البدعة مفهومها وحدودها

محمد هادي الأسدي

البدعة مفهومها وحدودها

المؤلف:

محمد هادي الأسدي

المحقق: المترجم:
الموضوع : العقائد والكلام الناشر: مركز الرسالة ISBN: 964-8629-56-0
نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

١
٢

٣
٤

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة المركز

الحمدُ لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على نبينا الأكرم محمد المصطفى الأمين وآله الطيبين الطاهرين وأصحابهم المنتجبين.

إنَّ الحفاظ على مصادر التشريع الإسلامي من كلِّ وافد غريب مهمة تقع على عاتق كلّ أفراد هذه الاُمّة دون استثناء سيما علماؤها ومثقفوها ، وذلك لأجل الحفاظ على معالم العقيدة الصحيحة التي تشكل حجر الزاوية في بناء الإنسان فكرياً وحضارياً.

إنَّ التشريع الإسلامي يستند إلى عدة أركان وثيقة تستوعب مختلف جوانب الحياة وأبعادها ، وتمتلك مقومات الحصانة والبقاء والاستمرار ، قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « إنّي تاركٌ فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً ، كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي » ، ولم يرحل خاتم الأنبياء والمرسلين صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلاّ وقد اكتملت معالم الدين الإسلامي الحنيف بأبعادها المختلفة ( اليومُ أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلام ديناً ) وبعد تمام الدين واكماله وتحديد الرسول الخاتم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مصادر التشريع التي أمر بها الله تعالى ، ليس ثمة أحد يمتلك حق الزيادة أو النقصان في أمر الدين القويم وشريعته السمحة ، ومن يحاول ذلك فهو مبتدع ومفترٍ ومقدّم بين يدي الله ورسوله ( ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذَّب بآياته إنّه لا يفلح الظالمون ) ، ( يا أيُّها الذين آمنوا لا تقدّموا بين يدي الله ورسوله ).

إنَّ الإحداث في الدين معول هدّام في صرح التشريع الإسلامي الوثيق ، وهو من أخطر ما يهدد كيان الاُمّة بالانهيار والفرقة.

ومن هنا أكد الشرع القويم على خطورة البدعة على معالم الدين ووحدة المسلمين ، وأكد على ضرورة مجابهتها البدعة باعتبارها نداً مقابلاً للسُنّة وضداً لايلتقي معها أبداً ، قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « من أدى إلى أُمتي حديثاً يقام به سُنّة أو يثلم به بدعة فله الجنة » وبدون هذه المواجهة ستصبح البدعة بضاعة رائجة في سوق التشريع والتعامل تؤدي إلى ضياع

٥

السُنّة وبيعها بثمنٍ بخسٍ هو ثمن الأهواء والتعصب قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لا يذهب من السُنّة شيء حتى يظهر من البدعة مثله ». ولذلك أمر الشارع المقدس بمقاطعة المبتدع في الدين قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « من أتى ذا بدعة فعظّمهُ فانما يسعى في هدم الإسلام » وأمر أيضاً باظهار العلم مقابل الكذب والافتراء ليكون حدّاً فاصلاً بين السُنّة والبدعة قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « إذا ظهرت البدع في أُمتي فليظهر العالم علمه ، فمن لم يفعل فعليه لعنة الله ». ومع ذلك كلّه فقد حدثت بدعٌ كثيرة بعد زمان رسول الإسلام صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبقيت مستمرة ولها أتباع كثيرون حتى اليوم .. فهي افتراءات على الله سبحانه وضلالات عن الدين الحنيف وإنْ حاول أُولئك الأتباع الدفاع عنها تحت عنوان « الاجتهاد ».

وهناك في المقابل قوم آخرون من أهل البدع ، توسّعوا في مفهوم البدعة فزعموا شموله لكلِّ أمر حادث في الحياة بعد رسول الله أو بعد ثلاثة قرون منذ عصره صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهم في ذلك يدّعون الحرص على الدين والتقيد بالسُنّة النبوية الشريفة ، وبذلك عزلوا الشريعة السمحة عن التفاعل مع حياة الناس فجعلوها جامدة وكأنها لا تمتلك مقومات الديمومة والاستمرار، وتناقض التطور والمدنية وتقف عاجزة أمام الحوادث المستجدة .. وأيضاً أطلقوا عنوان « البدعة » على بعض الممارسات التي هي من صميم الدين ، واتخذوا ذلك وسيلة للتشنيع وبث عوامل الفرقة بين الفصائل الإسلامية المختلفة وتسديد سهام النقد والتشويه لبعض العقائد المستمدة من الوحي الالهي قرآناً وسُنّة.

والحق أن هؤلاء وأُولئك خالفوا تعاليم الشريعة الغرّاء فضلّوا وأضلّوا ، لذا أصبح من الضرورة بمكان دراسة هذا المفهوم دراسة موضوعية وافية تكشف مختلف جوانبه وأبعاده.

ولتحقيق هذا الهدف فقد عُني هذا البحث ـ رغم كونه مختصراً ـ بمعالجة هذه المسألة وفق منهج علمي دقيق واسلوب مناسب يستعين بهدي الكتاب والسُنّة وأمثلة السيرة والتاريخ ، وقد انتهى إلى نتائج ومعالجات دقيقة وموفقة.

ومنه تعالى نستمد العون والسداد لاحياء السُنن واماتة البدع

مقدمة المركز

٦

المقدِّمة

الحمدُ لله ربِّ العالمين ، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على خير خلقه محمد المصطفى الأمين وآله الطيبين الطاهرين وصحبهم المنتجبين.

قال تعالى : ( ولا تقولن لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون ) (١).

تعتبر البدعة من المعاصي الكبيرة التي نصَّ على حرمتها الكتاب الكريم وسُنّة المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهي ضلالة تؤدي بصاحبها إلى سواء الجحيم ، ذلك لأن المبتدع في الدين مفترٍ على الله ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذَّب بآياته إنّه لا يفلح الظالمون ) (٢) ولانه يسوق الاُمّة وفقاً لأهوائه إلى سبيل منحرف ينتهي إلى الفرقة والتناحر والاقتتال ، بدلاً عن السبيل السوي الذي اختاره تعالى لسعادة البشرية ( وان هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) (٣) لذا نرى من الواجب المناط بأهل العلم والمعرفة رسم الصورة الحقيقية للسُنّة المباركة وتخليصها من كلِّ دخيل وتمحيصها من الابتداع والاحداث في الدين بالعرض على الكتاب والسُنّة ، دون ان يكون لدواعي الهوى وآراء المذاهب المختلفة أثر في اعتبارات البدعة ومواردها المختلفة.

__________________

(١) النحل ١٦ : ١١٦.

(٢) الانعام ٦ : ٢١.

(٣) الانعام ٦ : ١٥٣.

٧

من هنا حاولنا في هذا البحث رسم الصورة الواقعية لمفهوم البدعة من خلال دراسة وافية تقترن ببيان الموارد الصحيحة والمصاديق الحقيقية لها وفقاً لما جاء في كتاب الله وسُنّة رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهدي أئمة الهدى عليهم‌السلام.

وقد سلطنا الضوء على هذا المفهوم من جوانبه المختلفة مع شيء من الاختصار وفقاً للفصول التالية :

الفصل الأول : تعريف البدعة لغةً واصطلاحاً وبيان دلالتها في القرآن والسُنّة ، واستعراض ما ورد من آيات قرآنية وأحاديث شريفة في حرمة الابتداع في الدين وخطورته وضرورة مواجهته بشتى الوسائل.

الفصل الثاني : بيان مفهوم البدعة وشروطها وحدودها وتقسيمها.

الفصل الثالث : استعراض الاسباب التي أدت إلى نشوء البدع وانتشارها ، وقد حصرناها في ثلاثة أسباب رئيسية هي : ١ ـ توهم المبالغة في التعبد لله تعالى ، ٢ ـ اتباع الهوى ، ٣ ـ التسليم لغير المعصوم.

الفصل الرابع : ذكرنا فيه دور أهل البيت عليهم‌السلام واسهامهم في مجابهة البدع ومحدثات الاُمور ، ويدور البحث فيه على محاور رئيسية ، هي : قول الأئمة عليهم‌السلام في : الجبر والتفويض ، والقياس والرأي ، والتصوف والرهبنة ، ومسألة التشبيه والتجسيم ، ومحاربة الغلو والغلاة.

الفصل الخامس : نقلنا فيه البحث النظري المتقدم إلى ساحة التطبيق العملي ، مبيّنين أهم البدع المحدثة ، ذاكرين بعض الممارسات والعقائد التي نسبت إلى البدعة وليست هي كذلك.

نرجو أن نكون قد أفدنا في هذا البحث ووفقنا لما فيه الخير والرشاد.

ومن الله نستمد العون والسداد وهو يهدي من يشاء إلى سواء السبيل

٨

الفصل الأول

البدعة

دلالتها في القرآن والسُنّة

البدعة في اللغة :

قال الخليل بن أحمد الفراهيدي : ( البَدع : إحداثُ شيء لم يكن له من قبل خلق ولا ذكر ولا معرفة ) (١).

ويقول الراغب : ( الابداع : هو إنشاء صفةٍ بلا احتذاء واقتداء ) (٢) ، والابداع أصلٌ ثانٍ للبدعة ، وهو مأخوذ من « أبدع ».

وينصّ الأزهري على أنّ « الابداع » أكثر استعمالاً من « البَدع » وهذا لا يعني أنّ استعمال « البدع » خطأ ، فيقول في ذلك : ( و « أبدع » أكثر في الكلام من « بَدَعَ » ولو استعمل « بَدَعَ » لم يكن خطأ ) (٣).

وقال ابن فارس : ( البدع له أصلان : ابتداء الشيء وصنعه لا عن مثال ، والآخر الانقطاع والكلال ) (٤).

__________________

(١) العين ، للفراهيدي ٢ : ٥٤.

(٢) معجم مفردات ألفاظ القرآن الكريم ، للراغب الاصفهاني : ٣٦.

(٣) تهذيب اللغة ، للازهري ٢ : ٢٤١.

(٤) المقاييس ، لابن فارس ١ : ٢٠٩ مادة ( بَدَع ).

٩

وقال الفيروزآبادي : ( البِدعة : الحدث في الدين بعد الاكمال ، أو ما استحدث بعد النبي من الأهواء والأعمال ) (١).

وعلى هذا الأساس تقول من « البَدع » : ( بدعتُ الشيء إذا انشأته ) (٢).

كما تقول من ( الابداع ) : ابتدع الشيء : أي « أنشأه وبدأه » (٣) وتقول أيضاً : ( أبدعتُ الشيء أي اخترعته لا على مثال ) (٤).

و « أبدعَ » الله تعالى الخلق « إبداعاً » : أي خلقهم لا على مثال سابق ، و « أبدعتُ » الشيء و « ابتدعته » استخرجته وأحدثته ، ومن ذلك قيل للحالة المخالفة « بدعة » ، وهي اسم من « الابتداع » ، كالرفعة من الارتفاع (٥).

ومن أسماء الله تعالى « البديع » : وهو الذي فطر الخلق مُبدِعاً لا على مثال سابق (٦).

يقول سبحانه وتعالى : ( بَدِيعُ السَمَوَاتِ والاَرضِ ) أي مبتدعها ومبتدئها لا على مثال سابق (٧).

إنّ الامعان في التعريفات المارة لكلمة « البدعة » يوضح بجلاء أنّ معناها في اللغة : هو الشيء الذي يبتكر ويخترع من دون مثال سابق ويبتدأ به بعد أن لم يكن موجوداً في السابق.

__________________

(١) القاموس ، للفيروزآبادي ٣ : ٦ مادة ( بَدَعَ ).

(٢) جمهرة اللغة ، لابن دريد ١ : ٢٩٨.

(٣) لسان العرب ، لابن منظور ٨ : ٦ مادة ( بدع ).

(٤) الصحاح ، للجوهري ٣ : ١١٨٣ مادة ( بدع ).

(٥) المصباح المنير ، للفيومي١ : ٣٨ مادة ( بدع ).

(٦) مجمع البحرين ، للطريحي ١ : ١٦٣ مادة ( بدع ).

(٧) النهاية ، لابن الاثير ١ : ١٠٦. والآية من سورة البقرة ٢ : ١١٧.

١٠

البدعة في الاصطلاح :

مع أنّ « البدعة » في المعنى اللغوي المتقدم تشمل كل جديد لم يكن له مماثل سواء أكان في الدين ، أم في العادات ، كأنواع الأطعمة والألبسة والأبنية والصناعات وغيرها من الممارسات الحياتية عند الناس ، لكن البدعة التي ورد النصّ بتحريمها هي : ( إيراد قولٍ أو فعلٍ لم يُستَنَّ فيه بصاحب الشريعة وأُصولها المتقنة ) (١).

وبعبارة أُخرى هي : ( الحدث في الدين بعد الاكمال ) (٢).

وفي الموضوع تعريفات كثيرة ، تكاد تتفق لفظاً ومضموناً ، وان اختلفت في زيادات أوردها البعض لمزيد من البيان :

ابن رجب الحنبلي عرّف البدعة بأنّها :

( ما أُحدث مما لا أصل له في الشريعة يدّل عليه ، أما ما كان له أصل من الشرع يدّل عليه فليس ببدعة شرعاً وإنْ كان بدعة لغةً ) (٣).

وقال ابن حجر العسقلاني في « فتح الباري » : ( أصلها ما أُحدِثَ على غير مثال سابق ، وتطلق في الشرع في مقابل السُنّة فتكون مذمومة .. ) (٤).

وقال : ( المحدثات جمع محدثة ، والمراد بها ـ أي في حديث « من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ » ـ : ما أُحدث وليس له أصل في الشرع ، ويسمّى في عرف الشرع بدعة ، وما كان له أصل يدلُّ عليه الشرع

__________________

(١) انظر : المفردات ، للراغب : ٢٨.

(٢) القاموس ، للفيروزآبادي ٣ : ٦.

(٣) جامع العلوم والحكم ، لابن رجب الحنبلي : ١٦٠ طبع الهند.

(٤) فتح الباري ، لابن حجر العسقلاني ٥ : ١٥٦.

١١

فليس ببدعة ) (١) ؟.

ويرى ابن حجر الهيتمي أنّ البدعة : ( ما أُحدث على خلاف أمر الشرع ودليله الخاص أو العام ) (٢).

ويرى الشاطبي : ( البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يُقصد بالسلوك عليها ما يُقصد بالطريقة الشرعية ـ وقال في مكان آخر ـ يُقصد بالسلوك عليها : المبالغة في التعبّد لله تعالى ) (٣).

وقال السيد المرتضى : ( البدعة : الزيادة في الدين أو نقصان منه من غير إسناد إلى الدين .. ) (٤).

وقال الطريحي في مجمع البحرين : ( البدعة : الحدثُ في الدين ، وما ليس له أصل في كتاب ولا سُنّة ، وإنّما سُميّت بدعة لأنّ قائلها ابتدعها هو نفسه ) (٥) ..

أما العلاّمة المجلسي فإنّه عرّفَ البِدعة في الاصطلاح الشرعي بأنّها : ( ما حدث بعد الرسول ولم يرد فيه نصّ على الخصوص ، ولا يكون داخلاً في بعض العمومات ، مثل بناء المدارس وأمثالها الداخلة في عمومات إيواء المسلمين وإسكانهم وإعانتهم ، وكإنشاء بعض الكتب العلمية ، والتصانيف التي لها مدخل في العلوم الشرعية ، وكالألبسة التي لم تكن في

__________________

(١) فتح الباري ، لابن حجر العسقلاني ١٧ : ٩.

(٢) التبيين بشرح الاربعين ، لابن حجر الهيتمي : ٢٢١.

(٣) الاعتصام ، للشاطبي ١ : ٣٧.

(٤) الرسائل ، للشريف المرتضى ٣ : ٨٣.

(٥) مجمع البحرين ، للطريحي ١ : ١٦٣ مادة ( بدع ).

١٢

عهد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأطعمة المحدثة فإنّها داخلة في عمومات الحلّية ولم يرد فيها نهي.

وما يُفعل منها على وجه العموم إذا قُصد كونها مطلوبة على الخصوص كان بدعة ، كما أنّ الصلاة خير موضوع ويُستحب فعلها في كل وقت ، ولو عيّن ركعات مخصوصة على وجه مخصوص في وقت معين صارت بدعة، وكما إذا عيّن أحدٌ سبعين تهليلة في وقت مخصوص على أنّها مطلوبة للشارع في خصوص هذا الوقت ، بلا نصّ ورد فيها ، كانت بدعة.

وبالجملة إحداث أمر في الشريعة لم يرد فيه نص ، بدعة ، سواء كان أصلها مبتدعاً أو خصوصيتها مبتدعة .. ) (١).

وقال المحدّث البحراني : ( الظاهر المتبادر من البدعة ، لا سيّما بالنسبة إلى العبادات ، إنّما هو المحرّم ، ولما رواه الشيخ الطوسي عن زرارة ومحمد بن مسلم والفضيل عن الصادقين عليهما‌السلام : « إنّ كل بدعة ضلالة وكل ضلالة سبيلها النار » ) (٢).

وقال المحقق الاشتياني : ( البدعة : إدخال ما علم أنّه ليس من الدين في الدين ، ولكن يفعله بأنّه أمَرَ به الشارع .. ) (٣).

وقال السيد محسن الامين العاملي : ( البدعة : إدخال ما ليس من الدين في الدين ، كإباحة محرّم أو تحريم مباح أو إيجاب ما ليس بواجب أو

__________________

(١) بحار الانوار ، للمجلسي ٧٤ : ٢٠٢ ـ ٢٠٣.

(٢) الحدائق الناضرة ، للشيخ يوسف البحراني ١٠ : ١٨٠.

(٣) بحر الفوائد ، للاشتياني : ٨٠.

١٣

ندبه، أو نحو ذلك سواء كانت في القرون الثلاثة أو بعدها ، وتخصيصها بما بعد القرون الثلاثة لا وجه له .. ) (١).

هذه جملة مما ورد في تعريف البدعة بالمعنى الاصطلاحي الشرعي، وقد أفاد أغلبها أنّ البدعة بالمعنى الشرعي ، هي : زيادة شيء في الدين على أنّه منه وهو ليس منه.

واختص تعريف الشريف المرتضى وكذا تعريف السيد محسن الامين من بين تلك التعريفات بذكر النقصان من الدين على أنّه يدخل ضمن البدعة أيضاً.

ومن هنا فإنّ تعريف الشريف المرتضى هو أجمع التعاريف وأكثرها دلالة على حد البدعة ومفهومها.

البدعة في القرآن الكريم

وردت البدعة بمعناها اللغوي والاصطلاحي الشرعي في عدة مواضع من القرآن الكريم.

والملاحظ أنّها وردت في بعض المواضع من القرآن الكريم بصورة مباشرة ، وبعضها الآخر ورد من خلال دلالة الجملة القرآنية على مفهوم ( التغيير في الدين ) زيادة وإنقاصاً ، وسنورد أمثلةً عن كلا الصورتين.

الصورة الاُولى :

١ ـ ( .. ورَهبَانِيَّةً ابتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيهِمْ إلاّ ابتِغَآءَ رِضوَانِ اللهِ فَمَا

__________________

(١) كشف الارتياب للسيد محسن الامين العاملي : ١٤٣.

١٤

رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ... ) (١).

الآية الشريفة هنا توضح أنَّ « الرهبانية » كانت من مبتدعات الرهبان ، وأنّها لم تكن مفروضة عليهم من قبل ، وإنّما تكلّفوها من عند أنفسهم.

٢ ـ ( قُلْ ما كُنتُ بِدْعاً مِنَ الرُسُلِ ومَآ أدرِي مَا يُفعَل بِي وَلا بِكُم ... ) (٢).

وهناك اتجاهان في تفسير الآية الشريفة ، يذهب أحدهما إلى أنّ المقصود هو أنّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليس أول رسول يرسله الله إلى قومه برسالته.

ويذهب الآخر إلى أنّ المراد : ما كنتُ مبدِعاً في أقوالي وأفعالي مالم يسبقني إليه أحد من الرسل.

وقد ذهب العلاّمة الطباطبائي في تفسيره « الميزان » إلى ترجيح الاتجاه الثاني بقوله : ( والمعنى الأول لا يلائم السياق .. فثاني المعنيين هو الأنسب ، وعليه فالمعنى : لستُ أُخالف الرُسل السابقين في صورة أو سيرة وفي قول أو فعل ، بل أنا بشر مثلهم فيَّ من آثار البشرية ما فيهم وسبيلهم في الحياة سبيلي ) (٣).

٣ ـ قوله تعالى : ( بَديِعُ السَمَوَاتِ والاَرضِ وإذَا قَضَى أمراً فإنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) (٤).

__________________

(١) الحديد ٥٧ : ٢٧.

(٢) الاحقاف ٤٦ : ٩.

(٣) الميزان في تفسير القران ، للطباطبائي ١٨ : ١٩٠.

(٤) البقرة ٢ : ١١٧.

١٥

٤ ـ وقوله تعالى : ( بَدِيعُ السَمَوَاتِ والاَرضِ أنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ .. ) (١).

والآيتان المتقدمتان تفيدان معنى الخلق لا على مثال سابق وهو المعنى اللغوي لكلمة « بَدَع » ، التي مرّت الاشارة إليها فيما تقدم.

الصورة الثانية :

أما ما ورد في القرآن الشريف من إشارة إلى البدعة بمعنى « التغيير في الدين » فهو كثير ، لكننا نشير إلى بعض الآيات الشريفة :

١ ـ ( قُلْ أرَأيتُم مَّا أَنزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلتُم مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُل ءَآللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفتَرُونَ ) (٢).

والآية واضحة في دلالتها على التحريف زيادة أو إنقاصاً ، وقد وردت الآية في وصف عمل المشركين حين حرّموا بعض ما أنزل الله عليهم من الرزق وحلّلوا البعض الآخر ، فقد حرّموا السائبة والبَحيرة والوَصيلة من غير أن يأتيهم بذلك أمر إلهي ، ويوضح هذه الحقيقة قوله تعالى في ذيل الآية المتقدمة : ( ءَآللهُ أذِنَ لَكُم أمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ ).

٢ ـ كما جاء ما يدل على التحريف في قوله تعالى : ( ولا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ السِنَتُكُم الكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الكَذِبَ إنَّ الَّذينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ لا يُفلِحُونَ ) (٣).

والآية الشريفة واضحة الدلالة مثل سابقتها على مفهوم التحريف

__________________

(١) الانعام ٦ : ١٠١.

(٢) يونس ١٠ : ٥٩.

(٣) النحل ١٦ : ١١٦.

١٦

والافتراء كذباً على الله سبحانه وتعالى شأنه.

٣ ـ إنّ تحريف النصّ الالهي أمر خطير حتى جاء في القرآن الشريف على لسان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( .. قُلْ مَا يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلقَآء نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلاّ ما يُوحَى إليَّ إنّي أخَافُ إنْ عَصيْتُ رَبّي عَذَابَ يَومٍ عَظيمٍ ) (١).

وفي الآية الشريفة دلالة واضحة وصريحة على قُدسية الأمر الالهي الوارد عبر الوحي ، وأنَّ تحريف هذا النصّ أو تبديله أمرٌ خطير يورد صاحبه موارد الهلكة والخسران المبين إلى الدرجة التي يقول فيها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( إنِّي أخَافُ إنْ عَصَيتُ رَبّي عَذَابَ يَومٍ عَظِيمٍ ).

٤ ـ وجاء في القرآن الكريم ما يدل على تحقّق الابتداع بدعوى الزيادة أو النقصان في الأحكام الإسلامية كما في قوله تعالى : ( وَمَنْ أظلَمُ مِمِنَّ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً أو كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفلِحُ الظَّالِمُون ) (٢).

إنَّ الكذب من المحرمات والموبقات التي وعد الله عليها النار ، والبدعة من أفحش الكذب ، لإنّها افتراء على الله ورسوله ، والمفتري مبتدع لأنه يريد أن يقول عن شيء ليس من الدين إنّه من الدين ، فيزيد فيه ما ليس منه ، أو يقول عن شيء إنّه ليس من الدين وهو من الدين ، فينقص من الدين شيئاً هو منه.

البدعة في السُنّة المطهّرة

فيما تقدم استعرضنا بصورة موجزة الآيات القرآنية الشريفة الدالة على

__________________

(١) يونس ١٠ : ١٥.

(٢) الانعام ٦ : ٢١.

١٧

مفهوم البدعة والتحذير منها ، وسنستعرض في هذا الفصل ما ورد من أحاديث وروايات منقولة عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. وسوف لن يقتصر إيرادنا للأحاديث المروية عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على فريق معيّن من المسلمين بل سنحاول ذكر الروايات الواردة عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن طريق الفريقين.

١ ـ ورد عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : « لا يذهب من السُنّة شيء حتى يظهر من البدعة مثله ، حتى تذهب السُنّة وتظهر البدعة ، حتى يستوفي البدعة من لا يعرف السُنّة ، فمن أحيى ميتاً من سنتي قد أمُيتت ، كان له أجرُها وأجرُ من عمل بها ، من غير أن ينقص من أُجورهم شيئاً ، ومَنْ أبدَعَ بدعة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها ، لا ينقص من أوزارهم شيئاً » (١).

٢ ـ وعن جابر قال : خطبنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهل له ثم قال : « أما بعد فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله ، وأنّ أفضل الهدي هدي محمد ، وشر الاُمور محدثاتها وكلّ بدعة ضلالة .. » (٢).

٣ ـ وورد عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله : « لا ترجعنَّ بعدي كفاراً ، مرتدين ، متأولين للكتاب على غير معرفة ، وتبتدعون السُنّة بالهوى لأن كل سُنّة وحدث وكلام خالف القرآن فهو ردّ وباطل » (٣).

٤ ـ وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : « يأتي على الناس زمان وجوههم وجوه الآدميين وقلوبهم قلوب الشياطين ، السُنّة فيهم بدعة ، والبدعة فيهم

__________________

(١) كنز العمال ، لعلاء الدين الهندي ١ : ٢٢٢ / ١١١٩.

(٢) مسند أحمد ٣ : ٣١٠ طبعة دار الفكر ـ بيروت. سنن ابن ماجه ١ : ٢١ باب اجتناب البدع والجدل طبعة دار الجيل ـ بيروت. جامع الاُصول ، لابن الاَثير : ٥ الفصل الخامس الخطبة ٣٩٧٤.

(٣) خصائص الأئمة ، للشريف الرضي : ٧٥.

١٨

سُنّة » (١) .

٥ ـ وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « من أدى إلى أُمتي حديثاً يُقام به سُنّة ، أو يثلم به بدعة، فله الجنة » (٢).

٦ ـ وجاء عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : « إياك أن تسنَّ سنة بدعة ، فإنّ العبد إذا سنَّ سنةً سيئة ، لحقهُ وزرها ، ووزر من عمل بها .. » (٣).

٧ ـ وعن عرباض بن سارية قال : صلّى بنا رسول الله الفجر ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة .. قال : « أوصيكم بتقوى الله .. وإيّاكم ومحدثات الامور ، فإنّ كلَّ محدثة بدعة ، وإنّ كلَّ بدعة ضلالة » (٤).

٨ ـ وروى مسلم في صحيحه : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا خطب احمرّت عيناه وعلا صوته ، واشتد غضبه ، حتى كأنه منذر جيشٍ ، يقول : « صبّحكم ومسّاكم ـ ويقول ـ بُعثِتُ أنا والساعة كهاتين ـ ويقرن بين إصبعيه : السبابة والوسطى ، ويقول ـ أما بعد ، فإنَّ خير الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هَديُ محمد ، وشرّ الاُمور محدثاتها ، وكل بدعة ضلالة ـ ثم يقول ـ أنا أولى بكلِّ مؤمن من نفسهِ ، من ترك مالاً فلأهله ، ومن ترك دَيناً أو ضياعاً فإليَّ وعليّ » .. (٥).

٩ ـ وروى ابن ماجه : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لا يقبل الله لصاحب بدعة

__________________

(١) جامع الاخبار ، لتاج الدين الشعيري : ١٢٥.

(٢) بحار الانوار ، للمجلسي ٢ : ١٥٢ / ٤٣ باب ١٩.

(٣) بحار الانوار ، للمجلسي ٧٤ : ١٠٤ / ١ باب ٥.

(٤) مسند أحمد ٤ : ١٢٦ ـ ١٢٧. وبحار الانوار ٢ : ٢٦٣ فقد وردت نفس النصوص مع زيادة « وكل ضلالة في النار ».

(٥) جامع الاصول ، لابن الاثير : ٥. الفصل : ٥ الخطبة ٣٩٧٤.

١٩

صوماً ، ولا صلاة ، ولا صدقة ، ولا حجّاً ، ولا عمرة ، ولا جهاداً » (١).

١٠ ـ وروى مسلم عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله : « من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ » (٢).

١١ ـ وعن جرير بن عبد الله عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله : « من سنَّ في الإسلام سُنّة حسنة فعُمل بها بعده ، كُتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أُجورهم شيء ، ومن سنَّ في الإسلام سُنّة سيئة فعمل بها بعده كُتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء .. » (٣).

١٢ ـ وعن حذيفة انه قال : يا رسول الله هل بعد هذا الخير شرّ ؟ قال : « نعم ، قوم يستّنون بغير سنّتي ويهتدون بغير هداي .. » (٤).

١٣ ـ وعن مالك في موطأه عن أبي هريرة قال : إنّ رسول الله خرج إلى المقبرة فقال : « السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون ـ إلى أن قال ـ فلُيذادنَّ رجال عن حوضي كما يُذاد البعير الضال ، أناديهم ألا هلّم ! ألا هلّم ! ألا هلّم ! فيقال : إنّهم قد بدّلوا بعدك ، فأقول : فسحقاً ، فسحقاً، فسحقاً .. » (٥).

١٤ ـ وروى الكليني عن محمد بن جمهور رفعهُ ، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « إذا ظهرت البدع في أُمتي فليُظهِر العالِم علمه ، فمن لم يفعل

__________________

(١) سنن ابن ماجه ١ : ٢٥ باب اجتناب البدع والجدل.

(٢) صحيح مسلم ٥ : ١٣٢ ، كتاب الاقضية الباب ٨. ومسند أحمد ٦ : ٢٧٠.

(٣) صحيح مسلم ٨ : ٦١ كتاب العلم.

(٤) صحيح مسلم ٥ : ٢٠٦ كتاب الامارة.

(٥) موطأ مالك : كتاب الصلاة باب جامع الوضوء / ٢٦. وصحيح مسلم ١ : ١٥٠.

٢٠