فرائد الأصول - ج ٣

الشيخ مرتضى الأنصاري

فرائد الأصول - ج ٣

المؤلف:

الشيخ مرتضى الأنصاري

المحقق: لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم المترجم:
الموضوع : أصول الفقه الناشر: مجمع الفكر الاسلامي المطبعة: خاتم الأنبياء ISBN: 964-5662-04-4
نسخة غير مصححة

الثالث :

دليل المستصحب قد يدلّ على الاستمرار وقد لا يدلّ

أنّ دليل المستصحب : إمّا أن يدلّ على استمرار الحكم إلى حصول رافع أو غاية ، وإمّا أن لا يدلّ. وقد فصّل بين هذين القسمين المحقّق في المعارج ، والمحقّق الخوانساري في شرح الدروس ، فأنكرا الحجّية في الثاني واعترفا بها في الأوّل ، مطلقا كما يظهر من المعارج (١) ، أو بشرط كون الشكّ في وجود الغاية كما يأتي من شارح الدروس (٢).

وتخيّل بعضهم (٣) ـ تبعا لصاحب المعالم (٤) ـ : أنّ قول المحقّق قدس‌سره موافق للمنكرين ؛ لأنّ محلّ النزاع ما لم يكن الدليل مقتضيا للحكم في الآن اللاحق لو لا الشكّ في الرافع. وهو غير بعيد بالنظر إلى كلام السيّد (٥) والشيخ (٦) وابن زهرة (٧) وغيرهم ؛ حيث إنّ المفروض في كلامهم هو كون دليل الحكم في الزمان الأوّل قضيّة مهملة ساكتة عن حكم الزمان الثاني ولو مع فرض عدم الرافع.

__________________

(١) المعارج : ٢٠٩ ـ ٢١٠.

(٢) انظر الصفحة ٥٠ و ١٦٩.

(٣) مثل : الفاضل الجواد في غاية المأمول (مخطوط) : الورقة ١٣٠.

(٤) المعالم : ٢٣٥.

(٥) الذريعة ٢ : ٨٣٠.

(٦) العدّة ٢ : ٧٥٦ ـ ٧٥٨.

(٧) الغنية (الجوامع الفقهيّة) : ٤٨٦.

٤١

إلاّ أنّ الذي يقتضيه التدبّر في بعض كلماتهم ـ مثل : إنكار السيّد (١) لاستصحاب البلد المبنيّ على ساحل البحر مع كون الشكّ فيه نظير الشكّ في وجود الرافع للحكم الشرعيّ ، وغير ذلك ممّا يظهر للمتأمّل ، ويقتضيه الجمع بين كلماتهم وبين ما يظهر من بعض استدلال المثبتين والنافين ـ : هو عموم النزاع لما ذكره المحقّق ، فما ذكره في المعارج (٢) أخيرا ليس رجوعا عمّا ذكره أوّلا ، بل لعلّه بيان لمورد تلك الأدلّة التي ذكرها لاعتبار الاستصحاب ، وأنّها لا تقتضي اعتبارا أزيد من مورد يكون الدليل فيه مقتضيا للحكم مطلقا ويشكّ في رافعه.

__________________

(١) الذريعة ٢ : ٨٣٣.

(٢) المعارج : ٢٠٩ ـ ٢١٠.

٤٢

[تقسيم الاستصحاب باعتبار الشكّ المأخوذ فيه](١)

وأمّا باعتبار الشكّ في البقاء ، فمن وجوه أيضا :

أحدها :

منشأ الشكّ إمّا اشتباه الأمر الخارجي وإمّا اشتباه الحكم الشرعي

من جهة أنّ الشكّ قد ينشأ من اشتباه الأمر الخارجيّ ـ مثل : الشكّ في حدوث البول ، أو كون الحادث بولا أو وذيا ـ ويسمّى بالشبهة في الموضوع ، سواء كان المستصحب حكما شرعيّا جزئيّا كالطهارة في المثالين ، أم موضوعا كالرطوبة والكرّيّة ونقل اللفظ عن معناه الأصلي ، وشبه ذلك.

وقد ينشأ من اشتباه الحكم الشرعيّ الصادر من الشارع ، كالشكّ في بقاء نجاسة المتغيّر بعد زوال تغيّره ، وطهارة المكلّف بعد حدوث المذي منه ، ونحو ذلك.

دخول القسمين في محلّ النزاع

والظاهر دخول القسمين في محلّ النزاع ، كما يظهر من كلام المنكرين ؛ حيث ينكرون استصحاب حياة زيد بعد غيبته عن النظر ، والبلد المبنيّ على ساحل البحر ، ومن كلام المثبتين حيث يستدلّون يتوقّف نظام معاش الناس ومعادهم على الاستصحاب.

المحكي عن الأخباريين اختصاص النزاع بالشبهة الحكميّة

ويحكى عن الأخباريّين اختصاص الخلاف بالثاني ، وهو الذي صرّح به المحدّث البحراني (٢) ، ويظهر من كلام المحدّث الأسترابادي ،

__________________

(١) العنوان منّا.

(٢) انظر الحدائق ١ : ٥٢ و ١٤٣ ، والدرر النجفيّة : ٣٤.

٤٣

حيث قال في فوائده :

كلام المحدّث الأسترابادي في الفوائد المدنية

اعلم أنّ للاستصحاب صورتين معتبرتين باتّفاق الامّة ، بل أقول : اعتبارهما من ضروريّات الدين.

إحداهما : أنّ الصحابة وغيرهم كانوا يستصحبون ما جاء به نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى أن يجيء ناسخه.

الثانية : أنّا نستصحب كلّ أمر من الامور الشرعيّة ـ مثل : كون الرجل مالك أرض ، وكونه زوج امرأة ، وكونه عبد رجل ، وكونه على وضوء ، وكون الثوب طاهرا أو نجسا ، وكون الليل أو النهار باقيا ، وكون ذمّة الإنسان مشغولة بصلاة أو طواف ـ إلى أن يقطع بوجود شيء جعله الشارع سببا لنقض تلك الامور (١). ثمّ ذلك الشيء قد يكون شهادة العدلين ، وقد يكون قول الحجّام المسلم أو من في حكمه ، وقد يكون قول القصّار أو من في حكمه ، وقد يكون بيع ما يحتاج إلى الذبح والغسل في سوق المسلمين ، وأشباه ذلك من الامور الحسّية (٢) ، انتهى.

ولو لا تمثيله باستصحاب الليل والنهار لاحتمل أن يكون معقد إجماعه الشكّ من حيث المانع وجودا أو منعا ، إلاّ أنّ الجامع بين جميع أمثلة الصورة الثانية ليس إلاّ الشبهة الموضوعيّة ، فكأنّه استثنى من محلّ الخلاف صورة واحدة من الشبهة الحكميّة ـ أعني الشكّ في النسخ ـ

__________________

(١) كذا في المصدر ، وفي «ص» : «سببا مزيلا لتلك الامور» ، وفي سائر النسخ : «سببا مزيلا لنقض تلك الامور» ، ولا يخفى ما فيه.

(٢) الفوائد المدنيّة : ١٤٣.

٤٤

وجميع صور الشبهة الموضوعيّة.

كلامه في الفوائد المكية

وأصرح من العبارة المذكورة في اختصاص محلّ الخلاف بالشبهة الحكميّة ، ما حكي عنه في الفوائد (١) أنّه قال ـ في جملة كلام له ـ : إنّ صور الاستصحاب المختلف فيه راجعة إلى أنّه إذا ثبت حكم بخطاب شرعيّ في موضوع في حال من حالاته نجريه في ذلك الموضوع عند زوال الحالة القديمة وحدوث نقيضها فيه. ومن المعلوم أنّه إذا تبدّل قيد موضوع المسألة بنقيض ذلك القيد اختلف موضوع المسألتين ، فالذي سمّوه استصحابا راجع في الحقيقة إلى إسراء حكم لموضوع إلى موضوع آخر متّحد معه بالذات مختلف بالقيد والصفات (٢) ، انتهى.

الثاني :

الشكّ في البقاء قد يكون مع تساوي الطرفين وقد يكون مع رجحان البقاء أو الارتفاع

من حيث إنّ الشكّ بالمعنى الأعمّ الذي هو المأخوذ في تعريف الاستصحاب :

قد يكون مع تساوي الطرفين ، وقد يكون مع رجحان البقاء ، أو الارتفاع.

ولا إشكال في دخول الأوّلين في محلّ النزاع ، وأمّا الثالث فقد يتراءى من بعض كلماتهم عدم وقوع الخلاف فيه.

قال شارح المختصر : معنى استصحاب الحال أنّ الحكم الفلاني قد

__________________

(١) أي : الفوائد المكّية.

(٢) الفوائد المكّية (مخطوط) : الورقة ١٠٣ ، وحكاه عنه الفاضل التوني في الوافية : ٢١٢ ، وورد هذا المضمون في الفوائد المدنيّة : ١٤٣ ، أيضا.

٤٥

كان ولم يظنّ عدمه ، وكلّ ما كان كذلك فهو مظنون البقاء ، وقد اختلف في صحّة الاستدلال به لإفادته الظنّ ، وعدمها لعدم إفادته (١) ، انتهى.

محلّ الخلاف في هذه الصور

والتحقيق : أنّ محلّ الخلاف إن كان في اعتبار الاستصحاب من باب التعبّد والطريق الظاهريّ ، عمّ صورة الظنّ الغير المعتبر بالخلاف. وإن كان من باب إفادة الظنّ ـ كما صرّح به شارح المختصر ـ فإن كان من باب الظنّ الشخصيّ ، كما يظهر من كلمات بعضهم ـ كشيخنا البهائيّ في الحبل المتين (٢) وبعض من تأخّر عنه (٣) ـ كان محلّ الخلاف في غير صورة الظنّ بالخلاف ؛ إذ مع وجوده لا يعقل ظنّ البقاء ، وإن كان من باب إفادة نوعه الظنّ لو خلّي وطبعه ـ وإن عرض لبعض أفراده ما يسقطه عن إفادة الظنّ ـ عمّ الخلاف صورة الظنّ بالخلاف أيضا.

ويمكن أن يحمل كلام العضديّ على إرادة أنّ الاستصحاب من شأنه بالنوع أن يفيد الظنّ عند فرض عدم الظنّ بالخلاف ، وسيجيء زيادة توضيح لذلك (٤) إن شاء الله.

الثالث :

الشكّ إمّا في المقتضي وإمّا في الرافع

من حيث إنّ الشكّ في بقاء المستصحب :

قد يكون من جهة المقتضي ، والمراد به : الشكّ من حيث استعداده

__________________

(١) شرح مختصر الاصول ٢ : ٤٥٣.

(٢) تقدّم كلامه في الصفحة ٢١.

(٣) يعني به شارح الدروس ، المحقّق الخوانساري ، انظر الصفحة ٢٢.

(٤) انظر الصفحة ٨٧.

٤٦

وقابليّته في ذاته للبقاء ، كالشكّ في بقاء الليل والنهار وخيار الغبن بعد الزمان الأوّل.

أقسام الشكّ من جهة الرافع

وقد يكون من جهة طروّ الرافع مع القطع باستعداده للبقاء ، وهذا على أقسام : لأنّ الشكّ إمّا في وجود الرافع ، كالشكّ في حدوث البول ، وإمّا أن يكون في رافعيّة الموجود ؛ إمّا لعدم تعيّن المستصحب وتردّده بين ما يكون الموجود رافعا (١) وبين ما لا يكون ، كفعل الظهر المشكوك كونه رافعا لشغل الذمّة بالصلاة المكلّف بها قبل العصر يوم الجمعة من جهة تردّده بين الظهر والجمعة ، وإمّا للجهل بصفة الموجود من كونه رافعا كالمذي ، أو مصداقا لرافع معلوم المفهوم كالرطوبة المردّدة بين البول والودي ، أو مجهول المفهوم.

محل الخلاف من هذه الأقسام

ولا إشكال في كون ما عدا الشكّ في وجود الرافع محلا للخلاف ، وإن كان ظاهر استدلال بعض المثبتين : بأنّ المقتضي للحكم الأوّل موجود (٢) ... إلى آخره ، يوهم الخلاف.

وأمّا هو فالظاهر أيضا وقوع الخلاف فيه ؛ كما يظهر من إنكار السيّد قدس‌سره للاستصحاب في البلد المبنيّ على ساحل البحر ، وزيد الغائب عن النظر (٣) ، وأنّ الاستصحاب لو كان حجّة لكان بيّنة النافي أولى ؛ لاعتضادها بالاستصحاب.

وكيف كان ، فقد يفصّل بين كون الشكّ من جهة المقتضي وبين

__________________

(١) كذا في النسخ ، والمناسب : «رافعا له».

(٢) كما في المعارج : ٢٠٦.

(٣) الذريعة ٢ : ٨٣٢ و ٨٣٣.

٤٧

كونه من جهة الرافع ، فينكر الاستصحاب في الأوّل.

وقد يفصّل في الرافع بين الشكّ في وجوده والشكّ في رافعيّته ، فينكر الثاني مطلقا ، أو إذا لم يكن الشكّ في المصداق الخارجي.

هذه جملة ما حضرني من كلمات الأصحاب.

والمتحصّل منها في بادئ النظر أحد عشر قولا :

٤٨

[الأقوال في حجّية الاستصحاب](١)

الأوّل : القول بالحجّية مطلقا.

الثاني : عدمها مطلقا.

الثالث : التفصيل بين العدميّ والوجوديّ.

الرابع : التفصيل بين الامور الخارجيّة وبين الحكم الشرعيّ مطلقا ، فلا يعتبر في الأوّل.

الخامس : التفصيل بين الحكم الشرعيّ الكلّي وغيره ، فلا يعتبر في الأوّل إلاّ في عدم النسخ.

السادس : التفصيل بين الحكم الجزئي وغيره ، فلا يعتبر في غير الأوّل ، وهذا هو الذي تقدّم أنّه ربما يستظهر من كلام المحقّق الخوانساري في حاشية شرح (٢) الدروس (٣) ، على ما حكاه السيّد في

__________________

(١) العنوان منّا.

(٢) لم ترد «شرح» في (ت).

(٣) راجع الصفحة ٣٥.

٤٩

شرح الوافية (١).

السابع : التفصيل بين الأحكام الوضعيّة ـ يعني نفس الأسباب والشروط والموانع ـ والأحكام التكليفيّة التابعة لها ، وبين غيرها من الأحكام الشرعيّة ، فيجري في الأوّل دون الثاني (٢).

الثامن : التفصيل بين ما ثبت بالإجماع وغيره، فلا يعتبر في الأوّل.

التاسع : التفصيل بين كون المستصحب ممّا ثبت بدليله أو من الخارج استمراره فشكّ في الغاية الرافعة له ، وبين غيره ، فيعتبر في الأوّل دون الثاني ، كما هو ظاهر المعارج (٣).

العاشر : هذا التفصيل مع اختصاص الشكّ بوجود الغاية ، كما هو الظاهر من المحقّق السبزواري فيما سيجيء من كلامه (٤).

الحادي عشر : زيادة الشكّ في مصداق الغاية من جهة الاشتباه المصداقيّ دون المفهوميّ ، كما هو ظاهر ما سيجيء من المحقّق الخوانساري (٥).

ثمّ إنّه لو بني على ملاحظة ظواهر كلمات من تعرّض لهذه المسألة

__________________

(١) لم ترد «وهذا هو الذي ـ إلى ـ شرح الوافية» في (ه) ، وكتب فوقها في (ص): «زائد». وانظر شرح الوافية (مخطوط) : ٣٣٩.

(٢) لم ترد «التفصيل ـ إلى ـ دون الثاني» في (ظ) ، وورد بدلها : «التفصيل بين الكلّي التكليفي الغير التابع للحكم الوضعي وغيره ، فلا يعتبر في الأوّل».

(٣) المعارج : ٢٠٩ ـ ٢١٠.

(٤) سيأتي كلامه في الصفحة ١٦٥ ـ ١٦٦.

(٥) سيأتي كلامه في الصفحة ١٦٩ ـ ١٧٧.

٥٠

في الاصول والفروع ، لزادت الأقوال على العدد المذكور بكثير (١) ، بل يحصل لعالم واحد قولان أو أزيد في المسألة ، إلاّ أنّ صرف الوقت في هذا ممّا لا ينبغي.

[أقوى الأقوال في الاستصحاب](٢)

مختار المصنّف والمحقّق حجّية الاستصحاب عند الشكّ في الرافع دون المقتضي

والأقوى : هو القول التاسع ، وهو الذي اختاره المحقّق ، فإنّ المحكيّ عنه في المعارج (٣) أنّه قال :

إذا ثبت حكم في وقت ، ثمّ جاء وقت آخر ولم يقم دليل على انتفاء ذلك الحكم ، هل يحكم ببقائه ما لم يقم دلالة على نفيه؟ أم يفتقر الحكم في الوقت الثاني إلى دلالة؟

كلام المحقق في المعارج

حكي عن المفيد قدس‌سره : أنّه يحكم ببقائه (٤) ، وهو المختار. وقال المرتضى قدس‌سره : لا يحكم (٥).

__________________

(١) للوقوف على سائر الأقوال ، انظر «خزائن الاصول» للفاضل الدربندي ، فنّ الاستصحاب ، الصفحة ١٦ ـ ١٨ ، وادّعى بعضهم : أنّ الأقوال ترتقي إلى نيّف وخمسين ، انظر وسيلة الوسائل في شرح الرسائل للسيّد محمّد باقر اليزدي ، الصفحة ١٢ ، من مباحث الاستصحاب.

(٢) العنوان منّا.

(٣) حكاه عنه في المعالم : ٢٣٤ و ٢٣٥.

(٤) حكاه عنه الشيخ الطوسي في العدّة ٢ : ٧٥٦ ، وانظر التذكرة باصول الفقه (مصنّفات الشيخ المفيد) ٩ : ٤٥.

(٥) انظر الذريعة ٢ : ٨٢٩.

٥١

ثمّ مثّل بالمتيمّم الواجد للماء في أثناء الصلاة ، ثمّ احتجّ للحجّية بوجوه ، منها : أنّ المقتضي للحكم الأوّل موجود ، ثمّ ذكر أدلّة المانعين وأجاب عنها.

ثمّ قال : والذي نختاره : أن ننظر في دليل ذلك الحكم ، فإن كان يقتضيه مطلقا وجب الحكم باستمرار الحكم ، ك : «عقد النكاح» ، فإنّه يوجب حلّ الوطء مطلقا ، فإذا وقع الخلاف في الألفاظ التي يقع بها الطلاق ، فالمستدلّ على أنّ الطلاق لا يقع بها لو قال : «حلّ الوطء ثابت قبل النطق بهذه الألفاظ ، فكذا بعده» كان صحيحا ؛ لأنّ المقتضي للتحليل ـ وهو العقد ـ اقتضاه مطلقا ، ولا يعلم أنّ الألفاظ المذكورة رافعة لذلك الاقتضاء ، فيثبت الحكم عملا بالمقتضي.

لا يقال : إنّ المقتضي هو العقد ، ولم يثبت أنّه باق.

لأنّا نقول : وقوع العقد اقتضى حلّ الوطء لا مقيّدا بوقت ، فيلزم دوام الحلّ ؛ نظرا إلى وقوع المقتضي ، لا إلى دوامه ، فيجب أن يثبت الحلّ حتّى يثبت الرافع.

ثمّ قال : فإن كان الخصم يعني بالاستصحاب ما أشرنا إليه فليس هذا عملا بغير دليل ، وإن كان يعني أمرا آخر وراء هذا فنحن مضربون عنه (١) ، انتهى.

ويظهر من صاحب المعالم اختياره ؛ حيث جعل هذا القول من المحقّق نفيا لحجّية الاستصحاب (٢) ، فيظهر أنّ الاستصحاب المختلف فيه غيره.

__________________

(١) المعارج : ٢٠٦ ـ ٢١٠ ، مع اختلاف يسير.

(٢) المعالم : ٢٣٥.

٥٢

[الاستدلال على القول المختار](١)

الاستدلال على المختار بوجوه

لنا على ذلك وجوه :

١ ـ ظهور كلمات جماعة في الاتّفاق عليه.

الأوّل : ظهور كلام جماعة في الاتّفاق عليه.

فمنها : ما عن المبادئ ، حيث قال : الاستصحاب حجّة ؛ لإجماع الفقهاء على أنّه متى حصل حكم ، ثمّ وقع الشكّ في أنّه طرأ ما يزيله أم لا؟ وجب الحكم ببقائه على ما كان أوّلا ، ولو لا القول بأنّ الاستصحاب حجّة ، لكان ترجيحا لأحد طرفي الممكن من غير مرجّح (٢) ، انتهى.

ومراده وإن كان الاستدلال به على حجّية مطلق الاستصحاب ، بناء على ما ادّعاه : من أنّ الوجه في الإجماع على الاستصحاب مع الشكّ في طروّ المزيل ، هو اعتبار الحالة السابقة مطلقا ، لكنّه ممنوع ؛ لعدم الملازمة ، كما سيجيء (٣).

ونظير هذا ما عن النهاية : من أنّ الفقهاء بأسرهم ـ على كثرة اختلافهم ـ اتّفقوا على أنّا متى تيقّنا حصول شيء وشككنا في حدوث المزيل له أخذنا بالمتيقّن ، وهو عين الاستصحاب ؛ لأنّهم رجّحوا بقاء الباقي على حدوث الحادث (٤).

__________________

(١) العنوان منّا.

(٢) مبادئ الوصول إلى علم الاصول : ٢٥١.

(٣) انظر الصفحة ٥٤ و ٨٢.

(٤) نهاية الوصول (مخطوط) : ٤١٠ و ٤١١.

٥٣

ومنها : تصريح صاحب المعالم (١) والفاضل الجواد (٢) : بأنّ ما ذكره المحقّق أخيرا في المعارج (٣) راجع إلى قول السيّد المرتضى المنكر للاستصحاب (٤) ؛ فإنّ هذه شهادة منهما على خروج ما ذكره المحقّق عن مورد النزاع وكونه موضع وفاق. إلاّ أنّ في صحّة هذه الشهادة نظرا ؛ لأنّ ما مثّل في المعارج من الشكّ في الرافعيّة من (٥) مثال النكاح (٦) هو بعينه ما أنكره الغزالي ومثّل له بالخارج من غير السبيلين (٧) ؛ فإنّ الطهارة كالنكاح في أنّ سببها مقتض لتحقّقه (٨) دائما إلى أن يثبت الرافع.

٢ ـ الاستقراء

الثاني : أنّا تتبّعنا موارد الشكّ في بقاء الحكم السابق المشكوك من جهة الرافع ، فلم نجد من أوّل الفقه إلى آخره موردا إلاّ وحكم الشارع فيه بالبقاء ، إلاّ مع أمارة توجب الظنّ بالخلاف ، كالحكم بنجاسة الخارج قبل الاستبراء ؛ فإنّ الحكم بها ليس لعدم اعتبار الحالة السابقة ـ وإلاّ لوجب الحكم بالطهارة لقاعدة الطهارة ـ بل لغلبة بقاء جزء من البول

__________________

(١) المعالم : ٢٣٥.

(٢) غاية المأمول (مخطوط) : الورقة ١٣٠.

(٣) المعارج : ٢١٠.

(٤) الذريعة ٢ : ٨٢٩.

(٥) في (ظ) بدل «من» : «و».

(٦) المعارج : ٢٠٩.

(٧) المستصفى ١ : ٢٢٤ ، وليس فيه مثال «الخارج من غير السبيلين» ، نعم حكى تمثيله بذلك في نهاية الوصول ، كما سيأتي في الصفحة ١٥١.

(٨) كذا في النسخ ، والمناسب : «لتحقّقها» ؛ لرجوع الضمير إلى الطهارة.

٥٤

أو المنيّ في المخرج ، فرجّح هذا الظاهر على الأصل ، كما في غسالة الحمّام عند بعض ، والبناء على الصحّة المستندة إلى ظهور فعل المسلم.

والإنصاف : أنّ هذا الاستقراء يكاد يفيد القطع ، وهو أولى من الاستقراء الذي ذكر غير واحد ـ كالمحقّق البهبهاني (١) وصاحب الرياض (٢) ـ : أنّه المستند في حجّية شهادة العدلين على الإطلاق.

الثالث : الأخبار المستفيضة

٢ ـ السنّة

١ ـ صحيحة زرارة الاولى :

منها : صحيحة زرارة ـ ولا يضرّها الإضمار ـ «قال : قلت له : الرجل ينام وهو على وضوء ، أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء؟

قال : يا زرارة ، قد تنام العين ولا ينام القلب والاذن ، فإذا نامت العين والاذن (٣) فقد وجب الوضوء.

قلت : فإن حرّك إلى (٤) جنبه شيء ، وهو لا يعلم؟

قال : لا ، حتّى يستيقن أنّه قد نام ، حتّى يجيء من ذلك أمر بيّن ، وإلاّ فإنّه على يقين من وضوئه ، ولا ينقض اليقين أبدا بالشكّ ، ولكن ينقضه بيقين آخر» (٥).

__________________

(١) الرسائل الاصوليّة : ٤٢٩ ، والفوائد الحائرية : ٢٧٧.

(٢) الرياض (الطبعة الحجريّة) ١ : ٤٤٠ ، و ٢ : ٤٤١.

(٣) في المصدر زيادة : «والقلب».

(٤) كذا في التهذيب ، وفي الوسائل : «على جنبه».

(٥) التهذيب ١ : ٨ ، الحديث ١١ ، والوسائل ١ : ١٧٤ ، الباب الأوّل من أبواب نواقض الوضوء ، الحديث الأوّل.

٥٥

تقرير الاستدلال

وتقرير الاستدلال : أنّ جواب الشرط في قوله عليه‌السلام : «وإلاّ فإنّه على يقين» محذوف ، قامت العلّة مقامه لدلالتها عليه ، وجعلها نفس الجزاء يحتاج إلى تكلّف ، وإقامة العلّة مقام الجزاء لا تحصى كثرة في القرآن وغيره ، مثل قوله تعالى : (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى)(١) ، و (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ)(٢) ، و (مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ)(٣) ، و (مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ)(٤) ، و (فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ)(٥) ، و (إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ)(٦) ، و (إِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ)(٧) ، إلى غير ذلك.

معنى الرواية

فمعنى الرواية : إن لم يستيقن أنّه قد نام فلا يجب عليه الوضوء ؛ لأنّه على يقين من وضوئه في السابق ، وبعد إهمال تقييد اليقين بالوضوء وجعل العلّة نفس اليقين ، يكون قوله عليه‌السلام : «ولا ينقض اليقين» بمنزلة كبرى كلّية للصغرى المزبورة.

كون اللام في «اليقين» للجنس

هذا ، ولكنّ مبنى الاستدلال على كون اللام في «اليقين» للجنس ؛ إذ لو كانت للعهد لكانت الكبرى ـ المنضمّة إلى الصغرى ـ «ولا ينقض

__________________

(١) طه : ٧.

(٢) الزمر : ٧.

(٣) النمل : ٤٠.

(٤) آل عمران : ٩٧.

(٥) الأنعام : ٨٩.

(٦) يوسف : ٧٧.

(٧) فاطر : ٤.

٥٦

اليقين بالوضوء بالشكّ» ، فيفيد قاعدة كليّة في باب الوضوء ، وأنّه لا ينقض إلاّ باليقين بالحدث ، و «اللام» وإن كان ظاهرا في الجنس ، إلاّ أنّ سبق يقين الوضوء ربما يوهن الظهور المذكور ، بحيث لو فرض إرادة خصوص يقين الوضوء لم يكن بعيدا عن اللفظ. مع احتمال أن لا يكون قوله عليه‌السلام : «فإنّه على يقين» علّة قائمة مقام الجزاء ، بل يكون الجزاء مستفادا من قوله عليه‌السلام : «ولا ينقض» ، وقوله عليه‌السلام : «فإنّه على يقين» توطئة له ، والمعنى : أنّه إن لم يستيقن النوم فهو مستيقن لوضوئه السابق ، ويثبت على مقتضى يقينه ولا ينقضه ؛ فيخرج قوله : «لا ينقض» عن كونه بمنزلة الكبرى ، فيصير عموم اليقين وإرادة الجنس منه أوهن.

لكنّ الإنصاف : أنّ الكلام مع ذلك لا يخلو عن ظهور ، خصوصا بضميمة الأخبار الأخر الآتية المتضمّنة لعدم نقض اليقين بالشكّ.

وربما يورد على إرادة العموم من اليقين : أنّ النفي الوارد على العموم لا يدلّ على السلب الكلّي (١).

وفيه : أنّ العموم مستفاد من الجنس في حيّز النفي ؛ فالعموم بملاحظة النفي كما في «لا رجل في الدار» ، لا في حيّزه كما في «لم آخذ كلّ الدراهم» ، ولو كان اللام لاستغراق الأفراد كان (٢) الظاهر (٣) ـ بقرينة

__________________

(١) هذا الإيراد محكيّ عن العلاّمة المجلسي ، انظر الحاشية على استصحاب القوانين للمصنّف : ١٥٨ ، وفي شرح الوافية : «إنّ الإيراد نقله بعض الفضلاء في رسالته المعمولة في الاستصحاب عن المجلسي» انظر شرح الوافية (مخطوط) : ٣٥٦.

(٢) في (ظ) هكذا : «ولو كان اللام للاستغراق كان لاستغراق الأفراد وكان».

(٣) في (ه): «ظاهرا».

٥٧

المقام والتعليل وقوله : «أبدا» ـ هو (١) إرادة عموم النفي ، لا نفي العموم.

وقد أورد على الاستدلال بالصحيحة بما لا يخفى جوابه على الفطن (٢).

والمهمّ في هذا الاستدلال إثبات إرادة الجنس من اليقين.

٢ ـ صحيحة زرارة الثانية

ومنها : صحيحة اخرى لزرارة ـ مضمرة أيضا ـ : «قال : قلت له (٣) : أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شيء من المني ، فعلّمت أثره إلى أن اصيب له الماء ، فأصبت ، فحضرت الصلاة ، ونسيت أنّ بثوبي شيئا وصلّيت ، ثمّ إنّي ذكرت بعد ذلك؟

قال عليه‌السلام : تعيد الصلاة وتغسله.

قلت : فإن لم أكن رأيت موضعه ، وعلمت أنّه قد أصابه ، فطلبته ولم أقدر عليه ، فلمّا صلّيت وجدته؟

قال عليه‌السلام : تغسله وتعيد.

قلت : فإن ظننت أنّه أصابه ولم أتيقّن ذلك ، فنظرت فلم أر شيئا فصلّيت ، فرأيت فيه؟

قال : تغسله ولا تعيد الصلاة.

قلت : لم ذلك؟

قال : لأنّك كنت على يقين من طهارتك فشككت ، وليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ أبدا.

__________________

(١) في (ت) و (ه) بدل «هو» : «في».

(٢) وقد أشار إلى جملة منها مع أجوبتها الفاضل الدربندي في خزائن الاصول ، فنّ الاستصحاب ، الورقة ١١.

(٣) لم ترد «له» في التهذيب وإحدى روايات الوسائل.

٥٨

قلت : فإنّي قد علمت أنّه قد أصابه ، ولم أدر أين هو فأغسله؟

قال : تغسل من ثوبك الناحية التي ترى أنّه قد أصابها ، حتّى تكون على يقين من طهارتك.

قلت : فهل عليّ إن شككت في أنّه أصابه شيء ، أن انظر فيه؟

قال : لا ، ولكنّك إنّما تريد أن تذهب بالشكّ (١) الذي وقع في نفسك.

قلت : إن رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة؟

قال : تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثمّ رأيته ، وإن لم تشكّ ثمّ رأيته رطبا قطعت الصلاة وغسلته ثمّ بنيت على الصلاة ؛ لأنّك لا تدري ، لعلّه شيء اوقع عليك ؛ فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ ... الحديث» (٢).

والتقريب : كما تقدّم في الصحيحة الاولى (٣) ، وإرادة الجنس من اليقين لعلّه أظهر هنا.

فقه الحديث ومورد الاستدلال :

وأمّا فقه الحديث ، فبيانه : أنّ مورد الاستدلال يحتمل وجهين :

__________________

(١) في المصدر بدل «بالشكّ» : «الشكّ».

(٢) التهذيب ١ : ٤٢١ ، الباب ٢٢ ، الحديث ١٣٣٥. وأورده في الوسائل ٢ : ١٠٦٣ ، الباب ٤٢ من أبواب النجاسات ، الحديث ٢ ، و ١٠٦١ ، الباب ٤١ من الأبواب ، الحديث الأول ، و ١٠٠٦ ، الباب ٧ من الابواب ، الحديث ٢ ، و ١٠٥٣ ، الباب ٣٧ من الأبواب ، الحديث الأوّل ، و ١٠٦٥ ، الباب ٤٤ من الابواب ، الحديث الأوّل.

(٣) راجع الصفحة ٥٦.

٥٩

أحدهما : أن يكون مورد السؤال فيه أن رأى بعد الصلاة نجاسة يعلم أنّها هي التي خفيت عليه قبل الصلاة ، وحينئذ فالمراد : اليقين بالطهارة قبل ظنّ الإصابة ، والشكّ حين إرادة الدخول في الصلاة.

لكن ، عدم نقض ذلك اليقين بذلك الشكّ إنّما يصلح علّة لمشروعيّة الدخول في العبادة المشروطة بالطهارة مع الشكّ فيها ، وأنّ الامتناع عن الدخول فيها نقض لآثار تلك الطهارة المتيقّنة ، لا لعدم وجوب الإعادة على من تيقّن أنّه صلّى في النجاسة ـ كما صرّح (١) به السيّد الشارح للوافية (٢) ـ إذ الإعادة ليست نقضا لأثر الطهارة المتيقّنة بالشكّ ، بل هو نقض باليقين ؛ بناء على أنّ من آثار حصول اليقين بنجاسة الثوب حين الصلاة ولو بعدها وجوب إعادتها.

وربما يتخيّل (٣) : حسن التعليل لعدم الإعادة ؛ بملاحظة (٤) اقتضاء امتثال الأمر الظاهري للإجزاء ، فيكون الصحيحة من حيث تعليلها دليلا على تلك القاعدة وكاشفة عنها.

وفيه : أنّ ظاهر قوله : «فليس ينبغي» ، يعني ليس ينبغي لك الإعادة لكونه نقضا ، كما أنّ ظاهر (٥) قوله عليه‌السلام في الصحيحة الاولى (٦) :

__________________

(١) في (ه) و (ظ) بدل «صرّح» : «جزم».

(٢) شرح الوافية (مخطوط) : ٣٦١.

(٣) هذا التخيّل من شريف العلماء (استاذ المصنّف) ، انظر تقريرات درسه في ضوابط الاصول : ٣٥٤.

(٤) في (ظ) بدل «لعدم الإعادة بملاحظة» : «بموجب».

(٥) «ظاهر» من (ص).

(٦) «الاولى» من (ت) و (ه).

٦٠