تطوّر البحث الدّلالي

الدكتور محمد حسين علي الصّغير

تطوّر البحث الدّلالي

المؤلف:

الدكتور محمد حسين علي الصّغير

المحقق: المترجم:
الموضوع : القرآن وعلومه الناشر: دار المؤرّخ العربي
نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

١
٢

٣
٤

« ثبت الكتاب »

تمهيد وتحديد

٩ ـ ١٢

مكانة البحث الدلالي في المنظور النقدي بلاغياً ولغوياً / التفكير في العلاقة الدلالية جملي / التبادر الذهني يحدث دفعة واحدة / مصطلح البحث الدلالي مصطلح نقدي أوروبي معاصر / معالم هذا البحث في التحديث والتراثية / استبعاد السبق المنطقي والعرض الأصولي عن مهمة البحث / استقرار المنهج الأصولي عند الأستاذ الأعظم ولدى الإمام الخوئي / صلتي برئيس جامعة النجف الدينية تابعت إنجاز هذا البحث.

الفصل الأول

١٣ ـ ٢٤

( نظرية البحث الدلالي عند المحدثين )

ميشال بريال مؤسس علم الدلالة الفرنسي / أوجدن وريتشاردز في نظرية معنى المعنى في النقد الإنكليزي / مفهوم الدلالة لدى الأوروبيين / صلة اللغة بالفكر والصورة بالصوت / تصورنا للمصطلح الدلالي بظاهرتيه : الحسية والمعنوية / كشف الفروق المميزة للدلالة بين النظرية والتطبيق / إيجاد صيغة المصطلح الدلالي في حدود الفهم العربي والأوروبي المشترك / آراء علماء الفريقين في اطار الدلالة للخلوص إلى المؤدى / عدم وضوح رؤية الدلالة / العناية بالجانب التأريخي للألفاظ مقترنة بالجانب النفسي / طه حسين أجمل المعيار القديم والحديث لدلالة الألفاظ / روح الدلالة عند العرب / الجواري يستلهم الدلالة من القرآن العظيم / جميل سعيد يكتشف روح الدلالة في لغة الشعر الجاهلي.

٥

الفصل الثاني

٢٥ ـ ٤٤

( أصالة البحث الدلالي عند العرب )

الجهود المبكرة لعلماء العروبة والإسلام في تأصيل البحث الدلالي / البحث الدلالي سبق علمي للعرب والمسلمين / الخليل بن أحمد والجاحظ ذهبا إلى هذا المنهج / ابن جنّي نظر للمصطلح الدلالي من الواقع اللغوي والصوتي في التراث / الشريف الرضي صاحب منهج تطبيقي في الدلالة / تبلور الظاهرة الدلالية عند الثعالبي / عبد القاهر أصّل موضوع الدلالة وخطط لمفاهيمه / ابن الأثير وحازم القرطاجني والسيوطي في جهودهم النظرية والتنظيرية في علم الدلالة وتوابعها.

الفصل الثالث

٤٥ ـ ٦٤

( تطبيقات البحث الدلالي في القرآن الكريم )

لغة القرآن ذات طابع دلالي خاص / نشاط اللغة العربية في القرآن مستمد من سمات بلاغية متجانسة تؤكد المعاني الثانوية فضلاً عن المعاني اللغوية الأولية / تطبيقات البحث الدلالي كشفت اختيار القرآن اللفظ المناسب في الموقع المناسب من العبارة القرآنية / ثلاث ظواهر قرآنية متميزة في دلالة الألفاظ بالمعنى الاصطلاحي الدقيق / التناسق القرآني مع مقتضيات الأحوال / الألفاظ في القرآن منضمة إلى المعاني دون تمايز / الخطاب بألفاظ القرآن إلى سكان الأرض لكشف الأسرار العلوية بحسب الذائقة الفطرية / تحليل نقدي لظواهر الألفاظ في القرآن / الوقوف عند جهود الخطابي فيما أورده من افتراضات وفيما أثبته من تطبيق دلالي لألفاظ القرآن / دقة الخطابي فيما أجمله من إفاضات في هذا المجال على سنن العرب الأقحاح.

الفصل الرابع

٦٥ ـ ٩١

( معجم العلماء الدلاليين من العرب والأوروبيين )

طبيعة هذا المعجم الأحصائية / التزامه بطريقة الألفباء

٦

المعجمية / الأسس الأولية التي قام عليها المعجم / الاعتذار عن السهو بالنسبة للمحدثين / الدلاليون العرب القدامى / الدلاليون العرب المحدثون / الدلاليون الأوروبيون.

٥ ـ خاتمة البحث

٩٢ ـ ٩٤

نتائج كل فصل من الفصول السابقة التي توصلنا إليها.

٦ ـ المصادر والمراجع

٩٥ ـ ٩٨

أ ـ العربية

ب ـ الأجنبية

٧ ـ ثبت الآيات القرآنية

٩٩ ـ ١٠١

الواردة في الكتاب بحسب ترتيب المصحف.

٧
٨

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد وتحديد :

في منظور النقد البلاغي واللغوي يحتل البحث الدلالي ذروة التأصيل الفني حيث تتبلور الدلالة بلاغياً ولغوياً ونقدياً جملة واحدة ، وذلك عند التفاصيل الدقيقة التي تجعل الدال علامة يرمز إليها بالأشكال ، والمدلول إمارة يؤكد عليها بالمعاني ، والعلاقة القائمة بينهما نتيجة محورية تتمخض عن التقائهما.

إن التفكير في استنباط هذه العلاقة التي هي جوهر الدلالة يجب أن يحدث جملياً دون تردد ، ومتى تم لنا هذا كانت الدلالة المتصورة ذهنياً حصيلة عملية فورية لاقتران الدال بالمدلول ، أو اللفظ بالمعنى ، أو الشكل بالمادة ، أو الاطار بالمحتوى ... بمختلف التعبيرات المختلفة المنطوق ، والمتحدة المفهوم ... ويمكن تجسيد هذا المنظار في ضوء ما نجده في التصور الأولي للحرف (أ) في اللغة العربية عند الذهن وذلك حين يرسم هذا الأمر دالاً بشكله على هيئته الذهنية ، وهو نفسه في اللغة الانكليزية يرتسم شكلياً على هذا النحو (A) حينما نتصوره بهذه اللغة دون سواها.

والتبادر الذهني لهذه الرموز عند نطقها يحدث دفعة واحدة عند تصور أشكالها في الخارج بحيث لا يلتبس التصور للحرف نفسه ، ولا يختلط بغيره من الحروف في كل من اللغتين.

البحث الدلالي الحق هو ذلك البحث الذي يخلص إلى نتائج النظرية والتطبيق في دلالة الألفاظ بحيث لا ينفصل التصور الذهني المجرد عن الشكل المادي الخارجي ، وهذه المهمة هي المنعطف الهادف لمسيرة البحث الدلالي المتطورة عند العرب والأوروبيين.

٩

ومصطلح البحث الدلالي من المصطلحات النقدية المعاصرة في منهج التحديث الأوروبي ولهذا فقد كان طبيعياً وموضوعياً أن نستعرض بعض ملامح هذا البحث بلغته المحدثة ، والتي يمكن لمحها عند المقارنة الجادة بين الموروث الدلالي عند العرب والمسلمين ـ قبل أن يتحقق مفهومه في الدرس النقدي الجديد ـ وبين معطيات الفكر الأوروبي الحديث والعربي المعاصر.

وانطلاقاً من هذه الحقيقة العلمية فقد فضلت أن أشير إلى أن دراسات المحدثين في هذا الميدان تستأهل الاهتمام المبكر بغية تخطيط البحث نظرياً وموقفاً ، ولدى عرضه سيتجلى التجديد في مجال الأسلوب ، والبقاء على الموقف الأم في التراث الاسلامي عند العرب ، وستجري تطبيقات البحث بالوقوف عملياً عند طائفة مختارة من الزخم القرآني لغوياً ونقدياً في لمحات خاطفة على سبيل الأنموذج والمثال ، ونكون بذلك قد أجرينا المقارنة العلمية الكاشفة من جهة ، ودللنا على تطور البحث من جهة أخرى ونظّرنا له بالقرآن الكريم تطبيقاً.

وفي ضوء هذا التخطيط الأولي كانت معالم البحث متسعةً لثلاثة فصول على النحو الآتي : ـ

الفصل الأول : نظرية البحث الدلالي عند المحدثين.

الفصل الثاني : أصالة البحث الدلالي عند العرب المسلمين.

الفصل الثالث : تطبيقات البحث الدلالي في القرآن الكريم.

ولقد رأيت من المفيد حقاً ـ بعد هذه الفصول ـ أن أخصص فصلاً إضافياً قائماً بذاته ، لمعجم تقريبي إحصائي بأسماء أبرز الدلاليين العالميين من النقاد والبلاغيين ، قدامى ومحدثين ، تسهيلاً لمهمة الباحث الأكاديمي حينما يتناول نظرية الدلالة لدى « السمانتيكيين » في الموضوع على وجه التفصيل لأوجه الإشارة والتمثيل كما هو في طبيعة هذا البحث في النظرية والتطبيق.

وتبقى محاور هذا البحث المركزية متمثلة بالتحديث أولاً ، وبالتراثية ثانياً ، وبالتنظير القرآني أخيراً ، وليس في البحث مسح إحصائي لهذه

١٠

المحاور بقدر ما فيه من لمح لتطور البحث الدلالي نظرياً ، مع احتفاظ الفكر الإسلامي والعربي بحق الابتداع للموضوع ، والابتكار في منهجية البحث ، مما يلقي نوعاً من التوجه نحو الجهود المبتكرة للدلالة اللغوية في ضوء النقد البلاغي في أرقى مقاييسه الفنية رؤية ومعاصرة.

ولما كانت هذه المهمة في البحث مهمة نقدية وبلاغية ولغوية فقد أبعدنا السبق المنطقي ، والعرض الأصولي للمسألة ولسنا بصدد الخلط بين مفهوم الدلالة عند المناطقة باعتبارها تضمينة أو التزامية أو مطابقية ، وبين المفهوم البلاغي المتشابك للدلالة كما فعل الخطيب القزويني ( ت : ٧٣٩ ه‍ ) تبعاً لأبي يعقوب السكاكي ( ت : ٦٢٦ ه‍ ).

ولسنا نريد إضافة شيء على ما أفاده علماء الأصول في مباحث الألفاظ باعتبارها تشخص صغريات أصالة حجية الظهور في الأمر والنهي ، والمفاهيم ، والعام والخاص ، والمطلق والمقيد ، والتعارض على وجه.

فهذه كلها مباحث أصولية وعليها مسحة دلالية ، لا شك في هذا ، ولكنها مباحث تتعلق بالألفاظ خالصة من حيث إفادتها أحكاماً شرعية معينة ، بل هي ضوابط أساسية فيما يستفيده المجتهد لدى عملية الاستنباط ، وبناء الحكم على أصل من دلالة اللفظ المتبادرة إليه فيما يحتمله لسان الشارع المقدس. ولسنا بأزاء بيان هذا الأصل أو الخوض فيه ، فضلاً إلى أن السبق المنطقي والعرض الأصولي ، وأن تعلقاً بالبحث هامشياً ، إلا أنهما من المباحث المستفيضة التي كتبت ودوّنت وطوّرت ونضجت واستقرت بمنهج ثابت في المنطق وأصول الفقه لا سيما عند الأستاذ الأعظم الشيخ مرتضى الأنصاري ( ت : ١٢٨١ ه‍ ) والتعرض لهما حديث عنهما لا عن النقد البلاغي. كما هي الحال في محاضرات زعيم الحوزة العلمية الإمام الأكبر السيد أبو القاسم الخوئي قدس‌سره وإفاضاته الأصولية المتطورة.

إذن : هذا العرض بعيد عن المفاهيم المقحمة بالنقد والبلاغة نتيجة تأثير البيئة الكلامية ، وسيطرة المنطق ، وسيرورة علم الأصول ، وإنما هو كشف دلالي لصميم المخزون التراثي من النقد البلاغي في ضوء المتغيرات الأوروبية المتواجدة. ومن خلال التطبيق القرآن العظيم.

١١

وقد أفدت من صلتي العلمية بالأستاذ الحجة السيد محمد كلانتر رئيس جامعة النجف الأشرف متابعته في إنجاز هذا البحث على وجه السرعة لأنه يتسم بالأصالة فيما أفاض ، فكان له ما أراد. فإن كان الأمر كذلك فبفضل من الله تعالى وحده ، وإن كانت الأخرى فما لا يدرك كله ، لا يترك كله.

وفقنا الله جميعاً لاستقراء الحقائق من ينابيعها الأولى.

وما توفيقي إلا بالله العلي العظيم عليه توكلت وإليه أنيب ، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

النجف الأشرف

الدكتور محمد حسين علي الصغير

أستاذ في جامعة الكوفة

١٢

١٣
١٤

نظرية البحث الدلالي عند المحدثين :

يرى علماء الدلالة المحدثون إن اللغوي الفرنسي ميشال بريال ( M.Breal ) يعتبر مؤسس علم الدلالة المتعارف عليه اليوم ، وهو الذي وجه الاهتمام لدراسة المعاني بذاتها ، وقد اقترنت أهمية ريال هذه بمحاولة الناقدين اللغويين الإنكليزيين : أوجدن ( C.K.OGden ) وريتشاردز ( I.A.Richards ) الذين حوّلا مسار الدلالة بكتابهما المشترك : معنى المعنى ( The meaning of meaning ) الصادر عام ١٩٢٣ (١). وذلك بتساؤلهما الحثيث عن ماهية المعنى من حيث هو عمل متزاوج من اتحاد وجهي الدلالة : أي الدال والمدلول ، فوجّها العناية بالعلاقة التي تربط مكونات الدلالة التي يجب أن تبدأ من الفكرة أو المحتوى الفعلي الذي تستدعيه الكلمة والذي يومي إلى الشيء (٢).

فالدلالة لدى هؤلاء مجتمعين ـ كما يبدو ـ عبارة عن اتحاد شامل بإطار متكامل بين الدال والمدلول غير قابل للتجزئة والفصل.

وفي ضوء هذا الفهم الأولي للدلالة أخذت البحوث تشق طريقها إلى استكناه مفهوم الدلالة ومصطلحها لدى المحدثين من العرب والأوروبيين حين لمسوا أن التعميم الفضفاض غير كافٍ لإعطاء صيغة علمية أو فنية متميزة تنهض بالاصطلاح مستوياً على قدميه. ومن هنا حاولوا جعل الدال والمدلول قسيمين أساسيين لمفهوم الدلالة.

________________

(١) طبع هذا الكتاب طبعة منقحة في لندن ، ١٩٥٦ م.

(٢) ظ. د. موريس أبو ناصر ، مدخل إلى علم الدلالة الألسني ، الفكر العربي المعاصر ، آذار ، ١٩٨٢+ كمال محمد بشر ، دراسات في علم اللغة : ٢ / ١٥٩.

١٥

يستوقفنا الدكتور بسام بركة ، في تقسيمه وتعقيبه حين يقول : « أما الدال فهو الصورة الصوتية التي تنطبع مباشرة في ذهن السامع ، وهو بعبارة أخرى : الإدراك النفسي للكلمة الصوتية ، وأما المدلول فهو الفكرة التي تقترن بالدال » (١).

ويهمنا من هذا المنحنى التأكيد على صلة اللغة بالفكر فيما يوحيه من علاقة مباشرة قد تكون ضرورية بين عناصر الأشارات المتولدة في الذهن نتيجة لاقتران الدال والمدلول خلف الدلالة ، في حين يقول بعض الدارسين العرب : « لا تقتصر دلالة الكلمة على مدلولها فقط ، وإنما تحتوي على كل المعاني التي قد نتخذها ضمن السياق اللغوي. وذلك لأن الكلمات ، في الواقع ، لا تتضمن دلالة مطلقة بل تتحقق دلالتها في السياق الذي ترد فيه ، وترتبط دلالة الجملة بدلالة مفرداتها » (٢).

ومع تقويمنا للنصين السابقين واعتدادنا بهما فإن بالأمكان أن نتصور ـ بكل تواضع وسماح ـ أن للألفاظ ظاهرتين متلازمتين تتمم إحداهما الأخرى :

الظاهرة الأولى : ظاهرة حسية ، باعتبار الألفاظ أصواتاً تنطلق بها الأوتار الصوتية من داخل الجهاز الصوتي ـ ابتداءً من أقصى الحلق وانتهاءً بانطباق الشفتين لتتصل بالأسماع ، وتصل إلى الآذان.

الظاهرة الثانية : ظاهرة معنوية ، باعتبار الألفاظ رموزاً تشتمل على أصواتها لدى انطباقها على مسمياتها ، وإن كانت غيرها.

وتأسيساً على هذه الرؤية يتحقق لنا لمس إطارين حيّين للألفاظ بعامة : ـ

إطار خارجي ، يتمثل بالصوت اللساني لكل لفظ ، وإطار داخلي يحمل لنا الصورة الذهنية لذلك الصوت.

________________

(١) د. بسام بركة ، اللغة والفكر بين علم النفس وعلم اللسانية ( بحث ). ظ : المصادر.

(٢) د. ميشال زكريا ، المكون الدلالي في القواعد التوليدية والتحويلية ( بحث ). ظ : المصادر.

١٦

والإطار الخارجي ، وهو الظاهرة الحسية ، يمثل الشكل.

والإطار الداخلي ، وهو الظاهرة المعنوية ، يمثل المضمون.

ويراد بالشكل هنا ـ كما هو مفهوم من السياق ـ مادة اللفظ الصوتية أو الوترية ، وبالمضمون دلالة اللفظ الانطباقية أو المعنوية.

ولتنظير هذا الفهم نرى أن دلالة أي لفظ من الألفاظ على معناه المحدد له ، ترتبط فيما يوحيه هذا اللفظ في الأذهان من انصراف وتبادر إلى مشخصاته الخارجية إن كان عيناً ، أو ما يرمز إليه في التصور الذهني إن كان معنىً ، بحيث يكسبه هذا وذاك دلالته عند التطبيق الخارجي الذي لا يلتبس بمفهوم آخر في الأدراك حتى يعود رمزاً له ، أو علاقة تشير إليه ، وفي هذا الضوء تشترك الرموز الصوتية لأي لفظ في الدلالة عليه لتشكل أصلاً في كيانه بتصوره جملي دفعة واحدة سواء أكان الاستعمال على جهة الحقيقة اللغوية ، أم على جهة الاستعمال المجازي إذ مناسبة الصلة بين الاستعمالين الحقيقي والمجازي قائمة على إرادة المعنى المحدد دون التباس أو إيهام لتوافر القرينة الدالة على ذلك.

وفيما نرى فلعل استيفن أولمان أستاذ علم اللغة بجامعة ليدز بإنكلترا قد صاغ دلالة الألفاظ بإطار موجز واضح ، فاللفظ عنده : الصيغة الخارجية للشكل ، والمدلول : الفكرة التي يستدعيها اللفظ (١).

وقد أوجد بهذا مقارنة سليمة بين المصطلحين ، فلاحظ أن بينهما علاقة متبادلة ، فليس اللفظ وحده هو الذي يستدعي المدلول ، بل إن المدلول أيضاً قد يستدعي اللفظ ، وهذه العلاقة المزدوجة هي القوة التي تربط الدال بالمدلول ، أي الصيغة الخارجية للكلمة بالمحتوى الداخلي لها.

وقد أيد هذا المذهب اللغوي الفرنسي ( أندريه مارتينيه ) فذهب أن اللفظ لا يمكن له أن يمثل الوحدة العضوية الصغرى في الكلام ، لأن اللغة الأنسانية تقوم بإزاء تلفظ مزدوج مركب من اللفظ المكوَّن من مجموعات

________________

(١) ظ. ستيفن أولمان ، دور الكلمة في اللغة : ٦٤.

١٧

صوتية ومن المدلول في إعطاء المعنى ، فاللفظ دال ، ومعنى ذلك اللفظ مدلول (١).

ومضافاً إلى اقتناعنا بهذا المنهج فإن المحدثين من علماء الدلالة الأوروبين ، مقتنعون أيضاً ولكن بصعوبة تحديد الكلمة في شتى اللغات ، غير أنهم مجموعون أن الأساس الصوتي وحده لا يصلح لتحديد معالم الكلمات وأنه لا بد أن تشترك معه الكلمة أو وظيفتها اللغوية ليمكن تحديدها.

وقد اتضح للعالم المشهور ساپير ( sapir ) أن تحليل الكلام إلى عناصر أو وحدات ذات دلالة ، يقسم هذا الكلام إلى مجموعات صوتية منها ما ينطبق على الكلمة ، ومنها ما ينطبق على جزء من الكلمة ، ومنها ما ينطبق على كلمتين أو أكثر (٢).

وطبيعي أن مفهوم ساپير لهذه الدلالات ينطبق على الأحداث والأسماء والحروف ، ودلالة الإضافة في وحدة المضاف ، والمضاف إليه مما يعني تغايراً حقيقياً بين مفهومه ومفهوم القدامى العائلين : « الكلمة قول مفرد ، أو لفظ مفرد » (٣).

فهل أل التعريف من هذا القول ؟ وهل الباء كحرف جر من هذا اللفظ ؟ وهل الضمائر المتصلة كالتاء منه على وجه ما ؟ وهي مع اندماجها في الأفعال ... هل تشكل قولاً مفرداً أم قولين ؟ أو لفظاً مفرداً أم لفظين ؟

إن استقلالية الألفاظ في اللغة العربية تعني الفصل في الدلالة ، فلكل من الأفعال والأسماء والحروف والضمائر دلالات خاصة.

ومع هذا التغاير ، فإن الفهم النحوي للكلمات عند القدامى يختلف عن المفهوم النقدي والبلاغي عندهم في الدلالات.

وقد كشف الأستاذ مطاع صفدي عمق الفروق بين النظرية والتطبيق

________________

(١) Mrtinet, Elements de Linguitigue General, Paris. ١٩٧٠. p.١٦.

(٢) ظ. إبراهيم أنيس. دلالة الألفاظ : ٤٢ وما بعدها.

(٣) ابن هشام ، شذور الذهب : ١٢.

١٨

في المجال الدلالي فرأى : أن الأهمية المميزة للدلالة ، إنها لدى تطبيقها على حقل ما لا يتوقف عند حد تفكيك بنيته ، ولكنها عندما تنجح في هذه المهمة ، وتكشف مدلوله ، تتغير علاقته بالوعي ، يصبح خطاباً آخر بمستويات من الدلالة ذات أنساق متناظرة ، تضفي على منظر الخطاب عمقاً استراتيجياً جديداً.

لذلك فإن الباحثيين في نظرية الدلالة ، محتاجون دائماً إلى ممارسة نظرياتهم عبر الخطابات والنصوص التي يطبقون عليها مناهجهم الدلالية لأن هذا التطبيق ذاته لا يبرهن على نجوع المنهج فحسب وإنما يطوّره ، يعطي الخطاب من ذاته ، ويأخذ منه الحس الحي بعمقه العضوي الجديد.

إن خصب الدلالة حقق شكلية التداخل المنهجي بين العلوم الإنسانية وجعلها تعكس ظلالها بعضها على بعض ، حولها إلى مرايا لبعضها ، وغني عن البيان أن تقدم العلوم الإنسانية لا يزال مرتبطاً إلى ما لا نهاية بالكشوف المنهجية ، وأهم هذه الكشوف التي ساهمت في نهضتها هي المناهج المساعدة على استنباط أجهزة الإنتاج المعرفية لموضوع البحث وللخطاب العلمي المفسر للموضوع في وقت واحد (١).

ومع اتساع هذا العرض في الاستدلال ، فقد يراد بهذا التعبير مشاركة الدلالة في إرساء مناهج المعرفة الإنسانية ضمن تعدد خصائصها الفنية ، وبرامجها في التنقل بين حقول الحضارة المختلفة تراثية وحداثة في آن واحد.

والذي يهمنا من هذا المنظور هو المنهج النقدي الذي يرتبط بالدلالة تكوناً جمالياً.

ويقول الدكتور عناد غروان ـ وهو يتحدث عن طبيعة هذا المنهج في وجهاته الجمالية المتنوعة ـ :

« فقد يكون المنهج شكلياً يهتم بالبنية الشكلية ـ العضوية والتجريدية ـ للتجربة الأدبية أو قد يكون تحليلياً قائماً على تحليل عناصر التركيب الأدبي

________________

(١) ظ : مطاع صفدي ، نظرية الدلالة وتطبيقاتها ، الفكر العربي المعاصر : آذار ١٩٨٢.

١٩

وخصائصه البيانية والبلاغية ، أو قد يكون منهجاً تقنياً فنياً جديداً يدرس هذه التجربة أو تلك على أساس كونها ظواهر حضارية إنسانية تخضع لمثل جديدة في تقدير قيمتها النقدية ـ الفنية الجمالية ـ التي تخلق الإعجاب والتقدير في طبيعة العمل الأدبي بالنسبة للقارئ والمتذوق » (١).

واحسب أن التطور الدلالي هو من النوع الأخير ، لأن الحركة النقدية المعاصرة التي اهتمت بالمنطق السمانتيكي ( علم الدلالة ) وعلاقته بالرمز تارة وبالصورة الفنية تارة أخرى ، وبالخيال غيرهما تذهب إلى قيمة الدلالة باعتبارها كائناً حضارياً متطوراً يمثل قوة الإدراك في حياة الألفاظ والمعاني ، وإن اهتمت بالخصائص البيانية والبلاغية في توجيه مسيرتها النقدية.

على أن المحدثين من الأوروبيين يختلفون في أولوية الدلالة بين اللفظ والمعنى وينقسمون في ذلك إلى مدرستين نقديتين « المدرسة التحليلية » التي ترى أن المعنى يمكن تحليله إلى عناصره ووحداته الأساسية و « المدرسة العملية » التي ترى أن الكلمة ترمز إلى فكرة أو إشارة وأخيراً إلى مجمل المعنى العام في الجملة أو التعبير. وتدرس هذه المدرسة الكلمات ذاتها مرتبطة بحدثها وعلاقتها العملية مع غيرها دونما اهتمام مباشر بالمعنى قبل الكلمة (٢).

وهذه النظرة التي ترجمها لنا عن الأوروبيين الدكتور عناد غزوان يحللها بقوله : ـ

« واختلاف المدرستين يعود إلى مدى اهتمامهما بالقارئ ، السامع قبل المتكلم ، أو بالمتكلم قبل السامع ، فعلاقة اللغة بالفكر ليست من القضايا البسيطة لتداخلهما من جهة ، لأنهما روح الحضارة الإنسانية من جهة أخرى فما ينشأ عن هذه العلاقة من غموض أو وضوح من إشارة أو رمز ، من صواب أو خطأ ، من حقيقة أو مجاز يتوقف على قدرة اللغة في توصيل فكرها إلى الآخرين وفي الإفصاح عن تلك التجربة الأدبية ، وهنا

________________

(١) عناد غزوان ، التحليل النقدي والجمالي للأدب : ٢٩.

(٢) ظ. عناد غزوان ، المصدر السابق : ٣٢ بتصرف.

٢٠