تفسير المراغي - ج ١٩

أحمد مصطفى المراغي

تفسير المراغي - ج ١٩

المؤلف:

أحمد مصطفى المراغي

المحقق: المترجم:
الموضوع : القرآن وعلومه الناشر: دار إحياء التراث العربي
نسخة غير مصححة

١

٢

الجزء التاسع عشر

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً (٢٢) وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (٢٣) أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً (٢٤))

تفسير المفردات

لا يرجون : أي لا يخافون كما جاء فى قوله : «ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً» واللقاء : مقابلة الشيء ومصادفته ، ولقاءنا : أي لقاء جزائنا ، واستكبروا فى أنفسهم : أي أوقعوا الاستكبار فى شأن أنفسهم بعدّها كبيرة الشأن ، والعتوّ : تجاوز الحد فى الظلم تجاوزا بلغ أقصى الغاية حيث كذبوا الرسول الذي جاء بالوحى ولم يكترثوا بالمعجزات التي أتاهم بها ، حجرا محجورا : كلمة تقولها العرب حين لقاء عدو موتور أو هجوم نازلة

٣

هائلة ، يقصدون بها الاستعاذة من وقوع ذلك الخطب الذي يلحقهم والمكروه الذي يلمّ بدارهم : أي نسأل الله أن يمنع ذلك منعا ويحجره حجرا ، وقدمنا : أي عمدنا وقصدنا ، والهباء كما قال الراغب : دقاق التراب وما انبثّ فى الهواء ولا يبدو إلا فى أثناء ضوء الشمس من كوّة ونحوها ، والمستقر : المكان الذي يستقر فيه المرء فى أكثر الأوقات للجلوس والمحادثة ، والمقيل : المكان الذي يؤوى إليه للاستمتاع بالأزواج والتمتع بحديثهن ، سمى بذلك لأن التمتع به يكون وقت القائلة غالبا.

المعنى الجملي

بعد أن حكى سبحانه أباطيل المشركين السالفة بطعنهم فى نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بقولهم «لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً» أردف ذلك بذكر سخافات أخرى لهم فى هذا الصدد فقالوا : هلا أنزل علينا الملائكة فيخبرونا بصدقه ، أو يرى ربنا فينبئنا بذلك ، ثم بين أن هذا عتو عظيم منهم ، ثم أعقب هذا ببيان أنهم سيرون الملائكة حين الهول يوم الجزاء والحساب حين يقولون لهم : لا بشرى لكم اليوم بل فيه منعكم من كل خير ، فإن ما قدمتم من عمل صالح فى الدنيا صار هباء منثورا ، ثم أخبر بما يكون لأهل الجنة من خير المستقر ، وحسن المقيل ، فى ظل ظليل ، ونعم لا مقطوعة ولا ممنوعة ، حين يقولون : «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ» ولعل فى ذكر هذا ما يكون حافزا لهم على مراجعة أنفسهم وتخمير الرأى ، ليرشدوا إلى طريق السّداد ، ويقلعوا عما هم فيه من هوى متّبع ، وشيطان مطاع.

الإيضاح

(وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا) أي وقال الذين ينكرون البعث والحشر ويطعنون فى صدق الرسول فيما أوحى به إليه : هلا أنزل علينا

٤

الملائكة فيخبرونا بأن محمدا صادق فيما يدّعى ، فإنا فى شك من أمره ، وفى ريب مما يخبر به ، وإن لم يكن هذا فلنر ربنا ونعلم أنه هو حقا بأمارات لا يعتريها لبس ثم يقول لنا : إنى أرسلت إليكم محمدا من لدنى بشيرا ونذيرا ، فإن تم لنا ذلك صدّقناه وآمنا به ، وما مقصدهم من هذا وذاك إلا التمادي فى الإنكار والعناد والعتوّ ومن ثم قال :

(لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً) أي والله لقد استكبروا فى شأن أنفسهم ، وتجاوزوا الحد فى الظلم والطغيان تجاوزا بلغ أقصى الغاية ، تكذيبا برسوله ، وشموخا بأنوفهم عن أن ينصاعوا إليه ويتبعوه ، ولم يأبهوا بباهر معجزاته ، ولا كثرة آياته ، وإنهم لقد بلغوا غاية القحة فى الطلب ، وفى الحق إن شأنهم لعجب ، وإن العقل ليحار فى أمرهم ، ويدهش لقصور عقولهم ، وسذاجة آرائهم ، وضعف أحلامهم ، «أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ» ولله در القائل :

ومن جهلت نفسه قدره

رأى غيره منه ما لا يرى

ونحو الآية قوله تعالى : «إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ».

ثم بين أنهم سيلقون الملائكة حين الهول يوم القيامة لا على الوجه الذي طلبوه ، ولا على الصورة التي اقترحوها ، بل على وجه آخر لم يمر ببالهم فقال :

(يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً) أي يوم يرى هؤلاء المجرمون الملائكة فلا بشرى لهم بخير ، إذ يقولون لهم : حجرا محجورا أي محرم عليكم البشرى بالغفران والجنة ، أي جعلهما الله حراما عليكم ، إذ هما لا يكونان إلا لمن اعترف بوحدانية الله وصدّق رسوله.

والخلاصة ـ لا بشرى يومئذ للكافرين وتقول لهم الملائكة : حرام أن نبشركم بما نبشر به المتقين.

ثم بين السبب فى وبالهم وخسرانهم حينئذ فقال :

(وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً) أي فعمدنا إلى محاسن

٥

أعمالهم التي قاموا بها فى الدنيا كصلة رحم ، وإغاثة ملهوف ، ومن على أسير ونحو ذلك مما لو كانوا عملوها مع الإيمان لنالوا ثوابها ـ فجعلناه كالهباء المنثور لا يجدى ولا يفيد.

وخلاصة ذلك ـ إنه تعالى جعل مثل هؤلاء الكفار ومثل أعمالهم التي عملوها حال كفرهم ـ مثل قوم خالفوا سلطانهم واستعصوا عليه ، فقصد إلى ما بين أيديهم فأفسده وجعله شذر مذر ، ولم يترك له أثرا ولا عينا.

وبعد أن بين حال الكافرين حينئذ ذكر حال أضدادهم المؤمنين فقال :

(أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً) أي إن منازل أهل الجنة خير من منازل أولئك المشركين الذين يفتخرون بأموالهم وما أوتوا من الترف والنعيم فى الدنيا ، وأحسن فيها قرارا حين القائلة من مثلها لهم فى الدنيا ، لما يتزين به مقيلهم من حسن الصور وجمال التنوّق والأبّهة والزّخرف وغيرها من المحاسن التي لا يوجد مثلها فى الدنيا فى بيوت المترفين ، ولما فيه من نعيم لا يشو به كدر ولا تنغيص بخلاف مقيل الدنيا.

(وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً (٢٦) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (٢٧) يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولاً (٢٩))

المعنى الجملي

بعد أن بين سبحانه فى سابق الآيات أن المشركين طلبوا إنزال الملائكة ـ أردف هذا ببيان أنهم ينزلون حين ينتهى هذا العالم الدنيوي ، ويختلّ نظام الأفلاك ،

٦

والأرض والسموات ، ويحشر الناس من قبورهم للعرض والحساب ، فيعض الكافر على يديه نادما على مافات ويتمنى أن لو كان قد أطاع الرسول فيما أمر ونهى ولم يكن قد أطاع شياطين الإنس والجن الذين أضلوه السبيل وخذلوه عن الوصول إلى محجة الصواب.

الإيضاح

(وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ) أي واذكر أيها الرسول لقومك أهوال هذا اليوم حين تكون شمسنا وكواكبنا والشموس الأخرى وسياراتها أشبه بالغمام ، لأنها تصير هباء متفرقة فى الجو وترجع سيرتها الأولى أي تتحلل وترجع فى الجو كما كانت ويختلى نظام هذا العالم المشاهد كما قال تعالى : «وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً. وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً».

(وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً) بصحائف أعمال العباد ، لتقدّم لدى العرض والحساب ، وتكون شاهدة عليهم لدى فصل القضاء.

(الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ) أي الملك الحق فى هذا اليوم ملك الرحمن ، فله السلطان القاهر ، والاستيلاء العام ظاهرا وباطنا ، ولا ملك لغيره فى هذا اليوم وهو الذي يقضى بين عباده بالعدل ، ولا شفيع ولا نصير : «الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ».

ثم ذكر الهول الذي ينال الكافرين حينئذ فقال :

(وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً) أي وكان ذلك اليوم شديد الهول على الكافرين ، لأنه يوم عدل وفصل للقضاء ، وهو على المؤمنين يسير ، لما ينالهم فيه من الكرامة والبشرى ، وفى الحديث «إنه يهون يوم القيامة على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة صلّاها فى الدنيا».

٧

ونحو الآية قوله : «فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ. عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ».

ثم بين شدة ندم المشركين وعظيم حسرتهم فى هذا اليوم :

(وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً) أي وفى هذا اليوم يعضّ المشرك بربه على يديه ندما وأسفا على ما فرّط فى جنب الله ، وعلى ما أعرض عنه من الحق الواضح الذي جاء به رسوله ويقول : ليتنى اتخذت مع الرسول طريقا إلى النجاة ، ولم تتشعب بي طرق الضلالة.

(يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً) أي يا هلكتى احضرى فهذا أوانك ، ليتنى لم أتخذ فلانا الذي أضلنى وصرفنى عن طريق الهدى خليلا وصديقا.

ومن الأخلاء الشياطين ، ولا فارق بين شياطين الإنس وشياطين الجن ، ومن هؤلاء أبىّ بن خلف ، فقد روى أن عقبة بن أبى معيط كان يكثر مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم فدعاه إلى ضيافته فأبى أن يأكل من طعامه حتى ينطق بالشهادتين ففعل ، وكان أبىّ صديقه فعاتبه ، وقال له : صبأت ، فقال : لا والله ولكن أبى أن يأكل من طعامى وهو فى بيتي فاستحييت منه فشهدت له ، فقال لا أرضى منك إلا أن تأتيه فتطأ قفاه وتبزق فى وجهه ، فوجده ساجدا فى دار النّدوة ففعل ذلك ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : لا ألقاك خارجا من مكة إلّا علوت رأسك بالسيف فأسر يوم بدر فأمر عليا فقتله ، وقتل أبىّ بن خلف بيده الشريفة يوم أحد ، طعنه بحربة فوقعت فى ترقوته فلم يخرج منه دم كثير واحتقن الدم فى جوفه فجعل يخور كما يخور الثور ، فأتى أصحابه حتى احتملوه وهو يخور ، فما لبث إلا يوما أو نحوه حتى ذهب إلى النار فأنزل الله الآية.

وعن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يحشر المرء على دين خليله ، فلينظر أحدكم من يخال» أخرجه أبو داود والترمذي.

وعن أبى سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقىّ» وروى الشيخان عن أبى موسى الأشعري أن

٨

النبي صلى الله عليه وسلم قال : «مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يحذيك ، وإما أن تبتاع منه ، وإما أن تجد منه ريحا طيبة ، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك ، وإما أن تجد منه ريحا خبيثة».

ثم بين علة هذا التمني بقوله :

(لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي) أي لقد أضلنى عن الإيمان بالقرآن بعد إذ جاءنى من ربى.

ثم أخبر عن طبيعة الشيطان ودأبه فقال :

(وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولاً) أي وكان من عادة الشيطان أن يخذل الإنسان فيصرفه عن الحق ويدعوه إلى الباطل ثم لا ينقذه مما يحل به من البلاء ، ولا ينجيه منه.

(وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (٣٠) وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً (٣١))

المعنى الجملي

بعد أن ذكر مقالاتهم الباطلة ، وتعنتهم الظالم فى الرسول من نحو قولهم : لو لا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا ، وقولهم ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق ، وقولهم فى القرآن : إن هو إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون ، وقولهم فيه : إن هو إلا أساطير الأولين اكتتبها ـ أعقب ذلك بشكاية الرسول إلى ربه بأن قومه قد هجروا كتابه ، ولم يلتفتوا إلى ما فيه من هداية لهم ، ورعاية لمصالحهم فى دينهم ودنياهم ، ثم سلاه سبحانه على ذلك بأن هذا ليس دأب قومك فحسب ، بل إن كثيرا من

٩

الأمم قد فعلوا مع رسلهم مثل هذا ، فاقتد بأولئك الأنبياء ولا تجزع ، ثم وعده وعدا كريما بأن يهديه إلى مطلبه ، وينصره على عدوه ، وكفى به هاديا ونصيرا.

الإيضاح

(وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً) أي وقال الرسول مشتكيا إلى ربه : رب إن قومى الذين بعثتني إليهم لأدعوهم إلى توحيدك ، وأمرتنى بإبلاغه إليهم ، قد هجروا كتابك ، وتركوا الإيمان بك ، ولم يأبهوا بوعدك ووعيدك ، بل أعرضوا عن استماعه واتباعه.

وفى ذكره صلى الله عليه وسلم بلفظ (الرَّسُولُ) تحقيق للحق ، ورد عليهم ، إذ كان ما أورده قدحا فى رسالته صلى الله عليه وسلم.

ثم سلى رسوله على ما يلاقيه من الشدائد والأهوال ، بأن له فى سلفه من الأنبياء قبله أسوة بقوله :

(وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ) أي كما جعلنا لك أعداء من المشركين يتقولون عليك ما يتقولون من التّرهات والأباطيل ويفعلون من السخف ما يفعلون ـ جعلنا لكل نبى من الأنبياء الذين سلفوا وأوتوا من الشرائع ما فيه هدى للبشر ـ أعداء لهم من شياطين الإنس والجن ، وكانوا لهم بالمرصاد ، وقاوموا دعوتهم ، «وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ».

فلا تجزع أيها الرسول فإن هذا دأب الأنبياء قبلك ، واصبر كما صبروا قال ابن عباس : كان عدو النبي صلى الله عليه وسلم أبا جهل ، وعدو موسى قارون ، وكان قارون ابن عم موسى.

ونحو الآية قوله : «وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً».

ثم وعده بالهداية والنصر والتأييد وغلبته لأعدائه فقال :

(وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً) أي وكفاك ربك هاديا لك إلى مصالح الدين

١٠

والدنيا ، وسيبلغك أقصى ما تطلب من الكمال ، وسينصرك على أعدائك ، وستكون لك الغلبة عليهم آخرا ، فلا يهولنك كثرة عددهم وعددهم ، فإنى لا محالة جاعل كلمة الله هى العليا وكلمة أعدائه هى السفلى ، فاصبر لأمرى ، وامض لتبليغ رسالتى ، حتى يبلغ الكتاب أجله.

(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً (٣٢) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً (٣٣) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً (٣٤))

تفسير المفردات

جملة واحدة : أي دفعة واحدة ، لنثبت به فؤادك : أي لنقوى به قلبك ، ورتلناه :

أي أتينا ببعضه إثر بعض على تؤدة ومهل من قولهم ثغر مرتّل : أي متفلج الأسنان ، بمثل : أي بنوع من الكلام جار مجرى المثل فى تنميقه وتحسينه ، ورشاقة لفظه وصدق معناه ، تفسيرا : أي إيضاحا ، يحشرون على وجوههم إلى جهنم : أي يسحبون على وجوههم ويجرّون إليها.

المعنى الجملي

بعد أن ذكر مطاعنهم فى الكتاب الكريم كقولهم إن هو إلا إفك مبين ، وقولهم هو أساطير الأولين ـ قفى على ذلك بذكر شبهة أخرى لهم وهى قولهم : لو كان القرآن من عند الله حقا لأنزله جملة واحدة كما أنزلت التوراة جملة على موسى والإنجيل جملة على عيسى والزبور على داود ، فرد الله عليهم مقالتهم ، وبين لهم فوائد إنزاله

١١

منجّما ، فذكر منها تثبيت فؤاده صلى الله عليه وسلم بتيسير الحفظ ، وفهم المعنى ، وضبط الألفاظ ، إلى نحو أولئك ، ثم وعده بأنهم كلما جاءوا بشبهة دحضها بالجواب الحق ، والقول الفصل الذي يكشف عن وجه الصواب ، وبعدئذ ذكر حال المشركين وأنهم حين يحشرون يكونون فى غاية الذل والهوان ويجرّون على وجوههم إلى جهنم وهم مصفّدون بالسلاسل والأغلال.

الإيضاح

(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً) أي وقال اليهود : هلا أنزل القرآن على محمد دفعة واحدة كما أنزلت الكتب السالفة على الأنبياء كذلك ، وهذا زعم باطل ، ودعوى داحضة ، فإن هذه الكتب نزلت متفرقة ؛ فقد أنزلت التوراة منجمة فى ثمانى عشرة سنة كما تدل على ذلك نصوص التوراة ، وليس هناك دليل قاطع على خلاف ذلك من كتاب أو سنة كما نزل القرآن ، لكنهم معاندون أو جاهلون لا يدرون كيف نزلت كتب الله على أنبيائه ، وهو اعتراض بما لا طائل تحته ، لأن الإعجاز لا يختلف بنزوله جملة أو متفرقا.

فرد الله عليهم ما قالوا وأشار إلى السبب الذي لأجله نزل منجما فقال :

(كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ) أي أنزلناه كذلك لنقوّى قلبك به بإعادته وحفظه كما قال : «وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً».

وخلاصة تلك الفوائد :

(١) إنه عليه الصلاة والسلام لما كان أميا لا يقرأ ولا يكتب ، فلو نزل عليه القرآن جملة واحدة كان من الصعب عليه أن يضبطه ، وجاز عليه السهو والغلط.

(٢) إنه أنزل هكذا ليكون حفظه له أكمل ويكون أبعد عن المساهلة وقلة التحصيل.

(٣) إنه لو أنزل جملة على الخلق لنزلت الشرائع بأسرها دفعة واحدة عليهم ،

١٢

ولا يخفى ما فى ذلك من حرج عليهم بكثرة التكاليف مرة واحدة ، ولكن بإنزاله منجّما جاء التشريع رويدا رويدا فكان احتمالهم له أيسر ومرانهم عليه أسهل.

(٤) إنه عليه الصلاة والسلام إذا شاهد جبريل الفينة بعد الفينة قوى قلبه على أداء ما حمل به ، وعلى الصبر على أعباء النبوة ، وعلى احتمال أذى قومه ، وقدر على الجهاد الذي استمر عليه طوال حياته الشريفة.

(٥) إنه أنزل هكذا بحسب الأسئلة والوقائع ، فكان فى ذلك زيادة بصر لهم فى دينهم.

(٦) إنه لما نزل هكذا ، وتحداهم بنجومه وبما ينزل منه ، وعجزوا عن معارضته ـ كان عجزهم عن معارضته جملة أجدر وأحق فى نظر الرأى الحصيف.

(٧) إن بعض أحكام الشريعة جاء فى بدء التنزيل وفق حال القوم الذين أنزلت عليهم ، وبحسب العادات التي كانوا يألفونها ، فلما أضاء الله بصائرهم بهدى رسوله تغيرت بعض أحوالهم واستعدت أنفسهم لتشريع يزيدهم طهرا على طهر ، ويذهب عنهم رجس الجاهلية الذي كانوا فيه ، فجاء ذلك التشريع الجديد الكامل المناسب لتلك الحال الجديدة ، ولو نزل القرآن جملة لم يتسنّ شىء من هذا.

(وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً) أي وأنزلناه عليك هكذا على مهل ، وقرأناه بلسان جبريل شيئا فشيئا في ثلاث وعشرين سنة.

وبعد أن أبان فساد قولهم بالدليل الواضح أعقبه بما يقوّى قلبه إزاء المشركين ، وأنه قد كتب له الفلج عليهم ، فهم محجوجون فى كل آن ، وقولهم مدفوع على كل وجه فقال :

(وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً) أي ولا يأتيك هؤلاء المشركون بصفة غريبة من الصفات التي يقترحونها ، ويريدون بها القدح فى نبوتك إلا دحضناها بالحق الذي يدفع قولهم ويقطع عروق أسئلتهم السخيفة ، ويكون أحسن بيانا مما يقولون.

١٣

ونحو الآية قوله : «بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ».

والخلاصة ـ إنهم لا يقترحون اقتراحا من فاسد مقترحاتهم ، إلا أتيناك بما يدفعه ، ويوضح بطلانه.

وبعد أن وصفوا رسوله بتلك الأوصاف السالفة تحقيرا له ـ سلاه على ذلك ، وطلب إليه أن يقول لهم.

(الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً) أي إنى لا أقول لكم كما تقولون ولا أصفكم بمثل ما تصفوننى به ، بل أقول لكم : إن الذين يسحبون إلى جهنم ويجرّون بالسلاسل والأغلال هم شر مكانا وأضل سبيلا ، فانظروا بعين الإنصاف ، وفكّروا من أولى بهذه الأوصاف منا ومنكم؟ لتعلموا أن مكانكم شر من مكاننا ، وسبيلكم أضل من سبيلنا.

وهذا على نسق قوله تعالى : «وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ».

ويسمّون هذا الأسلوب فى المناظرة بإرخاء العنان للخصم ، ليسهل إفحامه وإلزامه ، روى الترمذي عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف. صنفا مشاة وصنفا ركبانا وصنفا على وجوههم ، قيل يا رسول الله ، وكيف يمشون على وجوههم؟ قال إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم ، أما إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك» والمراد أن الملائكة عليهم السلام تسحيهم وتجرّهم على وجوههم إلى جهنم ، أو يكون الحشر على الوجوه عباوة عن الذلة والخزي والهوان ، أو هو من قول العرب مرّ فلان على وجهه إذا لم يدر أين يذهب.

قصص بعض الأنبياء مع أممهم

(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً (٣٦)

١٤

وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً (٣٧) وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً (٣٨) وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيراً (٣٩) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً (٤٠))

تفسير المفردات

قال الزجاج : الوزير من يرجع إليه للاستعانة برأيه ، والتدمير : كسر الشيء على وجه لا يمكن معه إصلاحه ، وأعتدنا. هيّأنا وأعددنا ، الرس : البئر غير المطوية (غير المبنية) والجمع : رساس. قال أبو عبيدة : والمراد بهم كما قال قتادة أهل قرية من اليمامة يقال لها الرسّ والفلج فتلوا نبيهم فهلكوا ، وهم بقية ثمود قوم صالح ، والتتبير : التفتيت والتكسير قال الزجاج : كل شىء كسرته وفتّته فقد تبرّته ومنه التّبر لفتات الذهب والفضة ، والقرية : هى سذوم أعظم قرى قوم لوط ، لا يرجون : أي لا يتوقعون ، والنشور : البعث للحساب والجزاء.

المعنى الجملي

بعد أن تكلم فى دلائل وحدانيته ونفى الأنداد ، وفى النبوة وأجاب عن شبهات المنكرين لها ، وفى أحوال يوم القيامة وأهوالها التي يلقاها الكافرون ، وفى النعيم الذي يتفضل به على عباده المتقين ، أردف ذلك بقصص بعض الأنبياء مع أممهم الذين كذّبوهم فحل بهم النكال والوبال ، ليكون فى ذلك عبرة لقومه المشركين الذين كذبوا رسوله حتى لا يحل بهم من العذاب مثل ما حل بمن قبلهم إذا هم تمادوا فى تكذيبهم وأصرّوا على بغيهم وطغيانهم.

١٥

وقد ذكر من ذلك خمس قصص : قصة موسى مع فرعون وقومه. وقصة نوح وقومه. وقصة هود مع قومه عاد. وقصة صالح مع قومه ثمود. وقصة أصحاب الرس.

قصة موسى وهارون عليهما السلام

(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً) أي ولقد أنزلنا على موسى التوراة كما أنزلنا عليك الفرقان ، وجعلنا معه أخاه هرون معينا وظهيرا له ، ولا تنافى بين هذه الآية وقوله : «وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا» فإنه وإن كان نبيا فالشريعة لموسى عليه السلام وهو تابع له فيها ، كما أن الوزير متبع لسطانه.

ثم ذكر ما أمرا به من تبليغ الرسالة مع بيان أن النصر لهما آخرا على أعدائهما.

(فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً) أي فقلنا لهما اذهبا إلى فرعون وقومه الذين كذبوا بدلائل التوحيد المودعة فى الأنفس والآفاق ، فلما ذهبا إليهم كذبوهما فأهلكناهم أشد إهلاك.

ونحو الآية قوله : «دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها».

وفى ذلك تسلية لرسوله وأنه ليس أول من كذّب من الرسل ، فله أسوة بمن سلف منهم.

قصة نوح عليه السلام

(وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً) أي وكذلك فعلنا بقوم نوح حين كذبوا رسولنا نوحا عليه السلام ، وقد لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله ويحذّرهم نقمته «وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ» فأغرقناهم ولم نترك منهم أحدا إلا أصحاب السفينة وجعلناهم عبرة للناس كما قال : «إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ» أي أبقينا لكم

١٦

السفينة ، لتذكروا نعمة الله عليكم بإنجائكم من الغرق وجعلكم من ذرية من آمن به وصدّق بأمره.

وفى قوله : كذبوا الرسل وهم لم يكذبوا إلا رسولا واحدا وهو نوح ـ إيماء إلى أن من كذّب رسولا وأخذا فقد كذب جميع الرسل ، إذ لا فرق بين رسول وآخر ، إذ جميعهم يدعو إلى توحيد الله ونبذ الأصنام والأوثان قاله الزجاج.

ثم ذكر مآل المكذبين فقال :

(وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً) أي وأعددنا لكل من كفر بالله ولم يؤمن برسله عذابا أليما فى الآخرة.

وفى ذلك رمز إلى أن قريشا سيحل بهم من العذاب فى الدنيا والآخرة مثل ماحل بأولئك المكذبين إذا لم يرعووا عن غيّهم.

قصص عاد وثمود وأصحاب الرس وغيرهم

(وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ) أي ودمّرنا عادا قوم هود عليه السلام بالريح الصرصر العاتية ، وثمود قوم صالح بالصيحة ، وأهلكنا أصحاب الرس الذين كانوا باليمامة وقتلوا نبيهم. واختار ابن جرير أنهم أصحاب الأخدود الذين ذكروا فى سورة البروج وسيأتى ذكر قصصهم.

(وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً) أي وأمما كثيرة أهلكناهم لما كذّبوا رسلنا.

ثم ذكر أنه أنذر أولئك المكذبين وحذرهم قبل أن أوقع بهم فقال :

(وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً) أي وكل هؤلاء أوضحنا لهم حججنا ، وبينا لهم أذلتنا ، وأزحنا عنهم الأعذار ، فتمادوا فى كفرهم وطغيانهم ، فأهلكناهم أفظع الإهلاك وأشده.

ثم ذكّر مشركى مكة بما يرونه من العبر فى حلّهم وتر حالهم وما يشاهدونه مما حل بأولئك الأمم المكذبة من المثلات فقال :

١٧

(وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ) أي وتالله لقد مرّ هؤلاء المكذبون فى رحلة الصيف على سذوم أعظم قرى قوم لوط وقد أهلكها الله بأن أمطر عليها حجارة من سجيل ، لأن قومها كانوا يعملون الخبائث ، وحذّرهم لوط ، فما أغنت عنهم الآيات والنذر.

ثم وبخهم على تركهم التذكر حين مشاهدة ما يوجبه فقال :

(أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها؟) أي أفلم يروا ما نزل بتلك القرية من عذاب الله بتكذيب أهلها رسول ربهم فيعتبروا ويتذكروا ويراجعلوا التوبة من كفرهم وتكذيبهم لرسوله.

ثم أبان أن عدم التذكر لم يكن سببه عدم الرؤية ، بل منشؤه إنكار البعث والنشور فقال :

(بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً) أي إنهم ما كذّبوا محمدا صلى الله عليه وسلم فيما جاءهم به من عند الله ، لأنهم لم يكونوا رأوا ما حل بالقرية التي وصفت ، بل كذبوه من قبل أنهم قوم لا يخافون نشورا بعد الممات ، ولا يوقنون بعقاب ولا ثواب فيردعهم ذلك عما يأتون من معاصى الله.

(وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً (٤١) إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً (٤٢) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (٤٤))

المعنى الجملي

بعد أن ذكر مطاعن المشركين فى النبي صلى الله عليه وسلم وأورد شبهاتهم فى ذلك ـ أردف هذا بيان أن ذلك ما كفاهم ، وليتهم اقتصروا عليه ، بل زادوا على

١٨

ذلك الاستهزاء به والحطّ من قدره حتى لقد قال بعضهم لبعض : أهذا الذي بعث الله رسولا؟ بل لقد غالوا فى ذلك فسمّوا دعوته إضلالا ، فرد الله عليهم مقالهم وأبان لهم أنه سيظهر لهم حين مشاهدة العذاب من الضالّ ومن المضلّ؟ ثم عجّب رسوله من شناعة أحوالهم بعد حكاية أقوالهم وأفعالهم القبيحة ، وأرشد إلى أن مثل هؤلاء يبعد أن يزدجروا عما هم فيه من الغىّ بنصحك وإرشادك ، فإن أكثرهم لا يسمعون ولا يعقلون وما هم إلا كالأنعام أو أضل منها سبيلا.

روى أن الآية الأولى نزلت فى أبى جهل ومن معه فإنه كان إذا مر رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صحبه قال مستهزئا (أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً).

الإيضاح

(وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً) أي وإذا رآك هؤلاء المشركون الذين قصصت عليك قصصهم ـ اتخذوك موضع هزؤ وسخرية وقالوا احتقارا لشأنك هذه المقالة.

ثم ذكر ما زاد قبحه فى زعمهم فقال :

(إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها) أي ويقولون إنه قد كاد يصدّنا عن عبادة آلهتنا لو لا صبرنا على عبادتها وثباتنا على ديننا.

وفى هذا إيماء إلى وجوه من الفائدة :

(١) إنه صلى الله عليه وسلم قد بلغ من الاحتفال فى الدعوة إلى التوحيد وإظهار المعجزات ، وإقامة الحجج والبينات ، مبلغا شارفوا به أن يتركوا دينهم لو لا فرط عنادهم وتناهى عتوهم ولجاجهم.

(٢) الدلالة على تناقضهم واضطرابهم ، فإن فى استفهامهم السابق ما يدل على التحقير له ، وفى آخر كلامهم ما يدل على قوة حجته ، ورجاحة عقله ، فذكره تحميق لهم وتجهيل لاستهزائهم بما استعظموه.

١٩

وبعد أن حكى مقالتهم سفّه آراءهم من وجوه ثلاثة :

(١) (وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً) أي إنهم حين يشاهدون العذاب الذي استوجبوه بكفرهم وعنادهم سيعلمون من الضال ومن المضل؟ وفى هذا رد لقولهم إن كاد ليضلنا عن آلهتنا ، كما أن فيه وعيدا شديدا على التعامي والإعراض عن الاستدلال والنظر.

(ب) (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً؟) أي انظر فى حال هذا الذي جعل هواه إلهه ، بأن أطاعه وبنى عليه أمر دينه ، وأعرض عن استماع الحجة الباهرة ، والبرهان الجلى الواضح ، واعجب ولا تأبه به ، فإنك لن تكون حفيظا على مثل هذا تزجره عما هو عليه من الضلال وترشده إلى الصراط السوىّ.

وخلاصة ذلك ـ كأنه سبحانه يقول لرسوله : إن هذا الذي لا يرى معبودا له إلا هواه ، لا تستطيع أن تدعوه إلى الهدى ، وتمنعه من متابعة الهوى ، إن عليك إلا البلاغ.

ونحو الآية قوله : «لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ» وقوله : «وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ» وقوله : «لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ».

وفى هذا الأسلوب تعجيب لرسوله من سوء أحوالهم بعد أن حكى قبيح أقوالهم وأفعالهم ، وتنبيه له إلى سوء عاقبتهم.

قال ابن عباس : كان الرجل فى الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زمانا ، فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثاني وترك الأول فأنزل الله الآية.

(ح) (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً) أي بل أتظن أن أكثرهم يسمعون حق السماع ما تتلو عليهم من الآيات ، أو يعقلون ما تتضمنه من المواعظ الداعية إلى الفضائل ومحاسن الأخلاق ، حتى تجتهد فى دعوتهم ، وتحتفل بإرشادهم وتذكيرهم ، وتطمع فى إيمانهم ؛ فما حالهم إلا حال البهائم فى تركهم للتدبر فيما يشاهدون من البينات والحجج ، بل هم أضل منها سبيلا ،

٢٠