فرائد الأصول - ج ٣

الشيخ مرتضى الأنصاري

فرائد الأصول - ج ٣

المؤلف:

الشيخ مرتضى الأنصاري

المحقق: لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم المترجم:
الموضوع : أصول الفقه الناشر: مجمع الفكر الاسلامي المطبعة: خاتم الأنبياء ISBN: 964-5662-04-4
نسخة غير مصححة

بقي الكلام في أصالة الصحّة في الأقوال والاعتقادات

أصالة الصحّة في الأقوال

أمّا الأقوال ، فالصحّة فيها تكون من وجهين :

الأوّل : من حيث كونه حركة من حركات المكلّف ، فيكون الشكّ من حيث كونه مباحا أو محرّما. ولا إشكال في الحمل على الصحّة من هذه الحيثيّة.

الثاني : من حيث كونه كاشفا عن مقصود المتكلّم.

والشكّ من هذه الحيثيّة يكون من وجوده :

أحدها : من جهة أنّ المتكلّم بذلك القول قصد الكشف بذلك عن معنى ، أم لم يقصد ، بل تكلّم به من غير قصد لمعنى؟ ولا إشكال في أصالة الصحّة من هذه الحيثيّة بحيث لو ادّعى كون التكلّم لغوا أو غلطا لم يسمع منه.

الثاني : من جهة أنّ المتكلّم صادق في اعتقاده ومعتقد بمؤدّى ما يقوله ، أم هو كاذب في هذا التكلّم في اعتقاده؟ ولا إشكال في أصالة الصحّة هنا أيضا. فإذا أخبر بشيء جاز نسبة اعتقاد مضمون الخبر إليه ، ولا يسمع دعوى أنّه غير معتقد لما يقوله. وكذا إذا قال : افعل كذا ، جاز أن يسند إليه أنّه طالبه في الواقع ، لا أنّه مظهر للطلب صورة لمصلحة كالتوطين ، أو لمفسدة (١). وهذان الأصلان ممّا قامت عليهما السيرة القطعيّة ، مع إمكان إجراء ما سلف : من أدلّة تنزيه فعل

__________________

(١) في (ظ) ونسخة بدل (ص) بدل «مظهر ـ إلى ـ لمفسدة» : «كاذب في إظهار الطلب».

٣٨١

المسلم عن القبيح في المقام. لكنّ المستند فيه ليس تلك الأدلّة.

الثالث : من جهة كونه صادقا في الواقع أو كاذبا. وهذا معنى حجّيّة خبر المسلم لغيره ، فمعنى حجّيّة خبره صدقه. والظاهر عدم الدليل على وجوب الحمل على الصحيح بهذا المعنى ، والظاهر عدم الخلاف في ذلك ؛ إذ لم يقل أحد بحجّيّة كلّ خبر صدر من مسلم ، ولا دليل يفي بعمومه عليه ، حتّى نرتكب دعوى خروج ما خرج بالدليل (١).

وربما يتوهّم : وجود الدليل العامّ ، من مثل الأخبار المتقدّمة (٢) الآمرة بوجوب حمل أمر المسلم على أحسنه ، وما دلّ على وجوب تصديق المؤمن وعدم اتّهامه عموما ، وخصوص قوله عليه‌السلام : «إذا شهد عندك المسلمون فصدّقهم» ، وغير ذلك ممّا ذكرنا في بحث حجّيّة خبر الواحد ، وذكرنا عدم دلالتها (٣).

مع أنّه لو فرض دليل عامّ على حجّيّة خبر كلّ مسلم ، كان الخارج منه أكثر من الداخل ؛ لقيام الإجماع على عدم اعتباره في الشهادات ولا في الروايات إلاّ مع شروط خاصّة ، ولا في الحدسيّات والنظريّات إلاّ في موارد خاصّة ، مثل الفتوى وشبهها.

نعم يمكن أن يدّعى : أنّ الأصل في خبر العدل الحجّيّة ؛ لجملة

__________________

(١) في أكثر النسخ زيادة : «من الداخل» ، ولكنّها لم ترد في (ن) ، وشطب عليها في (خ).

(٢) المتقدّمة في الصفحة ٣٤٦ ـ ٣٤٧.

(٣) راجع مبحث الظنّ ١ : ٢٩١ ـ ٢٩٥.

٣٨٢

ممّا (١) ذكرناه في أخبار الآحاد ، وذكرنا ما يوجب تضعيف ذلك ، فراجع (٢).

أصالة الصحّة في الاعتقادات

وأمّا الاعتقادات ، فنقول :

إذا كان الشكّ في أنّ اعتقاده ناش عن مدرك صحيح من دون تقصير عنه في مقدّماته ، أو من مدرك فاسد لتقصير منه في مقدّماته ، فالظاهر وجوب الحمل على الصحيح ؛ لظاهر بعض ما مرّ : من وجوب حمل امور المسلمين على الحسن دون القبيح.

وأمّا إذا شكّ في صحّته بمعنى المطابقة للواقع ، فلا دليل على وجوب الحمل على ذلك ، ولو ثبت ذلك أوجب حجّيّة كلّ خبر أخبر به المسلم ؛ لما عرفت (٣) : من أنّ الأصل في الخبر كونه كاشفا عن اعتقاد المخبر.

أمّا لو ثبت حجّيّة خبره :

فقد يعلم أنّ العبرة باعتقاده بالمخبر به ، كما في المفتي وغيره ممّن يعتبر نظره في المطلب ، فيكون خبره كاشفا عن الحجّة لا نفسها.

وقد يعلم من الدليل حجّيّة خصوص إخباره بالواقع ، حتّى لا يقبل منه قوله : اعتقد بكذا.

وقد يدلّ الدليل على حجّيّة خصوص شهادته المتحقّقة تارة بالإخبار عن الواقع ، واخرى بالإخبار بعلمه.

__________________

(١) في (ت) و (ه) بدل «ممّا» : «ما».

(٢) راجع مبحث الظنّ ١ : ٢٥٤ ـ ٢٦٢.

(٣) في الصفحة ٣٨١.

٣٨٣

والمتّبع في كلّ مورد ما دلّ عليه الدليل ، وقد يشتبه مقدار دلالة الدليل.

ويترتّب على ما ذكرنا قبول تعديلات أهل الرجال المكتوبة في كتبهم ، وصحّة التعويل في العدالة على اقتداء العدلين.

٣٨٤

المقام الثاني

في بيان تعارض الاستصحاب مع القرعة

تقدم الاستصحاب على القرعة

وتفصيل القول فيها يحتاج إلى بسط لا يسعه الوقت ، ومجمل القول فيها :

أنّ ظاهر أخبارها أعمّ من جميع أدلّة الاستصحاب ؛ فلا بدّ من تخصيصها بها ، فيختصّ القرعة بموارد لا يجري فيها الاستصحاب (١).

تعارض القرعة مع سائر الأصول

نعم ، القرعة واردة على أصالة التخيير ، وأصالتي الإباحة والاحتياط إذا كان مدركهما العقل ، وإن كان مدركهما تعبّد الشارع بهما في مواردهما فدليل القرعة حاكم عليهما ، كما لا يخفى.

__________________

(١) في حاشية (ص) زيادة ، كتب في آخرها : «نسخة» ، وهي ما يلي : «لا يجري فيها الاصول الثلاثة ، أعني : البراءة والاحتياط والاستصحاب ، فلو دار المائع بين الخلّ والخمر ، لم يكن موردا للقرعة ؛ لجريان أصالة البراءة والإباحة ، وكذا الشبهة المحصورة ؛ لجريان دليل الاحتياط ، إلاّ إذا تعسّر الاحتياط ، كما هو محمل رواية القرعة الواردة في قطيع غنم علم بحرمة نعجة فيها ، وكذا لو دار الأمر بين الطهارة والحدث حتّى مع اشتباه المتأخّر».

٣٨٥

لكن ذكر في محلّه (١) : أنّ أدلّة القرعة لا يعمل بها بدون جبر عمومها بعمل الأصحاب أو جماعة منهم ، والله العالم.

٣٨٦

المقام الثالث

في تعارض الاستصحاب مع ما عداه من الاصول العمليّة

أعني : أصالة البراءة وأصالة الاشتغال وأصالة التخيير

[الأوّل : تعارض البراءة مع الاستصحاب](١)

تقدّم الاستصحاب وغيره من الأدلّة والاصول على أصالة البراءة

أمّا أصالة البراءة ، فلا تعارض الاستصحاب ولا غيره من الاصول والأدلّة ، سواء كان مدركها العقل أو النقل.

أمّا العقل ، فواضح ؛ لأنّ العقل لا يحكم بقبح العقاب إلاّ مع عدم الدليل على التكليف واقعا أو ظاهرا.

وأمّا النقل ، فما كان منه مساوقا لحكم العقل فقد اتّضح أمره ، والاستصحاب وارد عليه (٢).

وأمّا مثل قوله عليه‌السلام : «كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي» (٣) ،

__________________

(١) العنوان منّا.

(٢) لم ترد «والاستصحاب وارد عليه» في (ظ) ، وفي (ت) وردت في الحاشية مكتوبا عليها : «خ».

(٣) الوسائل ٤ : ٩١٧ ، الباب ١٩ من أبواب القنوت ، الحديث ٣.

٣٨٧

فقد يقال : إنّ مورد الاستصحاب خارج منه ؛ لورود النهي في المستصحب ولو بالنسبة إلى الزمان السابق.

وفيه : أنّ الشيء المشكوك في بقاء حرمته لم يرد نهي عن ارتكابه في هذا الزمان ، فلا بدّ من أن يكون مرخّصا فيه. فعصير العنب بعد ذهاب ثلثيه بالهواء لم يرد فيه نهي ، وورود النهي عن شربه قبل ذهاب الثلثين لا يوجب المنع عنه بعده ، كما أنّ وروده في مطلق العصير باعتبار وروده في بعض أفراده لو كفى في الدخول في ما بعد الغاية ، لدلّ على المنع عن كلّ كليّ ورد المنع عن بعض أفراده.

والفرق في الأفراد بين ما كان تغايرها (١) بتبدّل الأحوال والزمان دون غيرها ، شطط من الكلام. ولهذا لا إشكال في الرجوع إلى البراءة مع عدم القول باعتبار الاستصحاب.

ويتلوه في الضعف ما يقال : من أنّ النهي الثابت بالاستصحاب عن نقض اليقين ، نهي وارد في رفع (٢) الرخصة.

وجه الضعف : أنّ الظاهر من الرواية بيان الرخصة في الشيء الذي لم يرد فيه نهي من حيث عنوانه الخاصّ ، لا من حيث إنّه مشكوك الحكم ، وإلاّ فيمكن العكس بأن يقال : إنّ النهي عن النقض في مورد عدم ثبوت الرخصة بأصالة الإباحة ، فيختصّ الاستصحاب بما لا يجري فيه أصالة البراءة ، فتأمّل (٣).

__________________

(١) كذا في (ظ) ونسخة بدل (ت) ، وفي غيرهما بدل «تغايرها» : «تغيّرها».

(٢) في (خ) بدل «في رفع» : «فيرفع».

(٣) لم ترد «فتأمّل» في (ر).

٣٨٨

حكومة دليل الاستصحاب على قوله عليه‌السلام : «كلّ شيء مطلق حتى يرد فيه نهي»

فالأولى في الجواب أن يقال : إنّ دليل الاستصحاب بمنزلة معمّم للنهي السابق بالنسبة إلى الزمان اللاحق ، فقوله : «لا تنقض اليقين بالشكّ» يدلّ على أنّ النهي الوارد لا بدّ من إبقائه وفرض عمومه للزمان اللاحق وفرض الشيء في الزمان اللاحق ممّا ورد فيه النهي أيضا. فمجموع الرواية المذكورة ودليل الاستصحاب بمنزلة أن يقول : كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي ، وكلّ نهي ورد في شيء فلا بدّ من تعميمه لجميع أزمنة احتماله ، فيكون الرخصة في الشيء وإطلاقه. مغيّا بورود النهي ، المحكوم عليه بالدوام وعموم الأزمان ، فكان مفاد الاستصحاب نفي ما يقتضيه الأصل الآخر في مورد الشكّ لو لا النهي ، وهذا معنى الحكومة ، كما سيجيء في باب التعارض (١).

ولا فرق فيما ذكرنا بين الشبهة الحكميّة والموضوعيّة ، بل الأمر في الشبهة الموضوعيّة أوضح ؛ لأنّ الاستصحاب الجاري فيها جار في الموضوع ، فيدخل في الموضوع المعلوم الحرمة.

مثلا : استصحاب عدم ذهاب ثلثي العصير عند الشكّ في بقاء حرمته لأجل الشكّ في الذهاب ، يدخله في العصير قبل ذهاب ثلثيه المعلوم حرمته بالأدلّة ، فيخرج عن قوله : «كلّ شيء حلال حتّى تعلم أنّه حرام».

الإشكال في بعض أخبار أصالة البراءة في الشبهة الموضوعيّة

نعم ، هنا إشكال في بعض أخبار أصالة البراءة في الشبهة الموضوعيّة ، وهو قوله عليه‌السلام في الموثّقة : «كلّ شيء لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك ، وذلك مثل الثوب عليك (٢) ولعلّه

__________________

(١) انظر مبحث التعادل والتراجيح ٤ : ١٣.

(٢) في المصدر : «يكون عليك قد اشتريته».

٣٨٩

سرقة ، والمملوك عندك ولعلّه حرّ قد باع نفسه أو قهر (١) فبيع ، أو امرأة تحتك وهي اختك أو رضيعتك. والأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غيره ، أو تقوم به البيّنة» (٢).

فإنّه قد استدلّ بها جماعة ، كالعلاّمة ـ في التذكرة (٣) ـ وغيره (٤) على أصالة الإباحة ، مع أنّ أصالة الإباحة هنا معارضة باستصحاب حرمة التصرّف في هذه الأشياء المذكورة في الرواية ، كأصالة عدم التملّك في الثوب ، والحريّة في المملوك ، وعدم تأثير العقد في الامرأة. ولو اريد من الحلّيّة في الرواية ما يترتّب على أصالة الصحّة في شراء الثوب والمملوك ، وأصالة عدم تحقّق النسب (٥) والرضاع في المرأة ، كان خروجا عن الإباحة الثابتة بأصالة الإباحة ، كما هو ظاهر الرواية (٦). وقد ذكرنا

__________________

(١) في المصدر بدل «أو قهر فبيع» : «أو خدع فبيع قهرا».

(٢) الوسائل ١٢ : ٦٠ ، الباب ٤ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ٤.

(٣) التذكرة (الطبعة الحجريّة) ١ : ٥٨٨.

(٤) كالوحيد البهبهاني في الرسائل الاصوليّة : ٣٩٩ ، والفاضل النراقي في المناهج : ٢١١ و ٢١٦.

(٥) في نسخة بدل (ص) بدل «النسب» : «الحلّ».

(٦) في (خ) زيادة كتب عليها : «زائد» ، وشطب عليها في (ت) ، وهي ما يلي : «إلاّ أن يقال : إنّ إباحة العقد على الثوب والمملوك والمرأة المستفادة من مثل : (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ) وقوله تعالى : (أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ) مطابقة لمقتضى الأصل ، فالمراد إباحة هذه الأعيان من حيث إباحة تملّكها بالعقد ، ويقابله المحرّمات بهذا الاعتبار كالمحارم ، وهذا الأصل حاكم على أصل له عدم تأثر العقد ، فافهم».

٣٩٠

في مسألة أصالة البراءة بعض الكلام في هذه الرواية ، فراجع (١) ، والله الهادي.

هذا كلّه حال قاعدة البراءة.

وأمّا استصحابها ، فهو لا يجامع استصحاب التكليف ؛ لأنّ الحالة السابقة إمّا وجود التكليف أو عدمه ، إلاّ على ما عرفت سابقا (٢) : من ذهاب بعض المعاصرين إلى إمكان تعارض استصحابي الوجود والعدم في موضوع (٣) واحد ، وتمثيله لذلك بمثل : صم يوم الخميس.

الثاني : تعارض قاعدة الاشتغال مع الاستصحاب

ورود الاستصحاب على قاعدة الاشتغال

ولا إشكال ـ بعد التأمّل ـ في ورود الاستصحاب عليها ؛ لأنّ المأخوذ في موردها بحكم العقل الشكّ في براءة الذمّة بدون الاحتياط ، فإذا قطع بها بحكم الاستصحاب فلا مورد للقاعدة. كما لو أجرينا استصحاب وجوب التمام أو القصر في بعض الموارد التي يقتضي الاحتياط الجمع فيها بين القصر والتمام ، فإنّ استصحاب وجوب أحدهما وعدم وجوب الآخر مبرئ قطعيّ لذمّة المكلّف عند الاقتصار على مستصحب الوجوب.

هذا حال القاعدة ، وأمّا استصحاب الاشتغال في مورد القاعدة

__________________

(١) راجع مبحث البراءة ٢ : ١٢٠.

(٢) راجع الصفحة ٢٠٨.

(٣) في نسخة بدل (ت): «موضع».

٣٩١

ـ على تقدير الإغماض عمّا ذكرنا سابقا (١) ، من أنّه غير مجد في مورد القاعدة لإثبات ما يثبته القاعدة ـ فسيأتي حكمها في تعارض الاستصحابين.

وحاصله : أنّ الاستصحاب الوارد على قاعدة الاشتغال حاكم على استصحابه.

الثالث : [تعارض قاعدة](٢) التخيير [مع الاستصحاب](٣)

ورود الاستصحاب على قاعدة التخيير

ولا يخفى ورود الاستصحاب عليه ؛ إذ لا يبقى معه التحيّر الموجب للتخيير. فلا يحكم بالتخيير بين الصوم والإفطار في اليوم المحتمل كونه من شوّال مع استصحاب عدم الهلال ، ولذا فرّع الإمام عليه‌السلام قوله : «صم للرؤية وأفطر للرؤية» على قوله : «اليقين لا يدخله الشكّ» (٤).

__________________

(١) راجع الصفحة ٢١٩ ـ ٢٢٠.

(٢ و ٣) الزيادة منّا.

(٤) تقدّم الحديث في الصفحة ٧١.

٣٩٢

[تعارض الاستصحابين](١)

وأمّا الكلام في تعارض الاستصحابين ، وهي المسألة المهمّة في باب تعارض الاصول التي اختلف فيها كلمات العلماء في الاصول والفروع (٢) ، كما يظهر بالتتبّع.

فاعلم : أنّ الاستصحابين المتعارضين ينقسمان إلى أقسام كثيرة من حيث كونهما موضوعيّين أو حكميّين أو مختلفين ، وجوديّين أو عدميّين أو مختلفين ، وكونهما في موضوع واحد أو موضوعين ، وكون تعارضهما بأنفسهما أو بواسطة أمر خارج ، إلى غير ذلك.

أقسام الاستصحابين المتعارضين

إلاّ أنّ الظاهر أنّ اختلاف هذه الأقسام لا يؤثّر في حكم المتعارضين إلاّ من جهة واحدة ، وهي : أنّ الشكّ في أحد الاستصحابين إمّا أن يكون مسبّبا عن الشكّ في الآخر من غير عكس ، وإمّا أن يكون الشكّ فيهما مسبّبا عن ثالث. وأمّا كون الشكّ في كلّ منهما مسبّبا عن الشكّ في الآخر فغير معقول.

__________________

(١) العنوان منّا.

(٢) لم ترد «والفروع» في (ظ).

٣٩٣

وما توهّم له (١) : من التمثيل بالعامّين من وجه ، وأنّ الشكّ في أصالة العموم في كلّ منهما مسبّب عن الشكّ في أصالة العموم في الآخر.

مندفع : بأنّ الشكّ في الأصلين مسبّب عن العلم الإجماليّ بتخصيص أحدهما.

وكيف كان ، فالاستصحابان المتعارضان على قسمين :

القسم الأوّل :

إذا كان الشكّ في أحدهما مسبّبا عن الشكّ في الآخر

ما إذا كان الشكّ في أحدهما مسبّبا عن الشكّ في الآخر ، واللازم تقديم الشكّ السببيّ وإجراء الاستصحاب فيه ، ورفع اليد عن الحالة السابقة للمستصحب الآخر.

تقدّم الاستصحاب السببي على المسبّبي والاستدلال عليه

مثاله : استصحاب طهارة الماء المغسول به ثوب نجس ، فإنّ الشكّ في بقاء نجاسة الثوب وارتفاعها مسبّب عن الشكّ في بقاء طهارة الماء وارتفاعها ، فيستصحب طهارته ، ويحكم بارتفاع نجاسة الثوب.

خلافا لجماعة (٢) ؛ لوجوه :

الدليل الأوّل

الأوّل : الإجماع على ذلك في موارد لا تحصى ، فإنّه لا يحتمل الخلاف في تقديم الاستصحاب في الملزومات الشرعيّة ـ كالطهارة من الحدث والخبث ، وكرّيّة الماء وإطلاقه ، وحياة المفقود ، وبراءة الذمّة من الحقوق المزاحمة للحجّ ، ونحو ذلك ـ على استصحاب عدم لوازمها

__________________

(١) التوهّم من الفاضل النراقي في مناهج الأحكام : ٢٣٥ ، إلاّ أنّه مثّل بالعامّ والخاصّ المطلقين.

(٢) سيأتي ذكرهم في الصفحة ٤٠١.

٣٩٤

الشرعيّة ، كما لا يخفى على الفطن المتتبّع.

نعم ، بعض العلماء في بعض المقامات يعارض أحدهما بالآخر ، كما سيجيء (١). ويؤيّده السيرة المستمرّة بين الناس على ذلك بعد الاطّلاع على حجّية الاستصحاب ، كما هو كذلك في الاستصحابات العرفيّة (٢).

الدليل الثاني

الثاني : أنّ قوله عليه‌السلام : «لا تنقض اليقين بالشكّ» باعتبار دلالته على جريان الاستصحاب في الشكّ السببيّ ، مانع (٣)(٤) عن قابليّة شموله لجريان الاستصحاب في الشكّ المسبّبي ، يعني : أنّ نقض اليقين به (٥) يصير نقضا بالدليل لا (٦) بالشكّ ، فلا يشمله النهي في «لا تنقض».

واللازم من شمول «لا تنقض» للشكّ المسبّبي نقض اليقين في مورد الشكّ السببيّ لا لدليل شرعيّ يدلّ على ارتفاع الحالة السابقة فيه ، فيلزم من إهمال الاستصحاب في الشكّ السببيّ طرح عموم «لا تنقض» من غير مخصّص ، وهو باطل. واللازم من إهماله في الشكّ المسبّبي عدم قابليّة العموم لشمول المورد ، وهو غير منكر.

__________________

(١) في الصفحة ٤٠١.

(٢) لم ترد «ويؤيّده ـ إلى ـ العرفيّة» في (ظ) ، وفي (ت) وردت في الحاشية مكتوبا عليها : «خ».

(٣) في (ظ) بدل «مانع» : «مخرج».

(٤) في (ر) ، (ظ) و (ت) زيادة : «للعامّ» ، وفي (ص) كتب عليه : «خ».

(٥) كذا في (ه) ، وفي (ص) و (ظ) بدل «به» : «له» ، وفي (ت): «لا» ، وفي (ر) لم يرد شيء منها.

(٦) شطب في (ت) على : «بالدليل لا».

٣٩٥

وبيان ذلك : أنّ مقتضى (١) عدم نقض اليقين رفع اليد عن الامور السابقة المضادّة لآثار ذلك المتيقّن. فعدم نقض طهارة الماء لا معنى له إلاّ رفع اليد عن النجاسة السابقة المعلومة في الثوب ؛ إذ الحكم بنجاسته نقض لليقين بالطهارة المذكورة بلا حكم من الشارع بطروء النجاسة ، وهو طرح لعموم «لا تنقض» من غير مخصّص ، أمّا الحكم بزوال النجاسة فليس نقضا لليقين بالنجاسة إلاّ بحكم الشارع بطروء الطهارة على الثوب.

والحاصل : أنّ مقتضى عموم «لا تنقض» للشكّ السببيّ نقض الحالة السابقة لمورد الشكّ المسبّبيّ.

ودعوى : أنّ اليقين بالنجاسة أيضا من أفراد العامّ ، فلا وجه لطرحه وإدخال اليقين بطهارة الماء.

مدفوعة : أوّلا : بأنّ معنى عدم نقض يقين النجاسة أيضا رفع اليد عن الامور السابقة المضادّة لآثار المستصحب ، كالطهارة السابقة الحاصلة لملاقيه وغيرها ، فيعود المحذور. إلاّ أن نلتزم هنا أيضا ببقاء طهارة الملاقي ، وسيجيء فساده (٢).

وثانيا : أنّ نقض يقين النجاسة بالدليل الدالّ على أنّ كلّ نجس غسل بماء طاهر فقد طهر ، وفائدة استصحاب الطهارة إثبات كون الماء طاهرا به (٣) ، بخلاف نقض يقين الطهارة بحكم الشارع بعدم نقض يقين النجاسة (٤).

__________________

(١) في (ت) ، (ر) و (ه) بدل «مقتضى» : «معنى».

(٢) انظر الصفحة ٤٠٣.

(٣) شطب على «به» في (ه).

(٤) لم ترد «وبيان ذلك ـ إلى ـ يقين النجاسة» في (ظ).

٣٩٦

بيان ذلك : أنّه لو عملنا باستصحاب النجاسة كنّا قد طرحنا اليقين بطهارة الماء من غير ورود دليل شرعيّ على نجاسته ؛ لأنّ بقاء النجاسة في الثوب لا يوجب زوال الطهارة عن الماء ، بخلاف ما لو عملنا باستصحاب طهارة الماء ؛ فإنّه يوجب زوال نجاسة الثوب بالدليل الشرعيّ ، وهو ما دلّ على أنّ الثوب المغسول بالماء الطاهر يطهر ، فطرح اليقين بنجاسة الثوب (١) لقيام الدليل على طهارته.

هذا ، وقد يشكل (٢) : بأنّ اليقين بطهارة الماء واليقين بنجاسة الثوب المغسول به ، كلّ منهما يقين سابق شكّ في بقائه وارتفاعه ، وحكم الشارع بعدم النقض نسبته إليهما على حدّ سواء ؛ لأنّ نسبة حكم العامّ إلى أفراده على حدّ سواء ، فكيف يلاحظ ثبوت هذا الحكم لليقين بالطهارة أوّلا حتّى يجب نقض اليقين بالنجاسة ، لأنّه مدلوله ومقتضاه؟!

والحاصل : أنّ جعل شمول حكم العامّ لبعض الأفراد سببا لخروج بعض الأفراد عن الحكم أو عن الموضوع ـ كما في ما نحن فيه ـ فاسد ، بعد فرض تساوي الفردين في الفرديّة مع قطع النظر عن ثبوت الحكم.

ويدفع : بأنّ فرديّة أحد الشيئين إذا توقّف على خروج الآخر المفروض الفرديّة عن العموم ، وجب الحكم بعدم فرديّته ، ولم يجز رفع اليد عن العموم ؛ لأنّ رفع اليد حينئذ عنه يتوقّف على شمول العامّ لذلك الشيء المفروض توقّف فرديّته على رفع اليد عن العموم ، وهو دور محال.

__________________

(١) كذا في (ت) و (ه) ، وفي غيره بدل «بنجاسة الثوب» : «بالنجاسة».

(٢) في (ظ) بدل «وقد يشكل» : «فإن قلت بأنّ».

٣٩٧

وإن شئت قلت : إنّ حكم العامّ من قبيل لازم الوجود للشكّ السببيّ ، كما هو شأن الحكم الشرعيّ وموضوعه ، فلا يوجد في الخارج إلاّ محكوما ، والمفروض أنّ الشكّ المسبّبيّ أيضا من لوازم وجود ذلك الشكّ ، فيكون حكم العامّ وهذا الشكّ لازمين لملزوم ثالث في مرتبة واحدة ، فلا يجوز أن يكون أحدهما موضوعا للآخر ؛ لتقدّم الموضوع طبعا (١).

الدليل الثالث

الثالث : أنّه لو لم يبن على تقديم الاستصحاب في الشكّ السببيّ كان الاستصحاب قليل الفائدة جدّا ؛ لأنّ المقصود من الاستصحاب غالبا ترتيب الآثار الثابتة للمستصحب ، وتلك الآثار إن كانت موجودة سابقا أغنى استصحابها عن استصحاب ملزومها ، فتنحصر الفائدة في الآثار التي كانت معدومة ، فإذا فرض معارضة الاستصحاب في الملزوم

__________________

(١) لم ترد «ويدفع ـ إلى ـ طبعا» في (ظ) ، وورد بدلها ما يلي : «قلنا : المقتضي لشمول العامّ للشكّ السببيّ موجود ؛ لوجود الموضوع ـ وهو كون القضيّة نقضا لليقين لغير دليل ـ والشكّ المسبّب لا يصلح للمنع ؛ لأنّ وجود المقتضي لدخوله ـ وهو كونه نقضا لليقين لغير دليل ـ موقوف على عدم ثبوت حكم النقض للشكّ السببي ، والمقتضي للأوّل موجود والمانع عنه موقوف على عدم ثبوت الحكم الأوّل ، والمفروض أنّه لا مانع سوى ما ذكر ؛ فيثبت المقتضى ـ بالفتح ـ ، ولو لا حكم العقل بهذا لم يكن وجه لتقديم الدليل على الأصل ، فدفع توهّم التعارض بين دليليهما. والحاصل : أنّ العامّ إذا توقّف فرديّة شيء له على عدم ثبوت حكمه لبعض أفراده المعلوم الفرديّة ، لم يصلح للدخول تحت العامّ ؛ لأنّ الشيء إذا توقّف منعه على عدم ثبوت المقتضى للمقتضي ـ بالكسر ـ لم يصلح أن يكون مانعا عنه للزوم الدور».

٣٩٨

باستصحاب عدم تلك اللوازم والمعاملة معها على ما يأتي في الاستصحابين المتعارضين (١) ، لغى الاستصحاب في الملزوم وانحصرت الفائدة في استصحاب الأحكام التكليفيّة التي يراد بالاستصحاب إبقاء أنفسها في الزمان اللاحق.

عدم تمامية الدليل الثالث

ويرد عليه : منع عدم الحاجة إلى الاستصحاب في الآثار السابقة ؛ بناء على أنّ إجراء الاستصحاب في نفس تلك الآثار موقوف على إحراز الموضوع لها وهو مشكوك فيه ، فلا بدّ (٢) من استصحاب الموضوع ، إمّا ليترتّب عليه تلك الآثار ، فلا يحتاج إلى استصحاب أنفسها المتوقّفة على بقاء الموضوع يقينا ، كما حقّقنا سابقا في مسألة اشتراط بقاء الموضوع (٣) ، وإمّا لتحصيل شرط الاستصحاب في نفس تلك الآثار ، كما توهّمه بعض فيما قدّمناه سابقا (٤) : من أنّ بعضهم تخيّل أنّ موضوع المستصحب يحرز بالاستصحاب فيستصحب.

والحاصل : أنّ الاستصحاب في الملزومات محتاج إليه على كلّ تقدير.

الدليل الرابع

الرابع : أنّ المستفاد من الأخبار عدم الاعتبار باليقين السابق في مورد الشكّ المسبّب. بيان ذلك : أنّ الإمام عليه‌السلام علّل وجوب البناء على الوضوء

__________________

(١) وهو التساقط ، كما سيأتي في الصفحة ٤٠٧.

(٢) في (ص) زيادة : «فيه».

(٣) راجع الصفحة ٢٩٢ ـ ٢٩٣.

(٤) هو صاحب الفصول ، راجع الصفحة ٢٩١.

٣٩٩

السابق في صحيحة زرارة ، بمجرّد كونه متيقّنا سابقا غير متيقّن الارتفاع في اللاحق. وبعبارة اخرى : علّل بقاء الطهارة المستلزم لجواز الدخول في الصلاة بمجرّد الاستصحاب. ومن المعلوم أنّ مقتضى استصحاب الاشتغال بالصلاة عدم براءة الذمّة بهذه الصلاة ، حتّى أنّ بعضهم (١) جعل استصحاب الطهارة وهذا الاستصحاب من الاستصحابين المتعارضين ، فلو لا عدم جريان هذا الاستصحاب ، وانحصار الاستصحاب في المقام باستصحاب الطهارة لم يصحّ تعليل المضيّ على الطهارة بنفس الاستصحاب ؛ لأنّ تعليل تقديم أحد الشيئين على الآخر بأمر مشترك بينهما قبيح ، بل أقبح من الترجيح بلا مرجّح.

لا تأمل في ترجيح الاستصحاب السببي

وبالجملة : فأرى المسألة غير محتاجة إلى إتعاب النظر ؛ ولذا لا يتأمّل العامّي بعد إفتائه باستصحاب الطهارة في الماء المشكوك ، في رفع الحدث والخبث به وبيعه وشرائه وترتيب الآثار المسبوقة بالعدم عليه.

هذا كلّه إذا عملنا بالاستصحاب (٢) من باب الأخبار.

لو عملنا بالاستصحاب من باب الظنّ فالحكم أوضح

وأمّا لو عملنا به من باب الظنّ ، فلا ينبغي الارتياب فيما ذكرنا ؛ لأنّ الظنّ بعدم اللازم مع فرض الظنّ بالملزوم محال عقلا. فإذا فرض حصول الظنّ بطهارة الماء عند الشكّ ، فيلزمه عقلا الظنّ بزوال النجاسة عن الثوب. والشكّ في طهارة الماء ونجاسة الثوب وإن كانا في زمان واحد ، إلاّ أنّ الأوّل لمّا كان سببا للثاني ، كان حال الذهن في الثاني تابعا لحاله بالنسبة إلى الأوّل ، فلا بدّ من حصول الظنّ بعدم النجاسة في

__________________

(١) هو المحقّق قدس‌سره ، في المعتبر ١ : ٣٢ ، كما سيأتي في الصفحة اللاحقة.

(٢) في (ر) ، (ص) و (ظ) بدل «بالاستصحاب» : «باستصحاب الطهارة».

٤٠٠