اسطورة التحريف

محمود الشريفي

اسطورة التحريف

المؤلف:

محمود الشريفي

المحقق: المترجم:
الموضوع : القرآن وعلومه
نسخة غير مصححة

٢. مذهب التشيع مبنيّ على التمسّك بالقرآن والعترة

قام مذهب التشيّع لأهل بيت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله على الاعتقاد بأنّ الله تعالى أمر نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله بأن يوصي أمته بالتمسّك بعده بالقرآن وعترة النبيّ ، لأنّه اختارهم للإمامة وقيادة الأمة بعد نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله.

وحديث الثقلين حديث ثابت عند الشيعة والسنّة ، فقد رواه أحمد(١) (عن أبي سعيد الخدري عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قال إنّي أوشك أن ادّعى فأجيب ، وإنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله عزّ وجلّ عترتي. كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي. وإنّ اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتىّ يردا عليّ الحوض ، فانظروني بم تخلفوني فيهما؟!).

وقد بلغت مصادر هذا الحديث من الكثرة وتعدّد الطرق عند الطرفين بحيث إنّ أحد علماء الهند ألّف في أسانيده وطرقه كتاب (عبقات الأنوار) من عدّة مجلّدات.

وعندما يقوم مذهب طائفة على التمسّك بوصيّة النبيّ بالثقلين ، الثقل الأكبر القرآن والثقل الأصغر أهل بيت نبيّهم ... فكيف يصحّ اتّهامهم بأنّهم لايؤمنون بأحد ركني مذهبهم؟!

إنّ مثل القرآن والعترة ـ الّذين هم المفسّرون للقرآن والمبلغون للسنّة ـ في مذهبنا كمثل الأوكسيجين والهيدروجين ، فبدون أحدهما لا يتحقّق وجود مذهب التشيّع ...

__________________

(١) مسند أحمد ج ٣ص ١٧.

٨١

ولم تقتصر تأكيدات النبيّ على التمسّك بعترته على حديث الثقلين ، بل كانت متكرّرة وممتدّة طوال حياته الشريفة ، وكان أوّلها مبكراً في مرحلة دعوة عشيرته الأقربين ـ التي يقفز عنها كتاب السيرة في عصرنا ويسمّونها مرحلة دار الأرقم ـ يوم نزل قوله تعالى : (وَأنْذِرْ عَشيرَتَكَ الأقرَبِينَ) فجمع بني عبدالمطّلب ودعاهم إلى الإسلام ، وأعلن لهم أنّ عليّاً وزيره وخليفته من بعده!

قال السيّد شرف الدين(١) :

( ... فدعاهم إلى دار عمّه أبي طالب وهم يومئذٍ أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصونه ، وفيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبولهب ، والحديث في ذلك من صحاح السنن المأثورة ، وفي آخره قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : يا بني عبدالمطّلب إنّي والله ما أعلم شابّاً في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به ، جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه ، فأيّكم يؤازرني على أمري هذا على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم؟ فأحجم القوم عنها غير عليّ ـ وكان أصغرهم ـ إذ قام فقال : أنا يا نبيّ الله أكون وزيرك عليه. فأخذ رسول الله برقبته وقال : إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا. فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع لإبنك وتطيع!(٢) ) انتهى.

__________________

(١) المرجعات ، ص ١٨٧.

(٢) المصدر نفسه ، ص ١٨٧.

٨٢

وتواصلت تأكيدات النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بعد حديث الدار في مناسبات عديدة ، كان منها حديث الثقلين ، وكان منها تحديد من خم أهل بيته الّذين أذهب الله عنهم الرجس ... ثمّ كان أوجها أن أخذ البيعة من المسلمين لعليّ في حجة الوداع في مكان يدعى غدير خم .. وقد روت ذلك مصادر الفريقين أيضاً ، وألّف أحد العلماء الشيعة كتاب (الغدير) من عدة مجلّدات في جمع أسانيده وما يتعلّق به.

٣. قاعدة عرض الأحاديث على القرآن عند الشيعة

من مباحث أصول الفقه عند الشيعة والسنّة : مسألة تعارض الأحاديث مع القرآن ، وتعارض الأحاديث فيما بينها. وفي كلتا المسألتين يتشدّد الشيعة في ترجيح القرآن أكثر من إخوانهم السنّة ، فعلماء السنّة مثلاً يجوّزون نسخ آيات القرآن بالحديث حتىّ لو رواه صحابي واحد .. ولذلك صحّحوا موقف الخليفة أبي بكر السلبي من فاطمة الزهراء عليها‌السلام ، حيث صادر منها (فدك) الّتي نحلها إيّاها النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وكانت بيدها في حياة أبيها ، ثمّ منعها إرثها من أبيها صلى‌الله‌عليه‌وآله بدعوى أنّه سمع النبيّ يقول : (نحن معاشر الأنبياء لا نوّرث) ، فما تركه النبيّ يكون صدقة بيد الدولة .. واحتجّت عليه فاطمة الزهراء بالقرآن وقالت له ـ كما روى النعماني المغربي ـ : يابن أبي قحافة أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي ..؟! لقد جئت شيئاً فَرِياً(١) ، فقال علماء السنة : إنّ

__________________

(١) شرح الأخبار ، ج ٣ ، ص ٣٦.

٨٣

عمل أبي بكر صحيح ، وآيات الإرث في القرآن منسوخة بالرواية الّتي رواها أبوبكر وحده ، ولم يروها غيره!

أمّا إذا تعارض الحديثان فقد وضع علماء الأصول والحديث لذلك موازين لترجيح أحدهما على الآخر ، ومن أوّلها عند الفريقين الأخذ بالحديث الموافق لكتاب الله تعالى وترك ما خالفه ... إلخ. وزاد علماء الشيعة على ذلك أنّه بقطع النظر عن وجود التعارض بين الأحاديث أو عدم وجوده فإنّه يجب عرض كلّ حديث على كتاب الله تعالى ، والأخذ بما وافقه إن استكمل بقيّة شروط القبول الأخرى ، ورووا في ذلك روايات صحيحة عن النبيّ وآله صلى‌الله‌عليه‌وآله :

ففي الكافي (عن أبي عبدالله عليه‌السلام قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ على كلّ حقّ حقيقة ، وعلى كلّ صواب نوراً ، فما وافق كتاب الله فخذوه ، وما خالف كتاب الله فدعوه. (١)

وعن أبي عبدالله عليه‌السلام قال : خطب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بمنى فقال : أيّها النّاس ما جاءكم عنّي يوافق كتاب الله فأنا قلته ، وما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله.

وعن أبي عبدالله بن أبي يعفور ، قال : سألت أبا عبدالله عليه‌السلام عن إختلاف الحديث يرويه من نثق به ، ومنهم من لا نثق به؟ قال : إذا ورد عليكم حدثي فوجدتم له شاهداً من كتاب الله أو من قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإلاّ

__________________

(١) الكافي ، ج ١ ، ص ٦٩ ، ح ١.

٨٤

فالّذي جاءكم به أولى به.

وعن أيّوب بن الحرّ قال : سمعت أبا عبدالله عليه‌السلام يقول : كلّ شيء مردود إلى الكتاب والسنّة ، وكلّ حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف) (١).

وفي تهذيب الأحكام ( ... فهذان الخبران قد وردا شاذّين مخالفين لظاهر كتاب الله ، وكلّ حدثي ورد هذا المورد فإنّه لا يجوز العمل عليه ، لأنّه روي على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وعن الأئمة عليهم‌السلام أنّهم قالوا : إذا جاءكم منّا حديث فأعرضوه على كتاب الله ، فما وافق كتاب الله فخذوه ، وما خالفه فاطرحوه أو ردّوه علينا. وهذان الخبران مخالفان على ما ترى ... (٢)) انتهى.

فكيف يتّهم الشيعة بعدم الاعتقاد بالقرآن؟! والقرآن هو المقياس الأوّل في مذهبهم ، وهم يخوضون معركة فكريّة مع إخوانهم السنّة ويكافحون من أجل تحكيم نصوص القرآن ، وقد اشتهرت عنهم إشكالاتهم على اجتهادات الخلفاء في مقابل نصّ القرآن والسنّة ، وما زال علماء السنّة إلى عصرنا يسعون للإجابة على هذه الإشكالات!

٤. تاريخ الشيعة وثقافتهم مبنيّان على القرآن

والشيعة ليسوا طائفة مستحدثة ، بل جذورهم ضاربة إلى زمن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، حيث كان عدد من الصحابة يلفتون حول علي عليه‌السلام ، فشجعهم

__________________

(١) الكافي ، ج ١ ، ص ٦٩ ، ح ٢ و ٣ و ٥.

(٢) تهذيب الأحكام ، ج ٧ ، ص ٢٧٥.

٨٥

النبيّ على ذلك ، ومدحهم وأبلغهم مدح الله تعالى لهم ، كما ترويه مصادر السنّة والشيعة .. فقد روى السيوطي في تفسير قوله تعالى (إنَّ الّذينَ آمنوا وَعَمِلوا الصّالِحاتِ أُولئكَ هُمْ خَيرُ الْبرَيّةِ) فقال :

(وأخرج ابن عساكر عن جابر بن عبدالله قال : كنّا عند النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآلهفأقبل عليّ فقال النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : والذي نفسي بيده إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة. ونزلت : (إنَّ الّذينَ آمنوا وَعَمِلوا الصّالِحاتِ أُولئكَ هُمْ خَيرُ الْبرَيّةِ). فكان أصحاب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله إذا أقبل عليٌّ قالوا : جاء خير البريّة.

وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن أبي سعيد مرفوعاً : عليٌّ خير البريّة.

وأخرج ابن عدي عن ابن عباس قال لمّا نزلت : (إنَّ الَّذينَ آمنوا وَعَمِلوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيرُ البريّةِ) قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّ : هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيّين.

وأخرج ابن مردويه عن عليّ قال : قال لي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : (إنَّ الَّذينَ آمنوا وَعَمِلوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيرُ البريّةِ) أنت وشيعتك ، وموعودي وموعودكم الحوض إذا جاءت الأمم للحساب ، تدعون غرّاً محجّلين) انتهى. (١)

فعليُّ وشيعته كانوا وجوداً مميّزاً في زمن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهم الّذين كانوا مشغولين مع عليّ بجنازة النبيّ ، عند ما بادر الآخرون إلى سقيفة

__________________

(١) الدرّ المنثور ، ج ٦ ، ص ٣٧٩.

٨٦

ورتّبوا بيعة أبي بكر ، فأدان عليّ وفاطمة وشيعتهم هذا التصرّف ، واتّخذوا موقف المعارضة .... وعندما بويع عليّ بالخلافة كانوا معه في مواجهة الانحراف وتنفيذ وصيّة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بالقتال على تأويل القرآن .. ثمّ كانوا مع أبنائه الأئمّة من أهل البيت عليهم‌السلام .. وعبر القرون كان الشيعة قطاعاً كبيراً حيوياً واسع الامتداد في الأمة تمثل في مجتمعاتٍ ودولٍ ، وتاريخ معروفٍ مدوّن. وثقافتهم ومؤلّفاتهم كثيرة وغزيرة ، وقد كانت وما زالت في متناول الجميع ، ومحورها كلّها القرآن والسنّة ، ولا أثر فيها لوجود قرآن آخر!!

٥. تفاسير علماء الشيعة ومؤلّفاتهم حول القرآن

يمكن القول بأنّ نسبة عدد الشيعة عبر العصور المختلفة كانت خمس عدد الأمّة الإسلاميّة ، وبقيّة المذاهب السنّية أربع أخماس .. فالوضع الطبيعي أن تكون نسبة مؤلّفاتهم في تفسير القرآن ومواضيعه الأخرى خمس مجموع مؤلفات إخوانهم السنّة ..

إذا لا حظنا ظروف الاضطهاد التي عاشها الشيعة عبر القرون ، نكون منصفين إذا توقّعنا من علمائهم عُشر ما ألّفه إخوانهم السنّة حول القرآن بالنصف العشر .. بينما نجد أنّ مؤلّفات الشيعة حول القرآن قد تزيد على الثلث!

وقد أحصت دار القرآن في قم أسّسها مرجع الشيعة الراحل السيّد الگلبايگاني رحمة الله ، مؤلّفات الشيعة في التفسير فقط

٨٧

في القرون المختلفة ، فزادت على خمسة آلاف مؤلّف ..

فكيف يصحّ أن نعمد إلى طائفة أسهموا على مدى التاريخ الإسلامي أكثر من غيرهم في التأليف في تفسير القرآن وعلومه .. ونتّهمهم بعدم الإيمان بالقرآن ، او بأنّ عندهم قرآناً آخر!!

٦. فقه الشيعة في احترام القرآن أكثر تشدّداً

توجد مجموعة أحكام شرعية عند الشيعة تتعلّق بوجوب احترام نسخة القرآن الكريم وحرمة إهانتها. فلا يجوز عندنا مسّ خطّ القرآن لغير المتوضّئ ، ولايجوز القيام بأي عمل يعتبر عرفاً إهانةً للقرآن ولو لم يقصد صاحبه الإهانة ، كأن يضع نسخة القرآن في مكان غير مناسب ، أو يرميها رمياً غير لائق ، أو ينام ونسخة المصحف في مكان مواجه لقدميه ، أو يضعها في طفل يعبث بها .. إلى آخر هذه الأحكام التي تشاهدها في كتب الفقه العملي الذي يعلّم الناس الصلاة والوضوء والأحكام التي يحتاجها الشيعي في حياته اليوميّة ... فأيّ قرآن تتعلّق به هذه الأحكام التي تعلّمها نساء الشيعة لأطفالهن ..؟

هل تتعلّق بقرآن الشيعة المزعوم الذي لا يعرفه الشيعة ولا رأوه؟!

٧. فتاوى علماء الشيعة بعدم تحريف القرآن

وقد صدرت فتاوى علماء الشيعة [الماضين والحاضرين] جواباً

٨٨

على تهمة الخصوم فأجمع مراجعهم على أنّ إتّهام الشيعة بعدم الاعتقاد بالقرآن افتراء عليهم وبهتان عظيم ، وأنّ الشيعة يعتقدون بسلامة هذا القرآن وأنّه القرآن المنزل على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من دون زيادة أو نقيصة(١).

__________________

(١) تدوين القرآن ، ص ٣٥.

٨٩

شهادة أعلام التحقيق من أهل السنّة

من الجدير أن نشير هنا إلى شهادات بعض المحقّقين من أهل السنّة بشأن نزاهة مواقف علماء الشيعة الإماميّة تجاه مسألة التحريف وبأنّ أعلام علماء الشيعة لا يعتقدون بعروض التحريف في القرآن. وإليك نماذج من تلكم الشهادات :

١. قال أبوالحسن علّي بن إسماعيل الأشعري :

واختلف الروافض في القرآن ، عل زيد فيه أو نقص منه؟ وهم فرقتان ، فالفرقة الأولى منهم يزعمون أنّ القرآن قد نقص منه ، وأمّا الزيادة فذلك غير جائز أن يكون قد كان ، وكذلك لا يجوز أن يكون قد غيّر منه شيء عمّا كان عليه ، فأمّا ذهاب كثير منه فقد ذهب كثير منهم ، والإمام يحيط علماً به.

والفرقة الثانية منهم وهم القائلون بالاعتزال (لقوطهم بأصل العدل) والإمامة يزعمون أنّ القرآن ما نقص منه ولا زيد فيه ، وأنّه على ما

٩٠

أنزله الله على نبيّه عليه الصلاة والسلام ، لم يغيّر ولم يبدّل ، ولازال عمّا كان عليه. (١)

هذا كلام أكبر زعيم من زعماء الفكر الإسلامي في القرن الرابع (توفّي سنة ٣٣٠ هـ. ق) يشهد بوضوح أنّ الأعلام المحقّقين من أكابر الشيعة الإمامية يرفضون القول بالتحريف في جميع أشكاله.

٢. قال الأستاذ المعاصر الدكتور محمد عبدالله درّاز :

ومهما يكن من أمر فإنّ هذا المصحف هوالوحيد المتداول في العالم الإسلامي بما فيه فرق الشيعة ـ منذ ثلاثة عشر قرناً من الزمان. ونذكر هنا رأي الشيعة (أهم فرق الشيعة) كما ورد بكتاب أبي جعفر (الصدوق) :

(إنّ اعتقادنا في جملة القرآن الّذي أوحى به الله تعالى إلى نبيّه محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله هو كلّ ما تحتويه دفّتا المصحف المتداول بين الناس لا أكثر ... أمّا ما ينسب إلينا الاعتقاد في أنّ القرآن أكثر من هذا فهو كاذب) أمثال هذه الرّوايات الّتي نضرب عنها صفحاً.

قال : وقد ألّف ابن الخطيب محمد محمد عبداللطيف في سنة ١٩٤٨ م كتاباً اسمه الفرقان حشّاه بكثير من أمثال هذه الروايات السقيمة المدخولة المرفوضة ، ناقلاً لها عن الكتب والمصادر عند أهل السنّة. وقد طلب الأزهر من الحكومة مصادرة هذا الكتاب بعد أن بيّن بالدليل والبحث العلمي أوجه البطلان والفساد فيه ، فاستجاب الحكومة لهذا

__________________

(١) صيانة القرآن من التحريف ، ص ٨٠.

٩١

الطلب وصادرت الكتاب ، فرفع صاحبه دعوى يطلب فيها تعويضاً ، فحكم القضاء الإداري في مجلس الدولة برفضها.

أفيقال : إنّ اهل السنّة ينكرون قداسة القرآن؟ أو يعتقدون نقص القرآن لرواية رواها فلان؟ أو لكتاب ألّفه فلان؟

فكذلك الشيعة الإمامية ، إنّما هي روايات في بعض كتبهم كالروايات الّتي في بعض كتبنا. وفي ذلك يقول العلاّمة السعيد أبو علي الفضل الطبرسي ابن الحسن الطبرسي(١) في كتابه (مجمع البيان لعلوم القرآن) وهو بصدد الكلام عن الروايات الضعيفة الّتي تزعم أنّ نقصاً ما دخل القرآن ـ يقول هذا الإمام ما نصّه : روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشويّة العامّة أنّ في القرآن تغييراً ونقصاناً ، والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه ، وهو الّذي نصره المرتضى قدّس الله روحه .... وينقل كلان العلاّمة الطبرسي بتمامه ، حسبما نقلناه آنفاً ، ثمّ يقول : فهذا كلام صريح واضح الدلالة على أنّ الإماميّة كغيرهم في اعتقاد أنّ القرآن لم يضع منه حرف واحد ، ثمّ قال الأستاذ :

وبناءً فلى ذلك أكّد ((لو بلو)) أنّ القرآن هو اليوم الكتاب الربّانيّ الّذي ليس فيه أيّ تغيير يذكر ... وكان ((و. موير)) فد أعلن ذلك قبله ... فلم يوجد إلاّ القرآن واحد لجميع الفرق الإسلاميّة المتنازعة. (٢)

__________________

(١) هو من كبار علماء الإمامية في القرن السادس الهجري.

(٢) صيانة القرآن من التحريف ، ص ٨٣.

٩٢

٣. قال الأستاذ الشيخ محمد محمد المدني(١)

وأمّا أنّ الإماميّة يعتقدون نقص القرآن فمعاذ الله! وإنّما هي روايات رويت في كتبهم ، كما روي مثلها في كتبنا ، وأهل التحقيق من الفريقين قد زيّفوها وبيّنوا بطلانها ، وليس في الشيعة الإماميّة أو الزيديّة من يعتقد ذلك ، كما أنّه ليس في السنّة من يعتقده.

ويستطيع من شاء أن يرجع إلى مثل (كتاب الإتقان) للسيوطي ليري فيه أمثال هذه الروايات الّتي نضرب عنها صفحاً. (٢)

أقول : هكذا يعترف كلّ من كان منصفاً وراجع كتب الشيعة ونظر إلى رأي علماء الشيعة ودرس عقائدهم وأقوالهم من صدر الإسلام إلى الآن ويتعجّب ممّن اتّهم الشيعة وعلمائهم بأنّهم يعتقدون بالتحريف.

قال السيّد شرف الدّين العاملي :

والباحثون من أهل السنّة يعلمون أنّ شأن القرآن العزيز عند الإمامية ليس إلاّ ما ذكرناه ، والمنصفون منهم يصرّحون بذلك :

قال الإمام الهمام الباحث المتتبّع رحمة الله الهندي في كتابه النفيس (إظهار الحقّ) ما هذا لفظه : القرآن المجيد عند جمهور علماء الشيعة الإماميّة الإثني عشرية محفوظة عن التغيير والتبديل. ومن قال منهم بوقوع النقصان فيه (أي الفئة الأخباريّة) فقوله مردود غير مقبول عندهم.

__________________

(١) هو عميد كلية الشريعة بالجامعة الأزهرية.

(٢) صيانة القرآن من التحريف ، ص ٨٤.

٩٣

ثمّ يستشهد الإمام الهندي بكلمات أعلام الطّائفة أمثال : الصدوق والشريف المرتضى والطبرسي والحرّ العاملي وغيرهم من مشاهير.

ويعقّبها بقوله : فظهر أنّ المذهب المحقّق عند علماء الفرقة الإماميّة الإثني عشرية أنّ القرآن الّذي أنزله الله على نبيّه هو ما بين الدفّتين ، وهو ما في أيدي الناس ، ليس بأكثر من ذلك. وأنّه كان مجموعاً مؤلّفاً في عهده صلى‌الله‌عليه‌وآله وحفظه ونقله ألوف من الصحابة ، وجماعة من الصحابة كعبدالله بن مسعود وأبيّ بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبيّ عدّة ختمات ، ويظهر القرآن ويشهر بهذا الترتيب عند ظهور الإمام الثاني عشر عجّل الله تعالى فرجه.

قال : والشرذمة القليلة الّتي قالت بوقوع التغيير فقولهم مردود عندهم ولا اعتداد بهم فيما بينهم. وبعض الأخبار الضعيفة الّتي رويت في مذهبهم لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحّته. وهو حقّ ، لأنّ خبر الواحد لايقتضي علماً ، فيجب ردّه إذا خالف الأدلّة القاطعة ، على ما صرّح به ابن المطهّر الحلّي(العلاّمة) في مبادئ الوصول إلى علم الأصول(١).

__________________

(١) الفصول المهمّة ، ص ١٦٤.

٩٤

الفصل الرابع

أدلّة القائلين بالتحريف

٩٥
٩٦

أدلّة تحريف الكتاب وردّها

واستدلّ للقول بوقوع التحريف في الكتاب بأدلّة جمعها المحدّث النوري في كتابه الّذي يسمّى بفصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب ربّ الأرباب. وإنّنا كلّ الأدلّة الّتي نقلها موجزاً ونجيب عنها بعون الله تعالى :

الدليل الأوّل :

إنّ اليهود والنصارى غيّروا وحرّفوا كتاب نبيّهم بعده ، فهذه الأمّة أيضاً لابّد أن يغيّروا القرآن بعد نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ لأنّ ما وقع في بني إسرائيل لابّد وأن يقع في هذه الأمّة على ما أخبر به الصادق المصدّق صلوات الله عليه. (١)

أقول : يمكن أن يكون مراده ممّا أخبر به الصادق المصدّق هذه

__________________

(١) فصل الخطاب ، ص ٣٥.

٩٧

الرواية الّتي رواها الصدوق في كمال الدين وتمام النعمة عن غياث بن إبراهيم ، عن الصادق ، عن أبيه ، عن آبائه عليهم‌السلام قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : كلّ ما كان في الأمم السالفة ، فإنّه يكون في هذه الأمّة مثله حذو النعل بالنعل ، والقذة بالقذة. (١)

وروي روايات أخرى بهذا المضمون من الشيعة والسنّة.

والجواب عن ذلك :

لقد أجاب آية الله العظمى الخوئي عن ذلك بقوله :

أوّلاً : إنّ الروايات المشار إليها أخبار آحاد لا تفيد علماً ولا عملاً ، ودعوى التواتر فيها جزافيّة لا دليل عليها ، ولم يذكر من هذه الروايات شيء في الكتب الأربعة ، ولذلك فلا ملازمة بين وقوع التحريف في التوراة ووقوعه في القرآن.

ثانياً : إنّ هذا الدليل لو ثمّ لكان دالّاً على وقوع الزيادة في القرآن أيضاً ، كما وقعت في التوراة والانجيل ، ومن الواضح بطلان ذلك.

ثالثاً : إنّ كثيراً من الوقائع الّتي حدثت في الأمم السابقة لم يصدر مثلها في هذه الأمّة ، كعبادة العجل ، وتيه بني إسرائيل أربعين سنة ، وغرق فرعون وأصحابه ، وملك سليمان للانس والجنّ ، ورفع عيسى إلى السماء ، وموت هارون وهو وصيّ موسى قبل موت موسى بنفسه ، واتيان موسى بتسع آيات بيّنات ، وولادة عيسى من غير أب ، ومسخ كثير من السابقين قردة وخنازير ، وغير ذلك ممّا لا يسعنا إحصاؤه.

__________________

(١) كمال الدين وتمام النعمة ، ص ٥٧٦.

٩٨

وهذا أدلّ دليل عدم إرادة الظاهر من تلك الروايات ، فلابّد من إرادة المشابهة في بعض الوجوه. وعلى ذلك فيكفي في وقوع التحريف في هذه الأمّة عدم اتّباعهم لحدود القرآن ، وإن أقاموا حروفه كما في الرواية ...

رابعاً : لو سلّم تواتر هذه الروايات في السند ، وصحّتها في الدلالة ، لمّا ثبت بها أنّ التحريف قد وقع فيما مضى من الزمن ، فلعلّه يقع في المستقبل زيادة ونقيصة ، والّذي يظهر من البخاري تحديده بقيام الساعة ، فكيف يستدلّ بذلك على وقوع التحريف في صدر الإسلام وفي زمان الخلفاء؟!(١)

الدليل الثاني :

إنّ كيفية جمع القرآن وتأليفه مستلزمة عادة لوقوع التغيير والتحريف فيه ثمّ قال : فإنّك قد عرفت أنّ القرآن لم يكن مجموعاً مرتبّاً في عهد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإنّما كان منتشراً متشتّتاً عند الأصحاب في الألواح والصدور ، مع احتمال أنّه لم يكن بعضه عند أحد منهم كما أشير إليه في بعض الأخبار. نعم جمعت عند النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله نسخة متفرّقة في الصحف والحرير والقراطيس ورثها عليّ عليه‌السلام ولمّا جمعها بعده صلى‌الله‌عليه‌وآله بأمره ووصيّته وألّفه كما أنزل الله تعالى ثمّ عرضها عليهم فأعرضوا عنه وعمّا جاء به. (٢)

__________________

(١) البيان في تفسير القرآن ، ص ٢٢١.

(٢) فصل الخطاب ، ص ٩٦.

٩٩

والجواب عن ذلك :

إنّ كيفيّة الجمع الّذي ثبت عندنا ليست مستلزمة لوقوع التحريف ؛ لأنّا نعتقد أنّ القرآن كتب وجمع في زمن النبيّ وفي إشرافه كما أكّد عليه عدد من العلماء والباحثين مثل : الحارث المحاسبي والخازن والزرقاني والزركشي وعبدالصبور شاهين ومحمد الغزالي وأبي شامة والباقلاني والحرّ العاملي والبلخي وابن طاووس والسيّد شرف الدين. (١) وقال الدكتور الصغير : ( ... والتحقيق العلمي يقتضي : أن يكون القرآن كلّه قد كتب ، وجمع في عهد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله كما يرى ذلك ابن حجر). (٢)

فمصدر هذه الشبهة كما قال المرحوم آية الله العظمى الخوئي هو زعمه بأنّ جمع القرآن كان بأمر من أبي بكر بعد أن قتل سبعون رجلاً من القرّاء في بئر معونه ، وأربعمائة نفر في حرب اليمامة فخيف ضياع القرآن وذهابه من النّاس ، فتصدّى عمرو بن زيد بن ثابت لجمع القرآن من العسب والرقاع واللخاف ، ومن صدور النّاس بشرط أن يشهد شاهدان على أنّه من القرآن ، وقد صرّح بجميع ذلك في عدة من الروايات ، والعادة تقضي بفوات شيء منه على المتصدّي لذلك إذا كان غير معصوم ، كما هو مشاهد فيمن يتصدّى لجمع شعر شاعر واحد أو أكثر ، إذا كان هذا الشعر متفرّقاً ، وهذا الحكم قطعي بمقتضى العادة ، لا أقلّ من احتمال وقوع التحريف ، فإنّ من المحتمل عدم إمكان إقامة

__________________

(١) من أراد الاطّلاع على أقوال العلماء فليراجع كتاب أكذوبة تحريف القرآن ، ص ٣٢

(٢) حقايق هامّة حول القرآن الكريم ، ص ٦٣.

١٠٠