حرمت ، أما بالجامد

______________________________________________________

(١) أي رد معنى الصوم.

(٢) فعليه القضاء دون الكفارة بلا خلاف فيه ويدل عليه صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه‌السلام (الرجل يجنب من أول الليل ثم ينام حتى يصبح في شهر رمضان ، قال عليه‌السلام : ليس عليه شي‌ء ، قلت : فإن استيقظ ثم نام حتى أصبح ، قال عليه‌السلام : فليقض ذلك اليوم عقوبة) (١) ، ومثله غيره ، ونفي الكفارة للأصل ولإطلاق هذه الأخبار الحاصرة بالقضاء.

(٣) في الطبعة الحجرية (ولا احتمله) ، والمعنى : لم يكن من عادته الانتباه أو لم يحتمل الانتباه إن لم تكن عادته على الانتباه.

(٤) على الجنابة ، وهذا للصدق العرفي كما هو واضح.

(٥) بلا خلاف ويدل عليه صدر صحيح ابن عمار المتقدم.

(٦) أي كان من عادته الانتباه ، أو احتمل الانتباه هذا هو الشرط الأول ، والشرط الثاني أن يكون ناويا للغسل ليلا ، وإلا فمع فقد أحد هذين الشرطين يكون متعمدا للبقاء على الجنابة.

(٧) فالاحتقان بالمائع يوجب القضاء دون الكفارة هو قول العلامة في المختلف وحكي عن الشيخ في المبسوط والقاضي والحلبي والشهيد في الدروس لصحيح البزنطي عن أبي الحسن عليه‌السلام (سأله عن الرجل يحتقن تكون به العلة في شهر رمضان ، فقال عليه‌السلام : الصائم لا يجوز له أن يحتقن) (٢) وقد حملوا نفي الجواز على الحرمة التكليفية فقط دون الكفارة.

وذهب الشيخ في جملة من كتبه وتبعه المحقق في المعتبر وسيد المدارك أنه يحرم الاحتقان بالمائع للخبر من دون إفساد ، لأن الصوم عبادة شرعية فلا تفسد إلا بموجب شرعي ،

__________________

(١) الوسائل الباب ـ ١٥ ـ من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث ١.

(٢) الوسائل الباب ـ ٥ ـ من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث ٤.

١٣٤

كالفتائل فلا على الأقوى ، (أو ارتمس) (١) بأن غمس رأسه أجمع (٢) في الماء دفعة

______________________________________________________

ـ ويحتمل أن يكون النهي هنا لكون الاحتقان حراما لا لكون الصوم يفسد به ، وهو ضعيف إذ ظاهره أن النهي من أجل الصوم وقد تقرر أن النهي في العبادات مفسد.

وعن السيد في الناصرية والمفيد وابن بابويه والحلبي الإفساد في الاحتقان بالجامد كالمائع واختاره العلامة في المختلف لإطلاق صحيح البزنطي المتقدم ، وهو ضعيف لورود موثق الحسن بن فضال (كتبت إلى أبي الحسن عليه‌السلام : ما تقول في اللطف يستدخله الإنسان وهو صائم ، فكتب : لا بأس بالجامد) (١).

(١) ذهب الأكثر إلى أنه مفسد للصوم للأخبار منها : صحيح ابن مسلم عن أبي جعفر عليه‌السلام (لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال : الطعام والشراب والنساء والارتماس في الماء) (٢) ، وحمله على القضاء دون الكفارة كما عن أبي الصلاح وجماعة منهم المصنف هنا لأصالة عدم وجوب الكفارة فضعيف ، لأن عدّ الارتماس مع الأكل والشرب في هذا الصحيح وغيره لا يخلو من إشعار باتحاد الحكم فيهما ، ومن هنا ذهب جماعة منهم الشهيد في الدروس إلى وجوب القضاء والكفارة.

وذهب السيد المرتضى وابن إدريس إلى أن الارتماس مكروه ولا يفسد الصوم فضلا عن وجوب القضاء والكفارة حملا للطائفة المتقدمة على الكراهة بقرينة خبر عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه‌السلام (كره للصائم أن يرتمس في الماء) (٣) ، وردّ بأن الكراهة في الأخبار أعم من الحرمة ، إذ لم يثبت معنى الكراهة الاصطلاحي لها في زمن الأئمة عليهم‌السلام.

وذهب الشيخ في الاستبصار والعلامة والشهيد الثاني واختاره في الشرائع والمدارك إلى أنه حرام من دون إفساد للصوم لموثق إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله عليه‌السلام (رجل صائم ارتمس في الماء متعمدا ، أعليه قضاء ذلك اليوم؟ قال عليه‌السلام : ليس عليه قضاؤه ولا يعودن) (٤) ، وفيه : إنه ظاهر في الكراهة لا في الحرمة التكليفية لأنه جمع بين النهي عنه وعدم إفساده لماهية الصوم ، ولذا كان الأقوى الحكم بالكراهة إلا أن الاحتياط يقتضي ترجيح قول الأكثر من حرمته وإفساده وإيجابه للكفارة.

(٢) فالمدار على الرأس دون بقية البدن ، لصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه‌السلام ـ

__________________

(١) الوسائل الباب ـ ٥ ـ من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث ٢.

(٢) الوسائل الباب ـ ١ ـ من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث ١.

(٣) الوسائل الباب ـ ٣ ـ من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث ٩.

(٤) الوسائل الباب ـ ٦ ـ من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث ١.

١٣٥

واحدة عرفية وإن بقي البدن (متعمدا) والأقوى تحريمه من دون إفساد أيضا ، وفي الدروس أوجب به القضاء والكفارة. وحيث يكون الارتماس في غسل مشروع يقع فاسدا مع التعمد للنهي ، ولو نسي صح (١) ، (أو تناول) المفطر (من دون مراعاة ممكنة) للفجر (٢) ، أو الليل (٣) ، ظانا حصوله (٤) (فأخطأ) بأن ظهر تناوله نهارا.

(سواء كان مستصحب الليل) بأن تناول آخر الليل من غير مراعاة بناء على أصالة عدم طلوع الفجر ، (أو النهار) بأن أكل آخر النهار ظنا أن الليل دخل فظهر عدمه ، واكتفى (٥) عن قيد ظن الليل (٦) بظهور الخطأ ، فإنه يقتضي اعتقاد خلافه ،

______________________________________________________

ـ (الصائم يستنقع في الماء ، ويصب على رأسه ويتبرد بالثوب وينضح المروحة ، وينضح البوريا تحته ولا يغمس رأسه في الماء) (١) وصحيح الحلبي عن أبي عبد الله عليه‌السلام (الصائم يستنقع في الماء ولا يرمس رأسه) (٢) ومثلهما غيرهما ، وظاهرها أن الحرمة على غمس تمام الرأس آنا ما في الماء سواء كان دفعة أو تدريجا.

(١) أي الغسل ، باعتبار أن الارتماس مفطر فيكون منهيا عنه في الصوم المعين ، فإذا وجب عليه الغسل فيه وانحصر في الارتماس فينتقل إلى التيمم ، ولو اغتسل متعمدا بطل صومه للارتماس العمدي وبطل غسله للنهي عن الارتماس لكونه مفطرا ، ولو اغتسل ارتماسيا نسيانا صح صومه لعدم نقضه به ، إذ المحرم هو العمدي وصح غسله حينئذ.

(٢) فيجب القضاء دون الكفارة بلا خلاف للأخبار منها : موثق سماعة (سألته عن رجل أكل وشرب بعد ما طلع الفجر في شهر رمضان ، فقال : إن كان قام فنظر فلم ير الفجر فأكل ثم عاد فرأى الفجر فليتم صومه ولا إعادة عليه ، وإن كان قام فأكل وشرب ثم نظر إلى الفجر فرأى أنه قد طلع الفجر فليتم صومه ويقتضي يوما آخر ، لأنه بدأ بالأكل قبل النظر فعليه الإعادة) (٣) ، وعدم الكفارة للأصل بعد اختصاص عموم وجوب الكفارة بالإفطار بصورة العمد.

(٣) يعرف حكمه مما تقدم في مسألة الفجر.

(٤) أي حصول الليل في الصورتين ، وإلا فمع الشك في حصول الليل والقطع بعدمه ومع ذلك تناول المفطر فيصدق عليه الإفطار العمدي الموجب للقضاء والكفارة.

(٥) أي المصنف.

(٦) حيث لم يذكره.

__________________

(١ و ٢) الوسائل الباب ـ ٣ ـ من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث ٢ و ٧.

(٣) الوسائل الباب ـ ٤٤ ـ من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث ٣.

١٣٦

واحترز بالمراعاة الممكنة عمن تناول كذلك (١) مع عدم إمكان المراعاة كغيم ، أو حبس ، أو عمى ، حيث لا يجد من يقلده فإنه لا يقضي (٢) ، لأنه متعبّد بظنه ، ويفهم من ذلك أنه لو راعى فظن فلا قضاء فيهما وإن أخطأ ظنه (٣) ، وفي الدروس استقرب القضاء في الثاني (٤) ، دون الأول (٥) ، فارقا بينهما باعتضاد ظنه بالأصل في الأول وبخلافه في الثاني.

(وقيل) والقائل الشيخ والفاضلان : (لو أفطر لظلمة موهمة) أي موجبة لظن دخول الليل (ظانا) دخوله من غير مراعاة ، بل استنادا إلى مجرد الظلمة المثيرة للظن

______________________________________________________

(١) أي ظانا حصول الليل.

(٢) كما هو المشهور للأصل ، بعد اختصاص النصوص القاضية بالقضاء مع عدم المراعاة إلى صورة القدرة على المراعاة ، وخالف الجواهر والمستند لإطلاق النصوص الدالة على القضاء فتشمل العاجز والقادر الذي ترك المراعاة تهاونا مثل صحيح الحلبي عن أبي عبد الله عليه‌السلام (سئل عن رجل تسحر ثم خرج من بيته وقد طلع الفجر وتبين ، فقال عليه‌السلام : يتم صومه ذلك ثم ليقضه) (١) ، وهو غير ظاهر في الإطلاق كما هو واضح.

(٣) هذه الصورة الثالثة ، بعد صورة القادر على المراعاة ولم يراع ، وبعد صورة العاجز عن المراعاة فيتعبد بظنه ، وهذه الصورة قد دل على عدم القضاء فيها صدر موثق ، سماعة المتقدم (فقال عليه‌السلام : إن كان قام فنظر فلم ير الفجر فأكل ثم عاد فرأى الفجر فليتم صومه ولا إعادة عليه) (٢) هذا بالنسبة لمراعاة الفجر ، وأما بالنسبة لمراعاة المغرب فكذلك للأخبار منها : صحيح زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام (أنه قال لرجل ظن أن الشمس قد غابت فأفطر ، ثم أبصر الشمس بعد ذلك فقال عليه‌السلام : ليس عليه قضاء) (٣) بعد حمله على إجراء المراعاة.

(٤) فيما لو راعى فظن دخول الليل فأفطر وذلك لأن ظنه على خلاف استصحاب بقاء النهار ، وفيه إنه على خلاف الأخبار المتقدمة.

(٥) فيما لو راعى فظن بقاء الليل فأكل ، وذلك لأن ظنه معتضد باستصحاب بقاء الليل ، وقد عرفت عدم الفرق بين الصورتين.

__________________

(١) (٢) الوسائل الباب ـ ٤٤ ـ من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث ١ و ٣.

(٣) الوسائل الباب ـ ٥١ ـ من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث ٢.

١٣٧

(فلا قضاء) (١) ، استنادا إلى أخبار (٢) تقصر عن الدلالة ، مع تقصيره في المراعاة ، فلذلك نسبه إلى القيل ، واقتضى حكمه السابق وجوب القضاء (٣) مع عدم المراعاة وإن ظن ، وبه صرح في الدروس ، وظاهر القائلين (٤) ، أنه لا كفارة مطلقا (٥) ويشكل عدم الكفارة مع إمكان المراعاة (٦) ، والقدرة على تحصيل العلم في القسم الثاني (٧) لتحريم التناول على هذا الوجه (٨) ، ووقوعه في نهار يجب صومه عمدا (٩) وذلك يقتضي بحسب الأصول الشرعية وجوب الكفارة (١٠) ، بل ينبغي وجوبها

______________________________________________________

(١) مع أن المشهور على القضاء لعدم المراعاة.

(٢) منها : خبر الكناني سأل أبا عبد الله عليه‌السلام (عن رجل صام ثم ظن أن الشمس قد غابت ، وفي السماء غيم فأفطر ، ثم إن السحاب انجلى فإذا الشمس لم تغب ، قال عليه‌السلام : قد تم صومه ولا يقضيه) (١).

وفيه : أولا : إن المراد من الظن ما يعم القطع مثل قوله تعالى : (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلٰاقُوا رَبِّهِمْ) (٢) ، وثانيا : إنه لم يراع فيجب القضاء فيقع التعارض بينه وبين ما تقدم ، وثالثا : لمعارضته على ما دل على الإفطار في هذه الصورة وهو موثق أبي بصير وسماعة عن أبي عبد الله عليه‌السلام (في قوم صاموا شهر رمضان فغشيهم سحاب أسود عند غروب الشمس ، فرأوا أنه اللّيل فأفطر بعضهم ، ثم إن السحاب انجلى فإذا الشمس ، فقال عليه‌السلام : على الذي أفطر صيام ذلك اليوم ، إن الله عزوجل يقول : وأتموا الصيام إلى الليل ، فمن أكل قبل أن يدخل الليل فعليه قضاؤه ، لأنه أكل متعمدا) (٣).

(٣) في هذه الصورة.

(٤) أي ظاهر القائلين بوجوب القضاء في الصور السابقة.

(٥) سواء أمكنت المراعاة أو لا.

(٦) لأنه يكون كالإفطار العمدي.

(٧) أي الظن بدخول الليل فأفطر مع عدم المراعاة.

(٨) أي وجه عدم المراعاة.

(٩) قيد لقوله : ووقوعه ، والمعنى : ووقوع التناول عمدا في نهار يجب صومه.

(١٠) لأنه إفطار عمدي.

__________________

(١) الوسائل الباب ـ ٥١ ـ من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث ٣.

(٢) سورة البقرة الآية : ٤٣.

(٣) الوسائل الباب ـ ٥٠ ـ من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث ١.

١٣٨

وإن لم يظهر الخطأ ، بل استمر الاشتباه لأصالة عدم الدخول (١) ، مع النهي عن الإفطار (٢).

وأما في القسم الأول (٣) فوجوب القضاء خاصة مع ظهور الخطأ متوجه ، لتبين إفطاره في النهار ، وللأخبار (٤). لكن لا كفارة عليه ، لجواز تناوله حينئذ بناء على أصالة عدم الدخول (٥) ، ولو لا النص على القضاء لأمكن القول بعدمه (٦) ، للإذن المذكور ، وأما وجوب الكفارة على القول المحكي (٧) فأوضح (٨) وقد اتفق لكثير من الأصحاب في هذه المسألة عبارات قاصرة عن تحقيق الحال جدا فتأملها ، وعبارة المصنف هنا جيدة لو لا إطلاق عدم الكفارة (٩).

واعلم أن المصنف نقل القول المذكور جامعا بين توهم الدخول (١٠) بالظلمة (١١) وظنه (١٢). مع أن المشهور لغة واصطلاحا أن الوهم اعتقاد مرجوح ، وراجحه الظن وعباراتهم وقعت أنه لو أفطر للظلمة الموهمة وجب القضاء ولو ظن

______________________________________________________

(١) أي أصالة عدم دخول الليل.

(٢) قبل دخول الليل.

(٣) أي الظن ببقاء الليل.

(٤) وقد تقدم بعضها.

(٥) أي أصالة عدم دخول الليل.

(٦) بعدم القضاء.

(٧) وهو قول الشيخ والفاضلين.

(٨) لأنه اعتمد في إفطاره على غير مجوّز شرعي لأنه لم يراع فيصدق عليه الإفطار العمدي.

(٩) في الصور الثلاثة وهو في محله ، لأن الكفارة مختصة بالإفطار بصورة العمد ، وهو في الصور الثلاثة لم يتعمد الإفطار بحسب زعمه وظنه وإن قصر في المراعاة فلذا لا تشمله أدلة وجوب الكفارة ، بعد جريان الأصل النافي لها عند الشك في وجوبها.

(١٠) أي دخول الليل.

(١١) أي بسبب الظلمة حيث قال المصنف (لو أفطر لظلمة موهمة).

(١٢) أي ظن الليل حيث قال المصنف (لو أفطر لظلمة موهمة ظانا) فكيف جمع بين الوهم والظن وما هو إلا تناقض ، مع أن الأصحاب أوردوا الوهم والظن وجعلوا لهما حكمين فمع الوهم حكموا بالقضاء دون الكفارة ، ومع الظن يصح الصوم ولا قضاء ولا كفارة ، وهذه عبارة الشرائع (التاسعة : يجب القضاء في الصوم الواجب المعين بتسعة : فعل المفطر ـ

١٣٩

لم يفطر إن لم يفسد صومه ، فجعلوا الظن قسيما للوهم ، فجمعه هنا بين الوهم والظن ، في نقل كلامهم ، إشارة إلى أن المراد من الوهم في كلامهم أيضا الظن ، إذ لا يجوز الإفطار مع ظن عدم الدخول قطعا ، واللازم منه وجوب الكفارة ، وإنما يقتصر على القضاء لو حصل الظن ثم ظهرت المخالفة ، وإطلاق الوهم على الظن صحيح أيضا ، لأنه أحد معانيه لغة ، لكن يبقى في كلامهم سؤال الفرق بين المسألتين حيث حكموا مع الظن بأنه لا إفساد ، إلا أن يفرق بين مراتب الظن فيراد من الوهم أول مراتبه ، ومن الظن قوة الرجحان ، وبهذا المعنى صرح

______________________________________________________

ـ قبل مراعاة الفجر مع القدرة ـ إلى أن قال ـ والإفطار للظلمة الموهمة دخول الليل ، فلو غلب على ظنه لم يفطر) ، وأشكل على عبارة الأصحاب بأنه إذا أريد من الوهم معناه الاصطلاحي فالحكم بالقضاء في محله لكن الحكم بعدم الكفارة مشكل ، وإن أريد من الوهم الظن كما هو أحد معانيه فما الفرق بين صدر العبارة وذيلها حتى يحكم في الأول بالقضاء وفي الأخير بعدمه.

وحاول الشهيد في بعض تحقيقاته رفع الإشكال بأن المراد من الوهم في عبارتهم هو الظن ، والفرق أنه أريد من الوهم الظن لا لأمارة شرعية ، ومن الظن في ذيل العبارة الظن لأمارة شرعية ، وهو على خلاف ظاهر العبارة على أن الظن المجوّز للإفطار لا يفرق فيه بين أسبابه.

وقيل : إن مرادهم من الوهم أول مراتب الظن ومن الظن في ذيل العبارة غلبة الظن كما صرح المحقق في الشرائع بقوله (فلو غلب على ظنه) : وفيه : إن مراتب الظن غير منضبطة إذ ما من ظن إلا وفوقه ما هو أقوى منه ، ودونه ما هو أدنى منه لاختلاف الأمارات الموجبة له.

وأراد الشارح أن يرفع التناقض عن عبارة المصنف من أنه جمع بين الوهم والظن إشارة منه إلى أن المراد من الوهم في عبارات الأصحاب هو الظن ، وفيه : إن الذي أريد منه الظن هو الوهم في عبارات الأصحاب المذكور مع الظن بحيث كان لكل واحد حكم ، والمصنف جمع بينهما وجعل لهما حكما واحدا.

ويمكن الفرق بأن الظلمة الموهمة أي الظلمة الموجبة للظن عند النوع وإن لم يحصل منها ظن عند المكلف فلو أفطر من دون ظن بالدخول فعليه القضاء ، ولو أفطر مع ظنه بالدخول الناشئ من الظلمة الموهمة فلا قضاء ، ويبقى الإشكال على عبارات الأصحاب من أنه مع الظلمة الموهمة من دون توريثها للظن عند المكلف فعليه القضاء والكفارة.

١٤٠