محاضرات في الإلهيّات

الشيخ علي الربّاني الگلبايگاني

محاضرات في الإلهيّات

المؤلف:

الشيخ علي الربّاني الگلبايگاني

المحقق: المترجم:
الموضوع : العقائد والكلام الناشر: مؤسسة الامام الصادق عليه السلام المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام ISBN: 978-964-357-294-5
نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

مقدمة الطبعة الأولى :

علم الكلام

رائد الفطرة الإنسانية

الالتفات إلى ما وراء الطبيعة انجذاب طبيعيّ وميل فطريّ بشريّ ، يظهر في كلّ فردٍ من أفراد النوع البشري من أوائل شبابه ، ومطلع عمره ما دامت مرآة تلك الفطرة نقيّة صافية لم تنكسف بآراء بشرية غير نقيّة.

وذلك الالتفات والانجذاب نعمة كبيرة من نعمِ الله سبحانه على العباد ، حيث يدفعهم نحو مبدأ هذا الكون وصانعه ومنشئه ، وما يترتب على ذلك من مسائل حيويّة.

ولكن هذا الانجذاب إنّما يجديه إذا خضع لتربية الأنبياء ورعايتهم ، وصار مشفوعاً بالدليل والبرهان ، إذ حينذاك يُصبحُ هذا الانجذاب كشجرة مباركة (تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ) ، ولا تُضعْضعها العواصف مهما كانت شديدة قالعة.

٥

وأمّا إذا ترك حتى استغلّته الأهواء والآراء المنحرفة ، انطفأت هذه الشعلة المقدّسة واختفت تحت ركام من الأوهام والخرافات.

ولأجل ذلك يجب على القائمين على شئون التربية أن يُطْعِموا الفطرة البشريّة بالبراهين العقليّة القاطعة الساطعة الّتي هدانا إليها الذكر الحكيم والأحاديث الصحيحة الشريفة ، وما أنتجته الأبحاث الفكريّة طوال العصور والأزمنة في الأوساط الدينيّة.

ومن هنا عمد أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام واحداً تلو الآخر ، بصقل الأذهان وتنويرها بالبراهين الدامغة ، مراعين فيها مستوى الأذهان يومذاك ، بل وآخذين بالاعتبار ، مستوى أذهان الأجيال القادمة.

وقد اهتمّ المسلمون من عصر الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام بتدوين علم الكلام ، مقتبسين اصوله من خطبه وكلمه ، فلم يزل ينمو ويتكامل في ظلِّ الاحتكاكات والمذاكرات ، إلى أن دخل رابع القرون ، فقامت شخصيات مفكّرة كبيرة ألَّفت في ذلك المضمار كتباً قيِّمة.

فمن الشيعة نجد الشيخ الأقدم أبا إسحاق إبراهيم بن نوبخت (من أعلام القرن الرابع الهجري) والشيخ المفيد (٤١٣ ه‍) والشريف المرتضى (٤٣٦ ه‍) وأبا الصلاح الحلبي (٤٤٧ ه‍) وشيخ الطائفة الطوسي (٤٦٠ ه‍) وابن زهرة الحلبي (٥٨٥ ه‍) وسديد الدين الحمصي (٦٠٠ ه‍) والمحقّق الطوسي (٦٧٢ ه‍) وابن ميثم البحراني (٦٧٩ ه‍) والعلّامة الحلّي (٧٢٦ ه‍) والفاضل المقداد (٨٢٦ ه‍) و ... من الأعلام الفطاحل ، والعلماء الأفذاذ.

٦

وما كتبته تلك الثلّة المباركة في هذا المضمار رسائل جليلة تكفّلت أداء الرسالة بصورة كاملة.

ولكن حيث إنّ كلّ عصر يطلب لنفسه طوراً من التأليف يتناسب مع حاجات ذلك العصر ويستجيب لمطالبه ، فلا بدّ من أبحاث في هذا العصر تناسب حاجاته ومتطلّباته.

وقد قام شيخنا العلّامة الحجّة آية الله السبحاني ـ دام ظلّه ـ بهذه المهمَّة في عصرنا الحاضر ، وهو ممّن كرّس قسماً كبيراً من حياته في هذا المجال. وقد أكثر من التأليف في هذا العلم ، ودبّجت يراعته أسفاراً متنوعة مناسبة لكلّ مستوى من المستويات ، ومن أحسن نتاجاته المباركة في هذا العلم محاضراته القيّمة الّتي ألقاها في جامعة قم الدينية العلمية ، وحرَّرها تلميذه الفاضل الشيخ حسن مكّي العاملي ـ حفظه الله ـ ، وسمّاها «الإلهيات على هدى الكتاب والسنّة والعقل» حيث كانت المحاضرات جامعة لأطراف هذا العلم ، ومتكفّلة لجميع مسائله المهمّة ، وقد تعرّض فيها للآراء بعد أن حاكمها قضاء منطقياً منصفاً. فالكتاب يغني الطالب الديني الّذي يريد أن يحيط بالآراء الكلامية في جميع الأبواب ، وقد صار محور الدراسة الكلامية في جامعة قم منذ سنين. وقد قمت ـ بإذن من شيخنا الأُستاذ ـ بتلخيص هذا الكتاب القيِّم على وجه لا يُخلّ بمقاصده وأهدافه ، ومنهجه ، ويتمثّل عملي هذا في :

تلخيص العبارات ، والاكتفاء بأقصرها وأقلّها أوّلاً ؛

والاقتصار على أقوى البراهين وأوضحها ثانياً ؛

٧

وحذف الأقوال والأبحاث الموجبة للإطناب ثالثاً ؛

والتصرّف في تنسيق الأبحاث وترتيبها رابعاً ؛

واستدراك ما فات شيخنا الأُستاذ في بعض المجالات خامساً.

وإن كان ما أحدثناه مستفاداً من مشكاة علمه ، ومستقى من معين فضله ، وله حقوق كبيرة على العلم وأهله ، والجيل المعاصر ، حفظه الله مناراً للعلم ، ومشعلاً للهداية ، انّه سميع مجيب.

جامعة قم المقدّسة ـ علي الربّاني الگلپايگاني

٣٠ رجب ١٤١٤ ه‍ ق

المطابق ل ٢٣ بهمن ١٣٧٢ ه‍ ش

٨

مقدمة الطبعة العاشرة :

ثمرة التجربة حُسن الاختيار (١)

إنّ كتاب «الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل» من أجمع وأحسن ما أُلّفَّ في العقائد الإسلامية في العصر الحاضر.

والكتاب عبارة عن محاضرات شيخنا الأستاذ العلّامة آية الله جعفر السبحاني (دام ظلّه الوارف) قام بتقريرها وتحريرها تلميذه الفاضل الشيخ محمد حسن مكّي العاملي (دامت إفاضاته).

طبعت هذه الموسوعة العقائدية في أربعة أجزاء.

وقد قمت ـ في سالف الزمان ـ بتلخيصها وتهذيبها فصار التلخيص أحد المواد الدراسية المقررة في الحوزة العلمية في قم المقدسة وقد تولّيت تدريسه دورة بعد دورة كما شاركني في ذلك عدد آخر من الأفاضل ، فابدوا ـ حفظهم الله ـ آراءً حول الكتاب تهدف إلى لزوم عرض الكتاب بشكل آخر يحقق الهدفين التاليين :

١. رعاية مستوى الفهم لطلاب العلوم الإسلامية.

٢. الانسجام مع الفترة الدراسية المقررة لدراسة هذه المادة.

__________________

(١) غرر الحكم ودرر الكلم : ٤٤٤.

٩

فلذلك قمت على ضوء مقترحاتهم وتجاربي عبر التدريس بإكمال بعض البحوث ، وحذف ما لا يتمتع بأهمية ، كما أوجدت تغييراً في ترتيب مباحث الكتاب ، كل ذلك انطلاقاً من قول الإمام علي عليه‌السلام : «أن الأُمور بالتجربة» (١).

وها اني اقدم نتيجة عملي في هذا التلخيص الجديد الوافي للموسوعة الأم راجياً من الله أن يستفيد منه طلاب العلوم الحقة.

نشكر الله تعالى على ألطافه وتوفيقاته العظيمة كما نشكر الأساتذة الكرام على ما أبدوه من ملاحظات حول الكتاب نقداً واصلاحاً.

علي الرباني الگلپايگاني

قم المقدّسة

٢٩ جمادى الاولى ١٤٢٧ ه‍. ق.

المطابق ل ٥ / ٤ / ١٣٨٥ ه‍. ش

__________________

(١) غرر الحكم ودرر الكلم : ٤٤٤.

١٠

الباب الأوّل :

فيما يتعلّق بذاته تعالى

وفيه أربعة فصول :

١. مقدمات وأصول ؛

٢. برهان النظم وإثبات وجود الصانع العليم ؛

٣. برهان الحدوث وإثبات وجود المحدث للعالم ؛

٤. برهان الإمكان وإثبات واجب الوجود بالذات.

١١
١٢

الفصل الأول :

مقدمات وأُصول

إنّ هناك مقدمات وأصولاً ينبغي للطالب الوقوف عليها قبل أن يبتدئ بالبحث عن براهين وجود الله تعالى وتوحيده وصفاته وهي :

١ ـ دور الدين الإلهي في حياة الإنسان

الدين ثورة فكرية تقود الإنسان إلى الكمال والترقّي في جميع المجالات المهمّة الّتي لها صلة وثيقة بحياة الإنسان ؛ أهمّها :

أ. تقويم الأفكار والعقائد وتهذيبها عن الأوهام والخرافات ؛

ب. تنمية الأصول الأخلاقية ؛

ج. تحسين العلاقات الاجتماعية.

أمّا في المجال الأوّل : فإنّ الدين يفسّر واقع الكون بأنّه إبداع موجود عال قام بخلق المادّة وتصويرها وتحديدها بقوانين وحدود ، كما أنه يفسّر الحياة الإنسانية بأنّها لم تظهر على صفحة الكون عبثا ولم يخلق الإنسان سدى ، بل لتكوّنه في هذا الكوكب غاية عليا يصل إليها في ظلّ تعاليم الأنبياء والهداة المبعوثين من جانب الله تعالى.

١٣

وفي مقابل هذا التفسير الديني لواقع الكون والحياة الإنسانية تفسير المادّي القائل بأنّ المادّة الأولى قديمة بالذات وهي الّتي قامت فأعطت لنفسها نظماً ، وانّه لا غاية لها ولا للإنسان القاطن فيها وراء هذه الحياة الماديّة ، وهذا التفسير يقود الإنسان إلى الجهل والخرافة ، إذ كيف يمكن للمادّة أن تمنح نفسها نظماً؟! وهل يمكن أن تتّحد العلّة والمعلول ، والفاعل والمفعول ، والجاعل والمجعول؟

ومن هنا يتبيّن أنّ التكامل الفكري إنّما يتحقّق في ظلّ الدين ، لأنّه يكشف آفاقاً وسيعة أمام عقله وتفكّره.

وأمّا في المجال الثاني : فإنّ العقائد الدينية تُعدّ رصيداً للُاصول الاخلاقية ، إذ التقيّد بالقيم ورعايتها لا ينفكّ عن مصائب وآلام يصعب على الإنسان تحمّلها إلّا بعامل روحي يسهِّلها ويزيل صعوبتها له ، وهذا كالتضحية في سبيل الحق والعدل ، ورعاية الأمانة ومساعدة المستضعفين ، فهذه بعض الأُصول الأخلاقية الّتي لا تنكر صحّتها ، غير أن تجسيدها في المجتمع يستتبع آلاماً وصعوبات ، والاعتقاد بالله سبحانه وما في العمل بها من الأجر والثواب خير عامل لتشويق الإنسان على اجرائها وتحمّل المصائب والآلام.

وأمّا في المجال الثالث : فإنّ الدين يعتبر البشر كلّهم مخلوقين لمبدإ واحد ، فالكلّ بالنسبة إليه حسب الذات والجوهر كأسنان المشط ، ولا يرى أيّ معنى للمميّزات القوميّة والتفاريق الظاهرية. هذا من جانب ، ومن جانب آخر فإنّ العقيدة الدينية تساند الأُصول الاجتماعية ، لأنّها تصبح عند الإنسان

١٤

المتديّن تكاليف لازمة ، ويكون الإنسان بنفسه مقوداً إلى العمل والإجراء ، أي إجراء التكاليف والقوانين الاجتماعية في شتّى الحقول.

فهذه بعض المجالات الّتي للدين فيها دور وتأثير واضح ، أفيصحّ بعد الوقوف على هذه التأثيرات المعجبة أن نهمل البحث عنه ، ونجعله في زاوية النسيان؟

نعم ما ذكرنا من دور الدين وتأثيره في الجوانب الحيويّة من الإنسان إنّما هو من شئون الدين الحقيقي الّذي يؤيّد العلم ويؤكّد الاخلاق ولا يخالفهما ، وأمّا الأديان غير الإلهية أو المنسوبة إلى الوحي بكذب وزور فخارجة عن موضوع بحثنا.

٢ ـ الدين والفطرة

إنّ علماء النفس يعتقدون بأنّ للنفس الإنسانية أبعاداً أربعة ، يكون كلّ بعدٍ منها مبدأ لآثار خاصة :

أ. روح الاستطلاع واستكشاف الحقائق ، وهذا البعد من الروح الإنسانية باعث فطري لسعي الإنسان في سبيل معرفة الكون واستكشاف الحقائق.

ب. حبّ الخير والنزوع إلى البرّ والمعروف ، ولأجل ذلك يجد الإنسان في نفسه ميلاً إلى الخير والصلاح ، وانزجاراً عن الشرّ والفساد ، وهذا الإحساس الفطري مبدأ للقيم والاخلاق الإنسانية.

ج. علاقة الإنسان بالجمال في مجالات الطبيعة والصناعة ،

١٥

فالمصنوعات الدقيقة والجميلة ، واللوحات الفنّية والتماثيل الرائعة تستمدّ روعتها وجمالها من هذا البعد.

د. الشعور الديني الّذي يدعو الإنسان إلى الاعتقاد بأنّ وراء هذا العالم عالما آخر يستمدّ هذا العالم وجوده منه ، وأنَّ الإنسان بكلّ خصوصياته متعلّق بذلك العالم ويستمدّ منه.

وهذا البعد الرابع الّذي اكتشفه علماء النفس في العصر الأخير وأيّدوه بالاختبارات المتنوّعة مما ركّز عليه الذكر الحكيم قبل قرون وأشار إليه في آياته المباركات ، منها قوله تعالى :

(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها) (١).

فالآية تنصّ على أنّ الدين ـ بمعنى الاعتقاد بخالق العالم والإنسان وبأنّ مصير الإنسان بيده ـ شيء خلق الإنسان عليه وفطر به ، كما خلق وفطر على كثير من الميول والغرائز.

٣. المعرفة المعتبرة

إنّ الخطوة الأولى لفهم الدين هي الوقوف على المعرفة المعتبرة فيه ؛ فالدين الواقعي لا يعتبر كلّ معرفة حقّا قابلاً للاستناد ، بل يشترط أن تكون معرفة قطعية حاصلة من أدوات المعرفة المناسبة لذلك. يقول سبحانه :

(وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً) (٢).

__________________

(١) الروم : ٣٠.

(٢) الاسراء : ٣٦.

١٦

ترى أنَّ الآية ترفض كلّ معرفة خرجت عن إطار العلم القطعي. ولأجل ذلك يذمّ اقتفاء سنن الآباء والأجداد ، اقتفاءً بلا دليل معتبر ، وبلا علم بصحته وإتقانه. يقول سبحانه :

(وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ) (١).

وقال سبحانه ردّاً لمقالتهم هذه :

(أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ) (٢).

ربّما يقال : إذا كان اقتفاء الآباء والأجداد وتقليدهم امراً مذموماً فلما ذا جوّز الاسلام تقليد الفقهاء في فروع الدين؟

والجواب : أنّ تقليد الفقيه في الأحكام الدينية ليس من قسم التقليد المذموم ، لأنّ رجوع الجاهل إلى العالم واقتفائه أثره رجوع إليه مع الدليل ، وعليه سيرة العقلاء في جميع المجالات ، فالجاهل بالصنعة يرجع إلى عالمها ، وجاهل الطب يرجع إلى خبيره.

هذا ، مضافاً إلى أنَّ أصول العقائد ممّا يتمكّن كلّ إنسان بعقله وفطرته أن يتعرّف عليها ، ويعتقد بها فليس للتقليد فيها مجال ، إلّا فيما يرجع إلى الأبحاث الدقيقة والغامضة ، فيجوز فيها الاستناد بآراء العلماء البارزين في الكلام.

__________________

(١) الزخرف : ٢٣.

(٢) المائدة : ١٠٤.

١٧

٤. وجوب البحث عن وجود الله تعالى

إنّ العقل يدعو الإنسان العاقل ويحفزه إلى التفكر والبحث عن وجود الله تعالى. وذلك لأنّ هناك مجموعة كبيرة من رجالات الإصلاح والأخلاق الديني فدوا انفسهم في طريق إصلاح المجتمع وتهذيبه وتوالوا على مدى القرون والأعصار ، ودعوا المجتمعات البشرية إلى الاعتقاد بالله سبحانه وصفاته الكمالية ، وادّعوا أنّ له تكاليف على عباده ووظائف وضعها عليهم ، وأنّ الحياة لا تنقطع بالموت ، وإنّما ينقل الإنسان من دار إلى دار ، وأنّ من قام بتكاليفه فله الجزاء الأوفى ، ومن خالف واستكبر فله النكاية الكبرى.

هذا ما سمعته آذان أهل الدنيا من رجالات الوحي والاصلاح ، ولم يكن هؤلاء متَّهمين بالكذب والاختلاق ، بل كانت علائم الصدق لائحة من خلال حياتهم وأفعالهم وأذكارهم ، عند ذلك يدفع العقل الإنسان المفكّر إلى البحث عن صحّة مقالتهم دفعاً للضرر المحتمل أو المظنون الّذي يورثه أمثال هؤلاء.

إنّ هاهنا وجهاً آخر لوجوب البحث عن وجود الله تعالى. وهو أنّ الإنسان في حياته غارق في النعم ، وهذا ممّا لا يمكن لأحد إنكاره ، ومن جانب آخر أنّ العقل يستقلّ بلزوم شكر المنعم ، ولا يتحقّق الشكر إلّا بمعرفته. (١)

__________________

(١) إن كان شكر المنعم لازماً فتجب معرفته ، لكنّ المقدّم حقّ ، فالتالي كذلك. أمّا حقّيّة المقدّم فلأنّه من البديهيات العقلية. وأمّا الملازمة فلأنّه أداء للشكر ، والإتيان به موقوف على معرفة المنعم وهو واضح.

١٨

وعلى هذين الأمرين يجب البحث عن المنعم الّذي غمر الإنسان بالنعم وأفاضها عليه ، فالتعرّف عليه من خلال البحث إجابة لهتاف العقل ودعوته إلى شكر المنعم المتوقّف على معرفته (١).

__________________

(١) إنّ هاهنا داعياً آخر يدعو الإنسان إلى البحث عن وجود خالق العالم ، وهو أنّ الإنسان بفطرته يبحث عن علل الحوادث ، فما من حادثة إلّا وهو يفحص عن علّتها ويشتاق إلى الوقوف عليها ، عندئذ ينقدح في ذهنه السؤال عن علّة العالم ومجموع الحوادث ، هل هناك علّة موجدة للعالم الكوني وراء العلل والأسباب الماديّة أو لا؟ فالبحث عن وجود صانع العالم فطري للإنسان. راجع : أُصول الفلسفة للعلّامة الطباطبائي ، المقالة ١٤.

١٩
٢٠