الشفاعة حقيقة إسلاميّة

محمد هادي الأسدي

الشفاعة حقيقة إسلاميّة

المؤلف:

محمد هادي الأسدي

المحقق: المترجم:
الموضوع : العقائد والكلام الناشر: مركز الرسالة المطبعة: ستاره ISBN: 964-8629-54-4
نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

١

٢

٣

٤



مقدِّمة المركز

الحمدُ لله ربِّ العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين ، نبينا محمد المصطفى وعلى آله الطيّبين الطاهرين.

كانت مسائل العقيدة في حياة الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واضحة بسيطة خالية من التعقيد والاستدلالات الفلسفية والكلامية ، إذ لم يكن هناك مصدر لاختلاف المسلمين سوى شبهات كان أهل الكتاب يثيرونها أحياناً بين المسلمين ، أو سوء فهم بعض الأصحاب لبعض الآيات ، أو قصر نظرهم عليها وغفلتهم عن البعض الآخر منها ، أو جهلهم بيانات الرسول الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

ولم يعد لهذه الاُمور أي تأثير على عقائد المسلمين في العهد النبوي بفضل وجود النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي كان يبيّن للمسلمين كلّ ما من شأنه أن يكون مدعاة لاختلافهم.

ولما كانت سُنة الله قد خلت من قبل أن لا يخلد أحد في هذه الدنيا ولو كان رسولاً نبياً ، ولكون رسالة الإسلام هي الرسالة الخاتمة الخالدة ، فمن غير المعقول جداً أن يدع الرسول دينه نهباً من غير أن يكون له واقٍ يقيه وحامٍ يحميه بعد رحيله لكي يدرأ عنه أية شبهة ويدفع عنه أي اشكال. ومن هنا كان التأكيد النبوي المستمر بحديث الثقلين وغيره على أهل بيته ليبيّن للناس جميعاً مقامهم وأنهم هم الذين سيخلفونه في ذلك كلّه « إنّي تاركٌ فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً ».

وبعد أن بلّغ الرسول أُمته وصدع بالحق أمره لم تلبث الاُمور هكذا في حياته ، ولكن سرعان ما ظهرت بوادر الاختلاف حين وداعه ثم ازدادت بعد وفاته شيئاً فشيئاً حتى انسحب ـ فيما بعد ـ إلى أكثر مفردات العقيدة الإسلامية خصوصاً عند توسع رقعة الإسلام الجغرافية على أثر الفتوحات الإسلامية ، وتأثر

٥

الفكر الإسلامي بفلسفتي الفرس والرومان ، ونتج عن ذلك ـ بتقادم الأيام ـ بروز حركة الترجمة وتطور علم الكلام الذي كانت بوادره موجودة في عصر صدر الإسلام ولكن بصورتها الغضة الطرية.

وعلى أثر تلاقح الفكر الإسلامي بغيره كان من الطبيعي أن تؤثر مدارسه الكلامية تأثيراً مباشراً على عقائد المسلمين صياغةً واستدلالاً ، ومن هنا نشأ الخلاف الحاد ـ في بعض المفردات العقائدية بين المدارس الكلامية ـ ليكون بمثابة الإعلان الصريح عن الابتعاد عن مسار الإسلام الصحيح في ضرورة الرجوع في فهم الإسلام عقيدة وفكراً إلى أهل البيت عليهم‌السلام الثقل الثاني الذي أمرنا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالتمسك به بعد القرآن الكريم.

نعم هناك كثير من العقائد كانت محل اتفاق المسلمين الأوائل إلاّ أنه قد ظهر في بعض العصور من خالف وشذَّ اتباعاً للهوى أو انحرافاً عن المنهج السليم في البحث والتحقيق.

ولعل من تلك العقائد التي هي احدى الحقائق الإسلامية مسألة الشفاعة.

إنّ الشفاعة تفضّل من الله تعالى ودعوة مستجابة لنبينا ادّخرها صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأهل الكبائر من أُمته.

وهي ـ كما دلّت عليه الأدلّة ـ على أنواع ، منها الشفاعة التي يختصُّ بها نبينا محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهناك شفاعة يشاركه فيها الأنبياء والشهداء والعلماء.

وهنا لا بدَّ من التنبيه أيضاً إلى أنّ هذه الشفاعة المدّخرة لا ينبغي أن تُفهم فهماً خاطئاً فيتصور البعض أنَّ بامكانه التهاون بالواجبات والتساهل في المحرمات طمعاً في الشفاعة.

وهذه الدراسة قد تكفّلت بايضاح الأدلّة على الشفاعة ، وبمناقشة ما أُثير حولها من شبهات باسلوب علمي مناسب ، وقدّمت معالجة دقيقة ، نرجو الله تعالى أن ينفع بها.

والله المسدد للصواب

مركز الرسالة

٦



مقدِّمة الكتاب :

لا شكّ أن الشفاعة حقيقة نطقت بها نصوص القرآن الكريم ، وتواترت في السُنّة النبوية المطهّرة ، وأكدها علماء الإسلام في دراساتهم العقيدية. ومن هنا فلا يسعُ مسلماً إنكارها ، ومع ذلك فقد نجم في بعض العصور وخاصة في عصرنا الحالي من حاول إثارة الغبار حولها ، والتشكيك فيها.

ونظراً لأهمية الموضوع ، وبغية إزالة ما حصل من التباسات في فهم هذه المسألة ، تصدّت هذه الدراسة لتتناول مفهوم الشفاعة والامور المتعلقة بها.

وقد حاولنا جهد الإمكان أن يكون تناولنا للمسألة مستنداً إلى آيات القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف مما اتفق عليه المسلمون ورواه علماؤهم.

كما حاولنا أن نقدم فهماً صحيحاً متوازناً بعيداً عن التمحّل والتطرف الذي قد نجده عند الرافضين لها أو عند القائلين بها.

لقد درسنا المسألة في جوانبها المختلفة ووزعنا البحث على أربعة فصول ، تناولنا في الفصل الأول : مفهوم الشفاعة في اللغة والقرآن الكريم وعرضنا الآيات القرآنية المتعلقة بها والأحاديث النبوية.

ثم عرضنا في الفصل الثاني : آراء العلماء من الفريقين السُنّة والشيعة ،

٧

وناقشنا الإشكالات المثارة في المقام.

ثم انتقلنا إلى الفصل الثالث : فتحدثنا على الشفاعة في الدنيا والشفاعة في الآخرة.

وأخيراً ناقشنا في الفصل الرابع : مسألة الشفعاء والمشمولين بالشفاعة.

ولقد كان تناولنا لذلك كلّه باسلوبٍ واضحٍ ، ملتزمين اُصول البحث العلمي ، مراعين المنهج السليم في العرض والتحليل.



ومن الله نستمد العون والتسديد

٨



الفصل الأول

مفهوم الشفاعة وحقيقتها في القرآن والسُنّة المطهّرة

أولاً : الشفاعة في اللغة والاصطلاح :

في اللغة شَفَعَ شفعاً ، الشيء صيّره شفعاً أي زوجاً بأن يضيف إليه مثله ، يقال كان وتراً فشفعهُ بآخر « أي قرنهُ به ».

وتقول « شُفِعَ لي الأشخاص » أي أرى الشخص شخصين لضعف بصري ، وشَفَعَ شفاعةً لفلان ، أو فيه إلى زيد : طلب من زيد أن يعاونه وشفعَ عليه بالعداوة : أعان عليه وضادّهُ.

وتشفّع لي وإليَّ بفلان أو في فلان : طلب شفاعتي.

وأما التعريف الاصطلاحي فلم يخرج عن الدلالة اللغوية كثيراً ، إذ الشفاعة هي : « السؤال في التجاوز عن الذنوب » (١) ، أو هي : « عبارة عن طلبه من المشفوع إليه أمراً للمشفوع له ، فشفاعة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو غيره

__________________

(١) راجع : التعريفات للجرجاني : ٥٦. والنهاية في غريب الحديث ، لابن الأثير ٢ : ٤٨٥. والكليات ، لأبي البقاء : ٥٣٦ ، وفيه ( وأما المشفوع له فصاحب الكبيرة عندنا ).

٩

عبارة عن دعائه الله تعالى لأجل الغير وطلبه منه غفران الذنب وقضاء الحوائج ، فالشفاعة نوع من الدعاء والرجاء » (١).

ثانياً : الشفاعة في القرآن الكريم

وردت مادة الشفاعة في القرآن الكريم بعدة معاني نفياً وإثباتاً ، فقد بلغ مجموع الآيات الشريفة التي تحدثت بصورة مباشرة عن هذا المفهوم خمس وعشرين آية توزعت على ثمانية عشر سورة قرآنية شريفة.

والشفاعة الواردة في القرآن الكريم تتعرض كلها إلى الجانب الأول من المعنى الاصطلاحي وهو رفع العقاب عن المذنبين ، وليس علو الدرجة والمقام.

في موضوع الشفاعة يتحرك النص القرآني الشريف باتجاهين ،

الأول : الاتجاه الذي يُحدد الشفعاء.

والثاني : الاتجاه الذي يحدد الأفراد والمجموعات الذين تنالهم الشفاعة من جهة ، والذين لا تنالهم الشفاعة من جهة ثانية.

والقرآن إذ يُحدد ذلك فإنّه يحددهم موضوعياً من خلال طبيعة السلوك العام للأفراد في الحياة الدُنيا.

وهناك من يرى أنّ في الآيات القرآنية اتجاهاً ثالثاً رئيسياً وهو اتجاه نفي مطلق الشفاعة. ونحن هنا نحاول معرفة الشفاعة بين النفي والاثبات.

__________________

(١) كشف الارتياب ، للسيد محسن الامين العاملي : ١٩٦.

١٠

لم يَرِد في القرآن الكريم ما ينفي الشفاعة بصورة مطلقة ، بل الملاحظ هو أنّ النفي جاء بصورة خاصة متعلقاً بفئة معينة من النّاس ممن حددهم الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم بمواصفاتهم ، ومن هنا فإنّ الثابت هو أنّ قسماً معيناً من الناس ممن يدخلون ضمن دائرة التعريف ب‍ « الكفر » بكلِّ معنىً من معانيه هم المحرومون من الشفاعة.

والقرآن الكريم حين ينفي استحقاق مجموعة معينة من الناس للشفاعة فإنّه من جهة ثانية يؤكد وجودها لصنف آخر من الناس ممن يدخلون ضمن دائرة التعريف ب‍ « المؤمنين ».

ومثال ذلك قوله تعالى : ( وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا ... ) (١).

والاستثناء من نيل الشفاعة كما ورد في الآية الشريفة واضحٌ فهو ينصرف إلى الذينَ اتخذوا دينهم لعباً ولهواً وغرّتهم الحياة الدنيا.

أو قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (٢).

ومع أنّ الخطاب القرآني هنا موّجه بشكلٍ خاص إلى المؤمنين ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ... ) إلاّ أنّ نفي الشفاعة في الآية الشريفة لم يكن نفياً مطلقاً بل هي بقرينة ذيلها ، وهو قوله تعالى : ( وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ )

__________________

(١) الانعام ٦ : ٧٠.

(٢) البقرة ٢ : ٢٥٤.

١١

تدلّ على حرمان الكافرين من الشفاعة ، غير أنّ الآية الكريمة جاءت لتقول للمؤمنين : إنَّ الامتناع من الانفاق في سبيل الله كفر ، فيكون « الممتنع عن الانفاق » محروماً من الشفاعة لكونه من مصاديق « الكافرين » هكذا قال العلاّمة الطباطبائي في تفسير الآية المباركة (١).

والآية القرآنية الشريفة المتقدمة هي من أكثر الآيات القرآنية التي وقعت في موقع الاستدلال على نفي الشفاعة ، وهذا الاستدلال على نفي مطلق الشفاعة صحيح لو لم تُعقب الآية بجملة ( وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) حيثُ كان فيها إيضاح بأنّ الذين لا ينفقون مما رزقهم الله في سبيله هم الذين لا تنالهم الشفاعة ؛ لأنّهم يدخلون في عداد الكافرين بناءً على ما تقدم.

ومن هنا فليس في القرآن الكريم نفي مطلق للشفاعة ، وإنما يصحُّ أن يقال إنّ النفي الموجود في القرآن المجيد هو نفيٌ مقيد للشفاعة بقيد موضوعي فإذا ارتفع القيد ارتفع النفي.

وفي مقابل ذلك نجد أنَّ القرآن الكريم زاخر بالآيات التي تؤكد وجود الشفاعة ، مثل قوله تعالى : ( هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ) (٢). ومع أنَّ الآية الكريمة تتحدث عن نموذج معين من النّاس من الذين كانوا يفترون على الله الكذب ، وهي تنفي أن تنالهم الشفاعة يوم

__________________

(١) الميزان في تفسير القرآن ، للسيد محمد حسين الطباطبائي ٢ : ٣٢٣.

(٢) الاعراف ٧ : ٥٣.

١٢

القيامة لأنّهم كما يقول القرآن قد ( خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ ) فإنّها توضح من جهة أُخرى حقيقة وجود الشفاعة بحيثُ يطلبها هؤلاء فلا ينالونها أبداً.

أو قوله تعالى : ( لاَّ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ) (١).

أو قوله عزّ شأنه : ( يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً ) (٢).

وكقوله تعالى : ( وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (٣).

وهذهِ الآيات الشريفة وغيرها كثير تصرّح بوجود الشفاعة يوم القيامة ، غاية الأمر أنّ القرآن الكريم يصف الشفعاء بعدّة صفات ، فمنهم ( مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ) ومنهم ( مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ) ومنهم ( مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) وأصحاب هذه الصفات الثلاثة وغيرها قد أعطاهم الله سبحانه وتعالى المنزلة العالية التي تجعلهم قادرين على أن يشفعوا فيمن يرتضي الرحمن شفاعتهم فيهم.

وخلاصة القول هي أنّ الشفاعة موجودة بصريح القرآن وغاية الأمر هي محدودة بحدود في طرف الشفعاء وفي طرف المشفع فيهم ، وأنّها لا تنال قسماً من النّاس.

ولتيسير الأمر على القارىء الكريم نحيله إلى مطالعة الآيات القرآنية

__________________

(١) مريم ١٩ : ٨٧.

(٢) طه ٢٠ : ١٠٩.

(٣) الزخرف ٤٣ : ٨٦.

١٣

التي تحدثت عن هذا المفهوم والتي سنذكرها أثناء البحث أيضاً وهي كالآتي :

سورة البقرة : ٤٨ ، ١٢٣ ، ٢٥٤ ، ٢٥٥. سورة النساء : ٨٥. الأعراف : ٥٣. الأنبياء : ٢٨. الشعراء : ١٠٠. المدّثر : ٤٨. الأنعام : ٥١ ، ٧٠ ، ٩٤. يونس : ٣ ، ١٨. مريم : ٨٧. طه : ١٠٩. سبأ : ٢٣. الزمر : ٤٣ ، ٤٤. الزخرف : ٨٦. يس : ٢٣. النجم : ٢٦. الفجر : ٣. غافر : ١٨. الروم : ١٣.

آيات نفي الشفاعة ومفهومها :

تقدم القول بأن الشفاعة لم تنفَ مطلقاً ، فالقرآن الكريم يصرّح بوجودها في أكثر من مكان وإنّما الذين لا تنالهم هم الكافرون بأصنافهم المختلفة ، وقد جاءت الآيات القرآنية تبين مصاديقهم وكما يأتي :

جاء التعبير عن الكفار في القرآن الكريم بصور متعددة فهم : ( الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ ) مرة ، واُخرى هم ( المكذبون بيوم الدين ) ، وغير ذلك من الاوصاف والتعريفات بما في ذلك كفر النعمة.

١ ـ كفر النعمة :

وعلى هذا الصعيد جاءت الآيات القرآنية الشريفة التالية :

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (١).

إذ المنفي هنا هو استحقاق الكافرين للشفاعة ، وقد تقدّم عن ( الميزان )

__________________

(١) البقرة ٢ : ٢٥٤.

١٤

بيان ذلك وهو : أنّ الاستنكاف عن الإنفاق مما رزق الله هو كفرٌ وظلمٌ ، فإذا ما أُعيد آخر الآية إلى صدرها يتّضح أنّ المقصود اعتبار الذين لا ينفقون مما رزقهم الله في سبيله من الكافرين ، ولا ريب أنّ الكافرين لاتنالهم الشفاعة يوم الدين.

فالمنفي بحكم السياق استحقاق قسم خاص من النّاس ، للسّبب المذكور ، إذن ، لا دلالة في الآية على نفي الشفاعة بنحو الاطلاق.

٢ ـ إتباع الشيطان :

قوله تعالى : ( يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ) (١).

وقوله تعالى : ( فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ * قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَمَا أَضَلَّنَا إِلاَّ المُجْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ) (٢).

ويتبين من خلال الآيتين الشريفتين المارتين أنَّ الذين نسوا الدين ، واتبعوا الشيطان وأهل الغواية محرومون من الشفاعة.

٣ ـ المكذِّبون بيوم القيامة :

ولاحظ قوله تعالى عن الذين كذّبوا بيوم الدين وأنكروا القيامة

__________________

(١) الأعراف ٧ : ٥٣.

(٢) الشعراء ٢٦ : ٩٤ ـ ١٠١.

١٥

والحساب : ( وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ... ) (١).

٤ ـ الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً :

أما الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً فيخبر سبحانه وتعالى عن حالهم يوم القيامة بقوله عزَّ شأنه ( وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ... ) (٢).

٥ ـ الظالمون :

فيقول عنهم سبحانه وتعالى : ( وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ ... ) (٣).

٦ ـ المشركون :

ينص صريح القرآن على حرمان المشركين من شفاعة الشافعين يوم القيامة حيثُ لا ينفعهم شركاؤهم الذين عبدوهم من دون الله.

يقول عزّ شأنه : ( وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ

__________________

(١) المدثر ٧٤ : ٤٦ ـ ٤٨.

(٢) الانعام ٦ : ٧٠.

(٣) غافر ٤٠ : ١٨.

١٦

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) (١).

وقوله تعالى : ( وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ ... ) (٢).

وقوله تعالى : ( وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ) (٣).

وقوله تعالى شأنه : ( أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ ) (٤).

وقوله سبحانه : ( أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنقِذُونِ ) (٥).

ويظهر أنّ آيات نفي الشفاعة عن المشركين تؤدي وظيفتين ، الأولى تؤكد أنّ الشركاء أصناماً أو غيرها لا تملك لمن يؤمن بها شيئاً تقدمه له يوم القيامة مع استحقاقه للعذاب بسبب الشرك ، وبهذا فإنّ تلك الآيات تنفي قدرة الشركاء على تقديم الشفاعة ... والوظيفة الثانية هي أنّ المشركين بالله محرومون من شفاعة الشافعين لأنّهم لا يستحقونها.

ومما تقدم يتضح أنّ الآيات الشريفة المارة كلّها ركّزت على مفاهيم

__________________

(١) يونس ١٠ : ١٨.

(٢) الروم ٣٠ : ١٣.

(٣) الانعام ٦ : ٩٤.

(٤) الزمر ٣٩ : ٤٣.

(٥) يس ٣٦ : ٢٣.

١٧

واضحة للشفاعة وحددت أُولئك الذين لاتنالهم الشفاعة يوم القيامة ، فالمفاهيم الخاصة التي تدور حولها الآيات الشريفة المارة هي مفاهيم الكفر والشرك بشتى أنواعهما وأصنافهما ، وأنّ الكافر والمشرك لن يجد يوم القيامة من يشفع له ممن أذن الله لهم بالشفاعة.

ومن هنا يتضح أنّ نفي الشفاعة في القرآن الكريم ليس نفياً مطلقاً ، بل هو نفي خاص لمجاميع خاصة حدد الله صفاتهم وأعمالهم في الحياة الدنيا.

ثالثاً : الشفاعة في السُنّة المطهّرة

إنّ مسألة الشفاعة قد تختلف عن الكثير من المسائل العقائدية الاُخرى ، التي كثر الجدل والكلام حولها ، في أنّها جاءت بعبارات واضحة وصريحة في القرآن الكريم كما وردت بنفس الوضوح في أحاديث الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأئمة أهل البيت : ، واليك هذه الأحاديث :

١ ـ عن جابر بن عبدالله قال ، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « أُعطيتُ خمساً لم يعطهنَّ أحدٌ قبلي ... وأُعطيت الشفاعة ولم يعطَ نبي قبلي ... » (١).

٢ ـ قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « ... فمن سأل لي الوسيلة حلَّت له الشفاعة » (٢).

٣ ـ قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « ... إنما شفاعتي لأهل الكبائر من أُمتي » (٣).

٤ ـ قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « ... اشفعوا تُشفَّعوا ويقضي الله عزَّ وجل على لسان

__________________

(١) سنن النسائي ١ : ٢١١. صحيح البخاري ١ : ٨٦ ـ ١١٣.

(٢) سنن النسائي ٢ : ٢٦.

(٣) من لا يحضره الفقيه ٣ : ٣٧٦.

١٨

نبيه ما شاء » (١).

٥ ـ عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « أنا أوّل شفيع في الجنة ... » (٢).

٦ ـ عن كعب الأحبار ونفس الحديث عن أبي هريرة أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « لكلِّ نبي دعوة يدعوها فاُريد أن أختبىء دعوتي شفاعة لاُمتي يوم القيامة » (٣).

٧ ـ عن أبي نضرة قال خطبنا ابن عباس على منبر البصرة فقال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « إنّه لم يكن نبي إلاّ له دعوة قد تَنَجَّزها في الدنيا وإني قد اختبأت دعوتي شفاعة لاُمتي وأنا سيّد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر ... فيقال ارفع رأسك وقل تُسمع وسل تُعط واشفع تُشفّع ، قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فارفع رأسي فأقول أي ربي أُمتي أُمتي فيقال لي أخرِج من النار من كان في قلبه كذا وكذا فأخرجهم » (٤).

٨ ـ عن ابن عباس ان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « أُعطيت خمساً لم يعطهنَّ نبي قبلي ولا أقولهن فخراً بُعثت إلى الناس كافة الأحمر والأسود ، ونُصِرتُ بالرعب مسيرة شهر ، وأُحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي ، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ، وأُعطيت الشفاعة فاخرتها لاُمتي فهي لمن لا يشرك بالله شيئاً » (٥).

__________________

(١) سنن النسائي ٥ : ٧٨.

(٢) صحيح مسلم ١ : ١٣٠.

(٣) صحيح مسلم ١ : ١٣٠ ـ ١٣٢. صحيح البخاري ٧ : ١٤٥ و ٨ : ١٩٣. مسند أحمد ٢ : ٣١٣ ، ٣٩٦.

(٤) الحديث بأكمله في مسند أحمد ١ : ٢٩٥ ـ ٢٩٦.

(٥) مسند أحمد ١ : ٣٠١.

١٩

٩ ـ عن عبدالله بن عمرو بن العاص يقول : إنّه سمع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قول : « إذا سمعتم مؤذناً فقولوا مثل ما يقول ثم صلّوا عليَّ فإنّه من صلّى عليَّ صلّى الله عليه بها عشراً ثم سلوا لي الوسيلة فإنّها منزلة في الجنة لا تنبغي إلاّ لعبد من عباد الله ، وأرجو أن أكون أنا هو ، فمن سأله لي الوسيلة حلَّت عليه الشفاعة » (١).

١٠ ـ عن أبي هريرة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في قوله تعالى : ( عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا ) قال : « الشفاعة » (٢).

١١ ـ قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « رأيتُ ما تلقى أُمتي بعدي ... فسألت ان يوليني شفاعة يوم القيامة فيهم ففعل » (٣).

١٢ ـ قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « ليخرجنَّ قوم من أُمتي من النار بشفاعتي يسمّون الجهنميين » (٤).

١٣ ـ قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « شفاعتي نائلة إن شاء الله من مات ولا يشرك بالله شيئاً » (٥).

١٤ ـ وروي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام قوله : « لنا شفاعة ولأهل مودتنا شفاعة » (٦).

١٥ ـ قال الإمام زين العابدين عليه‌السلام : « اللهمّ صلِّ على محمد وآل محمد

__________________

(١) مسند أحمد ٢ : ١٦٨.

(٢) مسند أحمد ٢ : ٤٤٤.

(٣) مسند أحمد ٦ : ٤٢٨.

(٤) سنن الترمذي ٤ : ١١٤. وسنن ابن ماجه ٢ : ١٤٤٣.

(٥) مسند أحمد ٢ : ٤٢٦.

(٦) أمالي الصدوق : ٢٩١.

٢٠