البحر المحيط في التّفسير - ج ٩

محمّد بن يوسف [ أبي حيّان الأندلسي الغرناطي ]

البحر المحيط في التّفسير - ج ٩

المؤلف:

محمّد بن يوسف [ أبي حيّان الأندلسي الغرناطي ]

المحقق: المترجم:
الموضوع : القرآن وعلومه الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع
نسخة غير مصححة

وهو كلام من جنس كلامه الذي كان يتكلم به على طبيعته ، من غير صنعة فيه ولا قصد لوزن ولا تكلف. كما يوجد في القرآن شيء موزون ولا يعد شعرا ، كقوله تعالى : (لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) (١). وقوله : (فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ) (٢). وفي كثير من النثر الذي تنشئه الفصحاء ، ولا يسمى ذلك شعرا ، ولا يخطر ببال المنشي ولا السامع أنه شعر. (وَما يَنْبَغِي لَهُ) : أي ولا يمكن له ولا يصح ولا يناسب ، لأنه عليه‌السلام في طريق جد محض ، والشعر أكثره في طريق هزل ، وتحسين لما ليس حسنا ، وتقبيح لما ليس قبيحا ومغالاة مفرطة. جعله تعالى لا يقرض الشعر ، كما جعله أميا لا يخط ، لتكون الحجة أثبت والشبهة أدحض. وقيل : في هذه الآية دلالة على غضاضة الشعر ، وقد قال عليه‌السلام : «ما أنا بشاعر ولا ينبغي لي». وذهب قوم إلى أنه لا غضاضة فيه ، وإنما منعه الله نبيه عليه الصلاة والسلام. وإن كان حلية جليلة ليجيء القرآن من قبله أغرب ، فإنه لو كان له إدراك الشعر لقيل في القرآن : هذا من تلك القوة. قال ابن عطية : وليس الأمر عندي كذلك ، وقد كان عليه‌السلام من الفصاحة والبيان في النثر في الرتبة العليا ، ولكن كلام الله يبين بإعجازه ويندر بوصفه ، ويخرجه إحاطة علم الله عن كل كلام ؛ وإنما منع الله نبيه من الشعر ترفيعا له عن ما في قول الشعراء من التخييل والتزويق للقول. وأما القرآن فهو ذكر بحقائق وبراهين ، فما هو بقول شاعر ، وهذا كان أسلوب كلامه ، عليه‌السلام ، قولا واحدا. انتهى. والضمير في له للرسول ، أي وما ينبغي الشعر لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وأبعد من ذهب إلى أنه عائد على القرآن ، أي وما ينبغي الشعر للقرآن ، ولم يجر له ذكر ، لكن له أن يقول : يدل الكلام عليه ، ويبينه عود الضمير عليه في قوله : (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ) : أي كتاب سماوي يقرأ في المحاريب ، وينال بتلاوته والعمل به ما فيه فوز الدارين. فكم بينه وبين الشعر الذي أكثره من همزات الشياطين؟ وقرأ نافع ، وابن عامر : لتنذر بتاء الخطاب للرسول ؛ وباقي السبعة : بالياء للغيبة ، فاحتمل أن يعود على الرسول ، واحتمل أن يعود على القرآن. وقرأ اليماني : (لِيُنْذِرَ) ، بالياء مبينا للمفعول ، ونقلها ابن خالويه عن الجحدري. وقال عن أبي السمال واليماني أنهما قرأ : لينذر ، بفتح الياء والذال مضارع نذر بكسر الذال ، إذا علم بالشيء فاستعد له. (مَنْ كانَ حَيًّا) : أي غافلا ، قاله الضحاك ، لأن الغافل كالميت ؛ ويريد به من حتم عليه بالإيمان ،

__________________

(١) سورة آل عمران : ٣ / ٩٢.

(٢) سورة الكهف : ١٨ / ٢٩.

٨١

وكذلك قابله بقوله : (وَيَحِقَّ الْقَوْلُ) : أي كلمة العذاب ، (عَلَى الْكافِرِينَ) المحتوم لهم بالموافاة على الكفر.

(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ ، وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ ، وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ ، وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ ، لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ ، فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ ، أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ، وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ، أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ، إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ، فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).

الإخبار وتنبيه الاستفهام لقريش ، وإعراضها عن عبادة الله ، وعكوفها على عبادة الأصنام. ولما كانت الأشياء المصنوعة لا يباشرها البشر إلا باليد ، عبر لهم بما يقرب من أفهامهم بقوله : (مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا) : أي مما تولينا عمله ، ولا يمكن لغيرنا أن يعمله. فبقدرتنا وإرادتنا برزت هذه الأشياء ، لم يشركنا فيها أحد ، والباري تعالى منزه عن اليد التي هي الجارحة ، وعن كل ما اقتضى التشبيه بالمحدثات. وذكر الأنعام لها لأنها كانت جل أموالهم ، ونبه على ما يجعل لهم من منافعها. (لَها مالِكُونَ) : أي ملكناها إياهم ، فهم متصرفون فيها تصرف الملاك ، مختصون بالانتفاع بها ، أو (مالِكُونَ) : ضابطون لها قاهرونها ، من قوله :

أصبحت لا أحمل السلاح ولا

أملك رأس البعير إن نفرا

أي : لا أضبطه ، وهو من جملة النعم الظاهرة. فلولا تذليله تعالى إياها وتسخيره ، لم يقدر عليها. ألا ترى إلى ما ندّ منها لا يكاد يقدر على رده؟ لذلك أمر بتسبيح الله راكبها ، وشكره على هذه النعمة بقوله : (سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ) (١). وقرأ الجمهور : (رَكُوبُهُمْ) ، وهو فعول بمعنى مفعول ، كالحضور والحلوب والقذوع ، وهو مما لا ينقاس. وقرأ أبي ، وعائشة : ركوبتهم بالتاء ، وهي فعولة بمعنى مفعولة. وقال

__________________

(١) سورة الزخرف : ٤٣ / ١٣.

٨٢

الزمخشري : وقيل الركوبة جمع. انتهى ، ويعني اسم جمع ، لأن فعولة بفتح الفاء ليس بجمع تكسير. وقد عد بعض أصحابنا أبنية أسماء الجموع ، فلم يذكر فيها فعولة ، فينبغي أن يعتقد فيها أنها اسم مفرد لا جمع تكسير ولا اسم جمع ، أي مركوبتهم كالحلوبة بمعنى المحلوبة. وقرأ الحسن ، وأبو البرهسم ، والأعمش : ركوبهم ، بضم الراء وبغير تاء ، وهو مصدر حذف مضافه ، أي ذو ركوبهم ، أو فحسن منافعها ركوبهم ، فيحذف ذو ، أو يحذف منافع. قال ابن خالويه : العرب تقول : ناقة ركوب حلوب ، وركوبة حلوبة ، وركباة حلباة ، وركبوب حلبوب ، وركبى حلبى ، وركبوتا حلبوتا ، كل ذلك محكي ، وأنشد :

ركبانة حلبانة زفوف

تخلط بين وبر وصوف

وأجمل المنافع هنا ، وفصلها في قوله : (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ) (١) الآية. والمشارب : جمع مشرب ، وهو إما مصدر ، أي شرب ، أو موضع الشرب. ثم عنفهم واستجهلهم في اتخاذهم آلهة لطلب الاستنصار. (لا يَسْتَطِيعُونَ) : أي الآلهة ، نصر متخذيهم ، وهذا هو الظاهر. لما اتخذوهم آلهة للاستنصار بهم ، رد تعالى عليهم بأنهم ليس لهم قدرة على نصرهم. وقال ابن عطية : ويحتمل أن يكون الضمير في (يَسْتَطِيعُونَ) عائدا للكفار ، وفي (نَصْرَهُمْ) للأصنام. انتهى. والظاهر أن الضمير في وهم عائد على ما هو الظاهر في (لا يَسْتَطِيعُونَ) ، أي والآلهة للكفار جند محضرون في الآخرة عند الحساب على جهة التوبيخ والنقمة. وسماهم جندا ، إذ هم معدون للنقمة من عابديهم وللتوبيخ ، أو محضرون لعذابهم لأنهم يجعلون وقودا للنار. قيل : ويجوز أن يكون الضمير في وهم عائدا على الكفار ، وفي لهم عائدا على الأصنام ، أي وهم الأصنام جند محضرون متعصبون لهم متحيرون ، يذبون عنهم ، يعني في الدنيا ، ومع ذلك لا يستطيعون ، أي الكفار التناصر. وهذا القول مركب على أن الضمير في لا يستطيعون للكفار. ثم آنس تعالى نبيه بقوله : (فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ) : أي لا يهمك تكذيبهم وأذاهم وجفاؤهم ، وتوعد الكفار بقوله : (إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ) ، فنجازيهم على ذلك.

(أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ) : قبح تعالى إنكار الكفرة البعث ، حيث قرر أن عنصره الذي خلق منه هو نطفة ماء مهين خارج من مخرج النجاسة. أفضى به مهانة أصله إلى أن يخاصم الباري تعالى ويقول : من يحيي الميت بعد ما رمّ؟ مع علمه أنه منشأ من موات. وقائل ذلك

__________________

(١) سورة النحل : ١٦ / ٨٠.

٨٣

العاصي بن وائل ، أو أمية بن خلف ، أو أبي بن خلف ، أقوال أصحها أنه أبي بن خلف ، رواه ابن وهب عن مالك ، وقاله ابن إسحاق وغيره. والقول أنه أمية ، قاله مجاهد وقتادة ؛ ويحتمل أن كلا منهم واقع ذلك منه.

وقد كان لأبيّ مع الرسول مراجعات ومقامات ، جاء بالعظم الرميم بمكة ، ففتته في وجهه الكريم وقال : من يحيي هذا يا محمد؟ فقال : «الله يحييه ويميتك ويحييك ويدخلك جهنم» ، ثم نزلت الآية. وأبيّ هذا قتله رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بيده يوم أحد بالحربة ، فخرجت من عنقه. ووهم من نسب إلى ابن عباس أن الجائي بالعظم هو عبد الله بن أبي بن سلول ، لأن السورة والآية مكية بإجماع ، ولأن عبد الله بن أبي لم يهاجر قط هذه المهاجرة. وبين قوله : (فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) وبين : (خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ) ، جمل محذوفة تبين أكثرها في قوله في سورة المؤمنون : (ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ) (١) ، وإنما اعتقب قوله : (فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) الوصف الذي آل إليه من التمييز والإدراك الذي يتأتى معه الخصام ، أي فإذا هو بعد ما كان نطفة ، رجل مميز منطيق قادر على الخصام ، مبين معرب عما في نفسه.

(وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ) : أي نشأته من النطفة ، فذهل عنها وترك ذكرها على طريق اللدد والمكابرة والاستبعاد لما لا يستبعد. وقرأ زيد بن علي : ونسي خالقه ، اسم فاعل ؛ والجمهور : خلقه ، أي نشأته. وسمى قوله : (مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) لما دل عليه من قصة عجيبة شبيهة بالمثل ، وهي إنكار قدرة الله على إحياء الموتى ، كما هم عاجزون عن ذلك. وقال الزمخشري : والرميم اسم لما بلي من العظام غير صفة ، كالرمة والرفاة ، فلا يقال : لم لم يؤنث؟ وقد وقع خبرا لمؤنث ، ولا هو فعيل أو مفعول. انتهى. واستدل بقوله : (قُلْ يُحْيِيهَا) على أن الحياة تحلها ، وهذا الاستدلال ظاهر. ومن قال : إن الحياة لا تحلها ، قال : المراد بإحياء العظام : ردها إلى ما كانت عليه غضة رطبة في بدن حسن حساس. (وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) : يعلم كيفيات ما يخلق ، لا يتعاظمه شيء من المنشآت والمعدات جنسا ونوعا ، دقة وجلالة.

(الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً) : ذكر ما هو أغرب من خلق الإنسان من النطفة ، وهو إبراز الشيء من ضده ، وذلك أبدع شيء ، وهو اقتداح النار من الشيء الأخضر. ألا ترى أن الماء يطفىء النار؟ ومع ذلك خرجت مما هو مشتمل على الماء.

__________________

(١) سورة المؤمنون : ٢٣ / ١٣.

٨٤

والأعراب توري النار من الشجر الأخضر ، وأكثرها من المرخ والعفار. وفي أمثالهم : في كل شيء نار ، واستمجد المرخ والعفار. يقطع الرجل منهما غصنين مثل السواكين ، وهما أخضران يقطر منهما الماء ، فيستحق المرخ وهو ذكر ، والعفار وهي أنثى ، ينقدح النار بإذن الله عزوجل. وعن ابن عباس : ليس شجر إلا وفيه نار إلا العنا. وقرأ الجمهور : الأخضر ؛ وقرىء : الخضراء ؛ وأهل الحجاز يؤنثون الجنس المميز واحده بالتاء ؛ وأهل نجد يذكرون ألفاظا ، واستثنيت في كتب النحو.

ثم ذكر ما هو أبدع وأغرب من خلق الإنسان من نطفة ، ومن إعادة الموتى ، وهو إنشاء هذه المخلوقات العظيمة الغريبة من صرف العدم إلى الوجود ، فقال : (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ)؟ قرأ الجمهور : بقادر ، بباء الجر داخلة على اسم الفاعل. وقرأ الجحدري ، وابن أبي إسحاق ، والأعرج ، وسلام ، ويعقوب : يقدر ، فعلا مضارعا ، أي من قدر على خلق السموات والأرض من عظم شأنهما ، كان على خلق الأناس قادرا ، والضمير في مثلهم عائد على الناس ، قاله الرماني. وقال جماعة من المفسرين : عائد على السموات والأرض ، وعاد الضمير عليهما كضمير من يعقل ، من حيث كانت متضمنة من يعقل من الملائكة والثقلين. وقال الزمخشري : (مِثْلَهُمْ) يحتمل معنيين : أن يخلق مثلهم في الصغر والقماءة بالإضافة إلى السموات والأرض ، أو أن يعيدهم ، لأن المصادر مثل للمبتدأ وليس به. انتهى. ويقول : إن المعاد هو عين المبتدأ ، ولو كان مثله لم يسم ذلك إعادة ، بل يكون إنشاء مستأنفا. وقرأ الجمهور : (الْخَلَّاقُ) بنسبة المبالغة لكثرة مخلوقاته. وقرأ الحسن ، والجحدري ، ومالك بن دينار ، وزيد بن علي : الخالق ، اسم فاعل.

(إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) : تقدّم شرح مثل هذه الجملة ، والخلاف في فيكون من حيث القراءة نصبا ورفعا. (فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ) : تنزيه عام له تعالى من جميع النقائص. وقرأ الجمهور : ملكوت ؛ وطلحة ، والأعمش : ملكة على وزن شجرة ، ومعناه : ضبط كل شيء والقدرة عليه. وقرىء : مملكة ، على وزن مفعلة ؛ وقرىء : ملك ، والمعنى أنه متصرف فيه على ما أراد وقضى. والجمهور : (تُرْجَعُونَ) ، مبنيا للمفعول ، وزيد بن علي : مبنيا للفاعل.

٨٥

سورة الصافات

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِراتِ زَجْراً (٢) فَالتَّالِياتِ ذِكْراً (٣) إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (٤) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ (٥) إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (٦) وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (٧) لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ (٨) دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ (٩) إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ (١٠) فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ (١١) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) وَقالُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ (١٨) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩) وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (٢٤) ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٧) قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ

٨٦

يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧) إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَما تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩) إِلاَّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٤) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (٤٧) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٥٠) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قالَ تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلاَّ مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (٦١) أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلاَّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤) وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢) وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (٨٣) إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قالَ

٨٧

لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما ذا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٩١) ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (٩٦) قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨)

الزجر : الدفع عن الشيء بتسليط وصياح. والزجرة : الصيحة ، من قولك : زجر الراعي الإبل والغنم ، إذا صاح عليهما فرجعت لصوته ، قال الشاعر :

زجر أبي عروة السباع إذا

أشفق أن يختلطن بالغنم

يريد تصويته بها. الثاقب : الشديد النفاذ. اللازب : اللازم ما جاوره واللاصق به. اللذيذ : المستطاب ، يقال لذّ الشيء يلذ ، فهو لذيذ ولذ على وزن فعل ، كطلب. قال الشاعر :

تلذ بطعمه وتخال فيه

إذا نبهتها بعد المنام

وقال :

ولذ كطعم الصرخدي تركته

بأرض العدا من خشية الحدثان

يريد النوم.

وقال :

بحديثك اللذي الذي لو كلمت

أسد الفلاة به أتين سراعا

الغول : اسم عام في الأذى ، تقول : غاله كذا وكذا ، إذا ضره في خفاء ، ومنه : الغيلة في العقل ، والغيلة في الرضاع ، وغاله الشيء : أهلكه وأفسده ، ومنه : الغول التي في أكاذيب العرب وفي أمثالهم : الغضب غول الحلم. وقال الشاعر :

مضى أولونا ناعمين بعيشهم

جميعا وغالتني بمكة غول

أي : عاقتني عوائق ، وقال :

وما زالت الخمر تغتالنا

وتذهب بالأول فالأول

نزفت الشارب الخمر وأنزف هو : ذهب عقله من السكر ، فهو نزيف ومنزف ، الثلاثي متعد

٨٨

والرباعي لازم ، نحو : كبيت الرجل وأكب ، وقشغت الريح السحاب ، وقشع هو : أي دخلا في الكب والقشع. قال الشاعر ، وهو الأسود :

لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم

لبئس الندامى كنتم آل أبجرا

ونزف الشارب ، بضم الزاي ، ويقال : نزف المطعون : ذهب دمه كله ، مبينا للمفعول ، ونزحت الركية حتى نزفتها : لم يبق فيها ماء ، ويقال : أنزف الرجل بعد شرابه ، فأنزف مشترك بين سكر ونفد. البيض : معروف ، وهو اسم جنس ، الواحد بيضة ، وسمي بذلك لبياضه ، ويجمع على بيوض. قال الشاعر :

بتيهاء قفر والمطي كأنها

قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها

الزقوم : شجرة مسمومة لها لبن ، إن مس جسم إنسان تورم ومات منه في أغلب الأمر ، تنبت في البلاد المجدبة المجاورة للصحراء. والتزقم : البلع على شدة وجهد. شاب الشيء بالشيء يشوبه شوبا : خلطه ومزجه. راغ يروغ : مال في خفية من روغة الثعلب. زف : أسرع ، وأزف : دخل في الزفيف ، فهمزته به ليست للتعدية ، وأزفه : حمله على الزفيف. قال الأصمعي : فالهمزة فيه للتعدية. وقال الشاعر ، وهو الفرزدق :

فجاء فربع الشول قبل إفالها

يزف وجاءت خلفه وهي زفف

(وَالصَّافَّاتِ صَفًّا ، فَالزَّاجِراتِ زَجْراً. فَالتَّالِياتِ ذِكْراً* إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ ، رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ ، إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ ، وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ ، لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ ، دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ ، إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ).

هذه السورة مكية ، ومناسبة أولها لآخر يس أنه تعالى لما ذكر المعاد وقدرته على إحياء الموتى ، وأنه هو منشئهم ، وإذا تعلقت إرادته بشيء ، كان ذكر تعالى وحدانيته ، إذ لا يتم ما تعلقت به الإرادة وجودا وعدما إلا بكون المريد واحدا ، وتقدم الكلام على ذلك في قوله : (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا) (١).

وأقسم تعالى بأشياء من مخلوقاته فقال : (وَالصَّافَّاتِ). قال ابن مسعود ، وقتادة ، ومسروق : هم الملائكة ، تصف في السماء في العبادة والذكر صفوفا ؛ وقيل : تصف أجنحتها في الهواء واقفة منتظرة لأمر الله. وقيل : من يصف من بني آدم في قتال في سبيل

__________________

(١) سورة الأنبياء : ٢١ / ٢٢.

٨٩

الله ، أو في صلاة وطاعة. وقيل : والطير صافات. والزاجرات ، قال مجاهد ، والسدي : الملائكة تزجر السحاب وغيرها من مخلوقات الله تعالى. وقال قتادة : آيات القرآن لتضمنه النواهي الشرعية ؛ وقيل : كل ما زجر عن معاصي الله. والتاليات : القارئات. قال مجاهد : الملائكة يتلون ذكره. وقال قتادة : بنو آدم يتلون كلامه المنزل وتسبيحه وتكبيره. وقال مجاهد : الملائكة يتلون ذكره. قال الزمخشري : ويجوز أن يقسم بنفوس العلماء العمال الصافات أقدامها في التهجد وسائر الصلوات وصفوف الجماعات ، فالزاجرات بالموعظة والنصائح ، فالتاليات آيات الله ، والدارسات شرائعه ؛ أو بنفوس قراء القرآن في سبيل الله التي تصف الصفوف ، وتزجر الخيل للجهاد ، وتتلو الذكر مع ذلك لا يشغلها عنه تلك الشواغل. انتهى. وقال ما معناه : إن الفاء العاطفة في الصافات ، إما أن تدل على ترتب معانيها في الوجود كقوله :

يا لهف زيابة للحارث الصا

بح ، فالغانم ، فالآيب

أي الذي صبح فغنم فآب ؛ وإما على ترتبها في التفاوت من بعض الوجوه ، كقولك : خذ الأفضل فالأفضل ، واعمل الأحسن فالأجمل ؛ وإما على ترتيب موصوفاتها في ذلك ، كقولك : رحم الله المحلقين فالمقصرين. فأما هنا ، فإن وحدت الموصوف كانت للدلالة على ترتيب الصافات في التفاضل ، فإذا كان الموحد الملائكة ، فيكون الفضل للصف ، ثم الزجر ، ثم التلاوة ؛ وإما على العكس ، وإن تليت الموصوف ، فترتب في الفضل ، فتكون الصافات ذوات فضل ، والزاجرات أفضل ، والتاليات أبهر فضلا ، أو على العكس. انتهى. ومعنى العكس في المكانين : أنك ترتقي من أفضل إلى فاضل إلى مفضول ؛ أو تبدأ بالأدنى ، ثم بالفاضل ، ثم بالأفضل. وأدغم ابن مسعود ، ومسروق ، والأعمش ، وأبو عمرو ، وحمزة : التاءات الثلاث. والجملة المقسم عليها تضمنت وحدانيته تعالى ، أي هو واحد من جميع الجهات التي ينظر فيها المتفكرون خبر بعد خبر ، على مذهب من يجيز تعداد الأخبار ، أو خبر مبتدأ محذوف ، وهو أمدح ، أي هو رب.

وذكر المشارق لأنها مطالع الأنوار ، والإبصار بها أكلف ، وذكرها يغني عن ذكر المغارب ، إذ ذاك مفهوم من المشارق ، والمشارق ثلاثمائة وستون مشرقا ، وكذلك المغارب. تشرق الشمس كل يوم من مشرق منها وتغرب في مغرب ، ولا تطلع ولا تغرب في واحد يومين. وثنى في (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ) (١) ، باعتبار مشرقي الصيف

__________________

(١) سورة الرحمن : ٥٥ / ١٧.

٩٠

والشتاء ومغربيهما. وقال ابن عطية : أراد تعالى مشارق الشمس ومغاربها ، وهي مائة وثمانون في السنة ، فيما يزعمون ، من أطول أيام السنة إلى أقصرها.

ثم أخبر تعالى عن قدرته بتزيين السماء بالكواكب ، وانتظام التزيين أن جعلها حفظا وحذرا من الشيطان. انتهى. والزينة مصدر كالسنة ، واسم لما يزان به الشيء ، كالليقة اسم لما يلاق به الدواة. وقرأ الجمهور : (بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ) بالإضافة ، فاحتمل المصدر مضافا للفاعل ، أي بأن زانت السماء الكواكب ، ومضافا للمفعول ، أي بأن زين الله الكواكب. واحتمل أن يكون ما يزان به ، والكواكب بيان للزينة ، لأن الزينة مبهمة في الكواكب وغيرها مما يزان به ، أو مما زينت الكواكب من إضاءتها وثبوتها. وقرأ ابن مسعود ، ومسروق : بخلاف عنه ؛ وأبو زرعة ، وابن وثاب ، وطلحة : بزينة منونا ، الكواكب بالخفض بدلا من زينة. وقرأ ابن وثاب ، ومسروق : بخلاف عنهما ؛ والأعمش ، وطلحة ، وأبو بكر : بزينة منونا ، الكواكب نصبا ، فاحتمل أن يكون بزينة مصدرا ، والكواكب مفعول به ، كقوله : (أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً) (١). واحتمل أن يكون الكواكب بدلا من السماء ، أي زينا كواكب السماء. وقرأ زيد بن علي بتنوين زينة ، ورفع الكواكب على خبر مبتدأ ، أي هو الكواكب ، أو على الفاعلية بالمصدر ، أي بأن زينت الكواكب. ورفع الفاعل بالمصدر المنون ، زعم الفراء أنه ليس بمسموع ، وأجاز البصريون ذلك على قلة. وقال ابن عباس : (بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ) : بضوء الكواكب ؛ قيل : ويجوز أن يراد أشكالها المختلفة ، كشكل الثريا ، وبنات نعش ، والجوزاء ، وغير ذلك ، ومطالعها ومسايرها. وخص (السَّماءَ الدُّنْيا) بالذكر ، لأنها التي تشاهد بالأبصار ؛ والحفظ من الشياطين ، إنما هو فيها وحدها. وانتصب (وَحِفْظاً) على المصدر ، أي وحفظناها حفظا ، أو على المفعول من أجله على زيادة الواو ، أو على تأخير العامل ، أي ولحفظها زيناها بالكواكب ، وحملا على معنى ما تقدم ، لأن المعنى : إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء وحفظا : وكل هذه الأقوال منقولة ، والمارد تقدم شرحه في قوله : (شَيْطاناً مَرِيداً) (٢) في النساء ، وهناك جاء (مَرِيداً) ، وهنا (مارِدٍ) ، مراعاة للفواصل.

(لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى) : كلام منقطع مبتدأ اقتصاصا لما عليه حال المسترقة للسمع ، وأنهم لا يقدرون أن يستمعوا أو يسمعوا ، وهم مقذوفون بالشهب مبعدون

__________________

(١) سورة البلد : ٩٠ / ١٤.

(٢) سورة النساء : ٤ / ١١٧.

٩١

عن ذلك ، إلا من أمهل حتى خطف الخطفة واسترق استراقة ، فعندها تعاجله الملائكة باتباع الشهاب الثاقب. ولا يجوز أن يكون لا يسمعون صفة ولا استئنافا جوابا لسائل سأل لم يحفظ من الشياطين ، لأن الوصف كونهم لا يسمعون ، أو الجواب لا معنى للحفظ من الشياطين على تقديرهما ، إذ يصير المعنى مع الوصف : وحفظا من كل شيطان مارد غير سامع أو مسمع ، وكذلك لا يستقيم مع كونه جوابا. وقول من قال : إن الأصل لأن لا يسمعوا ، فحذفت اللام وإن ، فارتفع الفعل ، قول متعسف يصان كلام الله عنه. وقرأ الجمهور : لا يسمعون : نفي سماعهم ، وإن كانوا يسمعون بقوله : (إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ) (١) ، وعداه بإلى لتضمنه معنى الإصغاء. وقرأ ابن عباس بخلاف عنه ؛ وابن وثاب ، وعبد الله بن مسلم ، وطلحة ، والأعمش ، وحمزة ، والكسائي ، وحفص : بشد السين والميم بمعنى لا يتسمعون ، أدغمت التاء في السين ، وتقتضي نفي التسمع. وظاهر الأحاديث أنهم يتسمعون حتى الآن ، لكنهم لا يسمعون ؛ وإن سمع أحد منهم شيئا لم يفلت حرسا وشهبا من وقت بعثة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وكان الرجم في الجاهلية أحق ، فأما كانت ثمرة التسمع هو السمع ، وقد انتفى السمع بنفي التسمع في هذه القراءة لانتفاء ثمرته ، وهو السمع. و (الْمَلَإِ الْأَعْلى) يعم الملائكة ، والإنس والجن هم الملأ الأسفل لأنهم سكان الأرض. وقال ابن عباس : هم أشراف الملائكة ، وعنه كتابهم.

(وَيُقْذَفُونَ) : يرمون ويرجمون ، (مِنْ كُلِّ جانِبٍ) : أي من كل جهة يصعدون إلى السماء منها ، والمرجوم بها هي التي يراها الناس تنقض ، وليست بالكواكب الجارية في السماء ، لأن تلك لا ترى حركتها ، وهذه الراجمة ترى حركتها لقربها منا ، قاله مكي والنقاش. وقرأ محبوب عن ابن عمرو : ويقذفون مبنيا للفاعل ، ودحورا مصدر في موضع الحال. قال مجاهد : مطرودين ، أو مفعول من أجله ، أي ويقذفون للطرد ، أو مصدر ليقذفون ، لأنه متضمن معنى الطرد ، أي ويدحرون من كل جانب دحورا ، ويقذفون من كل جانب قذفا. فإما أن يكون التجوز في ويقذفون ، وإما في دحورا. وقرأ عليّ ، والسلمي ، وابن أبي عبلة ، والطبراني عن رجاله عن أبي جعفر : دحورا ، بنصب الدال ، أي قذفا دحورا ، بنصب الدال. ويجوز أن يكون مصدرا ، كالقبول والولوغ ، إلا أن هذه ألفاظ ذكر أنها محصورة. والواصب : الدائم ، قاله السدّي وأبو صالح ، وتقدّم في سورة النحل.

__________________

(١) سورة الشعراء : ٢٦ / ٢١٢.

٩٢

ويقال : وصب الشيء وصوبا : دام. وقال مجاهد : الموجع ، ومنه الوصب ، كأن المعنى : أنهم في الدنيا مرجومون ، وفي الآخرة معذبون. ويجوز أن يكون هذا العذاب الدائم لهم في الدنيا ، وهو رجمهم دائما ، وعدم بلوغهم ما يقصدون من استراق السمع.

(إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ) : من بدل من الضمير في لا يسمعون ، ويجوز أن يكون منصوبا على الاستثناء ، أي لا يسمع الشياطين إلا الشيطان الذي خطف. وقرأ الجمهور : خطف ثلاثيا بكسر الطاء. وقرأ الحسن ، وقتادة : بكسر الخاء والطاء مشددة. قال أبو حاتم : ويقال هي لغة بكر بن وائل وتميم بن مرة. وقرىء : خطف بفتح الخاء وكسر الطاء مشددة ، ونسبها ابن خالويه إلى الحسن وقتادة وعيسى ، وعن الحسن أيضا التخفيف. وأصله في هاتين القراءتين اختطف ، ففي الأول لما سكنت للإدغام ، والخاء ساكنة ، كسرت لالتقاء الساكنين ، فذهبت ألف الوصل وكسرت الطاء اتباعا لحركة الخاء. وعن ابن عباس : خطف بكسر الخاء والطاء مخففة ، اتبع حركة الخاء لحركة الطاء ، كما قالوا نعم. وقرىء : فاتبعه ، مخففا ومشددا. والثاقب ، قال السدي وقتادة : هو النافذ بضوئه وشعاعه المنير.

(فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ ، بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ، وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ ، وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ ، وَقالُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ، أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ، أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ ، قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ ، فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ ، فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ ، وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ ، هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ).

الاستفتاء نوع من السؤال ، والهمزة ، وإن خرجت إلى معنى التقرير ، فهي في الأصل لمعنى الاستفهام ، أي فاستخبرهم ، والضمير لمشركي مكة. وقيل : نزلت في أبي الأشد بن كلدة ، وكني بذلك لشدة بطشه وقوته. وعادل في هذا الاستفهام التقريري في الأشدية بينهم وبين من خلق من غيرهم من الأمم والجن والملائكة والأفلاك والأرضين. وفي مصحف عبد الله : أم من عددنا ، وهو تفسير لمن خلقنا ، أي من عددنا من الصافات وما بعدها من المخلوقين. وغلب العاقل على غيره في قوله : (مَنْ خَلَقْنا) ، واقتصر على الفاعل في (خَلَقْنا) ، ولم يذكر متعلق الخلق اكتفاء ببيان ما تقدمه ، وكأنه قال : أم من خلقنا من غرائب المصنوعات وعجائبها. وقرأ الأعمش : أمن بتخفيف الميم دون أم ، جعله استفهاما ثانيا تقريرا أيضا ، فهما جملتان مستقلتان في التقرير ، ومن مبتدأ ، والخبر محذوف

٩٣

تقديره أشد. فعلى أم من هو تقرير واحد ونظيره : (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ) (١). قال الزمخشري : وأشد خلقا يحتمل أقوى خلقا ، من قولهم : شديد الخلق ، وفي خلقه شدة ، وأصعب خلقا. وأشد خلقا وأشقه يحتمل أقوى خلقا من قولهم : شديد الخلق ، وفي خلقه شدة ، على معنى الرد ، لإنكارهم البعث والنشأة الأخرى. وإن من هان عليه خلق هذه الخلائق العظيمة ، ولم يصعب عليه اختراعها ، كان خلق الشر عليه أهون. وخلقهم من طين لازب ، إما شهادة عليهم بالضعف والرخاوة ، لأن ما يصنع من الطين غير موصوف بالصلابة والقوة ؛ أو احتجاج عليهم بأن الطين اللازب الذي خلقوا منه تراب. فمن أين استنكروا أن يخلقوا من تراب مثله؟ قالوا : (أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً) ، وهذا المعنى يعضده ما يتلوه من ذكر إنكارهم البعث. انتهى. والذي يظهر الاحتمال الأول. وقيل : (أَمْ مَنْ خَلَقْنا) من الأمم الماضية ، كقوله : (وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً) (٢) ، وقوله : و (كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً) (٣) ، وأضاف : الخلق من الطين إليهم ، والمخلوق منه هو أبوهم آدم ، إذ كانوا نسله. وقال الطبري : خلق ابن آدم من تراب وماء ونار وهواء ، وهذا كله إذا خلط صار طينا لازبا يلزم ما جاوره. وعن ابن عباس : اللازب بالجر ، أي الكريم الجيد.

وقرأ الجمهور : (بَلْ عَجِبْتَ) ، بتاء الخطاب ، أي من قدرة الله على هذه الخلائق العظيمة ، وهم يسخرون منك ومن تعجبك ، ومما تريهم من آثار قدرة الله ، أو عجبت من إنكارهم البعث ، وهم يسخرون من أمر البعث. أو عجبت من إعراضهم عن الحق وعماهم عن الهدى ، وأن يكونوا كافرين مع ما جئتهم به من عند الله. وقرأ حمزة ، والكسائي ، وابن سعدان ، وابن مقسم : بياء المتكلم. ورويت عن عليّ ، وعبد الله ، وابن عباس ، والنخعي ، وابن وثاب ، وطلحة ، وشقيق ، والأعمش. وأنكر شريح القاضي هذه القراءة. وقال : الله لا يعجب ، فقال إبراهيم : كان شريح معجبا بعلمه ، وعبد الله أعلم منه ، يعني عبد الله بن مسعود. والظاهر أن ضمير المتكلم هو لله تعالى ، والعجب لا يجوز على الله تعالى ، لأنه روعة تعتري المتعجب من الشيء. وقد جاء في الحديث إسناد العجب إلى الله تعالى ، وتؤول على أنه صفة فعل يظهرها الله تعالى في صفة المتعجب منه من تعظيم أو تحقير حتى يصير الناس متعجبين منه. فالمعنى : بل عجبت من ضلالتهم وسوء عملهم ، وجعلتها للناظرين فيها وفيما اقترن فيها من شرعي وهداي متعجبا. وقال الزمخشري : أي بلغ من

__________________

(١) سورة النازعات : ٧٩ / ٢٧.

(٢) سورة ق : ٥٠ / ٣٦.

(٣) سورة فاطر : ٣٥ / ٤٤.

٩٤

عظيم آياتي وكثرة خلائقي أني عجبت منها ، فكيف بعبادي وهؤلاء ، لجهلهم وعنادهم ، يسخرون من آياتي؟ أو عجبت من أن ينكروا البعث ممن هذه أفعاله ، وهم يسخرون بمن يصف الله بالقدرة عليه ، قال : ويجرد العجب لمعنى الاستعظام ، أو يخيل العجب ويفرض. وقيل : هو ضمير الرسول ، أي قل بل عجبت. قال مكي ، وعليّ بن سليمان : وهم يسخرون من نبوتك والحق الذي عندك.

(وَإِذا ذُكِّرُوا) ووعظوا ، (لا يَذْكُرُونَ) ، ولا يتعظون. وذكر جناح بن حبيش : ذكروا ، بتخفيف الكاف. روي أن ركانة رجلا من المشركين من أهل مكة ، لقيه الرسول في جبل خال يرعى غنما له ، وكان من أقوى الناس ، فقال له : «يا ركانة ، أرأيت إن صرعتك أتؤمن بي»؟ قال : نعم ، فصرعه ثلاثا ، ثم عرض عليه آيات من دعاء شجرة وإقبالها ، فلم يؤمن ، وجاء إلى مكة فقال : يا بني هاشم ، ساحروا بصاحبكم أهل الأرض ، فنزلت فيه وفي نظرائه : (وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ). قال مجاهد ، وقتادة : يسخرون ، يكون استفعل بمعنى المجرد. وقيل : فيه معنى الطلب ، أي يطلبون أن يكونوا ممن يسخرون. وقال الزمخشري : يبالغون في السخرية ، أو يستدعي بعضهم من بعض أن يسخر منها. وقرىء : يستسحرون ، بالحاء المهملة ، وهو عبارة عن ما قال ركانة لأسحر الرسول. والإشارة بهذا إلى ما ظهر على يديه ، عليه‌السلام ، من الخارق المعجز.

وتقدم الخلاف في كسر ميم (مِتْنا) وضمها. ومن قرأ : (أَإِذا) بالاستفهام ، فجواب إذا محذوف ، أي نبعث ، ويدل عليه إنا لمبعوثون ، أو يعرى عن الشرط ويكون ظرفا محضا ، ويقدر العامل : أنبعث إذا متنا؟ وقرأ الجمهور : (أَوَآباؤُنَا) بفتح الواو في أو. وقرأ أبو جعفر ، وشيبة ، وابن عامر ، ونافع في رواية قالون : بالسكون ، فهي حرف عطف ، ومن فتح فالواو حرف عطف دخلت عليه همزة الاستفهام. قال الزمخشري : (أَوَآباؤُنَا) معطوف على محل إن واسمها ، أو على الضمير في مبعوثون. والذي جوز العطف عليه الفصل بهمزة الاستفهام ، والمعنى : أيبعث أيضا آباؤنا؟ على زيادة الاستبعاد ، يعنون أنهم أقدم ، فبعثهم أبعد وأبطل. انتهى. أما قوله معطوف على محل إن واسمها فمذهب سيبويه خلافه ، لأن قولك : إن زيدا قائم وعمرو ، فيه مرفوع على الابتداء ، وخبره محذوف. وأما قوله : أو على الضمير في (لَمَبْعُوثُونَ) إلى آخره ، فلا يجوز عطفه على الضمير ، لأن همزة الاستفهام لا تدخل إلا على الجمل ، لا على المفرد ، لأنه إذا عطف على المفرد كان الفعل عاملا في المفرد بوساطة حرف العطف ، وهمزة الاستفهام لا يعمل

٩٥

فيما بعدها ما قبلها. فقوله : (أَوَآباؤُنَا) مبتدأ ، خبره محذوف تقديره مبعوثون ، ويدل عليه ما قبله. فإذا قلت : أقام زيد أو عمرو ، فعمرو مبتدأ محذوف الخبر لما ذكرنا ، واستفهامهم تضمن إنكارا واستبعادا ، فأمر الله نبيه أن يجيبهم بنعم.

(وَأَنْتُمْ داخِرُونَ) : أي صاغرون ، وهي جملة حالية ، العامل فيها محذوف تقديره نعم تبعثون ، وزادهم في الجواب أن بعثهم وهم ملتبسون بالصغار والذل. وقرأ ابن وثاب : نعم بكسر العين ، وتقدم الخلاف فيها في سورة الأعراف ، وهي كناية عن البعثة ، فإنما بعثتهم (زَجْرَةٌ) : أي صيحة ، وهي النفخة الثانية. لما كانت بعثتهم ناشئة عن الزجرة جعلت إياها مجازا. وقال الزمخشري : هي مبهمة يوضحها خبرها. انتهى. وكثيرا ما يقول هو وابن مالك أن الضمير يفسره الخبر ، وجعل من ذلك ابن مالك (إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا) (١) ، وتكلمنا معه في ذلك في شرح التسهيل. وقال الزمخشري : فإنما جواب شرط مقدر ، وتقديره : إذا كان ذلك ، فما هي إلا زجرة واحدة. انتهى. وكثيرا ما تضمن جملة الشرط قبل فاء إذا ساغ ، تقديره : ولا ضرورة تدعو إلى ذلك ، ولا يحذف الشرط ويبقى جوابه إلا إذا انجزم الفعل في الذي يطلق عليه أنه جواب الأمر والنهي ، وما ذكر معهما على قول بعضهم ، أما ابتداء فلا يجوز حذفه.

و (يَنْظُرُونَ) : من النظر ، أي فإذا هم بصراء ينظرون ، أو من الانتظار ، أي فإذا هم ينتظرون ما يفعل بهم وما يؤمرون به. والظاهر أن قوله : (يا وَيْلَنا) من كلام بعض الكفار لبعض ، إلى آخر الجملتين ، أقروا بأنه يوم الجزاء ، وأنه يوم الفصل ، وخاطب بعضهم بعضا. ووقف أبو حاتم على قوله : (يا وَيْلَنا) ، وجعل (هذا يَوْمُ الدِّينِ) إلى آخره من قول الله لهم أو الملائكة. وقيل : (هذا يَوْمُ الدِّينِ) من كلام الكفرة ، و (هذا يَوْمُ الْفَصْلِ) ليس من كلامهم ، وإنما المعنى يقال لهم هذا يوم الفصل. ويوم الدين : يوم الجزاء والمعاوضة ، ويوم الفصل : يوم الفرق بين فرق الهدى وفرق الضلال. وفي (الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) توبيخ لهم وتقريع.

(احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ ، مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ ، وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ، ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ ، بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ، وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ، قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ ، قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا

__________________

(١) سورة المؤمنون : ٢٣ / ٣٧.

٩٦

مُؤْمِنِينَ ، وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ ، فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ ، فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ ، فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ ، إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ ، إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ ، وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ ، بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ ، إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ ، وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).

(احْشُرُوا) : خطاب من الله للملائكة ، أو خطاب الملائكة بعضهم لبعض ، أي اجمعوا الظالمين ونساءهم الكافرات ، قاله ابن عباس ، ورجحه الرماني. وأنواعهم وضرباؤهم ، قاله عمر وابن عباس أيضا ، أو أشباههم من العصاة ، وأهل الزنا مع أهل الزنا ، وأهل السرقة ، أو قرناؤهم الشياطين. وقرأ عيسى بن سليمان الحجازي : (وَأَزْواجَهُمْ) ، مرفوعا عطفا على ضمير ظلموا ، أي وظلم أزواجهم. (فَاهْدُوهُمْ) : أي عرفوهم وقودوهم إلى طريق النار حتى يصطلوها ، والجحيم طبقة من طبقات جهنم. (وَقِفُوهُمْ) ، كما قال : (وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ) (١) ، وهو توبيخ لهم ، (إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ). وقرأ عيسى : أنهم ، بفتح الهمزة. قال عبد الله : يسألون عن شرب الماء البارد على طريق الهزء بهم ، وعنه أيضا : يسألون عن لا إله إلا الله. وقال الجمهور : وعن أعمالهم ، ويوقفون على قبحها. وفي الحديث : «لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن خمس شبابه فيما أبلاه ، وعن عمره فيما أفناه ، وعن ماله كيف اكتسبه وفيما أنفقه ، وعن ما عمل فيما علم». وقال ابن عطية : ويحتمل أن يكون المعنى على نحو ما فسره بقوله : (ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ) ، أي إنهم مسؤولون عن امتناعهم عن التناصر ، وهذا على سبيل التوبيخ في الامتناع. وقال الزمخشري : هذا تهكم بهم وتوبيخ لهم بالعجز عن التناصر بعد ما كانوا على خلاف ذلك في الدنيا متعاضدين متناصرين. وقال الثعلبي : (ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ) ، جواب أبي جهل حين قال في بدر : (نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ) (٢). وقرىء : لا تناصرون ، بتاء واحدة وبتاءين ، وبإدغام إحداهما في الأخرى.

(بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ) : أي قد أسلم بعضهم بعضا ، وخذله عن عجز ، وكل واحد منهم مستسلم غير منتصر. (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) ، قال قتادة : هم جن وإنس ، وتساؤلهم على معنى التقريع والندم والسخط. قالوا : أي قالت الإنس للجن. قال مجاهد ، وابن زيد : أو ضعفة الإنس الكفرة لكبرائهم وقادتهم. و (الْيَمِينِ) :

__________________

(١) سورة الأنعام : ٦ / ٢٧.

(٢) سورة القمر : ٥٤ / ٤٤.

٩٧

الجارحة ، وليست مرادة هنا. فقيل : استعيرت لجهة الخير ، أو للقوة والشدة ، أو لجهة الشهوات ، أو لجهة التمويه والإغواء وإظهار أنها رشد ، أو الحلف. ولكل من هذه الاستعارات وجه.

فأما استعارتها لجهة الخير ، فلأن الجارحة أشرف العضوين وأيمنها ، وكانوا يتمنون بها حتى في السانح ، ويصافحون ويماسحون ويناولون ويزاولون بها أكثر الأمور ، ويباشرون بها أفاضل الأشياء ، وجعلت لكاتب الحسنات ، ولأخذ المؤمن كتابه بها ، والشمال بخلاف ذلك. وأما استعارتها للقوة والشدة ، فإنها يقع بها البطش ، فالمعنى : أنكم تعروننا بقوتكم وتحملوننا على طريق الضلال. وأما استعارتها لجهة الشهوات ، فلأن جهة اليمين هي الجهة الثقيلة من الإنسان وفيها كبده ، وجهة شماله فيها قلبه ومكره ، وهي أخف ، والمنهزم يرجع على شقه الأيسر ، إذ هو أخف شقيه. وأما استعارتها لجهة التمويه والإغواء ، فكأنهم شبهوا أقوال المغوين بالسوانح التي هي عندهم محمودة ، كأن التمويه في إغوائهم أظهر ما يحمدونه. وأما الحلف ، فإنهم يحلفون لهم ويأتونهم إتيان المقسمين على حسن ما يتبعونهم فيه.

(قالُوا) ، أي المخاطبون ، إما الجن وإما قادة الكفر : (بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) : أي لم نقركم على الكفر ، بل أنتم من ذواتكم أبيتم الإيمان. وقال الزمخشري : وأعرضتم مع تمكنكم واختباركم ، بل كنتم قوما على الكفر غير ملجئين ، وما كان لنا عليكم من تسلط نسلبكم به تمكنكم واختباركم ، بل كنتم قوما مختارين الطغيان. انتهى. ولفظة التمكن والاختيار ألفاظ المعتزلة جريا على مذهبهم. (فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا) : أي لزمنا قول ربنا ، أي وعيده لنا بالعذاب. والظاهر أن قوله : (إِنَّا لَذائِقُونَ) ، إخبار منهم أنهم ذائقون العذاب جميعهم ، الرؤساء ، والأتباع. وقال الزمخشري : فلزمنا قول ربنا : (إِنَّا لَذائِقُونَ) ، يعني وعيد الله بأنا ذائقون لعذابه لا محالة ، لعلمه بحالنا واستحقاقنا بها العقوبة. ولو حكى الوعيد كما هو لقال : إنكم لذائقون ، ولكنه عدل به إلى لفظ المتكلم ، لأنهم متكلمون بذلك عن أنفسهم ، ونحوه قول القائل :

لقد زعمت هوازن قل مالي

ولو حكى قولها لقال : قل مالك ، ومنه قول المحلف للحالف. لأخرجن ، ولنخرجن الهمزة لحكاية لفظ الحالف ، والتاء لإقبال المحلف على الحلف. انتهى. (فَأَغْوَيْناكُمْ) : دعوناكم إلى الغي ، فكانت فيكم قابلية له فغويتم. (إِنَّا كُنَّا غاوِينَ) : فأردنا أن تشاركونا

٩٨

في الغي. (فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ) : أي يوم إذ تساءلوا وتراجعوا في القول ، وهذا إخبار منه تعالى ، كما اشتركوا في الغي ، اشتركوا فيما ترتب عليه من العذاب. (إِنَّا كَذلِكَ) : أي مثل هذا الفعل بهؤلاء نفعل بكل مجرم ، فيترتب على إجرامه عذابه. ثم أخبر عنهم بأكبر إجرامهم ، وهو الشرك بالله ، واستكبارهم عن توحيده ، وإفراده بالآلهية. ثم ذكر عنهم ما قدحوا به في الرسول ، وهو نسبته إلى الشعر والجنون ، وأنهم ليسوا بتاركي آلهتهم له ولما جاء به ، فجمعوا بين إنكار الوحدانية وإنكار الرسالة. وقولهم : (لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ) : تخليط في كلامهم ، وارتباك في غيهم. فإن الشاعر هو عنده من الفهم والحذق وجودة الإدراك ما ينظم به المعاني الغريبة ويصوغها في قالب الألفاظ البديعة ، ومن كان مجنونا لا يصل إلى شيء من ذلك.

ثم أضرب تعالى عن كلامهم ، وأخبر بأن جاء الحق ، وهو إثبات الذي لا يلحقه اضمحلال ، فليس ما جاء به شعرا ، بل هو الحق الذي لا شك فيه. ثم أخبر أنه صدق من تقدمه من المرسلين ، إذ هو وهم على طريقة واحدة في دعوى الأمم إلى التوحيد وترك عبادة غيره. وقرأ عبد الله : وصدق بتخفيف الدال ، المرسلون بالواو رفعا ، أي وصدق المرسلون في التبشير به وفي أنه يأتي آخرهم. وقرأ الجمهور : (لَذائِقُوا الْعَذابِ) ، بحذف النون للإضافة ؛ وأبو السمال ، وأبان ، عن ثعلبة ، عن عاصم : بحذفها لالتقاء لام التعريف ونصب العذاب. كما حذف بعضهم التنوين لذلك في قراءة من قرأ أحد الله ، ونقل ابن عطية عن أبي السمال أنه قرأ : لذائق منونا ، العذاب بالنصب ، ويخرج على أن التقدير جمع ، وإلّا لم يتطابق المفرد وضمير الجمع في (إِنَّكُمْ) ، وقول الشاعر :

فألفيته غير مستعتب

ولا ذاكر الله إلا قليلا

وقرىء : لذائقون بالنون ، العذاب بالنصب ، وما ترون إلا جزاء مثل عملكم ، إذ هو ثمرة عملكم. (إِلَّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ ، أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ ، فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ ، فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ، عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ، يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ، بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ، لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ ، وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ ، كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ، فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ، قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ ، يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ ، أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ ، قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ ، فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ ، قالَ تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ ، وَلَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ،

٩٩

أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ، إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ، إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ، لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ).

(إِلَّا عِبادَ اللهِ) : استثناء منقطع. لما ذكر شيئا من أحوال الكفار وعذابهم ذكر شيئا من أحوال المؤمنين ونعيمهم. و (الْمُخْلَصِينَ) : صفة مدح ، لأن كونهم عباد الله ، يلزم منه أن يكونوا مخلصين. ووصف (رِزْقٌ) بمعلوم ، أي عندهم. فقد قرت عيونهم بما يستدر عليهم من الرزق ، وبأن شهواتهم تأتيهم بحسبها. وقال الزمخشري : معلوم بخصائص خلق عليها من طيب طعم ورائحة ولذة وحسن منظر. وقيل : معلوم الوقت كقوله : (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا) (١). وعن قتادة : الرزق المعلوم : الجنة. وقوله : (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) يأباه. انتهى. (فَواكِهُ) بدل من (رِزْقٌ) ، وهي ما يتلذذ به ولا يتقوت لحفظ الصحة ، يعني أن رزقهم كله فواكه لاستغنائهم عن حفظ الصحة بالأقوات لأنهم أجسام محكمة مخلوقة نلأبد ، فكل ما يأكلونه فهو على سبيل التلذذ. وقرأ ابن مقسم : مكرمون ، بفتح الكاف مشدد الراء.

ذكر أولا الرزق ، وهو ما يتلذذ به الأجسام. وثانيا الإكرام ، وهو ما يتلذذ به النفوس ، ورزق بإهانة تنكيد. ثم ذكر المحل الذي هم فيه ، وهو جنات النعيم. ثم أشرف المحل ، وهو السرر. ثم لذة التآنس بأن بعضهم يقابل بعضا ، وهو أتم السرور وآنسه. ثم المشروب ، وأنهم لا يتناولون ذلك بأنفسهم ، بل يطاف عليهم بالكؤوس. ثم وصف ما يطاف عليهم به من الطيب وانتفاء المفاسد. ثم ذكر تمام اللذة الجسمانية ، وختم بها كما بدأ باللذة الجسمانية من الرزق ، وهي أبلغ الملاذ ، وهي التآنس بالنساء.

وقرأ الجمهور : (عَلى سُرُرٍ) ، بضم الراء ؛ وأبو السمال : بفتحها ، وهي لغة بعض تميم ؛ وكلب يفتحون ما كان جمعا على فعل من المضعف إذا كان اسما. واختلف النحويون في الصفة ، فمنهم من قاسها على الاسم ففتح ، فيقول ذلك بفتح اللام على تلك اللغة الثانية في الاسم. ومنهم من خص ذلك بالاسم ، وهو مورد السماع في تلك اللغة. وقيل : التقابل لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض. وفي الحديث : «أنه في أحيان ترفع عنهم ستور فينظر بعضهم إلى بعض ولا محالة أن أكثر أحيانهم فيها قصورهم». و (يُطافُ) : مبني للمفعول وحذف الفاعل ، وهو المثبت في آية أخرى في قوله : (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ

__________________

(١) سورة مريم : ١٩ / ٦٢.

١٠٠