فرائد الأصول - ج ٣

الشيخ مرتضى الأنصاري

فرائد الأصول - ج ٣

المؤلف:

الشيخ مرتضى الأنصاري

المحقق: لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم المترجم:
الموضوع : أصول الفقه الناشر: مجمع الفكر الاسلامي المطبعة: خاتم الأنبياء ISBN: 964-5662-04-4
نسخة غير مصححة

التفصيل بين الوضوء ونحوه وبين غيره

ومن هنا قد يفصّل : بين ما كان من قبيل الوضوء ممّا يكون محلّ إحرازه قبل الدخول في العبادة ، وبين غيره ممّا ليس كذلك ، كالاستقبال والستر (١) ، فإنّ إحرازهما ممكن في كلّ جزء ، وليس المحلّ الموظّف لإحرازهما قبل الصلاة بالخصوص ، بخلاف الوضوء. وحينئذ فلو شكّ في أثناء الصلاة في الستر أو الساتر وجب عليه إحرازه في أثناء الصلاة للأجزاء المستقبلة.

والمسألة لا تخلو عن إشكال ، إلاّ أنّه ربما يشهد لما ذكرنا ـ من التفصيل بين الشكّ في الوضوء في أثناء الصلاة ، وفيه بعده (٢) ـ صحيحة عليّ بن جعفر عن أخيه عليهما‌السلام ، قال : «سألته عن الرجل يكون على وضوء ثمّ يشكّ ، على وضوء هو أم لا؟ قال : إذا ذكرها (٣) وهو في صلاته انصرف (٤) وأعادها ، وإن ذكر وقد فرغ من صلاته أجزأه ذلك» (٥) ، بناء على أنّ مورد السؤال الكون على الوضوء باعتقاده ثمّ شكّ في ذلك.

__________________

(١) في (ر) ، (ظ) و (ه) ونسخة بدل (ص) بدل «الستر» : «النيّة» ، وفي (ت) شطب على كلمة «الستر».

(٢) المناسب : «بعدها» ؛ لرجوع الضمير إلى الصلاة.

(٣) في الوسائل : «ذكر».

(٤) في الوسائل زيادة : «وتوضّأ».

(٥) الوسائل ١ : ٣٣٣ ، الباب ٤٤ من أبواب الوضوء ، الحديث ٢.

٣٤١

الموضع السادس

هَل يلحق الشكّ في الصحّة بالشكّ في الإتيان؟

أنّ الشكّ في صحّة الشيء المأتي به حكمه حكم الشكّ في الإتيان ، بل هو هو ؛ لأنّ مرجعه إلى الشكّ في وجود الشيء الصحيح. ومحلّ الكلام : ما لا يرجع فيه الشكّ إلى الشكّ في ترك بعض ما يعتبر في الصحّة ، كما لو شكّ في تحقّق الموالاة المعتبرة في حروف الكلمة أو كلمات الآية.

لكنّ الإنصاف : أنّ الإلحاق لا يخلو عن إشكال ؛ لأنّ الظاهر من أخبار الشكّ في الشيء اختصاصها بغير هذه الصورة ، إلاّ أن يدّعى تنقيح المناط ، أو يستند فيه إلى بعض ما يستفاد منه العموم ، مثل موثّقة ابن أبي يعفور (١) ، أو يجعل أصالة الصحّة في فعل الفاعل المريد للصحيح أصلا برأسه ، ومدركه ظهور حال المسلم.

قال فخر الدين في الإيضاح في مسألة الشكّ في بعض أفعال الطهارة :

إنّ الأصل في فعل العاقل المكلّف الذي يقصد براءة ذمّته بفعل صحيح ، وهو يعلم الكيفية والكميّة ، الصحّة (٢) ، انتهى.

ويمكن استفادة اعتباره من عموم التعليل المتقدّم في قوله : «هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ» (٣) ؛ فإنّه بمنزلة صغرى لقوله :

__________________

(١) تقدّمت في الصفحة ٣٢٦.

(٢) إيضاح الفوائد ١ : ٤٣.

(٣) تقدّم الحديث في الصفحة ٣٢٥.

٣٤٢

«فإذا كان أذكر فلا يترك ما يعتبر في صحّة عمله الذي يريد به إبراء ذمّته» ؛ لأنّ الترك سهوا خلاف فرض الذكر ، وعمدا خلاف إرادة الإبراء (١).

__________________

(١) لم ترد «لأنّ الترك ـ إلى ـ الإبراء» في (ظ).

٣٤٣

الموضع السابع

المراد من الشكّ في موضوع هذه القاعدة

الظاهر أنّ المراد بالشكّ في موضوع (١) هذا الأصل ، هو الشكّ الطارئ بسبب الغفلة عن صورة العمل.

فلو علم كيفيّة غسل اليد ، وأنّه كان بارتماسها في الماء ، لكن شكّ في أنّ ما تحت خاتمه ينغسل بالارتماس أم لا ، ففي الحكم بعدم الالتفات ، وجهان : من إطلاق بعض الأخبار ، ومن التعليل بقوله : «هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ» (٢) ، فإنّ التعليل يدلّ على تخصيص الحكم بمورده مع عموم السؤال ، فيدلّ على نفيه عن غير مورد العلّة.

عدم الفرق بين أن يكون المحتمل الترك نسيانا أو تعمّدا

نعم ، لا فرق بين أن يكون المحتمل ترك الجزء نسيانا ، أو تركه تعمّدا ، و (٣) التعليل المذكور بضميمة الكبرى المتقدّمة (٤) يدلّ على نفي الاحتمالين.

ولو كان الشكّ من جهة احتمال وجود الحائل على البدن ، ففي شمول الأخبار له ، الوجهان. نعم ، قد يجري هنا أصالة عدم الحائل ، فيحكم بعدمه حتّى لو لم يفرغ عن الوضوء ، بل لم يشرع في غسل موضع احتمال الحائل ، لكنّه من الاصول المثبتة. وقد ذكرنا بعض الكلام في ذلك في بعض الامور المتقدّمة (٥).

__________________

(١) في (ظ): «موضع».

(٢) تقدّم الحديث في الصفحة ٣٢٥.

(٣) في (ص) بدل «و» : «إذ» ، وفي (ت): «أو».

(٤) في الصفحة ٣٤٢ ـ ٣٤٣.

(٥) راجع الصفحة ٢٤٥.

٣٤٤

المسألة الثالثة

في أصالة الصحّة في فعل الغير

أصالة الصحّة من الاصول المجمع عليها بين المسلمين

وهي في الجملة من الاصول المجمع عليها فتوى وعملا (١) بين المسلمين ، فلا عبرة في موردها بأصالة الفساد المتّفق عليها عند الشكّ (٢) ، إلاّ أنّ معرفة مواردها ، ومقدار ما يترتّب عليها من الآثار ، ومعرفة حالها عند مقابلتها لما عدا أصالة الفساد من الاصول ، يتوقّف على بيان مدركها من الأدلّة الأربعة.

مدرك أصالة الصحّة

ولا بدّ من تقديم ما فيه إشارة إلى هذه القاعدة في الجملة من الكتاب والسنّة.

الاستدلال بالآيات والمناقشة فيه

أمّا الكتاب ، فمنه آيات :

منها : قوله تعالى : (قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً)(٣) ، بناء على تفسيره بما في الكافي ، من قوله عليه‌السلام : «لا تقولوا إلاّ خيرا حتّى تعلموا ما هو» (٤) ، ولعلّ مبناه على إرادة الظنّ والاعتقاد من القول.

__________________

(١) انظر الرياض (الطبعة الحجرية) ٢ : ٥٩١.

(٢) لم ترد «المتّفق عليها عند الشكّ» في (ر).

(٣) البقرة : ٨٣.

(٤) الكافي ٢ : ١٦٤ ، باب الاهتمام بامور المسلمين ، الحديث ٩.

٣٤٥

ومنها : قوله تعالى : (اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ)(١) ، فإنّ ظنّ السوء إثم ، وإلاّ لم يكن شيء من الظنّ إثما.

ومنها : قوله تعالى : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)(٢) ، بناء على أنّ الخارج من عمومه ليس إلاّ ما علم فساده ؛ لأنّه المتيقّن. وكذا قوله تعالى : (إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ)(٣).

والاستدلال به يظهر من المحقّق الثاني ، حيث تمسّك في مسألة بيع الراهن مدّعيا لسبق إذن المرتهن ، وأنكر المرتهن السبق : بأنّ الأصل صحّة البيع ولزومه ووجوب الوفاء بالعقد (٤).

لكن لا يخفى ما فيه من الضعف.

وأضعف منه : دعوى دلالة الآيتين الاوليتين.

وأمّا السنّة :

الاستدلال بالأخبار

فمنها : ما في الكافي عن أمير المؤمنين عليه‌السلام : «ضع أمر أخيك على أحسنه حتّى يأتيك ما يقلّبك عنه ، ولا تظنّنّ بكلمة خرجت من أخيك سوءا وأنت تجد لها في الخير سبيلا» (٥).

__________________

(١) الحجرات : ١٢.

(٢) المائدة : ١.

(٣) النساء : ٢٩.

(٤) جامع المقاصد ٥ : ١٦٢.

(٥) الوسائل ٨ : ٦١٤ ، الباب ١٦١ من أبواب أحكام العشرة ، الحديث ٣ ، والكافي ٢ : ٣٦٢ ، باب التهمة وسوء الظن ، الحديث ٣ ، وفيهما بدل «سبيلا» : «محملا».

٣٤٦

ومنها : قول الصادق عليه‌السلام لمحمّد بن الفضل : «يا محمّد ، كذّب سمعك وبصرك عن أخيك ، فإن شهد عندك خمسون قسامة أنّه قال ، وقال : لم أقل ، فصدّقه وكذّبهم» (١).

ومنها : ما ورد مستفيضا ، من أنّ «المؤمن لا يتّهم أخاه» (٢) وأنّه «إذا اتّهم أخاه انماث الإيمان في قلبه ، كما ينماث الملح في الماء» (٣) ، وأنّ «من اتّهم أخاه فلا حرمة بينهما» (٤) ، وأنّ «من اتّهم أخاه فهو ملعون ملعون» (٥) ، إلى غير ذلك من الأخبار المشتملة على هذه المضامين ، أو ما يقرب منها (٦).

المناقشة في دلالة الأخبار

هذا ، ولكنّ الإنصاف : عدم دلالة هذه الأخبار إلاّ على أنّه لا بدّ من أن يحمل ما يصدر من الفاعل على الوجه الحسن عند الفاعل ، ولا يحمل على الوجه القبيح عنده ، وهذا غير ما نحن بصدده ؛ فإنّه إذا فرض دوران العقد الصادر منه بين كونه صحيحا أو فاسدا لا على وجه قبيح ، بل فرضنا الأمرين في حقّه مباحا ، كبيع الراهن بعد رجوع المرتهن عن الإذن واقعا أو قبله ، فإنّ الحكم بأصالة عدم ترتّب الأثر

__________________

(١) الوسائل ٨ : ٦٠٩ ، الباب ١٥٧ من أبواب أحكام العشرة ، الحديث ٤ ، وفيه بدل «أنّه قال وقال لم أقل» : «وقال لك قولا».

(٢) بحار الأنوار ١٠ : ١٠٠ ، ضمن الحديث الأوّل ، المعروف ب «حديث الأربعمائة».

(٣) الوسائل ٨ : ٦١٣ ، الباب ١٦١ من أبواب أحكام العشرة ، الحديث الأوّل.

(٤) الوسائل ٨ : ٦١٤ ، الباب ١٦١ من أبواب أحكام العشرة ، الحديث ٢.

(٥) الوسائل ٨ : ٥٦٣ ، الباب ١٣٠ من أبواب أحكام العشرة ، الحديث ٥.

(٦) انظر الوسائل ٨ : ٥٤٤ ، الباب ١٢٢ من أبواب أحكام العشرة ، الحديث ٧ ، والوسائل ٨ : ٦١١ ، الباب ١٥٩ منها ، الحديث ٢.

٣٤٧

على البيع ـ مثلا ـ لا يوجب خروجا عن الأخبار المتقدّمة الآمرة بحسن الظنّ بالمؤمن في المقام ، خصوصا إذا كان المشكوك فعل غير المؤمن ، أو فعل المؤمن الذي يعتقد بصحّة ما هو الفاسد عند الحامل.

ثمّ لو فرضنا أنّه يلزم من الحسن ترتيب الآثار ، ومن القبيح عدم الترتيب ـ كالمعاملة المردّدة بين الربويّة وغيرها ـ لم يلزم من الحمل على الحسن بمقتضى تلك الأخبار الحكم بترتّب الآثار ؛ لأنّ مفادها الحكم بصفة الحسن في فعل المؤمن ، بمعنى عدم الجرح في فعله ، لا ترتيب جميع آثار ذلك الفعل الحسن ، ألا ترى أنّه لو دار الأمر بين كون الكلام المسموع من مؤمن بعيد سلاما ، أو تحيّة ، أو شتما ، لم يلزم من الحمل على الحسن وجوب ردّ السلام.

ممّا يؤيّد عدم دلالة الأخبار

وممّا يؤيّد ما ذكرنا ، جمع الإمام عليه‌السلام في رواية محمد بن الفضل ، بين تكذيب خمسين قسامة ـ أعني البيّنة العادلة ـ وتصديق الأخ المؤمن ، فإنّه ممّا لا يمكن إلاّ بحمل تصديق المؤمن على الحكم بمطابقة الواقع ، المستلزم لتكذيب القسامة ـ بمعنى المخالفة للواقع ـ مع الحكم بصدقهم في اعتقادهم ؛ لأنّهم أولى بحسن الظنّ بهم من المؤمن الواحد. فالمراد من تكذيب السمع والبصر تكذيبهما فيما يفهمان من ظواهر بعض الأفعال من القبح ، كما إذا ترى شخصا ظاهر الصحّة يشرب الخمر في مجلس يظنّ أنّه مجلس الشرب.

وكيف كان ، فعدم وفاء الأخبار بما نحن بصدده أوضح من أن يحتاج إلى البيان ، حتّى المرسل الأوّل ، بقرينة ذكر الأخ ، وقوله عليه‌السلام : «ولا تظنّنّ ... الخبر».

ممّا يؤيّد عدم دلالة أيضاً

وممّا يؤيّد ما ذكرنا أيضا ، ما ورد في غير واحد من الروايات :

٣٤٨

من عدم جواز الوثوق بالمؤمن كلّ الوثوق ، مثل :

رواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : «لا تثقنّ بأخيك كلّ الثقة ؛ فإنّ صرعة الاسترسال لا تستقال» (١).

وما في نهج البلاغة عنه عليه‌السلام : «إذا استولى الصلاح على الزمان وأهله ، ثمّ أساء رجل الظنّ برجل لم يظهر (٢) منه خزية (٣) ، فقد ظلم ، وإذا استولى الفساد على الزمان وأهله ، ثمّ أحسن رجل الظنّ برجل ، فقد غرّر» (٤).

وفي معناه قول أبي الحسن عليه‌السلام في رواية محمّد بن هارون الجلاّب : «إذا كان الجور أغلب من الحقّ ، لا يحلّ لأحد أن يظنّ بأحد خيرا ، حتّى يعرف ذلك منه» (٥).

إلى غير ذلك ممّا يجده المتتبّع (٦).

فإنّ الجمع بينها وبين الأخبار المتقدّمة يحصل بأن يراد من الأخبار : ترك ترتيب آثار التهمة ، والحمل على الوجه الحسن من حيث مجرّد الحسن ، والتوقّف فيه من حيث ترتيب سائر الآثار.

ويشهد له ما ورد ، من : «أنّ المؤمن لا يخلو عن ثلاثة : الظنّ والحسد والطيرة ، فإذا حسدت فلا تبغ ، وإذا ظننت فلا تحقّق ، وإذا

__________________

(١) الوسائل ٨ : ٥٠١ ، الباب ١٠٢ من أبواب أحكام العشرة ، الحديث ١.

(٢) في المصدر : «لم تظهر».

(٣) في المصدر بدل «خزية» : «حوبة».

(٤) نهج البلاغة : ٤٨٩ ، الحكمة ١١٤.

(٥) الوسائل ١٣ : ٢٣٣ ، الباب ٩ من أحكام الوديعة ، الحديث ٢.

(٦) انظر الوسائل ١١ : ١٣٧ ، الباب ١٣ من أبواب جهاد النفس ، الحديث الأوّل.

٣٤٩

تطيّرت فامض» (١).

الثالث : الإجماع القوليّ والعمليّ

الاستدلال بالإجماع القولي

أمّا القوليّ ، فهو مستفاد من تتبّع فتاوى الفقهاء في موارد كثيرة (٢) ، فإنّهم لا يختلفون في أنّ قول مدّعي الصحّة في الجملة مطابق للأصل وإن اختلفوا في ترجيحه على سائر الاصول ، كما ستعرف (٣).

الاستدلال بالإجماع العملي

وأمّا العمليّ ، فلا يخفى على أحد أنّ سيرة المسلمين في جميع الأعصار ، على حمل الأعمال على الصحيح ، وترتيب آثار الصحّة في عباداتهم ومعاملاتهم ، ولا أظنّ أحدا ينكر ذلك إلاّ مكابرة.

الرابع : العقل المستقلّ

الاستدلال بالعقل

الحاكم بأنّه لو لم يبن على هذا الأصل لزم اختلال نظام المعاد والمعاش ، بل الاختلال الحاصل من ترك العمل بهذا الأصل أزيد من الاختلال الحاصل من ترك العمل ب «يد المسلم».

مع أنّ الإمام عليه‌السلام قال لحفص بن غياث ـ بعد الحكم بأنّ اليد دليل الملك ، ويجوز الشهادة بالملك بمجرّد اليد ـ : «إنّه لو لا ذلك لما قام للمسلمين سوق» (٤) ، فيدلّ بفحواه على اعتبار أصالة الصحّة في أعمال

__________________

(١) البحار ٥٨ : ٣٢٠ ، ذيل الحديث ٩ ، وفيه : «ثلاث لا يسلم منها أحد ... الخ» ، راجع مبحث البراءة ٢ : ٣٧.

(٢) انظر عوائد الأيّام : ٢٢١ و ٢٢٢.

(٣) انظر الصفحة ٣٧٤.

(٤) الوسائل ١٨ : ٢١٥ ، الباب ٢٥ من أبواب كيفيّة الحكم ، الحديث ٢.

٣٥٠

المسلمين ، مضافا إلى دلالته بظاهر اللفظ ؛ حيث إنّ الظاهر أنّ كلّ ما لولاه لزم الاختلال فهو حقّ ؛ لأنّ الاختلال باطل ، والمستلزم للباطل باطل ، فنقيضه حقّ ، وهو اعتبار أصالة الصحّة عند الشكّ في صحّة ما صدر عن الغير.

ويشير إليه أيضا : ما ورد من نفي الحرج (١) ، وتوسعة الدين (٢) ، وذمّ من ضيّقوا على أنفسهم بجهالتهم (٣)(٤).

__________________

(١) المائدة : ٦ ، والحجّ : ٧٨.

(٢) البقرة : ٢٨٦ ، وانظر روايات نفي الحرج ، وروايات التوسعة في عوائد الأيام : ١٧٤ ـ ١٨١.

(٣) الوسائل ٢ : ١٠٧١ ، الباب ٥٠ من أبواب النجاسات ، الحديث ٣.

(٤) في (ت) وحاشيتي (ص) و (ظ) زيادة ، كتب عليها في (ت): «زائد» ، وفي (ص): «نسخة» ، وفي (ظ): «صح» ، وهي ما يلي : «ويمكن الاستدلال بموثّقة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عليه‌السلام : «كلّ شيء لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك ، مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة ، أو مملوك عندك وهو حرّ قد باع نفسه ، أو خدع فبيع ، أو قهر فبيع ، أو امرأة تحتك وهي اختك أو رضيعتك ، والاشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك ، أو تقوم به البيّنة».

فإنّ الحكم بالحليّة عند الشك في الحرمة في هذه الأشياء لا يجمعها إلاّ أصالة الحلّ في تصرفات النّاس وعدم وجوب الاجتناب عنها إلاّ مع العلم أو قيام البيّنة ؛ وذلك لأنّ حلّ الثوب الذي اشتراه مع أصالة عدم تملكه له المقتضية لحرمة التصرف فيه لا وجه له إلاّ اصالة الصحة في تصرف البائع المقتضية للملك. فالحكم بالحلّ وعدم الحرمة ليس من جهة مجرد الشك في حلّ لبس

٣٥١

__________________

الثوب وحرمته نظير المشتبه بين الخلّ والخمر ، وإلاّ لكان الأصل فيه التحريم نظير المشتبه بين زوجته والاجنبيّة ، بل من حيث الاشتباه والشك في معاملة الثوب ، وترددها بين الصحيحة المملّكة وغيرها ، فموضوع هذا الحكم الظاهري هي المعاملة الواقعة على الثوب ، وإلاّ فلبس الثوب حلال من حيث كونه تصرفا في ملكه بعد الحكم الظاهري بكون المعاملة مملّكة لا من حيث الشك في كونه حلالا وحراما.

وكذا الكلام في العبد المشترى ، وكذا الحكم بحلّ المرأة المشتبهة بالأخت والرضيعة ليس من حيث مجرد التردد بين الحلال والحرام وإلاّ لكان الأصل عدم تحقق الزوجيّة بينهما ، بل من حيث الشك في العقد الواقع وأنّه كان صحيحا أم فاسدا.

والحاصل : أنّ ظاهر الرواية بقرينة الأمثلة إرادة ما يعمّ الحكم بالحلّ من حيث التصرف الموجب لرفع الحرمة الثابتة بأصالة فساد التصرف.

فإن قلت : لعلّ الحكم بحلّ التصرف في الثوب والعبد من جهة اليد وفي الامرأة من حيث أصالة عدم النسب والرضاع ، فلا يدلّ على أصالة الحلّ في التصرف من حيث هو.

قلت : ظاهر الرواية الحكم بثبوت الحلّ ظاهرا من جهة مجرّد التردد بين الجائز والممنوع ، لا من حيث قيام أمارة على الملك وعدم النسب.

فإن قلت : إنّ الرواية كما يشمل ما اذا شك في حلّ اكل خبز للشك في صحة شرائه الرافع لحرمة أكله قبل الشراء ، أو شك في حلّ الصلاة في الثوب المتنجس الذي غسله الغير للشك في صحّة غسله ، كذلك يشمل حل وطي امرأة ترددت بين الزوجة والأجنبية وحلّ التصرف في أمة ترددت بين أمته وأمة الغير. ولو بني على حكومة اصالة عدم الزوجية والملكية على ـ

٣٥٢

وينبغي التنبيه على أمور :

الأوّل

هل يحمل فعل المسلم على الصحّة الواقعيّة أو الصحّة عند الفاعل؟

أنّ المحمول عليه فعل المسلم ، هل الصحّة باعتقاد الفاعل أو الصحّة الواقعيّة؟

__________________

مفاد هذه الرواية في هذين المثالين فليبن على أصالة عدمهما في مورد الرواية ، فلا بدّ أن يكون منشأ الحكم بالحلّ في الرواية أمارة حاكمة على أصالة العدم ، وهي اليد في الثوب والعبد ، وأصالة عدم النسب والرضاع في المرأة ، لا مجرد الشك في حلّ المعاملة الواقعة عليها وعدمه.

قلت : فرق واضح بين مورد الحكم بالحلّ في المثالين ومورده في أمثلة الرواية وسائر التصرفات المرددة بين الجائز والمحظور ؛ فإنّ الشك في المحل في المثالين مسبوق بالحرمة المتيقنة سابقا فيستصحب ، كما هو شأن تعارض أصل الإباحة مع استصحاب الحرمة ، بخلاف الشك في حلّ المعاملة الواقعة على الثوب والعبد والمرأة ؛ فإنّه غير مسبوق بالحرمة ، فالحكم بالرواية بجوازه ونفي الحظر عنه يرفع حرمة التصرف فيها المتيقنة سابقا قبل المعاملة.

والحاصل : أنّ أصالة الحرمة في مثالي المعترض حاكم على مؤدى الرواية ، والأمر في موارد الرواية على العكس.

هذا ما يقتضيه النظر عاجلا إلى أن يقع التأمّل».

٣٥٣

فلو علم أنّ معتقد الفاعل ـ اعتقادا يعذر فيه ـ صحّة البيع أو النكاح بالفارسية (١) في العقد ، فشكّ فيما صدر عنه ، مع اعتقاد الشاكّ اعتبار العربيّة (٢) ، فهل يحمل على كونه واقعا بالعربيّة ، حتّى إذا ادّعي عليه أنّه أوقعه بالفارسيّة ، وادّعى هو أنّه أوقعه بالعربيّة ، فهل يحكم الحاكم المعتقد بفساد الفارسيّة ، بوقوعه بالعربيّة أم لا؟ وجهان ، بل قولان :

ظاهر المشهور الحمل على الصحّة الواقعيّة

ظاهر المشهور الحمل على الصحّة الواقعيّة (٣) ، فإذا شكّ المأموم في أنّ الإمام المعتقد بعدم وجوب السورة ، قرأها أم لا؟ جاز له الائتمام به ، وإن لم يكن له ذلك إذا علم بتركها.

ظاهر بعض المتأخّرين الحمل على الصحّة باعتقاد الفاعل

ويظهر من بعض المتأخّرين خلافه :

قال في المدارك في شرح قول المحقّق : «ولو اختلف الزوجان فادّعى أحدهما وقوع العقد في حال الإحرام وأنكر الآخر ، فالقول قول من يدّعي الإحلال ترجيحا لجانب الصحّة» ، قال :

إنّ الحمل على الصحّة إنّما يتمّ إذا كان المدّعي لوقوع الفعل في حال الإحرام عالما بفساد ذلك ، أمّا مع اعترافهما بالجهل ، فلا وجه للحمل على الصحّة (٤) ، انتهى.

ويظهر ذلك من بعض من عاصرناه (٥) ـ في اصوله وفروعه ـ حيث

__________________

(١) كذا صحّحناه ، وفي النسخ : «بالفارسيّ» ، وكذا فيما يلي.

(٢) كذا صححناه ، وفي النسخ : «بالعربيّ» ، وكذا في بعض الموارد فيما يلي.

(٣) انظر عوائد الأيّام : ٢٣٦.

(٤) المدارك ٧ : ٣١٥.

(٥) هو المحقّق القمّي قدس‌سره ، انظر القوانين ١ : ٥١ ، وجامع الشتات ٤ : ٣٧١ و ٣٧٢.

٣٥٤

تمسّك لهذا الأصل بالغلبة.

بل ويمكن إسناد هذا القول إلى كلّ من استند في هذا الأصل إلى ظاهر حال المسلم ، كالعلاّمة (١) وجماعة ممّن تأخّر عنه (٢) ، فإنّه لا يشمل إلاّ (٣) صورة اعتقاد الصحّة ، خصوصا إذا كان قد أمضاه الشارع لاجتهاد أو تقليد أو قيام بيّنة أو غير ذلك.

والمسألة محلّ إشكال :

من إطلاق الأصحاب ، ومن عدم مساعدة أدلّتهم ؛ فإنّ العمدة الإجماع ولزوم الاختلال ، والإجماع الفتوائيّ مع ما عرفت مشكل ، والعمليّ في مورد العلم باعتقاد الفاعل للصحّة أيضا مشكل ، والاختلال يندفع بالحمل على الصحّة في غير المورد المذكور.

صور المسألة

وتفصيل المسألة : أنّ الشاكّ في الفعل الصادر من غيره :

إمّا أن يكون عالما بعلم الفاعل بصحيح الفعل وفاسده ، وإمّا أن يكون عالما بجهله وعدم علمه ، وإمّا أن يكون جاهلا بحاله.

١ ـ أن يعلم كون الفاعل عالما بالصحّة والفساد

فإن علم بعلمه بالصحيح والفاسد : فإمّا أن يعلم بمطابقة اعتقاده لاعتقاد الشاكّ ، أو يعلم مخالفته ، أو يجهل الحال.

لا إشكال في الحمل في الصورة الاولى.

وأمّا الثانية ، فإن لم يتصادق اعتقادهما بالصحّة في فعل ـ كأن

__________________

(١) التذكرة (الطبعة الحجرية) ٢ : ٢١٨ و ٤٨٣.

(٢) كالشهيدين قدس‌سرهما في الدروس ١ : ٣٢ ، والقواعد والفوائد ١ : ١٣٨ ، وتمهيد القواعد : ٣١٢ ، والمسالك ١ : ٢٣٩ و ٦ : ١٧٤ ، والمحقّق الثاني في جامع المقاصد ٥ : ١١٩ و ١٠ : ١٣٥ ، و ١٢ : ٤٦٣.

(٣) «إلاّ» من (ه).

٣٥٥

اعتقد أحدهما وجوب الجهر بالقراءة يوم الجمعة ، والآخر وجوب الإخفات ـ فلا إشكال في وجوب الحمل على الصحيح باعتقاد الفاعل.

وإن تصادق ـ كمثال العقد بالعربيّة والفارسيّة ـ فإن قلنا : إنّ العقد بالفارسيّة منه سبب لترتّب الآثار عليه من كلّ أحد حتّى المعتقد بفساده ، فلا ثمرة في الحمل على معتقد الحامل أو الفاعل ، وإن قلنا بالعدم ـ كما هو الأقوى ـ ففيه الإشكال المتقدّم : من تعميم الأصحاب في فتاويهم وفي بعض معاقد إجماعاتهم على تقديم قول مدّعي الصحّة ، ومن اختصاص الأدلّة بغير هذه الصورة.

وإن جهل الحال ، فالظاهر الحمل لجريان الأدلّة ، بل يمكن جريان الحمل على الصحّة في اعتقاده ، فيحمل على كونه مطابقا لاعتقاد الحامل ؛ لأنّه الصحيح ، وسيجيء (١) الكلام فيه (٢).

٢ ـ أن يعلم كونه جاهلا

وإن كان عالما بجهله بالحال وعدم علمه بالصحيح والفاسد ، ففيه أيضا الاشكال المتقدّم ، خصوصا إذا كان جهله مجامعا لتكليفه بالاجتناب ، كما إذا علمنا أنّه أقدم على بيع أحد المشتبهين بالنجس ، إلاّ أنّه يحتمل أن يكون قد اتّفق المبيع غير نجس.

وكذا إن كان جاهلا بحاله. إلاّ أنّ الإشكال في بعض هذه الصور أهون منه في بعض ، فلا بدّ من التتبّع والتأمّل.

__________________

(١) انظر الصفحة ٣٨٣.

(٢) لم ترد «وسيجيء الكلام فيه» في (ر).

٣٥٦

الثاني

هل يعتبر في جريان أصالة الصحّة في العقود استكمال أركان العقد؟

أنّ الظاهر من المحقّق الثاني أنّ أصالة الصحّة إنّما تجري في العقود بعد استكمال العقد للأركان.

قال في جامع المقاصد ، فيما لو اختلف الضامن والمضمون له ، فقال الضامن : ضمنت وأنا صبيّ ـ بعد ما رجّح تقديم قول الضامن ـ ما هذا لفظه :

كلام المحقق الثاني في باب الضمان

فإن قلت : للمضمون له أصالة الصحّة في العقود ، وظاهر حال العاقد الآخر أنّه لا يتصرّف باطلا.

قلنا : إنّ الأصل في العقود الصحّة بعد استكمال أركانها ليتحقّق وجود العقد ، أمّا قبله فلا وجود له ، فلو اختلفا في كون المعقود عليه هو الحرّ أو العبد ، حلف منكر وقوع العقد على العبد ، وكذا الظاهر إنّما يتمّ مع الاستكمال المذكور ، لا مطلقا (١) ، انتهى.

كلامه قدس‌سره في باب الاجارة

وقال في باب الإجارة ، ما هذا لفظه :

لا شكّ في أنّه إذا حصل الاتفاق على حصول جميع الامور

__________________

(١) جامع المقاصد ٥ : ٣١٥.

٣٥٧

المعتبرة في العقد ـ من حصول الإيجاب والقبول من الكاملين ، وجريانهما على العوضين المعتبرين ـ ووقع الاختلاف في شرط مفسد ، فالقول قول مدّعي الصحّة بيمينه ؛ لأنّه الموافق للأصل ؛ لأنّ الأصل عدم ذلك المفسد ، والأصل في فعل المسلم الصحّة.

أمّا إذا حصل الشك (١) في الصحّة والفساد في بعض الامور المعتبرة وعدمه ، فإنّ الأصل (٢) لا يثمر هنا ؛ فإنّ الأصل عدم السبب الناقل.

ومن ذلك ما لو ادّعى أنّي اشتريت العبد فقال بعتك الحرّ (٣) ، انتهى.

كلام العلاّمة ; في القواعد

ويظهر هذا من بعض كلمات العلاّمة ; ، قال في القواعد :

لا يصحّ ضمان الصبيّ ولو أذن له الوليّ ، فإن اختلفا قدّم قول الضامن ؛ لأصالة براءة الذمّة وعدم البلوغ ، وليس لمدّعي الصحّة (٤) أصل يستند إليه ، ولا ظاهر يرجع إليه. بخلاف ما لو ادّعى شرطا فاسدا ؛ لأنّ الظاهر أنّهما لا يتصرّفان باطلا ، وكذا البحث في من عرف له حالة جنون (٥) ، انتهى.

كلامه في التذكرة :

وقال في التذكرة :

لو ادّعى المضمون له : أنّ الضامن ضمن بعد البلوغ ، وقال الضامن : بل ضمنت لك قبله. فإن عيّنا له وقتا لا يحتمل بلوغه فيه

__________________

(١) في المصدر بدل «الشك» : «الاختلاف».

(٢) في المصدر بدل «الأصل» : «هذا الاستدلال».

(٣) جامع المقاصد ٧ : ٣٠٧ و ٣٠٨.

(٤) في المصدر بدل «الصحّة» : «الأهليّة».

(٥) قواعد الأحكام ٢ : ١٥٦.

٣٥٨

قدّم قول الصبيّ ـ إلى أن قال ـ : وإن لم يعيّنا وقتا ، فالقول قول الضامن بيمينه ، وبه قال الشافعيّ ؛ لأصالة عدم البلوغ. وقال أحمد : القول قول المضمون له ؛ لأنّ الأصل صحّة الفعل (١) وسلامته ، كما لو اختلفا في شرط مبطل. والفرق : أنّ المختلفين في الشرط المفسد يقدّم فيه قول مدّعي الصحّة ؛ لاتفاقهما على أهليّة التصرّف ؛ إذ (٢) من له أهليّة التصرّف لا يتصرّف إلاّ تصرّفا صحيحا ، فكان القول قول مدّعي الصحّة ؛ لأنّه مدّع للظاهر ، وهنا اختلفا في أهليّة التصرّف ، فليس مع من يدّعي الأهليّة ظاهر يستند إليه ولا أصل يرجع إليه. وكذا لو ادّعى أنّه ضمن بعد البلوغ وقبل الرشد (٣) ، انتهى موضع الحاجة.

لكن لم يعلم الفرق بين دعوى الضامن الصغر وبين دعوى البائع إيّاه ، حيث صرّح العلاّمة والمحقّق الثاني بجريان أصالة الصحّة ، وإن اختلفا بين من (٤) عارضها بأصالة عدم البلوغ ، وبين من (٥) ضعّف هذه المعارضة.

وقد حكي عن قطب الدين (٦) : أنّه اعترض على شيخه العلاّمة في

__________________

(١) في المصدر بدل «الفعل» : «العقد».

(٢) في المصدر بدل «إذ» : «والظاهر أنّ».

(٣) التذكرة (الطبعة الحجرية) ٢ : ٨٧.

(٤) وهو العلاّمة ، انظر قواعد الأحكام ٢ : ٩٧.

(٥) وهو المحقّق الثاني ، انظر جامع المقاصد ٤ : ٤٥٢.

(٦) حكاه الشهيد عن القطب ، كما في مفتاح الكرامة ٥ : ٣٦١ ، ولم نقف عليه في كتب الشهيد.

٣٥٩

مسألة الضمان بأصالة الصحّة ، فعارضها بأصالة عدم البلوغ ، وبقي (١) أصالة البراءة سليمة عن المعارض.

الأقوى التعميم وعدم اعتبار استكمال الأركان

أقول : والأقوى بالنظر إلى الأدلّة السابقة ـ من السيرة ولزوم الاختلال ـ : هو التعميم. ولذا لو شكّ المكلّف أنّ هذا الذي اشتراه هل اشتراه في حال صغره؟ بنى على الصحّة. ولو قيل : إنّ ذلك من حيث الشكّ في تمليك البائع البالغ ، وأنّه كان في محلّه أم كان فاسدا ، جرى مثل ذلك في مسألة التداعي أيضا.

المناقشة فيما ذكره المحقق الثاني

ثمّ (٢) إنّ ما ذكره جامع المقاصد : من أنّه لا وجود للعقد قبل استكمال أركانه ، إن أراد الوجود الشرعيّ فهو عين الصحّة ، وإن أراد الوجود العرفيّ فهو متحقّق مع الشكّ ، بل مع القطع بالعدم.

وأمّا ما ذكره : من الاختلاف في كون المعقود عليه هو الحرّ أو العبد (٣) ، فهو داخل في المسألة المعنونة في كلام القدماء والمتأخّرين ، وهي

__________________

(١) في (ص) و (ظ): «وأبقى».

(٢) في (ص) بدل «ثمّ» : «مع».

(٣) في (ظ) ، (ت) و (ص) زيادة ما يلي : «فإن أراد به حرّا معيّنا كزيد وعبدا معيّنا كسعيد ، فإن كان الدعوى على مجرّد تمليك أحدهما ، بأن قال أحدهما لمولى العبد : ملّكتني عبدك ، وقال المولى : ملّكتك زيدا الحرّ ، فلا إشكال في كون القول قول منكر تمليك العبد ؛ لأنّ صاحبه يدّعي تمليك عبده ، فيحلف على عدمه ، وأمّا هو فلا يدّعي على صاحبه شيئا ؛ لأنّ دعوى تمليك الحرّ لا يتضمّن مطالبة المدّعي بشيء ، وإن أراد به التداعي في كون أحد العوضين للآخر المملوك حرّا أو عبدا» ، وكتب في (ت) و (ص) على هذه الزيادة : «زائد».

٣٦٠