البحر المحيط في التّفسير - ج ٩

محمّد بن يوسف [ أبي حيّان الأندلسي الغرناطي ]

البحر المحيط في التّفسير - ج ٩

المؤلف:

محمّد بن يوسف [ أبي حيّان الأندلسي الغرناطي ]

المحقق: المترجم:
الموضوع : القرآن وعلومه الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع
نسخة غير مصححة

اجتزأ بالكسرة عن الياء فيه. وقد قرىء : يا حسرتا ، بالألف ، أي يا حسرتي ، ويكون من الله على سبيل الاستعارة في معنى تعظيم ما جنوه على أنفسهم ، وفرط إنكاره وتعجيبه منه. والظاهر أن العباد هم مكذبو الرسل ، تحسرت عليهم الملائكة ، قاله الضحاك. وقال الضحاك أيضا : المعنى يا حسرة الملائكة على عبادنا الرسل حتى لم ينفعهم الإيمان لهم. وقال أبو العالية : المراد بالعباد الرسل الثلاثة ، وكان هذا التحسر هو من الكفار ، حين رأوا عذاب الله تلهفوا على ما فاتهم. قال ابن عطية : وقوله (ما يَأْتِيهِمْ) الآية يدفع هذا التأويل. انتهى. قال الزجاج : الحسرة أمر يركب الإنسان من كثرة الندم على ما لا نهاية له حتى يبقى حسيرا. وقيل : المنادى محذوف ، وانتصب حسرة على المصدر ، أي يا هؤلاء تحسروا حسرة. وقيل : (يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ) من قول الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى ، لما وثب القوم لقتله. وقيل : هو من قول الرسل الثلاثة ، قالوا ذلك حين قتلوا ذلك الرجل وجل بهم العذاب ، قالوا : يا حسرة على هؤلاء ، كأنهم تمنوا أن يكونوا قد آمنوا. انتهى. فالألف واللام للعهد إذا قلنا إن العباد المراد بهم الرسل الثلاثة أو من أرسلوا إليه وهم الهالكون بسبب كفرهم وتكذيبهم إياهم. والظاهر أنها لتعريف جنس الكفار المكذبين وتلخص أن المتحسر الملائكة أو الله تعالى أو المؤمنون أو الرسل الثلاثة أو ذلك الرجل ، أقوال.

(ما يَأْتِيهِمْ) إلى آخر الآية : تمثيل لقريش ، وهم الذين عاد عليهم الضمير في قوله (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا). قال ابن عطية : وكم هنا خبرية ، وأنهم بدل منها ، والرؤية رؤية البصر. انتهى. فهذا لا يصح ، لأنها إذا كانت خبرية فهي في موضع نصب بأهلكنا ، ولا يسوغ فيها إلا ذلك. وإذا كان كذلك ، امتنع أن يكون أنهم بدل منها ، لأن البدل على نية تكرار العامل ، ولو سلطت أهلكنا على أنهم لم يصح. ألا ترى أنك لو قلت أهلكنا انتفاء رجوعهم ، أو أهلكنا كونهم لا يرجعون ، لم يكن كلاما؟ لكن ابن عطية توهم أن يروا مفعوله كم ، فتوهم أن قولهم أنهم لا يرجعون بدل ، لأنه يسوغ أن يتسلط عليه فتقول : ألم يروا أنهم لا يرجعون؟ وهذا وأمثاله دليل على ضعفه في علم العربية. وقال الزجاج : هو بدل من الجملة ، والمعنى : ألم يروا أن القرون التي أهلكناها إليهم لا يرجعون ، لأن عدم الرجوع والهلاك بمعنى النهي. وهذا الذي قاله الزجاج ليس بشيء ، لأنه ليس بدلا صناعيا ، وإنما فسر المعنى ولم يلحظ صنعة النحو. وقال أبو البقاء : أنهم إليهم. انتهى ، وليس بشيء ، لأن كم ليس بمعمول ليروا. ونقل عن الفراء أنه يعمل يروا في الجملتين من غير إبدال ،

٦١

وقولهم في الجملتين تجوز ، لأن أنهم وما بعده ليس بجملة ، ولم يبين كيفية هذا العمل. وقال الزمخشري : (أَلَمْ يَرَوْا) : ألم يعلموا ، وهو معلق عن العمل في كم ، لأن كم لا يعمل فيها عامل قبلها كانت للاستفهام أو للخبر ، لأن أصلها الاستفهام ، إلا أن معناها نافذ في الجملة ، كما نفذ في قولك : ألم يروا أن زيدا لمنطلق؟ وأن لم تعمل في لفظه. و (أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ) بدل من (أَهْلَكْنا) على المعنى لا على اللفظ تقديره : ألم يروا كثرة إهلاكنا القرون من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم؟ انتهى. فجعل يروا بمعنى يعلموا ، وعلقها على العمل في كم. وقوله : لأن كم لا يعمل فيها ما قبلها ، كانت للاستفهام أو للخبر ، وهذا ليس على إطلاقه ، لأن العامل إذا كان حرف جر أو اسما مضافا جاز أن يعمل فيها ، نحو كم على : كم جذع بيتك؟ وأين : كم رئيس صحبت؟ وعلى : كم فقير تصدّقت؟ أرجو الثواب ، وأين : كم شهيد في سبيل الله أحسنت إليه؟ وقوله : أو للخبر الخبرية فيها لغتان : الفصيحة كما ذكر لا يتقدمها عامل إلا ما ذكرنا من الجار واللغة الأخرى ، حكاها الأخفش ؛ يقولون فيها : ملكت كم غلام؟ أي ملكت كثيرا من الغلمان. فكما يجوز أن يتقدم العامل على كثير ، كذلك يجوز أن يتقدم على كم لأنها بمعناها. وقوله : لأن أصلها الاستفهام ، ليس أصلها الاستفهام ، بل كل واحدة أصل في بابها ، لكنها لفظ مشترك بين الاستفهام والخبر. وقوله : إلا أن معناها نافذ في الجملة ، يعني معنى يروا نافذ في الجملة ، لأن جعلها معلقة ، وشرح يروا بيعلموا. وقوله : كما تقدم في قولك : ألم يروا أن زيدا لمنطلق؟ فإن زيد المنطلق معمول من حيث المعنى ليروا ، ولو كان عاملا من حيث اللفظ لم تدخل اللام ، وكانت أن مفتوحة ، فإن وفي خبرها اللام من الأدوات التي تعلق أفعال القلوب. وقوله : و (أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ) إلى آخر كلامه لا يصح أن يكون بدلا ، لا على اللفظ ولا على المعنى. أما على اللفظ فإنه زعم أن يروا معلقة ، فيكون كم استفهاما ، وهو معمول لأهلكنا ، وأهلكنا لا يتسلط على (أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ) ، وتقدّم لنا ذلك. وأما على المعنى ، فلا يصح أيضا ، لأنه قال تقديره ، أي على المعنى : ألم يروا كثرة إهلاكنا القرون من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم؟ فكونهم غير كذا ليس كثرة الإهلاك ، فلا يكون بدل كل من كل ، ولا بعضا من الإهلاك ، ولا يكون بدل بعض من كل ، ولا يكون بدل اشتمال ، لأن بدل الاشتمال يصح أن يضاف إلى ما أبدل منه ، وكذلك بدل بعض من كل ، وهذا لا يصح هنا. لا تقول : ألم يروا انتفاء رجوع كثرة إهلاكنا القرون من قبلهم ، وفي بدل الاشتمال نحو : أعجبني الجارية ملاحتها ، وسرق زيد ثوبه ، يصح

٦٢

أعجبني ملاحة الجارية ، وسرق ثوب زيد ، وتقدم لنا الكلام على إعراب مثل هذه الجملة في قوله : (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ) (١) ، في سورة الأنعام. والذي تقتضيه صناعة العربية أن أنهم معمول لمحذوف ، ودل عليه المعنى ، وتقديره : قضينا أو حكمنا (أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ). وقرأ ابن عباس والحسن : إنهم بكسر الهمزة على الاستئناف ، وقطع الجملة عن ما قبلها من جهة الإعراب ، ودل ذلك على أن قراءة الفتح مقطوعة عن ما قبلها من جهة الإعراب لتتفق القراءتان ولا تختلفا. والضمير في أنهم عائد على معنى كم ، وهم القرون ، وإليهم عائد على من أسند إليه يروا ، وهم قريش ؛ فالمعنى : أنهم لا يرجعون إلى من في الدنيا. وقيل : الضمير في أنهم عائد على من أسند إليه يروا ، وفي إليهم عائد على المهلكين ، والمعنى : أن الباقين لا يرجعون إلى المهلكين بنسب ولا ولادة ، أي أهلكناهم وقطعنا نسلهم ، والإهلاك مع قطع النسل أتم وأعم. وقرأ عبد الله : ألم يروا من أهلكنا ، وأنهم على هذا بدل اشتمال ؛ وفي قولهم : أنهم لا يرجعون ، رد على القائلين بالرجعة. وقيل لا بن عباس : إن قوما يزعمون أن عليا مبعوث قبل يوم القيامة ، فقال : ليس القوم نحن إذا نكحنا نساءه وقسمنا ميراثه.

وقرأ عاصم ، وحمزة ، وابن عامر : بتثقيل لما ؛ وباقي السبعة : بتخفيفها. فمن ثقلها كانت عنده بمعنى إلا ، وإن نافية ، أي ما كل ، أي كلهم إلا جميع لدينا ، محضرون : أي محشورون ، قاله قتادة. وقال ابن سلام : معذبون ؛ وقيل : التقدير لمن ما وليس بشيء ، ومن خفف لما جعل إن المخففة من الثقيلة ، وما زائدة ، أي إن كل لجميع ، وهذا على مذهب البصريين. وأما الكوفيون ، فإن عندهم نافية ، واللام بمعنى إلا ، وما زائدة ، ولما المشددة بمعنى إلا ثابت في لسان العرب بنقل الثقات ، فلا يلتفت إلى زعم الكسائي أنه لا يعرف ذلك. وقال أبو عبد الله الرازي : في كون لما بمعنى إلا معنى مناسب ، وهو أن لما كأنها حرفا نفي جميعا. وهما لم وما ، فتأكد النفي ؛ وإلا كأنها حرفا نفي إن ولا ، فاستعمل أحدهما مكان الآخر. انتهى ، وهذا أخذه من قول الفراء في إلا في الاستثناء أنها مركبة من إن ولا ، إلا أن الفراء جعل إن المخففة من الثقيلة وما زائدة ، أي إن كل لجميع ، وهذا على مذهب البصريين. وأما الكوفيون ، فإن عندهم نافية ، واللام بمعنى إلا ، وما زائدة ، ولما المشددة بمعنى إلا ثابت حرف نفي ، وهو قول مردود عند النحاة ركيك ، وما تركب منه وزاد تحريفا أرك منه ، وكل بمعنى الإحاطة ، وجميع فعيل بمعنى مفعول ، ويدل على الاجتماع ،

__________________

(١) سورة الأنعام : ٦ / ٦.

٦٣

وجميع محضرون هنا على المعنى ، كما أفرد منتصر على اللفظ ، وكلاهما بعد جميع يراعى فيه الفواصل.

وجاءت هذه الجملة بعد ذكر الإهلاك تبيينا أنه تعالى ليس من أهله يترك ، بل بعد إهلاكهم جمع وحساب وثواب وعقاب ، ولذلك أعقب هذا بما يدل على الحشر من قوله : (وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها) وما بعده من الآيات. وبدأ بالأرض ، لأنها مستقرهم ، حركة وسكونا ، حياة وموتا. وموت الأرض جدبها ، وإحياؤها بالغيث. والضمير في لهم عائد على كفار قريش ومن يجري مجراهم في إنكار الحشر. و (أَحْيَيْناها) : استئناف بيان لكون الأرض الميتة آية ، وكذلك نسلخ. وقيل : أحييناها في موضع الحال ، والعامل فيها آية بما فيها من معنى الإعلام ، ويكون آية خبرا مقدما ، والأرض الميتة مبتدأ ؛ فالنية بآية التأخير ، والتقدير : والأرض الميتة آية لهم محياة كقولك : قائم زيد مسرعا ، أي زيد قائم مسرعا ، ولهم متعلق بآية ، لا صفة. وقال الزمخشري : ويجوز أن يوصف الأرض والليل بالفعل ، لأنه أريد بهما الجنسان مطلقين لا أرض ، وليل بإحيائهما ، فعوملا معاملة النكرات في وصفها بالأفعال ونحوه :

ولقد أمر على اللئيم يسبني

انتهى.

وهذا هدم لما استقر عند أئمة النحو من أن النكرة لا تنعت إلا بالنكرة ، والمعرفة لا تنعت إلا بالمعرفة ، ولا دليل لمن ذهب إلى ذلك. وأما يسبني فحال ، أي سابا لي ، وقد تبع الزمخشري ابن مالك على ذلك في التسهيل من تأليفه. وفي هذه الجمل تعدد نعم إحياؤها بحيث تصير مخضرة تبهج النفس والعين ، وإخراج الحب منها حيث صار ما يعيشون به في المكان الذي هم فيه مستقرون ، لا في السماء ولا في الهواء ، وجعل الحبات لأنهم أكلوا من الحب ، وربما تاقت النفس إلى النقلة ، فالأرض يوجد منها الحب ، والشجر يوجد منه الثمر ، وتفجير العيون يحصل به الاعتماد على تحصيل الزرع والثمر ، ولو كان من السماء لم يدر أين يغرس ولا أين يقع المطر. وقرأ جناح بن حبيش : (وَفَجَّرْنا) بالتخفيف ، والجمهور : بالتشديد. و (مِنْ ثَمَرِهِ) بفتحتين ؛ وطلحة ، وابن وثاب ، وحمزة ، والكسائي : بضمتين ؛ والأعمش : بضم الثاء وسكون الميم ؛ والضمير في ثمره عائد على الماء ، قيل : لدلالة العيون عليه ولكونه على حذف مضاف ، أي من ماء العيون ؛ وقيل :

٦٤

على النخيل ، واكتفى به للعلم في اشتراك الأعيان فيما علق به النخيل من أكل ثمره ، أو يراد من ثمر المذكور ، وهو الجنات ، كما قال الشاعر :

فيها خطوط من سواد وبلق

كأنه في الجلد توليع البهق

فقيل له : كيف قلت بعيون ، كأنه والذي تقدم خطوط؟ فقال أرت : كان ذاك. وقيل : عائد إلى التفجير الدال عليه وفجرنا الآية أقرب مذكور ، وعنى بثمره : فوائده ، كما تقول : ثمرة التجارة الربح. وقال الزمخشري : وأصله من ثمرنا ، كما قال : (وَجَعَلْنا) ، (وَفَجَّرْنا) ، فنقل الكلام من التكلم إلى الغيبة على طريق الالتفات ، والمعنى : ليأكلوا مما خلقه الله من الثمر ، ومما عملته أيديهم من الغرس والسقي والآبار وغير ذلك من الأعمال إلى أن بلغ الثمر منتهاه ، وبأن أكله يعني أن الثمر في نفسه فعل الله وخلقه ، وفيه آثار من كد بني آدم. ويجوز أن تكون ما نافية ، على أن الثمر خلق الله ، ولم تعمله أيديه الناس ، ولا يقدرون على خلقه. وقرأ الجمهور : (وَما عَمِلَتْهُ) بالضمير ، فإن كانت ما موصولة فالضمير عائد عليها ، وإن كانت نافية فالضمير عائد على الثمر. وقرأ طلحة ، وعيسى ، وحمزة ، والكسائي ، وأبو بكر : بغير ضمير مفعول عملت على التقديرين محذوفة ، وجوز في هذه القراءة أن تكون ما مصدرية ، أي وعمل أيديهم ، وهو مصدر أريد به المعمول ، فيعود إلى معنى الموصول.

ولما عدد تعالى هذه النعم ، حض على الشكر فقال ؛ (أَفَلا يَشْكُرُونَ) ، ثم نزه تعالى نفسه عن كل ما يلحد به ملحد ، أو يشرك به مشرك ، فذكر إنشاء الأزواج ، وهي الأنواع من جميع الأشياء ، (مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ) : من النخل والشجر والزرع والثمر وغير ذلك. وكل صنف زوج مختلف لونا وطمعا وشكلا وصغرا وكبرا ، (وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ) : ذكورا وإناثا ، (وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ) : أي وأنواعا مما لا يعلمون ، أعلموا بوجوده ولم يعلموا ما هو ، إذ لا يتعلق علمهم بماهيته ، أمر محتاج إليه في دين ولا دنيا. وفي إعلامه بكثرة مخلوقاته دليل على اتساع ملكه وعظم قدرته.

ولكا ذكر تعالى الاستدلال بأحوال الأرض ، وهي المكان الكلي ، ذكر الاستدلال بالليل والنهار ، وهو الزمان الكلي ؛ وبينهما مناسبة ، لأن المكان لا تستغني عنه الجواهر ، والزمان لا تستغني عنه الأعراض ، لأن كل عرض فهو في زمان ، ومثله مذكور في قوله :

٦٥

(وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) (١) ، ثم قال بعده : (وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً) (٢) الآية. وبدأ هناك بالزمان ، لأن المقصود إثبات الوحدانية بدليل قوله : (لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ) (٣) الآية ، ثم الحشر بقوله : (إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى) (٤) ، وهذا المقصود الحشر أولا لأن ذكره فيها أكثر ، وذكر التوحيد في فصلت أكثر بدليل قوله : (قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ) (٥). انتهى ، وهو من كلام أبي عبد الله الرازي ، وفيه تلخيص.

و (نَسْلَخُ) : معناه نكشط ونقشر ، وهو استعارة لإزالة الضوء وكشفه عن مكان الليل. و (مُظْلِمُونَ) : داخلون في الظلام ، كما تقول : أعتمنا وأسحرنا : دخلنا في العتمة وفي السحر. واستدل قوم بهذا على أن الليل أصل والنهار فرع طارئ عليه ، ومستقر الشمس بين يدي العرش تسجد فيه كل ليلة بعد غروبها. كما جاء في حديث أبي ذر : «ويقال لها اطلعي من حيث طلعت ، فإذا كان طلوعها من مغربها يقال لها اطلعي من حيث غربت ، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها ، لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا». وقال ابن عباس : إذا غربت وانتهت إلى الموضع الذي لا تتجاوزه ، استوت تحت العرش إلى أن تطلع. وقال الحسن : للشمس في السنة ثلاثمائة وستون مطلعا ، تنزل كل يوم مطلعا ، ثم لا تنزل إلى الحول ، وهي تجري في فلك المنازل ، أو يوم القيامة ، أو غيبوبتها ، لأنها تجري كل وقت إلى حد محدود تغرب فيه ، أو أحد مطالعها في المنقلبين ، لأنهما نهايتا مطالعها ؛ فإذا استقر وصولها كرت راجعة ، وإلا فهي لا تستقر عن حركتها طرفة عين. ونحا إلى هذا ابن قتيبة ، أو وقوفها عند الزوال كال يوم ، ودليل استقرارها وقوف ذلك الظلام حينئذ. وقال الزمخشري : بمستقر لها : لحدّ لها مؤقت مقدر تنتهي إليه من فلكها في آخر السنة. شبه بمستقر المسافر إذا قطع مسيره ، أو كمنتهى لها من المشارق والمغارب ، لأنها تتقصاها مشرقا مشرقا ومغربا مغربا حتى تبلغ أقصاها ثم ترجع ، فلذلك حدها ومستقرها ، لأنها لا تعدوه أو لا يعدلها من مسيرها كل يوم في مرأى عيوننا وهو المغرب. وقيل : مستقرها : محلها الذي أقر الله عليه أمرها في جريها فاستقرت عليه ، وهو آخر السنة. وقيل : الوقت الذي تستقر فيه وينقطع جريها ، وهو يوم القيامة.

__________________

(١) سورة فصلت : ٤١ / ٣٧.

(٢) سورة فصلت : ٤١ / ٣٩.

(٣) سورة فصلت : ٤١ / ٣٧.

(٤) سورة فصلت : ٤١ / ٣٩.

(٥) سورة فصلت : ٤١ / ٩.

٦٦

وقال أبو عبد الله الرازي ما ملخصه : في المستقر وجوه في الزمان وفي المكان ، ففي الزمان الليل أو السنة أو يوم القيامة ، وفي المكان غاية ارتفاعها في الصيف وانخفاضها في الشتاء ، وتجري إلى ذلك الموضع فترجع ، أو غاية مشارقها ، فلها في كل يوم مشرق إلى ستة أشهر ، ثم تعود على تلك المقنطرات ؛ وهذا هو ما تقدم في الارتفاع. فإن اختلاف المشارق سبب اختلاف الارتفاع ، أو وصولها إلى بيتها في الأسد ، أو الدائرة التي عليها حركتها ، حيث لا تميل عن منطقة البروج على مرور الشمس. ويحتمل أن يقال : تجري مجرى مستقرها ، فإن أصحاب الهيئة قالوا : الشمس في فلك ، والفلك يدور فيدير الشمس ، فالشمس تجري مجرى مستقرها. انتهى. وقرىء : إلى مستقرها. وقرأ عبد الله ، وابن عباس ، وعكرمة ، وعطاء بن رباح ، وزين العابدين ، والباقر ، وابنه الصادق ، وابن أبي عبدة : لا مستقر لها ، نفيا مبينا على الفتح ، فيقتضي انتفاء كل مستقر وذلك في الدنيا ، أي هي تجري دائما فيها ، لا تستقر ؛ إلا ابن أبي عبلة ، فإنه قرأ برفع مستقر وتنوينه على إعمالها إعمال ليس ، نحو قول الشاعر :

تعز فلا شيء على الأرض باقيا

ولا وزر مما قضى الله واقيا

الإشارة بذلك إلى جري الشمس : أي ذلك الجري على ذلك التقدير والحساب الدقيق.

(تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ) : الغالب بقدرته على كل مقدور ، المحيط علما بكل معلوم. وقرأ الحرميان ، وأبو عمرو ، وأبو جعفر ، وابن محيصن ، والحسن : بخلاف عنه. (وَالْقَمَرَ) : بالرفع على الابتداء ؛ وباقي السبعة : بالنصب على الاشتغال. و (قَدَّرْناهُ) على حذف مضاف ، أي قدرنا سيره ، و (مَنازِلَ) : طرف ، أي منازله ؛ وقيل : قدرنا نوره في منازل ، فيزيد مقدار النور كل يوم في المنازل الاجتماعية وينقص في المنازل الاستقبالية. وقيل : قدرناه : جعلنا أنه أجرى جريه عكس منازل أنوار الشمس ، ولا يحتاج إلى حذف حرف الصفة ، فإن جرم القمر مظلم ، ينزل فيه النور لقبوله عكس ضياء الشمس ، مثل المرأة المجلوة إذا قوبل بها الشعاع.

وهذه المنازل معروفة عند العرب ، وهي ثمانية وعشرون منزلة ، ينزل القمر كل ليلة في واحد منها ، لا يتخطاه ولا يتقاصر عنه ، على تقدير مستولا يتفاوت ، يسير فيها من ليلة المستهل إلى الثامنة والعشرين ، ثم يسير ليلتين إذا نقص الشهر ، وهذه المنازل هي مواقع النجوم التي نسبت إليها العرب الأنواء المستمطرة ، وهي : الشرطين ، البطين ، الثريا ، الدبران ، الهقعة ، الهنعة ، الذراع ، النثرة ، الطرف ، الجبهة ، الدبرة ، الصرفة ، العواء ،

٦٧

السماك ، العفر ، الزباني ، الإكليل ، القلب ، الشولة ، النعائم ، البلدة ، سعد الذابح ، سعد بلع ، سعد السعود ، سعد الأخبية ، فرع الدلو المقدم ، فرع الدلو المؤخر ، بطن الحوت ، ويقال له الرشاء ، فإذا كان في آخر منازله دق واستقوس واصفر ، فشبه بالعرجون القديم من ثلاثة الأوجه. وقرأ سليمان التيمي : كالعرجون ، بكسر العين وفتح الجيم ؛ والجمهور : بضمهما ، وهما لغتان كالبريون. و (الْقَدِيمِ) : ما مر عليه زمان طويل. وقيل : أقل عدة الموصوف بالقدم حول ، فلو قال رجل : كل مملوك لي قديم فهو حر ، أو كتب ذلك في وصية ، عتق منهم من مضى له حول وأكثر. انتهى. والقدم أمر نسبي ، وقد يطلق على ما ليس له سنة ولا سنتان ، فلا يقال العالم قديم ، وإنما تعتبر العادة في ذلك.

(لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ) : ينبغي لها مستعملة فيما لا يمكن خلافه ، أي لم يجعل لها قدرة على ذلك ، وهذا الإدراك المنبغي هو ، قال الزمخشري : إن الله تعالى جعل لكل واحد من الليل والنهار وآيتيهما قسما من الزمان ، وضرب له حدا معلوما ، ودبر أمرهما على التعاقب. فلا ينبغي للشمس أن لا يستهل لها ، ولا يصح ، ولا يستقيم ، لوقوع التدبير على العاقبة. وإن جعل لكل واحد من النيرين سلطان ، على حياله أن يدرك القمر ، فتجتمع معه في وقت واحد ، وتداخله في سلطانه ، فتطمس نوره. ولا يسبق الليل النهار ، يعني آية الليل آية النهار ، وهما النيران. ولا يزال الأمر على هذا الترتيب إلى أن يبطل الله ما دبر من ذلك ، وينقص ما ألف ، فيجمع بين الشمس والقمر ، فتطلع الشمس من مغربها. انتهى. وقال ابن عباس ، والضحاك : إذا طلعت ، لم يكن للقمر ضوء ؛ وإذا طلع ، لم يكن للشمس ضوء. وقال مجاهد : لا يشبه ضوء أحدهما ضوء الآخر. وقال قتادة : لكل أحد حدّ لا يعدوه ولا يقصر دونه ، إذا جاء سلطان هذا ذهب هذا. وقال ابن عباس أيضا : إذا اجتمعا في السماء ، كان أحدهما بين يدي الآخر ، في منازل لا يشتركان فيها. وقال الحسن : لا يجتمعان في السماء ليلة الهلال خاصة ، أي لا تبقى الشمس حتى يطلع الفجر ، ولكن إذا غربت طلع. وقال يحيى بن سلام : لا تدركه ليلة البدر خاصة ، لأنه يبادر بالمغيب قبل طلوعها. وقيل : لا يمكنها أن تدركه في سرعته ، لأن دائرة فلك القمر داخلة في فلك عطارد ، وفلك عطارد داخل في فلك الزهرة ، وفلك الزهرة داخل في فلك الشمس. فإذا كان طريق الشمس أبعد ، قطع القمر جميع أجزاء فلكه ، أي من البروج الاثني عشر ، في زمان نقطع الشمس فيه برجا واحدا من فلكه. وقال النحاس : ما قيل فيه ، وأبينه أن مسير القمر مسير سريع ، والشمس لا تدركه في السير. انتهى ، وهو ملخص القول الذي

٦٨

قبله : (وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ) ، لا يعارض قوله : (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً) (١) ، لأن ظاهر قوله : (يَطْلُبُهُ حَثِيثاً) ، أن النهار سابق أيضا ، فيوافق الظاهر. وفهم أبو عبد الله الرازي من قوله : (يَطْلُبُهُ حَثِيثاً) أن النهار يطلب الليل ، والليل سابقه. وفهم من قوله : (وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ) ، أن الليل مسبوق لا سابق ، فأورده سؤالا. وقال : كيف يكون الليل سابقا مسبوقا؟ وأجاب بأن المراد من الليل هنا سلطان الليل ، وهو القمر ، وهو لا يسبق الشمس بالحركة اليومية السريعة. والمراد من الليل هناك نفس الليل ، وكل واحد لما كان في عقب الآخر كان طالبه. انتهى. وعرض له هذا السؤال لكونه جعل الضمير الفاعل في يطلبه عائدا على النهار ، وضمير المفعول عائدا على الليل. والظاهر أن ضمير الفاعل عائد على ما هو الفاعل في المعنى وهو الليل ، لأنه كان قبل دخول همزة النقل (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ) (٢) ، وضمير المفعول عائد على النهار ، لأنه المفعول قبل النقل وبعده. وقرأ عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير الخطفي : سابق بغير تنوين ، النهار : بالنصب. قال المبرد : سمعته يقرأ فقلت : ما هذا؟ قال : أردت سابق النهار ، فحذفت لأنه أخف. انتهى ، وحذف التنوين فيه لالتقاء الساكنين. وتقدّم شرح : (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) في سورة الأنبياء.

والظاهر من الذرية أنه يراد به الأنباء ومن نشأ منهم. وقيل : ينطلق على الآباء وعلى الأبناء ، قاله أبو عثمان. وقال ابن عطية : هذا تخليط ، ولا يعرف هذا في اللغة. انتهى. وتقدّم الكلام في الذرية في آل عمران. والظاهر أن الضمير في لهم وفي ذرياتهم عائد على شيء واحد ، فالمعنى أنه تعالى حمل ذريات هؤلاء ، وهم آباؤهم الأقدمون ، في سفينة نوح عليه‌السلام ، قاله ابن عباس وجماعة. ومن مثله : للسفن الموجودة في جنس بني آدم إلى يوم القيامة أو أريد بقوله : ذرياتهم ، حذف مضاف ، أي ذريات جنسهم ، وأريد بالذرية من لا يطيق المشي والركوب من الذرية والضعفاء. فالفلك اسم جنس من عليهم بذلك ، وكون الفلك مرادا به الجنس ، قاله ابن عباس أيضا ومجاهد والسدّي ، ومن مثله : الإبل وسائر ما يركب. وقيل : الضميران مختلفان ، أي ذرية القرون الماضية ، قاله عليّ بن سليمان ، وكان آية لهؤلاء ، إذ هم نسل تلك الذرية. وقيل : الذرية : النطف ، والفلك المشحون : بطون النساء ، ذكره الماوردي ، ونسب إلى عليّ بن أبي طالب ، وهذا لا يصح ، لأنه من

__________________

(١) سورة الأعراف : ٧ / ٥٤.

(٢) سورة الأعراف : ٧ / ٥٤.

٦٩

نوع تفسير الباطنية وغلاة المتصوفة الذين يفسرون كتاب الله على شيء لا يدل عليه اللفظ بجهة من جهات الدلالة ، يحرفون الكلم عن مواضعة. ويدل على أنه أريد ظاهر الفلك قوله : (وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ) : يعني الإبل والخيل والبغال والحمير ، والمماثلة في أنه مركوب مبلغ للأوطان فقط ، هذا إذا كان الفلك جنسا. وأما إن أريد به سفينة نوح ، فالمماثلة تكون في كونها سفنا مثلها ، وهي الموجودة في بني آدم. ويبعد قول من قال : الذرية في الفلك قوم نوح في سفينته ، والمثل الأجل : وما يركب ، لأنه يدفعه قوله : (وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ). وقرأ نافع ، وابن عامر ، والأعمش ، وزيد بن عليّ ، وأبان بن عثمان : ذرياتهم بالجمع ؛ وكسر زيد وأبان الذال ؛ وباقي السبعة ، وطلحة ، وعيسى : بالإفراد. وقال الزمخشري : ذريتهم : أولادهم ومن يهمهم حمله. وقيل : اسم الذرية يقع على النساء ، لأنهن مزارعها. وفي الحديث : «أنه نهى عن قتل الذراري» ، يعني النساء.

(مِنْ مِثْلِهِ) : من مثل الفلك ، (ما يَرْكَبُونَ) : من الإبل ، وهي سفائن البر. وقيل : (الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) : سفينة نوح. ومعنى حمل الله ذرياتهم فيها : أنه حمل فيها آباؤهم الأقدمون ، وفي أصلابهم هم وذرياتهم. وإنما ذكر ذرياتهم دونهم ، لأنه أبلغ في الامتنان عليهم ، وأدخل في التعجب من قدرته في حمل أعقابهم إلى يوم القيامة في سفينة نوح. و (مِنْ مِثْلِهِ) : من مثل ذلك الفلك ، (ما يَرْكَبُونَ) : من السفن. انتهى. وقال أبو عبد الله الرازي : إنما خص الذريات بالذكر ، لأن الموجودين كانوا كفارا لا فائدة في وجودهم ، أي لم يكن الحمل حملا لهم ، وإنما كان حملا لما في أصلابهم من المؤمنين. وقال أيضا : الضمير في وآية لهم عائد على العباد في قوله : (يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ) ثم قال بعد (وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها) ، (وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ) ، (وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ) : ذريات العباد ، ولا يلزم أن يكون الضمير في الموضعين لمعنيين ، فهو كقوله : (لا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) (١) ، إنما يريد : لا يقتل بعضكم بعضا ، فكذلك هذا. (وَآيَةٌ لَهُمْ) : أي آية كل بعض منهم ، (أَنَّا حَمَلْنا) ذرية كل بعض منهم ، أو ذرية بعض منهم. انتهى. والظاهر في قوله : (وَخَلَقْنا) أنه أريد الإنشاء والاختراع ، فالمراد الإبل وما يركب ، وتكون من للبيان ، وإن كان ما يصنعه الإنسان قد ينسب إلى الله خلقا ، لكن الأكثر ما ذكرنا. وإذا أريد به السفن ، تكون من للتبعيض ، ولهم الظاهر عوده على ما عاد عليه (وَآيَةٌ لَهُمْ) ، لأنه المحدث عنهم ، وجوز أن يعود على الذرية ؛ والظاهر أن الضمير في مثله عائد على

__________________

(١) سورة النساء : ٤ / ٢٩.

٧٠

الفلك. وقيل : يعود على معلوم غير مذكور وتقديره : من مثل ما ذكرنا من المخلوقات في قوله : (سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ) (١) ، كما قالوا : في قوله (مِنْ ثَمَرِهِ) ، أي من ثمر ما ذكرنا. وقرأ الحسن : نغرقهم مشددا ؛ والجمهور : مخففا ؛ والصريخ : فعيل بمعنى صارخ : أي مستغيث ، وبمعنى مصرخ : أي مغيث ، وهذا معناه هنا ، أي فلا مغيث لهم ولا معين. وقال الزمخشري : (فَلا صَرِيخَ لَهُمْ) : أي فلا إغاثة لهم. انتهى. كأنه جعله مصدرا من أفعل ، ويحتاج إلى نقل أن صريخا يكون مصدرا بمعنى صراخ. والظاهر أن قوله : (فَلا صَرِيخَ لَهُمْ) : أي لا مغيث لهؤلاء الذين شاء الله إغراقهم ، (وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ) : أي ينجون من الموت بالغرق. نفى أولا الصريخ ، وهو خاص ؛ ثم نفى ثانيا إنقاذهم بصريخ أو غيره. وقال ابن عطية : وقوله (فَلا صَرِيخَ لَهُمْ) استئناف إخبار عن المسافرين في البحر ، ناجين كانوا أو مغرقين ، فهم في هذه الحال لا نجاة لهم إلا برحمة الله. وليس قوله : (فَلا صَرِيخَ لَهُمْ) مربوطا بالمغرقين ، وقد يصح ربطه به ، والأول أحسن فتأمله. انتهى ، وليس بحسن ولا أحسن. والفاء في (فَلا صَرِيخَ لَهُمْ) تعلق الجملة بما قبلها تعليقا واضحا ، وترتبط به ربطا لائحا. والخلاص من العذاب بما يدفعه من أصله ، فنفى بقوله : (فَلا صَرِيخَ لَهُمْ) ، وما يرفعه بعد وقوعه ، فنفى بقوله : (وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ). وانتصب (رَحْمَةً) على الاستثناء المفرغ للمفعول من أجله ، أي لرحمة منا. وقال الكسائي ، والزجاج : (إِلى حِينٍ) : أي إلى حين الموت ، قاله قتادة. وقال الزمخشري : إما لرحمة منا ، وليتمتع بالحياة إلى حين : أي إلى أجل يموتون فيه لا بد لهم منه بعد النجاة من موت الغرق. انتهى. وإنما قال : لا بد لهم من موت الغرق ، لأنه تعالى قال (وَإِنْ نَشَأْ) : أي إغراقهم ، (نُغْرِقْهُمْ) : فمن شاء إغراقه لا بد أن يموت بالغرق. والظاهر أن (رَحْمَةً) ، (وَمَتاعاً إِلى حِينٍ) يكون للذين ينقذون ، فلا يفيد الدوام ، بل ينقذه الله رحمة له ويمتعه إلى حين ثم يميته. وقيل : فيه تقسيم ، إلا رحمة لمن علم أنه يؤمن فينقذه الله رحمة ، ومن علم أنه لا يؤمن يمنعه زمانا ويزداد إثما.

(وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ، وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ، وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ، وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ، ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ، فَلا

__________________

(١) سورة يس : ٣٦ / ٣٦.

٧١

يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ، قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ، إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ ، فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).

الضمير في (لَهُمُ) لقريش ، و (ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ) ، قال قتادة ومقاتل : عذاب الأمم قبلكم ، (وَما خَلْفَكُمْ) : عذاب الآخرة. وقال مجاهد : عكسه. وقال الحسن : خوفوا بما مضى من ذنوبهم وما يأتي منها. وقال مجاهد أيضا ، كقول الحسن : (ما تَقَدَّمَ مِنْ) ذنوبكم وما تأخر ، (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ). وجواب إذا محذوف يدل عليه ما بعده ، أي أعرضوا. (وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ) : أي دأبهم الإعراض عند كل آية تأتيهم. (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا) : لما أسلم حواشي الكفار من أقربائهم ومواليهم من المستضعفين ، قطعوا عنهم ما كانوا يواسونهم به ، وكان ذلك بمكة أولا قبل نزول آيات القتال ، فندبهم المؤمنون إلى صلة قراباتهم فقالوا : (أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ). وقيل : سحق قريش بسبب أذية المساكين من مؤمن وغيره ، فندبهم النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى النفقة عليهم ، فقالوا هذا القول. وقيل : قال فقراء المؤمنين : أعطونا ما زعمتم من أموالكم ، إنها لله ، فحرموهم وقالوا ذلك على سبيل الاستهزاء. وقال ابن عباس : كان بمكة زنادقة ، إذا أمروا بالصدقة قالوا : لا والله ، أيفقره الله ونطمعه نحن؟ أو كانوا يسمعون المؤمنين يعلقون الأفعال بمشيئة الله : لو شاء الله لأغنى فلانا ، ولو شاء لأعزه ، ولو شاء لكان كذا ، فأخرجوا هذا الجواب مخرج الاستهزاء بالمؤمنين وبما كانوا يقولون. وقال القشيري : نزلت في قوم من الزنادقة لا يؤمنون بالصانع ، استهزاء بالمسلمين بهذا القول.

وقال الحسن : (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ) ، أي اليهود ، أمروا بإطعام الفقراء. وجواب لو نشاء قوله : أطعمهم ، وورود الموجب بغير لام فصيح ، ومنه : (أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ) (١) ، (لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً) (٢) ؛ والأكثر مجيئه باللام ، والتصريخ بالموضعين من الكفر والإيمان دليل على أن المقول لهم هم الكافرون ، والقائل لهم هم المؤمنون ، وأن كل وصف حامل صاحبه على ما صدر منه ، إذ كل إناء بالذي فيه يرشح. وأمروا بالإنفاق (مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ) ، وهو عام في الإطعام وغيره ، فأجابوا بغاية المخالفة ، لأن نفي إطعامهم يقتضي نفي الإنفاق

__________________

(١) سورة الأعراف : ٧ / ١٠٠.

(٢) سورة الواقعة : ٥٦ / ٧٠.

٧٢

العام ، فكأنهم قالوا : لا ننفق ، ولا أقل الأشياء التي كانوا يسمحون بها ويؤثرون بها على أنفسهم ، وهو الإطعام الذي به يفتخرون ، وهذا على سبيل المبالغة. كمن يقول لشخص : أعط لزيد دينارا ، فيقول : لا أعطيه درهما ، فهذا أبلغ من لا أعطيه دينارا. والظاهر أن قوله : (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) من تمام كلام الكفار يخاطبون المؤمنين ، أي حيث طلبتم أن تطعموا من لا يريد الله إطعامه ، إذ لو أراد الله إطعامه لأطعمه هو. ويجوز أن يكون من قول الله لهم استأنف زجرهم به ، أو من قول المؤمنين لهم. ثم حكى تعالى عنهم ما يقولون على سبيل الاستهزاء والتعجيل : لما توعدون به؟ أي متى يوم القيامة الذي أنتم توعدوننا به؟ أو متى هذا العذاب الذي تهددوننا به؟ وهو سؤال على سبيل الاستهزاء منهم لما أمروا بالتقوى ، ولا يتقي إلا مما يخاف ، وهم غير مؤمنين. سألوا متى يقع هذا الذي تخوفونا به استهزاء منهم.

(ما يَنْظُرُونَ) : أي ما ينتطرون. ولما كانت هذه الصيحة لا بد من وقوعها جعلوا كأنهم منتظروها ، وهذه هي النفخة الأولى تأخذهم فيهلكون ، وهم يتخاصمون ، أي في معاملاتهم وأسواقهم ، في أماكنهم من غير إمهال لتوصية ، ولا رجوع إلى أهل. وفي الحديث : «تقوم الساعة والرجلان قد نشرا ثوبهما يتبايعانه ، فما يطويانه حتى تقوم ، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه ، والرجل يرفع أكلته إلى فيه ، فما تصل إلى فيه حتى تقوم». وقيل : لا يرجعون إلى أهلهم قولا ؛ وقيل : ولا إلى أهلهم يرجعون أبدا. وقرأ أبي : يختصمون على الأصل ؛ والحرميان ، وأبو عمرو ، والأعرج ، وشبل ، وابن فنطنطين : بإدغام التاء في الصاد ونقل حركتها إلى الخاء ؛ وأبو عمرو أيضا ، وقالون : يخالف بالاختلاس وتشديد الصاد ، وعنهما إسكان الخاء وتخفيف الصاد من خصم ؛ وباقي السبعة : بكسر الخاء وشد الصاد ؛ وفرقة : بكسر الياء اتباعا لكسرة الخاء وشد الصاد. وقرأ ابن محيصن : يرجعون ، بضم الياء وفتح الجيم. وقرأ الأعرج : في الصور ، بفتح الواو ؛ والجمهور : بإسكانها. وقرىء : من الأجداف ، بالفاء بدل الثاء. وقرأ الجمهور : بالثاء ، وينسلون ، بكسر السين ؛ وابن أبي إسحاق ، وأبو عمرو : بخلاف عنه بضمها. وهذه النفخة هي الثانية التي يقوم الناس أحياء عنها. ولا تنافر بين (يَنْسِلُونَ) وبين (فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ) (١) ، لأنه لا ينسل إلا قائما ، ولأن تفاوت الزمانين يجعله كأنه زمان واحد.

__________________

(١) سورة الزمر : ٣٩ / ٦٨.

٧٣

وقرأ ابن أبي ليلى : يا ويلتنا ، بتاء التأنيث ؛ وعنه أيضا : يا ويلتى ، بالتاء بعدها ألف بدل من ياء الإضافة ، ومعنى هذه القراءة : أن كل واحد منهم يقول يا ويلتى. والجمهور : و (مَنْ بَعَثَنا) : من استفهام ، وبعث فعل ماض ؛ وعلي ، وابن عباس ، والضحاك ، وأبو نهيك : من حرف جر ، وبعثنا مجرور به. والمرقد : استعارة عن مضجع الميت ، واحتمل أن يكون مصدرا ، أي من رقادنا ، وهو أجود. أو يكون مكانا ، فيكون المفرد فيه يراد به الجمع ، أي من مراقدنا. وما روي عن أبيّ بن كعب ومجاهد ، وقتادة : من أن جميع البشر ينامون نومة قبل الحشر ، فقالوا : هو غير صحيح الإسناد. وقيل : قالوا من مرقدنا ، لأن عذاب القبر كان كالرقاد في جنب ما صاروا إليه من عذاب جهنم. والظاهر أن هذا ابتداء كلام ، فقيل : من الله ، على سبيل التوبيخ والتوقيف على إنكارهم. وقال الفراء : من قول الملائكة. وقال قتادة ، ومجاهد : من قول المؤمنين للكفار ، على سبيل التقريع. وقال ابن زيد : من قول الكفرة ، أو البعث الذي كانوا يكذبون به في الدنيا ، قالوا ذلك. والاستفهام بمن سؤال عن الذي بعثهم ، وتضمن قوله : (هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ) ، ذكر الباعث ، أي الرحمن الذي وعدكموه ، وما يجوز أن تكون مصدرية على سمة الموعود ، والمصدر فيه بالوعد والصدق ، وبمعنى الذي ، أي هذا الذي وعده الرحمن. والذي صدق المرسلون ، أي صدق فيه من قولهم : صدقت زيدا الحديث ، أي صدقه فيه ؛ ومنه قولهم : صدقني سن بكره ، أي في سنّ بكره. وقال الزجاج : ويجوز أن يكون إشارة إلى المرقد ، ثم استأنف ما وعد الرحمن ، ويضمر الخبر حق أو نحوه. وتبعه الزمخشري فقال : ويجوز أن يكون هذا صفة للمرقد ، وما وعد خبر مبتدأ محذوف ، أي هذا وعد الرحمن ، أو مبتدأ محذوف الخبر ، أي ما وعد الرحمن وصدق المرسلون حق عليكم. انتهى. وتقدمت قراءة (إِلَّا صَيْحَةً) بالرفع وتوجيهها. (فَالْيَوْمَ) : هو يوم القيامة ، وانتصب على الظرف ، والعامل فيه لا يظلم. والظاهر أن الخطاب لجميع العالم ، ويندرج فيه من تقدم ذكره. قيل : والصيحة قول إسرافيل عليه‌السلام : أيتها العظام النخرة والأوصال المنقطعة والشعور المتمزقة ، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء ، وهذا معنى قوله تعالى : (يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ) (١).

(إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ ، هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ ، لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ ، سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ، وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا

__________________

(١) سورة ق : ٥٠ / ٤٢.

٧٤

الْمُجْرِمُونَ ، أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ، وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ، وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ، هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ، اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ، الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ، وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ ، وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ ، وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ ، وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ ، لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ).

لما ذكر تعالى أهوال يوم القيامة ، أعقب ذلك بحال السعداء والأشقياء. والظاهر أنه إخبار لنا بما يكونون فيه إذا صاروا إلى ما أعد لهم من الثواب والعقاب. وقيل : هو حكاية ما يقال في ذلك اليوم ، وفي مثل هذه الحكاية زيادة تصوير للموعود له في النفوس ، وترغيب إلى الحرص عليه وفيما يثمره ؛ والظاهر أن الشغل هو النعيم الذي قد شغلهم عن كل ما يخطر بالبال. وقال قريبا منه مجاهد ، وبعضهم خص هذا الشغل بافتضاض الأبكار ، قاله ابن عباس ؛ وعنه أيضا : سماع الأوتار. وعن الحسن : شغلوا عن ما فيه أهل النار. وعن الكلبي : عن أهاليهم من أهل النار ، لا يذكرونهم لئلا يتنغصوا. وعن ابن كيسان : الشغل : التزاور. وقيل : ضيافة الله ، وأفرد الشغل ملحوظا فيه النعيم ، وهو واحد من حيث هو نعيم. وقرأ الحرميان ، وأبو عمرو : بضم الشين وسكون الغين ؛ وباقي السبعة بضمها ؛ ومجاهد ، وأبو السمال ، وابن هبيرة فيما نقل ابن خالويه عنه : بفتحتين ؛ ويزيد النحوي ، وابن هبيرة ، فيما نقل أبو الفضل الرازي : بفتح الشين وإسكان الغين. وقرأ الجمهور : (فاكِهُونَ) ، بالألف ؛ والحسن ، وأبو جعفر ، وقتادة ، وأبو حيوة ، ومجاهد ، وشيبة ، وأبو رجاء ، ويحيى بن صبيح ، ونافع في رواية : بغير ألف ؛ وطلحة ، والأعمش : فاكهين ، بالألف وبالياء نصبا على الحال ، وفي شغل هو الخبر. فبالألف أصحاب فاكهة ، كما يقال لابن وتامر وشاحم ولاحم ، وبغير ألف معناه : فرحون طربون ، مأخوذ من الفكاهة وهي المزحة ، وقرىء : فكهين ، بغير ألف وبالياء. وقرىء : فكهون ، بضم الكاف. يقال : رجل فكه وفكه ، نحو : يدس ويدس. ويجوز في هم أن يكون مبتدأ ، وخبره في ضلال ، ومتكئون خبر ثان ، أو خبره متكئون ، وفي ظلال متعلق به ، أو يكون تأكيدا للضمير المستكن في فاكهون ، وفي ظلال حال ، ومتكئون خبر ثان لأن ، أو يكون تأكيدا للضمير المستكن في شغل ، المنتقل إليه من العامل فيه.

٧٥

وعلى هذا الوجه والذي قبله يكون الأزواج قد شاركوهم في التفكه والشغل والاتكاء على الأرائك ، وذلك من جهة المنطوق. وعلى الأول ، شاركوهم في الظلال والاتكاء على الأرائك من حيث المنطوق ، وهن قد شاركنهم في التفكه والشغل من حيث المعنى. وقرأ الجمهور : (فِي ظِلالٍ). قال ابن عطية : وهو جمع ظل ، إذ الجنة لا شمس فيها ، وإنما هواؤها سجسج ، كوقت الأسفار قبل طلوع الشمس. انتهى. وجمع فعل على فعال في الكثرة ، نحو : ذئب وذئاب. وأما أن وقت الجنة كوقت الأسفار قبل طلوع الشمس ، فيحتاج هذا إلى نقل صحيح. وكيف يكون ذلك؟ وفي الحديث ما يدل على حوراء من حور الجنة ، لو ظهرت لأضاءت منها الدنيا ، أو نحو من هذا؟ قال : ويحتمل أن يكون جمع ظلة. قال أبو عليّ : كبرمة وبرام. وقال منذر بن سعيد : جمع ظلة ، بكسر الظاء. قال ابن عطية : وهي لغة في ظلة. انتهى. فيكون مثل لقحة ولقاح ، وفعال لا ينقاس في فعلة بل يحفظ. وقرأ عبد الله ، والسلمي ، وطلحة ، وحمزة ، والكسائي : في ظل جمع ظلة ، وجمع فعلة على فعل مقيس ، وهي عبارة عن الملابس والمراتب من الحجال والستور ونحوها من الأشياء التي تظل. وقرأ عبد الله : متكئين ، نصب على الحال ؛ ويدعون مضارع ادعى ، وهو افتعل من دعا ، ومعناه : ولهم ما يتمنون. قال أبو عبيدة : العرب تقول ادع علي ما شئت ، بمعنى تمن عليّ وتقول فلان في خبر ما تمنى. قال الزجاج : وهو من الدعاء ، أي ما يدعونه أهل الجنة يأتيهم. وقيل : يدعون به لأنفسهم. وقيل : يتداعونه لقوله ارتموه وتراموه.

وقرأ الجمهور : سلام بالرفع. وقيل : وهو صفة لما ، أي مسلم لهم وخالص. انتهى. ولا يصح إن كان ما بمعنى الذي ، لأنها تكون إذ ذاك معرفة. وسلام نكرة ، ولا تنعت المعرفة بالنكرة. فإن كانت ما نكرة موصوفة جاز ، إلا أنه لا يكون فيه عموم ، كحالها ، بمعني الذي. وقيل : سلام مبتدأ ويكون خبره ذلك الفعل الناصب لقوله : (قَوْلاً) ، أي سلام يقال ، (قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) ، أو يكون عليكم محذوفا ، أي سلام عليكم ، (قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ). وقيل : خبر مبتدأ محذوف ، أي هو سلام. وقال الزمخشري : (سَلامٌ قَوْلاً) بدل من (ما يَدَّعُونَ) ، كأنه قال : لهم سلام يقال لهم قولا من جهة رب رحيم ، والمعنى : أن الله يسلم عليهم بواسطة الملائكة ، أو بغير واسطة ، مبالغة في تعظيمهم ، وذلك متمناهم ، ولهم ذلك لا يمنعونه. قال ابن عباس : والملائكة يدخلون عليهم بالتحية من رب العالمين. انتهى. وإذا كان سلام بدلا من ما يدعون ، كان ما يدعون خصوصا. والظاهر أنه عموم في

٧٦

كل ما يدعون ، وإذا كان عموما ، لم يكن سلام بدلا منه. وقيل : سلام خبر لما يدعون ، وما يدعون مبتدأ ، أي ولهم ما يدعون سلام خالص لا شرب فيه ، وقولا مصدر مؤكد ، كقوله : (وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ سَلامٌ) : أي عدة من رحيم. قال الزمخشري : والأوجه أن ينتصب على الاختصاص ، وهو من مجازه. انتهى. ويكون لهم متعلقا على هذا الإعراب بسلام. وقرأ محمد بن كعب القرظي : سلم ، بكسر السين وسكون اللام ، ومعناه سلام. وقال أبو الفضل الرازي : مسالم لهم ، أي ذلك مسالم. وقرأ أبيّ ، وعبد الله ، وعيسى ، والقنوي : سلاما ، بالنصب على المصدر. وقال الزمخشري : نصب على الحال ، أي لهم مرادهم خالصا.

(وَامْتازُوا الْيَوْمَ) : أي انفردوا عن المؤمنين ، لأن المحشر جمع البر والفاجر ، فأمر المجرمون بأن يكونوا على حدة من المؤمنين. والظاهر أن ثم قولا محذوفا لما ذكر تعالى ما يقال للمؤمنين في قوله : (سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) ، قيل : ويقال للمجرمين : (امْتازُوا). ولما امتثلوا ما أمروا به ، قال لهم على جهة التوبيخ والتقريع : (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ)؟ وقفهم على عهده إليهم ومخالفتهم إياه. وعن الضحاك : لكل كافر بيت من النار يكون فيه لا يرى ولا يرى ، فعلى هذا معناه أن بعضهم من بعض. وعن قتادة : اعتزلوا عن كل خير. والعهد : الوصية ، عهد إليه إذا وصاه. وعهد الله إليهم : ما ركز فيهم من أدلة العقل ، وأنزل إليهم من أدلة السمع. وعبادة الشيطان : طاعته فيما يغويه ويزينه. وقرأ الجمهور : أعهد ، بفتح الهمزة والهاء. وقرأ طلحة ، والهذيل بن شرحبيل الكوفي : بكسر الهمزة ، قاله صاحب اللوامح ، وقال لغة تميم ، وهذا الكسر في النون والتاء أكثر من بين حروف المضارعة ، يعني : نعهد وتعهد. وقال ابن خالويه : ألم أعهد ؛ يحيى بن وثاب : ألم أحد ، لغة تميم. وقال ابن عطية : وقرأ الهذيل بن وثاب : ألم أعهد ، بكسر الميم والهمزة وفتح الهاء ، وهي على لغة من كسر أول المضارع سوى الياء. وروي عن ابن وثاب : ألم أعهد ، بكسر الهاء ، يقال : عهد يعهد. انتهى. وقوله : بكسر الميم والهمزة يعني أن كسر الميم يدل على كسر الهمزة ، لأن الحركة التي في الميم هي حركة نقل الهمزة المكسورة ، وحذفت الهمزة حين نقلت حركتها إلى الساكن قبلها وهو الميم. اعهد بالهمزة المقطوعة المكسورة لفظا ، لأن هذا لا يجوز. وقال الزمخشري : وقرىء أعهد بكسر الهمزة ، وباب فعل كله يجوز في حروف مضارعته الكسر إلا في الياء ؛ وأعهد بكسر الهاء. وقد جوز الزجاج أن يكون من باب نعم ينعم ، وضرب يضرب ، وأحهد بالحاء وأحد ، وهي لغة

٧٧

تميم ، ومنه قولهم : دحا محا. انتهى. وقوله : إلا في الياء ، لغة لبعض كلب أنهم يكسرون أيضا في الياء ، يقولون : هل يعلم؟ وقوله : دحا محا ، يريدون دعها معها ، أدغموا العين في الحاء ، والإشارة بهذا إلى ما عهد إليهم من معصية الشيطان وطاعة الرحمن.

وقرأ نافع ، وعاصم : (جِبِلًّا) ، بكسر الجيم والباء وتشديد اللام ، وهي قراءة أبي حيوة ، وسهيل ، وأبي جعفر ، وشيبة ، وأبي رجاء ؛ والحسن : بخلاف عنه. وقرأ العربيان ، والهذيل بن شرحبيل : بضم الجيم وإسكان الباء ؛ وباقي السبعة : بضمها وتخفيف اللام ؛ والحسن بن أبي إسحاق ، والزهري ، وابن هرمز ، وعبد الله بن عبيد بن عمير ، وحفص بن حميد : بضمتين وتشديد اللام ؛ والأشهب العقيلي ، واليماني ، وحماد بن مسلمة عن عاصم : بكسر الجيم وسكون الباء ؛ والأعمش : جبلا ، بكسرتين وتخفيف اللام. وقرىء : جبلا بكسر الجيم وفتح الباء وتخفيف اللام ، جمع جبلة ، نحو فطرة وفطر ، فهذه سبع لغات قرىء بها. وقرأ علي بن أبي طالب وبعض الخراسانيين : جيلا ، بكسر الجيم بعدها ياء آخر الحروف ، واحد الأجيال ؛ والجبل بالباء بواحدة من أسفل الأمة العظيمة. وقال الضحاك : أقله عشرة آلاف. خاطب تعالى الكفار بما فعل معهم الشيطان تقريعا لهم. وقرأ الجمهور : (أَفَلَمْ تَكُونُوا) بتاء الخطاب ؛ وطلحة ، وعيسى : بياء الغيبة ، عائدا على جبل. ويروى أنهم يجحدون ويخاصمون ، فيشهد عليهم جيرانهم وعشائرهم وأهاليهم ، فيحلفون ما كانوا مشركين ، فحينئذ يختم على أفواههم وتكلم أيديهم وأرجلهم. وفي الحديث : «يقول العبد يوم القيامة : إني لا أجيز عليّ شاهد إلا من نفسي فيختم على فيه ، ويقال لأركانه : انطقي فتنطق بأعماله ، ثم يخلي بينه وبين الكلام فيقال : بعدا لكنّ وسحقا ، فعنكنّ كنت أناضل».

وقرىء : يختم مبينا للمفعول ، وتتكلم أيديهم ، بتاءين وقرىء : ولتكلمنا أيديهم ولتشهد بلام الأمر والجزم على أن الله يأمر الأعضاء بالكلام والشهادة. وروى عبد الرحمن بن محمد بن طلحة عن أبيه عن جده طلحة أنه قرأ : ولتكلمنا أيديهم ولتشهد ، بلام كي والنصب على معنى : وكذلك يختم على أفواههم والظاهر أن الأعين هي الأعضاء المبصرة ، والمعنى : لأعميناهم فلا يرون كيف يمشون ، قاله الحسن وقتادة ، ويؤيده مناسبة المسخ ، فهم في قبضة القدرة وبروج العذاب إن شاءه الله لهم. وقال ابن عباس : أراد عين البصائر ، والمعنى : لو نشاء لختمت عليهم بالكفر فلا يهتدي منهم أحد أبدا. والطمس : إذهاب الشيء وأثره جملة حتى كأنه لم يوجد. فإن

٧٨

أريد بالأعين الحقيقة ، فالظاهر أنه يطمس بمعنى يمسخ حقيقة ، ويجوز أن يكون الطمس يراد به العمى من غير إذهاب العضو وأثره. وقرأ الجمهور : (فَاسْتَبَقُوا) ، فعلا ماضيا معطوفا على (لَطَمَسْنا) ، وهو على الفرض والتقدير. والصراط منصوب على تقدير إلى حذفت ووصل الفعل ، والأصل فاستبقوا إلى الصراط ، أو مفعولا به على تضمين استبقوا معنى تبادروا ، وجعله مسبوقا إليه. قال الزمخشري : أو ينتصب على الظرف ، وهذا لا يجوز ، لأن الصراط هو الطريق ، وهو ظرف مكان مختص. لا يصل إليه الفعل إلا بوساطة في إلا في شذوذ ، كما أنشد سيبويه :

لدن بهز الكف يعسل متنه

فيه كما عسل الطريق الثعلب

ومذهب ابن الطراوة أن الصراط والطريق والمخرم ، وما أشبهها من الظروف المكانية ليست مختصة ، فعلى مذهبه يسوغ ما قاله الزمخشري. وقرأ عيسى : فاستبقوا على الأمر ، وهو على إضمار القول ، أي فيقال لهم استبقوا الصراط ، وهذا على سبيل التعجيز ، إذ لا يمكنهم الاستباق مع طمس الأعين. (فَأَنَّى يُبْصِرُونَ) : أي كيف يبصر من طمس على عينه؟ والظاهر أن المسخ حقيقة ، وهو تبديل صورهم بصور شنيعة. قال ابن عباس : (لَمَسَخْناهُمْ) قردة وخنازير ، كما تقدم في بني إسرائيل ؛ وقيل حجارة. وقال الحسن ، وقتادة ، وجماعة : لأقعدناهم وأزمناهم ، فلا يستطيعون تصرفا. والظاهر أن هذا لو كان يكون في الدنيا. وقال ابن سلام : هذا التوعد كله يوم القيامة. وقرأ الحسن : (عَلى مَكانَتِهِمْ) ، بالإفراد ، وهي المكان ، كالمقامة والمقام. وقرأ الجمهور ، وأبو بكر : بالجمع. والجمهور : (مُضِيًّا) ، بضم الميم : وأبو حيوة ، وأحمد بن جبير الأنطاكي عن الكسائي : بكسرها اتباعا لحركة الضاد ، كالعتبى والقتبى ، وزنه فعول. التقت واو ساكنة وياء ، فأبدلت الواو ياء ، وأدغمت في الياء ، وكسر ما قبلها لتصح الياء. وقرىء : مضيا ، بفتح الميم ، فيكون من المصادر التي جاءت على فعيل ، كالرسيم والوجيف.

ولما ذكر تعالى الطمس والمسخ على تقدير المشبه ، ذكر تعالى دليلا على باهر قدرته في تنكيس المعمر ، وأن ذلك لا يفعله إلا هو تعالى. وتنكيسه : قبله وجعله على عكس ما خلقه أولا ، وهو أنه خلقه على ضعف في جسد وخلو من عقل وعلم ، ثم جعله يتزايد وينتقل من حال إلى حال ، إلى أن يبلغ أشده وتستكمل قوته ، ويعقل ويعلم ما له وما عليه. فإذا انتهى نكسه في الخلق ، فيتناقص حتى يرجع في حال شبيهة بحال الصبا في ضعف

٧٩

جسده وقلة عقله وخلوه من الفهم ، كما ينكس السهم فيجعل أعلاه أسفله ، وفي هذا كله دليل على أن من فعل هذه الأفاعيل قادر على أن يطمس وأن يفعل بهم ما أراد. وقرأ الجمهور : (نُنَكِّسْهُ) ، مشددا ؛ وعاصم ، وحمزة : مخففا. وقرأ نافع ، وابن ذكوان ، وأبو عمرو في رواية عباس : تعقلون بتاء الخطاب ؛ وباقي السبعة : بياء الغيبة.

(وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ) : الضمير في علمناه للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، كانوا يقولون فيه شاعر. وروي أن القائل عقبة بن أبي معيط ، فنفى الله ذلك عنه ، وقولهم فيه شاعر. أما من كان في طبعه الشعر ، فقوله مكابرة وإيهام للجاهل بالشعر ؛ وأما من ليس في طبعه ، فقوله جهل محض. وأين هو من الشعر؟ والشعر إنما هو كلام موزون مقفى يدل على معنى تنتخبه الشعراء من كثرة التخييل وتزويق الكلام ، وغير ذلك مما يتورع المتدين عن إنشاده ، فضلا عن إنشائه : وكان عليه‌السلام لا يقول الشعر ، وإذا أنشد بيتا أحرز المعنى دون وزنه ، كما أنشد :

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا

ويأتيك من لم تزود بالأخبار

وقيل : من أشعر الناس ، فقال الذي يقول :

ألم ترياني كلما جئت طارقا

وجدت بها وإن لم تطيب طيبا

أتجعل نهبي ونهب العبي

د بين الأقرع وعيينة

وأنشد يوما :

كفى بالإسلام والشيب ناهيا

فقال أبو بكر وعمر : نشهد أنك رسول الله ، إنما قال الشاعر : كفى الشيب والإسلام ، وربما أنشد البيت متزنا في النادر. وروي عنه أنشد بيت ابن رواحة :

يبيت يجافي جنبه عن فراشه

إذا استثقلت بالمشركين المضاجع

ولا يدل إجراء البيت على لسانه متزنا أنه يعلم الشعر ، وقد وقع في كلامه عليه‌السلام ما يدخله الوزن كقوله :

أنا النبي لا كذب

أنا ابن عبد المطلب

وكذلك قوله :

هل أنت إلا أصبع دميت

وفي سبيل الله ما لقيت

٨٠