موسوعة عبد الله بن عبّاس - ج ١

السيد محمد مهدي السيد حسن الموسوي الخرسان

موسوعة عبد الله بن عبّاس - ج ١

المؤلف:

السيد محمد مهدي السيد حسن الموسوي الخرسان

المحقق: المترجم:
الموضوع : الحديث وعلومه الناشر: مركز الأبحاث العقائدية المطبعة: ستاره ISBN: 964-319-501-5
نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة



ثالثاً : حديث الرزية

حديث وأي حديث ؟! حديث ترك الأمة تخبط في عشواء إلى يوم القيامة.

حديث وأي حديث ؟! حديثٌ فتح باب الفرقة والاختلاف بين الأمة والنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعدُ بين ظهرانيهم ، يدعوهم لما يحييهم فلم يستجيبوا له ، بل كايدوه وعاندوه حتى أغمي عليه.

حديث وأيّ حديث بعده يؤمنون ؟! حديث ما ذكره حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي‌الله‌عنه إلّا وبكى ، بكاءٌ وأيّ بكاء ؟! بكاءٌ يبلّ دمعه الحصى ، بكاءٌ كأنّ دموعه حين تسيل نظام اللؤلؤ.

هكذا يصفه الرواة فلنقرأ ولنبك مع حبر الأمة ، ولنندب حظ الأمة العاثر حيث أضاعت تلك الفرصة الثمينة ، فرفضت ذلك العرض السخيّ المؤمِّن من الضلالة أبداً.

فلنقرأ ما يرويه ابن عباس رضي‌الله‌عنه :

قال : « يوم الخميس وما يوم الخميس ؟! يوم أشتد برسول الله وجعه فقال : (إيتوني بدواة وبياض اكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعدي أبداً). فتنازعوا ـ ولا ينبغي عند نبيّ تنازع ـ فقال عمر : إنّ النبيّ يهجر ـ وفي حديث آخر : « إنّه ليهجر » ، وفي ثالث : « إنّه هجر » ـ ثمّ قال : عندنا القرآن ، حسبنا كتاب الله ، فاختلف مَن في البيت ، وأختصموا فمن قائل يقول : القول ما قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،

٢٤١

ومن قائل يقول : القول ما قال عمر. فلمّا أكثروا اللغط واللغو ، وتمادى القوم في نزاعهم ، غضب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : (قوموا عني ، لا ينبغي عند نبيّ تنازع) ، فقاموا.

قال ابن عباس : فجئناه بعد ذلك بصحيفة ودواة ، فأبى أن يكتبه لنا ، ثمّ سمعناه يقول : (بعد ما قال قائلكم : عدى العَدَوي وسينكث البكري) ، ثمّ قال : (ما أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه) ، ثمّ أوصى بثلاث فقال : أحفظوني في أهل بيتي ، وأخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم به (١)) ».

فكان ابن عباس رضي‌الله‌عنه بعد ذلك يقول : « الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب ، لولا مقالته ـ يعني مقالة عمر ـ لكتب لنا كتاباً لم تختلف أمته بعده ولم تفترق ».

هذه إحدى صور الحديث الآتية ، وأعتقد أنّ القارئ يستفزه مثل هذا الحديث ويتسرّع إلى الحكم بوضعه ، لشدة صدمته ، وقد تذهب به المذاهب في الحكم على أولئك الصحابة الّذين شاقّوا الله ورسوله ، فنسبوا الهجر إلى نبيّ أصطفاه الله لأداء رسالته إلى الناس كافة ، فكان سفيره في خلقه ، وأمينه على وحيه ، ورسوله المسدّد ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ) (٢).

لكني أعتقد أيضاً أنّ القارئ سيظهر له من متابعة صور الحديث الآتية ، وما يتبعها من أقوال العلماء في توجيهه ، اعتذاراً عن المعارضة ، أنّ الحديث صحيح وأنهُ حديث رزيّة وأيّ رزيّة ، ولم يكن ابن عباس رضي‌الله‌عنه مبالغاً حين قال ذلك فيه ،

_______________________

(١) نلفت نظر القارئ إلى أن في الفقرات الثلاث اختلاف في النقل ، كما سيجده واضحاً فيما يأتي من ذكر صور الحديث فليلاحظ.

(٢) النجم / ٣ ـ ٤.

٢٤٢

لأنّ فيه الردّ على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو عين الرد على الله تعالى ، أوليس الردّ على الله وعلى الرسول من موجبات الكفر فالله سبحانه يقول : ( مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (١).

والمعارضة تردّ على الرسول ما طلب ، وتصرّ على الامتناع من تلبية طلبه.

والله سبحانه يقول : ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ) (٢).

والمعارضة تقول : إنّه يهجر.

والله سبحانه يقول : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ) (٣).

والمعارضة : تأبى ذلك وترد عليه بعنف وقسوة.

والله سبحانه يقول : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) (٤).

والمعارضة تأبى ذلك.

والله سبحانه يقول لنبيّه : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ) (٥).

والمعارضة تشاكسه في التبليغ ، وتردّ عليه بعنف وسوء أدب ، وكأنّهم لم يسمعوا جميع تلكم الآيات الكريمة ولم يسمعوا الله سبحانه يقول في كتابه : ( ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) (٦).

أليس هذا هو الضلال البعيد ؟ أليس هذا هو الخسران المبين ؟

_______________________

(١) الحشر / ٧.

(٢) النجم / ٣ ـ ٤.

(٣) الأنفال / ٢٤.

(٤) الأحزاب / ٣٦.

(٥) المائدة / ٦٧.

(٦) الأنفال / ١٣.

٢٤٣

أليس هذا هو الظلم والجفاء ؟ أليس هذا هو الغباء والشقاء ؟

أيّ غباء فوق هذا يتركون طريق التأمين على السلامة إلى الأبد ، ويرتطمون أوحال الجهالة !؟

يا لله لقد سبق أن آذوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في نفسه وآله ، حتى وبّخهم القرآن الكريم في آية ( وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ) (١) ، وآذوه الآن في قدسه وعصمته ، منتهكين بذلك حرمته في أداء رسالته.

وهل يعني ذلك غير ردّهم : إنّه يهجر ؟.

هذه نبذة عن حديث الرزية ، بل نفثة حرّى جاش بها الصدر فباحا ، وما قدّمتها إلّا لتنبيه القارئ على استعداده لقراءة ما سيقرأه من حديث الرزية وملابساته ، وما تبعه من أعذار واهية ، لا تزيد علماً ولا تغني عملاً ، سوى كشف صفحات ـ لولا حديث الرزية ـ لسنا بصددها والكشف عنها ، ولكنها جناية السلف ، وخيانة الخلف ، أودت باُمّة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى حافة الهاوية والتلف. ولئلا يصدمه عنف الردّ كما صدم الرسول الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى أغمي عليه ، فليستعد ويتدرع بالصبر من الآن.

لنقرأ (أوّلاً) صور الحديث في الصحاح والسنن والمسانيد وكتب التاريخ واللغة والأدب ، من ثمّ نتابع معه قراءتنا (ثانياً) في مصادر الحديث ، و (ثالثاً) مع العلماء في آرائهم حول الحديث.

_______________________

(١) الأحزاب / ٥٣.

٢٤٤

وليقرأ القارئ كلّ ذلك بروحٍ موضوعية مع التجرد عن العاطفة والأبتعاد عن التعصب ، ونترك له الحكم في تلك القضية وبالأصح الرزية ، فعلى مَن تقع المسؤولية ؟

ولا نريد أن نستبق الحكم في ذلك بل له ما سيؤديه نظره إليه من رأي حول رموز المعارضة أياً كانوا ومهما كانوا ، فهم أولاً وأخيراً إنّما نكنّ لهم الإحترام ، ما داموا في طاعة النبيّ وخدمة الإسلام. أما وقد نبذوا أمر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يكتفوا بذلك حتى نسبوا إليه الهجر ( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا ) (١) ، فنحن في حلٍّ من حسابهم ، وهم كسائر الناس في خطأهم وصوابهم. فهم غير معصومين ، ولا نحن في حسابهم بملومين.

صور الحديث

لقد ورد الحديث بصور متعددة تبلغ الثلاثين أو تزيد ، وهذا رقم قد يبعث على الدهشة ! حديث واحد عن واقعة واحدة ، يرويها أربعة من شهودها وهم :

١ ـ الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام.

٢ ـ الخليفة عمر بن الخطاب بطل المعارضة.

٣ ـ جابر بن عبد الله الأنصاري.

٤ ـ عبد الله بن عباس.

كيف يبلغ اختلاف الصور في رواياتهم إلى ذلك العدد !!

ولو كان العدد يتساوى فيه الشهود لهان الأمر ولا غرابة ، ولكن الغرابة أنّا سنقرأ الحديث عن كلّ من الإمام عليّ عليه‌السلام وعن الخليفة عمر ورد بصورتين ، وعن جابر بصورتين.

_______________________

(١) الكهف / ٥.

٢٤٥

وباقي الصور كلّها تروى عن ابن عباس لماذا ذلك ؟

سؤال يفرض نفسه ، ولابدّ من تلمّس الجواب عليه ، وهذا ما سنجده عند الوقوف على قائمة الرواة عنه ، ثمّ في باقي الطبقات من رجال الأسانيد بعدهم ، حتى نصل إلى مدوّنيه من أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن والتاريخ وغيرهم.

وهؤلاء بذلوا جهداً كبيراً في التعتيم على رموز المعارضة ، فأحاطوه بهالة من التضبيب الكثيف ، تكاد أن تخفي معالمه ، حفاظاً على حق الصحبة ، وإن تم ذلك على حساب قدس صاحب الرسالة ، فانظر ـ أيها القارئ ـ تلكم الصور كما وردت في مصادرها الموثوقة عن أعيان شهودها.

ولنبدأ بما روي عن الإمام عليّ عليه‌السلام ، ثمّ بما روي عن الخليفة عمر ، ثمّ بما روي عن جابر ، وأخيراً بما روي عن ابن عباس. وهو المعني به في هذا التحقيق وهو صاحب الكتاب :

٢٤٦

الصورة الأولى :

ما روي عن الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام :

أخرج ابن سعد في طبقاته قال : « أخبرنا حفص بن عمر الحوضي عن عمر بن الفضل العبدي عن نعيم بن يزيد عن عليّ بن أبي طالب انّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا ثقل قال : (يا عليّ إئتني بطبق أكتب فيه ما لا تضل أمتي بعدي) ، قال : فخشيت أن تسبقني نفسه ، فقلت : إنّي أحفظ ذراعاً من الصحيفة.

قال : فكان رأسه بين ذراعي وعضدي ، فجعل يوصي بالصلاة والزكاة وما ملكت أيمانكم.

قال : كذلك حتى فاضت نفسه ، وأمر بشهادة أن لا اله إلّا الله وأنّ محمّداً عبده ورسوله حتى فاضت نفسه ، من شهد بهما حُرّم على النار » (١).

أقول : أخرج هذه الصورة أحمد في مسنده : « عن بكر بن عيسى الراسبي عن عمر بن الفضل وإلى قوله : وما ملكت أيمانكم » (٢). ورواها البخاري في الأدب المفرد (٣). وهذه الصورة كما تراها مهلهلة الجوانب ، تخفق فيها رياح الأهواء ، فرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يأمر عليّاً باحضار طبق ليكتب فيه ما لا تضل أمته بعده ، وعليّ عليه‌السلام لا يمتثل خشية أن تسبقه نفس النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟! وجعل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوصي بالصلاة والزكاة وما ملكت أيمانكم ، حتى فاضت نفسه ؟!

_______________________

(١) طبقات ابن سعد ٢ ق ٢ / ٣٦.

(٢) مسند أحمد ١ / ٩٠.

(٣) الأدب المفرد / ٩.

٢٤٧

وأمر بشهادة أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّداً عبده ورسوله حتى فاضت نفسه ؟ (١)

أيّ نفس هذه بعد أن سبق وأن فاضت نفسه أوّل مرّة ـ كما مرّ ـ فهل عادت إليه ثانياً فجعل يأمر بالشهادتين حتى فاضت نفسه ثانياً ؟!

الجواب عن ذلك عند الرواة. غير إني أنبّه القارئ إلى أنّ مارواه الإمام عليه‌السلام ليس هذا ، بل هو عين ما رواه عبد الله بن عباس كما صرّح بذلك الحسن البصري وهو من سادة التابعين فأقرأ ما يأتي :

الصورة الثانية :

أخرج أبو محمّد عبد السلام بن محمّد الخوارزمي في كتابه سير الصحابة والزهّاد والعلماء العبّاد فقال : « حدّثني محمّد بن عليّ قال سمعت أبا أسحاق يزيد الفراء عن الصّباح المزني عن أبان بن أبي عياش قال سمعت الحسن بن أبي الحسن قال : سمعت عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ـ ثمّ سمعته بعينه من عبد الله بن عباس بالبصرة وهو عامل عليها ، فكأنّما ينطقان بفم واحد ، وكأنّما يقرآنه من نسخة واحدة ، والّذي عقلته قول ابن عباس ، والمعنى واحد غير أنّ حديث ابن عباس أحفظه ـ قال : سمعته يقول : إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال في مرضه الّذي قبض فيه : (إيتوني بكتف أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعدي أبداً) ، فقام بعضهم ليأتي به ، فمنعه رجل من قريش (؟) وقال : إنّ رسول الله يهجر.

_______________________

(١) أخرجه المتقي الهندي في منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ٣ / ١١٤.

٢٤٨

فسمعه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فغضب وقال : (إنّكم تختلفون وأنا حيّ ! قد أعلمت أهل بيتي بما أخبرني به جبرئيل عن ربّ العالمين ، إنّكم ستعملون بهم من بعدي ، وأوصيتهم كما أوصاني ربّي ، فأصبرُ صبراً جميلاً) ».

فبكى ابن عباس حتى بلّ لحيته. ثمّ قال : « لولا مقالته لكتب لنا كتاباً لم تختلف أمته بعده ولم تفترق ... اه‍ » (١).

الصورة الثالثة :

ما روي عن عمر بن الخطاب :

أخرج ابن سعد في طبقاته قال : « أخبرنا محمّد بن عمر حدّثني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال : كنا عند النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبيننا وبين النساء حجاب ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (أغسلوني بسبع قِرب ، وائتوني بصحيفة ودواة أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً).

فقال النسوة : إئتوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بحاجته. قال عمر : فقلت : اسكتنّ فإنكنّ صواحبه ، إذا مرض عصرتنّ أعينكم ، وإذا صحّ أخذتنّ بعنقه ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (هنّ خير منكم) » (٢).

وأخرجه عنه المتقي الهندي في منتخب كنز العمال المطبوع بهامش مسند أحمد عن ابن أبي شيبة بتفاوت يسير (٣).

_______________________

(١) قال كاتب جلبي في كشف الظنون ٢ / ١٠١٣ ط المعارف التركية سير الصحابة والزهاد والعلماء العبّاد ، لأبي محمّد عبد السلام بن محمّد الخوارزمي الأندرسقاني المتوفى سنة ... أخذه من مائة مجلد ، ووردت ترجمته في هدية العارفين ١ / ٥٦٩. (أقول) وطريقنا إليه (غاية المرام في حجة الخصام عن طريق الخاص والعام) للسيد هاشم البحراني طبعة حجرية سنة ١٢٧٢ ه‍ والحديث المشار إليه أعلاه في ص ٥٩٨.

(٢) طبقات ابن سعد ٢ ق ٢ / ٣٧.

(٣) كنز العمال المطبوع بهامش مسند أحمد ٢ / ١٧٣ ، و ٣ / ١١٤.

٢٤٩

الصورة الرابعة :

ما روي عن عمر بن الخطاب ، وهي تقرب من الثالثة إلّا أنّها أتم ولفظها كما يلي :

أخرج النسائي في السنن الكبرى والهيثمي في مجمع الزوائد قال : « وعن عمر بن الخطاب قال : لمّا مرض النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : (ادعوا لي ـ ائتوني ـ بصحيفة ودواة أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعدي) ، فكرهنا ذلك أشد الكراهية ثمّ قال : (ادعوا لي بصحيفة أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً) ، فقال النسوة من وراء الستر : ألا تسمعون ما يقول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقلت : إنّكنّ صواحبات (صواحب) يوسف إذا مرض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عصرتنّ أعينكنّ ، وإذا صحّ ركبتنّ عنقه ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (دعوهنّ فإنّهنّ خير منكم) » (١).

قال الهيثمي : رواه الطبراني في الأوسط وفيه محمّد بن جعفر بن إبراهيم الجعفري ، قال العقيلي : في حديثه نظر ، وبقية رجاله وثقوا وفي بعضهم خلاف... أه‍.

أقول : لا يهمني قول العقيلي في محمّد بن جعفر بن إبراهيم الجعفري ـ وهذا منتظر منه في الرجل وأمثاله ـ ما دام الحديث رواه أصحاب الصحاح ومنهم البخاري ، ولا كلام للعقيلي في رجاله.

لكن الّذي يهمّني تنبيه القارئ على ما مرّ في الصورة الثالثة من حذف قول عمر : « فكرهنا ذلك أشدّ الكراهية » لماذا كرهوا ذلك أشدّ الكراهية ؟

_______________________

(١) السنن الكبرى ٣ / ٤٣٣ ط العلمية ، ومجمع الزوائد ٩ / ٣٤.

٢٥٠

والجواب : سيأتيك بالأخبار من لم تزوّد. فانتظر ما سوف يأتي من تعقيب على الصور والأسانيد من أقوال علماء التبرير ، فستجد هناك من التحوير والتزوير ، وعجائب بل وغرائب من التفكير والتصوير.

ثمّ إنّ قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (أدعوا لي بصحيفة أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً). فقال النسوة ... قد حذف وهذا يكشف عن التواطؤ العملي بين الرواة على تعمية الصورة ، بكلّ ما أمكنهم من حول وطول.

فقد حذفوا دعوة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثانياً بإحضار الصحيفة ، ممّا يدل على تصميم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على تنفيذ أمره ، كما يدل على إصرار المعارضة على رفضه. وسيأتي في حديث جابر ما يدل عليه.

وقد شوّشوا على تدخل العنصر النسوي في تلك المعركة الكلامية الحادّة بعد دعوة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثانية لهم باحضار الكتاب. ممّا يدل على مدى الصخب والجدال حتى كانت المرأة كالرجل في ذلك اليوم. وسيأتي مزيد إيضاح عن ذلك في حديث طاووس عن ابن عباس (الصورة ١٤ ، ١٥) وحديث عكرمة عن ابن عباس (الصورة ١٧).

الصورة الخامسة :

ما روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري :

أخرج ابن سعد في الطبقات بسنده عن محمّد بن عبد الأنصاري عن قرّة بن خالد عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : « لمّا كان في مرض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الّذي توفي فيه دعا بصحيفة ليكتب فيها لأمته كتاباً لا يَضِلّون

٢٥١

ولا يُضِلّون ، قال : فكان في البيت لغط وكلام وتكلم عمر بن الخطاب. قال : فرفضه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » (١).

وبهذا النص ورد في نهاية الإرب للنويري (٢) ، ورواه البيهقي في سننه باب كتابة العلم في الصحف وبتره عند قوله : وتكلم عمر فتركه (٣).

وأخرج ابن سعد أيضاً بسنده عن محمّد بن عمر عن إبراهيم بن يزيد عن أبي الزبير عن جابر قال : « دعا النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند موته بصحيفة ليكتب فيها كتاباً لأمته لا يَضِلوا ولا يُضلّوا فلغطوا عنده حتى رفضها النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » (٤).

أقول : وأخرج هاتين الروايتين الهيثمي في مجمع الزوائد إلّا أنّه قال في آخر الأولى : « فرفضها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. وقال : رواه أبو يعلى. وعنده في رواية : يكتب فيها كتاباً لأمته قال : لا يَظلمون ولا يُظلمون. ثمّ قال : ورجال الجميع رجال الصحيح » (٥) ، ثمّ أخرجها ثانياً وقال : « رواه أحمد وفيه ابن لهيعة وفيه خلاف » (٦).

أقول : وسند أحمدكما في مسنده عن موسى بن داود عن ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر (٧) ، ونحن لا يهمنا الخلاف في ابن لهيعة بعد ما مرّ عن ابن سعد بإسنادين ليس فيهما ابن لهيعة ويأتي عن ابن حبّان كذلك ، لكن الّذي يهمّنا هو التحريف عنده في آخر الرواية الأولى !

_______________________

(١) طبقات ابن سعد ٢ ق ٢ / ٣٦.

(٢) نهاية الإرب ١٨ / ٣٧٥.

(٣) سنن البيهقي ٣ / ٤٣٥ ط بيروت سنة ١٤١١.

(٤) طبقات ابن سعد ٢ ق ٢ / ٣٧.

(٥) مجمع الزوائد ٤ / ٢١٤.

(٦) نفس المصدر ٩ / ٣٣.

(٧) مسند أحمد ١ / ٣٢٤.

٢٥٢

فعن ابن سعد والنويري : « وتكلم عمر بن الخطاب فرفضه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » ، بينما في روايته الثانية : « فتكلم عمر بن الخطاب ، فرفضها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » ، وفي تغيير الضمير في الرفض ما يستحق التأمل فيه.

أمّا عن ابن لهيعة فليس يهمنا فعلاً الدفاع عنه بعد ما روي الحديث بأسانيد ليس فيها ابن لهيعة كما مرّ عن ابن سعد ، ورواه أيضاً ابن حبّان في كتابه الثقات بسند ليس فيه ابن لهيعة ، فقد روى عن إبراهيم بن خريم عن عبد بن حميد عن عثمان بن عمر عن قرة بن خالد السدوسي عن أبي الزبير عن جابر : « انّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دعا بصحيفة عند موته فكتب لهم فيها شيئاً لا يَضلّون ولا يُضلون ، وكان في البيت لغط ، وتكلم عمر فرفضها ... ا ه‍ » (١).

وبالمقارنة بين رواية ابن حبّان وما سبقها ، يدرك القارئ مدى التحريف المتعمد كما هو عند الهيثمي ، إلّا أنّ الجديد في رواية ابن حبّان هي قوله : (فكتب لهم فيها شيئاً ...) ، فما هو الشيء الّذي كتب لهم ؟ ثمّ لماذا كان اللغط ؟ وممّن كان ؟ وأخيراً لماذا تكلم عمر ؟ ثمّ من ذا رفضها ؟ أهو عمر ؟ أم النبيّ ؟

كلّ هذا يجد القارئ الإجابة عليه في قول عمر لابن عباس : « أراده ـ يعني عليّاً ـ للأمر فمنعت من ذلك » ، وقوله الآخر وقد مرّ : « فكرهنا ذلك أشد كراهية » (راجع الصورة ٤).

ولم يكن ما تقدم من اختلاف في صورة حديث جابر مقتصراً على ما مرّ ، بل له صورة أخرى أخرجها البلاذري في جمل أنساب الأشراف من حديث

_______________________

(١) الثقات ٤ / ٢١٢ ط دار الكتب العلمية.

٢٥٣

جابر ، فقال : « حدّثني روح ثنا الحجاج بن نصير عن قرة بن خالد عن أبي الزبير عن جابر أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دعا بصحيفة أراد أن يكتب فيها كتاباً لأمته فكان في البيت لغط فرفضها » (١).

والآن وقد انتهينا من عرض خمس صور للحديث بروايتها عن الإمام أمير المؤمنين وعن الخليفة عمر وعن جابر بن عبد الله ، فلنعد نقرأ باقي الصور بكلّ أشكالها واختلاف رجالها برواياتهم عن ابن عباس.

_______________________

(١) أنساب الأشراف ٢ / ٢٣٦.

٢٥٤



ولإيضاح العرض ، ووضوح المقارنة بين الصور ، نقدّم جدولاً يتضمن أسماء الرواة عن ابن عباس ومن روى عنهم حتى آخر المصادر الّتي ذكرت الحديث ، ليعرف القارئ مدى التلاعب في هذا المضمار :

٢٥٥

٢٥٦

٢٥٧

٢٥٨

٢٥٩

٢٦٠