مفاهيم القرآن

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني

المحقق: المترجم:
الموضوع : القرآن وعلومه الناشر: مؤسسة الامام الصادق عليه السلام المطبعة: إعتماد ISBN: 964-357-148-3
نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

كتاب كريم حبّره يراع الأُستاذ الفذ آية الله الشيخ محمد هادي « معرفة »

مؤلف كتاب « التمهيد في علوم القرآن » ننشره بإكبار وإجلال

التفسير الموضوعي

ضرورة رساليّة إسلاميّة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله الطاهرين.

أمّا بعد .. فممّا يبعث على اعتزاز هذه الأُمّة المرحومة اختصاصها بكتاب الله العزيز الحميد ، المضمون له السلامة والبقاء عبر القرون.

قال تعالى : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) (١). وقال : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (٢).

الأمر الّذي يستدعي خلود هذه الأُمّة بخلود كتابها المجيد .. حاملةً رسالةً إلهية إلى الأجيال عبر الأيّام والعصور ( وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) (٣).

إنّ هذه الأُمّة تحمل رسالة إلهيّة إلى العالمين ، وقد تضمّنها القرآن كلام رب العالمين. فكان على الأُمّة تبيينها والإيفاء بهذا الواجب بأداء ما عليها من وظيفة البلاغ والبيان ، كما كان على نبيّها الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من واجب البلاغ والبيان ... قال

__________________

١. فاطر : ٣٢.

٢. الحجر : ٩.

٣. البقرة : ١٤٣.

١

تعالى : ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) (١) ، فقد كان عليه البيان والتفسير ، كما كان عليه البلاغ والإنذار والتبشير.

وهكذا الواجب على الأُمّة الوسطى أن تقوم بواجب البيان إلى جنب واجب البلاغ .. فيكون إلى جنب الدعوة إلى الإسلام ، تبيين أهدافه ومقاصده في إسعاد البشريّة .. والّتي تضمّنها القرآن ، الكلام الإلهي الخالد.

القرآن يحمل رسالة إلى الناس : ( إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) (٢). فَعَلى نُبَهاء الأُمّة وعلماء الملة أن يبلّغوا هذا النداء الصارخ ، إلى الخافقين ، ويُسمعوهم ما يحتويه من أهداف عالية ومقاصد زاكية. لا بقراءة اللفظ وتلاوة الكلام فحسب ، بل بالشرح والتفصيل والتبيين والتفسير.

والتفسير على منهجين : ترتيبي ( حسب النظم القائم في القرآن ) وموضوعي ( حسب المسائل المطروحة في القرآن ) .. فأيّهما المطلوب بالذات ؟

لا شكّ أنّ الّذي تستدعيه طبيعة الدعوة ، والّذي يطلبه الإنسان الواعي ، الساعي وراء درك حقائق القرآن ، هي : دراسة ما في القرآن من مفاهيم ومعارف أتحف بها البشرية ، وآداب وتعاليم قدّمها للإنسان ، ليسعد بها ويتصاعد على مدارج الكمال.

إنّ البشرية الآن بحاجة ماسّة إلى الوقوف على ما في القرآن من معارف وأحكام ، وبانتظار ما يقدّمه علماء المسلمين إليهم من مسائل ومباحث أُصولية جاء بها القرآن كحقائق راهنة تُنير لها درب الحياة وتضيء للإنسان معالم السعادة وتؤمّن عليه كرامته في النشأتين.

إنّ الإنسان اليوم يتطلّع إلى معالم هذا الكتاب ، والمعارف الّتي احتضنتها هذه الرسالة الإلهية الخالدة ، الأمر الّذي استرعى انتباهه منذ حين ، ولا يهمّه أن يكون لفظه كذا أو تعبيره كذا ، إنّما يُهمّه أمر المحتوى وما تحتويه هذه الرسالة

__________________

١. النحل : ٤٤.

٢. الإسراء : ٩.

٢

القرآنية ، من مسائل جسام.

إذن فواجب العلماء أن يلفتوا أنظار العالمَ المتحضّر إلى هذا الجانب من كتاب الله ، ويفرغوا ما بوسعهم في إبداء ما يحتضنه من مسائل ودلائل ومعارف وأحكام ، وهو جانب خطير من التفسير الأصيل نُعبّر عنه بالتفسير الموضوعي.

والتفسير الموضوعي لم يُبد وجهَه سلفاً في سوى مقطّعات كانت بصورة دراسات قرآنية ، غير مستوفاة ولا مستوعبة لكل مسائل القرآن دراسة موضوعية بحتة ، إنّما جاء الخلف ـ ولا سيما في القرن الأخير ـ ليستكملوا هذا الأمر ويستوفوا من شؤونه في عرض شامل.

وأفضل من وجدته قائماً بأعباء هذا الأمر الخطير ، مُشمّراً عن ساعد الجدّ ، في استيفاء تام ، وإحاطة علمية فائقة ، هو العلم العلاّمة والمحقّق الفهّامة ، زميلنا الأُستاذ الشيخ جعفر السبحاني ، فلا زالت معالم العلم بضياء نوره وهّاجة ، ودلائل التحقيق في ضوء دراساته فياضة.

فقد قام ـ ولله جدّ أمره ـ بدراسة مفاهيم القرآن والإفصاح عن معالمه ، والإبانة عن دلائله ومسائله المعروضة بشكل مستوعب ، وكانت عن جدارة علمية فائقة ، وعن صلاحية ذاتية لائقة ، قلّما يوجد مثيل دراساته القيمة ، ولدلائله الواضحة اللائحة.

وكنت منذ تعرّفت إلى جنابه وتشرّفت بمطالعة كتابه ، تشوّقت إلى الإزدياد من معرفة لباب تحقيقه والتشوّف إلى عباب فيض تنميقهو تنسيقه ، فما أحسنه من تأليف أنيق وما أكرم مؤلّفه من استاذ محقق واسع الآفاق.

والكتب والدفاتر الّتي تحمل عنوان « الدراسات القرآنية ـ التفسير الموضوعي » كثيرة جادت بها قرائح وقّادة من علماء معاصرين ، غير أنّ في غالبيتها خروجاً ـ بعض الشيء ـ عن اسلوب التفسير القرآني ، إلى شكل مقالات تبحث عن مسائل إسلامية عريقة ، كانت إحدى دلائلها آياتٌ من الذكر الحكيم ، الأمر

٣

الّذي كان يبعدها عن واقع الدراسات القرآنية البحتة ، والّتي ترمي إلى فهم ما عرضه القرآن بالذات.

إنّ الدراسة القرآنية تستهدف وراء ما في القرآن من مسائل ودلائل عرضها للبشرية كودائع إلهيّة أورثها لعباده الذين اصطفى ، أمّا مجرّد الاستناد إلى آية أو آيات ، لغرض إثبات ما يرميه المقال ، فلا يمسّ هذا الجانب ، ولا يورثه هذا العنوان الزاهي.

ومن ثمّ ، فإنّ الّذي يمتاز به ، هذا المؤلَّف العظيم ، على يد هذا المؤلِّف الكريم ، هو جانب رعايته التامّة للحفاظ على كون الدراسة دراسة قرآنية ، بما يحمله هذا العنوان من جليل المعنى وفخيم المحتوى.

فقد ركّز المؤلّف الجليل دراساته ـ بشكل مستوعب ـ على أساس جمع الآيات المترابطة ، وضم بعضها إلى بعض ، ليرفع من إجمال كل بما في أُخرى من بيان وتفصيل ، وليكمل من قصور كل بما في الأُخرى من تمام وكمال ، ثمّ صبّها في قالب دراسة موضوعية شاملة ، حتّى إذا اكتمل البحث واستوفى هدفه ، أردفه بسائر الدلائل والمسائل تتميماً للفائدة ، وتكميلاً للعائدة.

والّذي يُلفت النظر في هذه الدراسات ، هو جانب دقّتها والأخذ بجانب الحيطة والحذر عن أن يكون تحميلاً على القرآن دون أن يكون تبييناً له ، الأمر الذي ابتلي به غير واحد من المفسرين المتسرّعين ، والذي تجنّبه بشدة هذا المؤلَّف ، في جميع مسائله ودلائله ، حسبما تعرّفت إلى أكثر مبانيه ولمست أغلب مراميه.

هذا ما يجعله فذّاً فريداً وعلماً وحيداً يهتدى به إلى معالم القرآن المجيد ، نفعنا الله به وبمؤلفه على ذمّة البقاء ، آمين.

محمد هادي معرفة

قم المقدسة

رجب الأصب ١٤٢٠ ه‍

٤

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذي خلق الإنسان لغاية مُثلىٰ ولم يخلقه عبثاً ولا سدىٰ.

والصلاة والسلام على نبيّه محمد الذي فتح الله له من كنوز غيبه ، وعلىٰ آله عيبة أسراره وحملة شرعه وحفظة سننه.

أمّا بعد ؛

يوم الحشر ومعاد الإنسان

لقد جُبل الإنسان علىٰ حب البقاء وكراهة الزوال والفناء ، وهذا أمر مشهود عند كلّ إنسان حتى أنّ الّذي ينتحر فهو يعدم وجوده وبقاءه ، ولكنّه ـ في الحقيقة ـ يبغي من وراء ذلك ، الوصول إلى الراحة التامة ، لأنّ المشكلات والأزمات الحادّة ، قد ضيّقت عليه الخناق فحدت به إلى القيام بهذه العملية ، فهو بفعله هذا يدرأ خطر تلك الأزمات ليصل إلى عالم فسيح خال عنها.

وهذا الميل الفطري أوضح دليل على أنّ الموت ليس فناء للإنسان ، فلو كان الموت ملازماً لفنائه يلزم عبث ذلك الميل المشاهَد عند كل إنسان.

وصفوة القول انّ الموت عبارة عن الخروج من حياة ضيقة إلىٰ حياة أُخرى واسعة.

٥

هذا ما تقضي به الفطرة عند تحليلها ، بيد انّ الشرائع السماوية جاءت تفسر تلك الفطرة الإنسانية ، ببيان انّ الموت انتقال من دار إلى دار ، ومن نشأة إلى نشأة أُخرى ، ولذلك أصبح الإيمان بالمعاد ركناً أساسياً في العقائد على وجه لو طرح ذلك الأصل ، لانهارت الشرائع قاطبة.

ولأجل تلك الأهمية ألقت بحوث المعاد بظلالها على القرآن الكريم وبلغت آيات المعاد ١٤٠٠ آية أو أكثر من ذلك ، ولذلك قلما تجد سورة في القرآن الكريم ليس فيها دعوة إلى الإيمان بالمعاد بالتصريح أو بالإشارة ، ولو أخذنا تلك الآيات بنظر الاعتبار لتجاوز عددها أكثر ممّا ذكر.

فها نحن نخصّ هذا الجزء من كتاب مفاهيم القرآن بالبحث عن المعاد من منظار القرآن الكريم ، ضمن فصول :

٦

الفصل الأوّل :

أسماء القيامة في القرآن الكريم

إنّ الإيمان بالمعاد يشكِّل إجابة على أحد الأسئلة التي تراود الذهن الإنساني ، وهي عبارة :

١. من أين جِئتُ ؟ ، ٢. لماذا جئتُ ؟ ، ٣. إلى أين أذهب ؟

وكلّ إنسان ميّال بطبعه إلى الإجابة عن هذه الأسئلة الثلاثة ، وقد عجزت المناهج البشرية عن الإجابة عليها فلم يجد الإنسان بغيته فيها ، فالإنسان في تلك المناهج ككتاب خطي سقط أوّله وآخره ، فإذا سألتها عن مبدأ الإنسان والغاية المنشودة من وراء خلقته ومصيره بعد الموت لاعترفت بالعجز عن الإجابة ، فكأنّه خلق لأن يعيش في هذه الدنيا كسائر الدواب يأكل ويشرب ثمّ يفنىٰ.

وأمّا المناهج السماوية فقد أجابت على تلك الأسئلة بأجوبة واضحة رصينة.

فتجيب عن السؤال الأوّل بقوله تعالى : ( هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ ). (١)

كما أنّها تجيب عن السؤال الثاني بأنّ من وراء خلق الإنسان غاية تعدّ كمالاً

__________________

١. الملك : ٢٣.

٧

له ، يقول سبحانه : ( خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ). (١)

كما أنّها تجيب عن السؤال الثالث بأنّ الحياة الدنيويّة قنطرة للحياة الأُخروية ، وليس الموت فناء للإنسان ، بل انتقال من نشأة إلىٰ أُخرى ، تبتدأ بموته وتستمر بحياته البرزخية ثمّ الأُخروية حتى يبلغ مصيره في تلك النشأة.

ولأجل الإشارة إلى أنّ الحياة الأُخروية أكمل من الحياة الدنيوية ، سمّىٰ بداية تلك النشأة بأسماء مختلفة ، وهي بين ما عبّر عنها بلفظ اليوم مضافاً أو موصوفاً ، بوصف من أوصاف ذلك اليوم ، أمّا الأوّل فكالتالي :

١. يوم القيامة ، ٢. يوم الدين ، ٣. يوم الآخر ، ٤. يوم عظيم ، ٥. يوم كبير ، ٦. يوم محيط ، ٧. يوم الحسرة ، ٨. يوم عقيم ، ٩. يوم عليم ، ١٠. يوم الوقت المعلوم، ١١. يوم الحق ، ١٢. يوم مشهود ، ١٣. يوم البعث ، ١٤. يوم الفصل ، ١٥. يوم الحساب ، ١٦. يوم التلاق ، ١٧. يوم الأزفة ، ١٨. يوم التناد ، ١٩. يوم الجمع ، ٢٠. يوم الوعيد ، ٢١. يوم الخلود ، ٢٢. يوم الخروج ، ٢٣. يوم عسير ، ٢٤. يوم التغابن ، ٢٥. اليوم الموعود ، ٢٦. يوماً عبوساً ، ٢٧. يوم معلوم ، ٢٨. يوم لا ريب فيه ، ٢٩. يوم الفتح. (٢)

فقد أُضيف اليوم في هذه الأسماء إلىٰ شيء يومئ إلى حال من أحوال ذلك اليوم ، وأمّا الثاني أي تسميته بشيء من أوصافه ، وهي أيضاً كالتالي :

__________________

١. الذاريات : ٥٦.

٢. « يوم الفتح » ( قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنظَرُونَ ). ( السجدة : ٢٩ ).

والمراد من الفتح هو الحكم بالثواب والعقاب يوم القيامة ، وكان المشركون يسمعون المسلمين يستفتحون بالله عليهم ، فقالوا لهم : متى هذا الفتح ، أي متى هذا الحكم فينا ؟ فأُجيبوا بما في الآية ويؤيده قوله سبحانه : ( قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ) ( سبأ : ٢٦ ).

٨

١. « الساعة » : ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ). (١)

٢. « الآزفة » : ( أَزِفَتِ الآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللهِ كَاشِفَةٌ ). (٢)

و « الازف » في اللغة بمعنى القرب ، وكأنّه يشير إلى أنّ الساعة قريبة وليست ببعيدة وإن كان الناس يتخيّلون خلافه.

٣. « الحاقة » : ( الحَاقَّةُ * مَا الحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الحَاقَّةُ ). (٣)

والحاقّة مؤنث الحق يطلق على شيء حتمي الوقوع.

٤. « القارعة » : (الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ ). (٤)

والقرع بمعنى الضرب المبرح ، وكأنّ القيامة تهزّ القلوب هزاً شديداً.

٥. « الطامة الكبرى » : ( فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَىٰ ). (٥)

الطامّة في اللغة بمعنى المصيبة ، وكأنّ المصيبة التي يواجهها الإنسان ذلك اليوم ، تُنسِي سائر المصائب التي مرّت به ، ولذلك وصفت بالكبرىٰ.

٦. « الواقعة » : ( إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ). (٦)

والواقعة هي الحادثة ، والاسم كناية عن عظمها وهولها.

٧. « الصاخّة » : ( فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ ). (٧)

والصاخّة هي الصوت المرعب ، ولعلّها كناية عن نفخ الصور الذي سيوافيك تفصيله بإذن الله.

٨. « الغاشية » : ( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ). (٨)

__________________

١. الأعراف : ١٨٧.

٢. النجم : ٥٧ ـ ٥٨.

٣. الحاقة : ١ ـ ٣.

٤. القارعة : ١ ـ ٣.

٥. النازعات : ٣٤.

٦. الواقعة : ١.

٧. عبس : ٣٣.

٨. الغاشية : ١.

٩

الغاشية هي المحيطة ، وكأنّ الحوادث المرعبة تحيط بجميع الناس.

٩. « الآخرة » : ( وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ ). (١)

وسمّيت بالآخرة لأنّها متأخّرة عن الدنيا.

١٠. « الميعاد » : ( إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ المِيعَادَ ). (٢)

وثمة آيات أُخرى تصف يوم القيامة وتذكر شيئاً من أحوالها وأهوالها ، قال سبحانه : ( يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ). (٣)

وقال سبحانه : ( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ ). (٤)

وقال سبحانه : ( يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ ). (٥)

ونظائر هذه الآيات كثيرة في الذكر الحكيم لم نذكرها في عداد أسماء يوم القيامة لأنّها بصدد التوصيف لا التسمية.

__________________

١. المؤمنون : ٧٤.

٢. آل عمران : ٩.

٣. الشعراء : ٨٨ ـ ٨٩.

٤. آل عمران : ٣٠.

٥. آل عمران : ١٠٦.

١٠

الفصل الثاني :

المعاد في الشرائع السماوية

الإيمان بالمعاد يَرسم هدفَ الخلقة ويبيّن حكمتها على نحو لو طرح الإيمان بالمعاد جانباً لأصبح الإيجاد بلا غاية والخلق عبثاً ، ولذلك ذهبت جماعة من منكري المعاد إلى أنّ خلق الإنسان أمر عبث كصانع الكوز يصنعها من طين و يطبخها ثمّ يَكسرها ، فحياة الإنسان كصنع الكوز ، وموته ككسرها ولهم في ذلك كلمات معروفة.

وأمّا الشرائع السماوية فقد فنّدت تلك الشبهة ودَحَضْتها بأنّ الغاية من الخلقة هي الحياة الأُخروية المستمرّة التي لا تتحقق إلاّ بالتجرّد عن المادة وآثارها ، قال سبحانه :

( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ ) (١).

وهذا النداء ليس هو نداء الإسلام فحسب ، بل نجد مضمونه في جميع الشرائع السماوية التي جاءت قبل الإسلام حتى في قصة آدم عليه‌السلام ، ولأجل الوقوف على أنّ العقيدة بالمعاد كانت ركناً أساسياً في جميع الشرائع السماوية نعكس ما ورد في الذكر الحكيم نقلاً عن لسان الأنبياء الماضين.

__________________

١. المؤمنون : ١١٥.

١١

١. آدم عليه‌السلام والدعوة إلى الإيمان بالمعاد

عندما هبط آدم ( على نبيّنا وآله وعليه السّلام ) البسيطةَ خُوطِب هو وذرّيتُه في الآيات التالية :

١. قال سبحانه : ( قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ ). (١)

وفي قوله : ( وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ ) إشارة إلى أنّ الإنسان يتمتع في البسيطة إلىٰ أجل محدود ، ولعلّ الأجل المحدود كناية عن وقوع القيامة.

٢. قال سبحانه : ( قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ). (٢)

٣. قال سبحانه : ( يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ). (٣)

وهذه الآيات الواردة في سورة الأعراف التي تحكي خطاباته سبحانه في بداية الخلقة تدلّ على أنّ الإيمان بالمعاد من البلاغات العامة التي بلّغها سبحانه إلى الناس كافة ، من قبل آدم عليه‌السلام إلىٰ خاتم الأنبياء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

والنبي آدم عليه‌السلام وإن لم يكن ذا شريعة ، ولكنّه كان نبيّاً مبعوثاً لدعوة الناس إلى الإيمان بالله واليوم الآخر ، وقد تضمّنت الآيات تصريحاته سبحانه في ذلك المضمار إليه وإلى الناس أجمعين.

__________________

١. الأعراف : ٢٤.

٢. الأعراف : ٢٥.

٣. الأعراف : ٣٥ ـ ٣٦.

١٢

٢. نوح عليه‌السلام والدعوة إلى الإيمان بالمعاد

إنّ نوحاً عليه‌السلام شيخ الأنبياء أوّل من نزلت عليه الشريعة السماوية وتحمّل أعباءها ، وكان يذكّر الناس بالمعاد في خطاباته ودعواته ، يقول سبحانه حاكياً عنه :

١. ( وَاللهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا ). (١)

٢. وفي آية أُخرى : ( رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الخَاسِرِينَ ). (٢)

والآية الأُولى تصرّح بعود الإنسان إلى الحياة الأُخرىٰ ، وفي الآية الثانية إيماء إليها ، والمراد من خسرانه هو خسرانه يوم القيامة.

٣. إبراهيم عليه‌السلام والدعوة إلى الإيمان بالمعاد

جاءت الدعوة إلى الإيمان بالمعاد في خطابات إبراهيم عليه‌السلام أكثر ممّا جاءت في كلمات آدم ونوح عليهما‌السلام ، ويعلم ذلك من خلال سرد الآيات التي تحكي عن دعوته :

١. قال سبحانه : ( مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ). (٣)

٢. قال سبحانه : ( رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسَابُ ). (٤)

__________________

١. نوح : ١٧ ـ ١٨.

٢. هود : ٤٧.

٣. البقرة : ١٢٦.

٤. إبراهيم : ٤١.

١٣

٣. قال سبحانه : ( وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ). (١)

٤. قال سبحانه : ( وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ). (٢)

٥. يقول سبحانه : ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ). (٣)

وقد انفردت الآية الأخيرة بالاشارة إلى انّ دعوة إبراهيم إلى المعاد قد ارفقها بالدليل والبرهان بوحي من الله سبحانه ، دون أن نرى له أثراً في كلمات آدم ونوح عليهما‌السلام.

٤. موسى عليه‌السلام والدعوة إلى الإيمان بالمعاد

الدعوة إلى الإيمان بالمعاد وإن كانت غير شائعة في التوراة ، ولعلّ يد التحريف حذفت ما يرجع إلى الإيمان بهذا اليوم ، ولكن القرآن الكريم يحفل بخطابات موسىٰ عليه‌السلام التي تعبّر عن الدعوة إلى الإيمان بالمعاد بوفرة ، ونذكر منها مايلي :

١. انّه سبحانه يندّد بقوم موسىٰ ويخاطبه بقوله : ( سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ ... ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ). (٤)

__________________

١. الشعراء : ٨٧.

٢. العنكبوت : ١٧.

٣. البقرة : ٢٦٠.

٤. الأعراف : ١٤٦ ـ ١٤٧.

١٤

٢. يدعو موسى عليه‌السلام على آل فرعون بقوله : ( وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ ). (١)

٣. انّه عليه‌السلام يحتج على من يصف آياته بالسحر ، ويقول : ( وَقَالَ مُوسَىٰ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَن جَاءَ بِالهُدَىٰ مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ). (٢)

٤. لما هدّد فرعون الملأ وقومه بقوله : ( إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ ) أجابه موسى بقوله : ( وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسَابِ ). (٣)

٥. إنّ مؤمن آل فرعون ـ الذي كان يُخفي إيمانه ويظهر كفره ـ كان يحتج على فرعون وملئه بالإيمان إلى المعاد كما في الآيات التالية : ( وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ ). (٤)

وقال : ( وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ). (٥)

وقال : ( وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللهِ ). (٦)

وهذه الآيات تعرب عن أنّ الإيمان بالمعاد كان متفشياً في مصر ، وإنّ مؤمن آل فرعون كان يستدل به ليخفّف من وطأة جور فرعون علىٰ موسىٰ عليه‌السلام.

٦. انّ بني إسرائيل كانوا ولم يزالوا أُمّة لجوجة عنيدة تُصيغ كلّ شيء غيبي في قالب الحس ، ولتلك الغاية خاطبوا موسى عليه‌السلام ، بقولهم : ( لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللهَ جَهْرَةً ) (٧) كما أنّهم طلبوا رؤية إحياء الموتىٰ بأُمّ أَعينهم ، وقد شاهدوها في

__________________

١. يونس : ٨٨.

٢. القصص : ٣٧.

٣. غافر : ٢٧.

٤. غافر : ٣٢.

٥. غافر : ٣٩.

٦. غافر : ٤٣.

٧. البقرة : ٥٥.

١٥

البقرة التي حكاها سبحانه بقوله : ( وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللهُ المَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (١).

وقد ورد في شأن نزولها : أنّه قُتل إنسان من دون أن يعلم قاتله ، فأمر سبحانه بذبح البقرة وضرب بعض المقتول ببعض البقرة ليحيا ويخبر عن قاتله ، وبذلك رأوا بأُمّ أعينهم إحياء الموتىٰ.

٥. المسيح عليه‌السلام والدعوة إلى الإيمان بالمعاد

الإيمان بالمعاد والدعوة إليه كان مرّفقاً بلسان المسيح عليه‌السلام منذ ولادته إلىٰ أن رفعه الله إليه :

١. يقول سبحانه حاكياً عنه : ( وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ). (٢)

٢. وقال سبحانه : ( إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ). (٣)

إلى غير ذلك من الآيات الواردة التي تعرب عن دعوة الأنبياء إلى الإيمان بالمعاد ، وفيما ذكرنا غنىٰ وكفاية.

__________________

١. البقرة : ٧٢ ـ ٧٣.

٢. مريم : ٣٣.

٣. آل عمران : ٥٥.

١٦

المعاد في العهد العتيق

إنّ العهدين وإن عبث بهما الزمان ومع ذلك يوجد فيهما تصريحات وإيماءات إلى المعاد ، ففي العهد العتيق : الرب يميت ويحيي. (١)

تحيىٰ أَمواتك يوم تقوم الجثث ، استيقظوا ترنَّموا ياسكان التراب. (٢)

المعاد في العهد الجديد

على الرغم من قلة التصريح بالحياة الأُخروية في العهد العتيق نجد التصريح بها بوفرة في العهد الجديد في موارد كثيرة ، منها ما يلي :

١. « فانّ ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه ، وملائكته ، وحينئذٍ يجازي كلّ واحد حسب عمله ». (٣)

٢. « هكذا يكون في انقضاء العالم ، يخرج الملائكة ويفرزون الأشرار من بين الأبرار ، ويطرحونهم في أتون النار هناك يكون البكاء ، وصرير الاسنان ». (٤)

٣. « في ذلك اليوم جاء إليه حدقيون ، الذين يقولون ليس قيامه ، فسألوه * قائلين : يا معلم ، قال موسى ان مات أحد وليس له أولاد ، يتزوج أخوه بامرأته ، ويقيم نسلاً لأخيه * فكان عندنا سبعة اخوة وتزوج الأوّل ومات ، وإذ لم يكن له نسل ترك امرأته لأخيه ، وكذلك الثاني والثالث إلى السبعة * وآخر الكل ماتت المرأة أيضاً * ففي القيامة لمن من السبعة تكون الزوجة فانّها كانت للجميع * فأجاب يسوع ، وقال لهم : تضلون إذ لا تعرفون الكتب ولا قوة الله * لانّهم في

__________________

١. صموئيل الأوّل : الاصحاح الثاني : الجملة ٦ ، ط دار الكتاب المقدس.

٢. اشعيا : الاصحاح ٢٦ : الجملة ١٩ ، ط دار الكتاب المقدس.

٣. انجيل متى : الاصحاح ١٦ : الجملة ٢٧ ، ط دار الكتاب المقدس.

٤. انجيل متى : الاصحاح ١٣ : الجملتان ٤٩ و ٥٠ ، ط دار الكتاب المقدس.

١٧

القيامة لا يزوجون ولا يتزوجون بل يكونون كملائكة الله في السماء ». (١)

وهذا يعرب عن كون المعاد عند كاتب الإنجيل روحانياً محضاً ، لا جسمانياً وروحانياً كما عليه الذكر الحكيم.

٤. « وإن أعثرتك رجلك ، فاقطعها ، خير لك أن تدخل الحياة أعرج ، من أن تكون لك رجلان وتطرح في جهنم في النار التي لا تطفأ * حيث دُوْدُهم لا يموت والنار لا تطفأ * وإن أعثرتك عينك فاقلعها خير لك أن تدخل ملكوت الله أعور من أن تكون لك عينان وتطرح في جهنم النار * حيث دودهم لا يموت والنار لا تطفأ ». (٢)

٥. « وهذه مشيئة الأب الذي أرسلني ، انّ كلّ ما أعطاني لا أتلف منه شيئاً بل أقيمه في اليوم الأخير * لأنّ هذه هي مشيئته الذي أرسلني انّ كلّ من يرى الابن ويؤمن به تكون له حياة أبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير ». (٣)

هذا ، وفي العهدين جمل أُخرىٰ تصرح أو تشير إلى يوم القيامة ، وقد اقتصرنا على ما ذكرنا روماً للاختصار.

وثمة نكتة جديرة بالاشارة وهي عدم اهتمام اليهود ، والنصارىٰ ، بالبعث ويوم القيامة وما فيها من الحساب والجزاء ، وهذا هو الذي جرّأهم على اقتراف المعاصي ، والمجون ، والانحلال من كلّ القيم الأخلاقية ، أعاذنا الله من ذلك.

__________________

١. انجيل متى : الاصحاح ٢٢ : الجملات ٢٣ ـ ٣١ ، ط دار الكتاب المقدس.

٢. انجيل مرقس : الاصحاح ٩ : لاحظ الجملات ٤٢ ـ ٤٩ ، ط دار الكتاب المقدس.

٣. انجيل يوحنا : الاصحاح ٦ : الجملتان ٣٩ ـ ٤٠ ، ط دار الكتاب المقدس.

١٨

الفصل الثالث :

الدلائل الجلية على لزوم المعاد

يستدلّ القرآن الكريم علىٰ ضرورة إحياء الناس بعد موتهم ـ التي هي سنّة قطعية لا مناص عنها ـ بطرق مختلفة :

١. المعاد ، رمز الخلقة.

٢. المعاد ، مظهر العدل الإلهي.

٣. المعاد ، مجلىٰ الوعد الإلهي.

٤. المعاد ، مظهر رحمته الواسعة.

٥. المعاد ، نهاية السير التكاملي للإنسان.

٦. المعاد ، مظهر ربوبيته.

١. المعاد : رمز الخلقة

من الأسئلة المثارة عند كلّ إنسان هو السؤال عن أصل الخلقة وانّه لماذا خلق ، وماذا أُريد من خلقه ؟

والناس أمام هذا السؤال على صنفين :

فصنف يرىٰ أنّ حظ الإنسان هو علّتان من العلل الأربع :

١٩

الف. العلّة المادية.

ب. العلة الصورية.

وكأنّ العالم بجزئياته وذراته تفاعلت فيما بينها وشكّلت صورة الإنسان ، وليس وراء هاتين العلتين علّة أُخرى ، فهم ينكرون العلة الفاعلية ( الخالق ) والعلّة الغائية ويقتصرون على العلّة المادية والصورية ، وبذلك أراحوا أنفسهم من عناء الإجابة ، بل أذعنوا بأنّه ليس وراء خلق الإنسان هدف ولا غاية.

وصنف آخر يرىٰ أنّ وراء العلّتين الماضيتين ، علّتين أُخريين : أحدهما : العلّة الفاعلية ، والأُخرى : العلة الغائية ، والمراد من الأُولى ما يخرج المادة والصورة إلى الوجود ، كما أنّ المراد من الثانية الغرض المترتب على الفعل ، وحيث إنّ الفاعل موجود حكيم لا يفعل عبثاً دون غرض ، فلفعله غرض مترتب عليه ، وليس هو إلاّ العبور من قنطرة الدنيا إلى الآخرة وانتقاله إلى نشأة أُخرى يُعد غرضاً أسمىٰ لفعله سبحانه.

وتدل على تلك الغاية طائفتان من الآيات :

الأُولى : ما تدل علىٰ أنّ إنكار المعاد يلازم العبث.

الثانية : ما تصف فعله سبحانه ( الإيجاد ) بالحق المطلق الذي لا يدانيه الباطل ، وما هو كذلك يمتنع أن يكون عبثاً بلا غرض.

أمّا ما يدل على الطائفة الأُولىٰ فلفيف من الآيات :

١. ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ ). (١)

ولأجل انّ العبث لا يدبُّ إلى فعله ولا يتسرب إلى إيجاده ، يصفه بعد تلك الآية بالملك الحق ، ويقول : ( فَتَعَالَى اللهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إِلَٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ

__________________

١. المؤمنون : ١١٥.

٢٠