موسوعة الإمام الخوئي

الشيخ مرتضى البروجردي

موسوعة الإمام الخوئي

المؤلف:

الشيخ مرتضى البروجردي

المحقق: المترجم:
الموضوع : الفقه الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدّس سرّه ISBN: 469-6337-10-1
نسخة غير مصححة

كتاب الزكاة

١
٢

كتاب الزّكاة

التي وجوبها من ضروريّات الدين (١) ، ومنكره مع العلم به كافر ، بل في جملةٍ من الأخبار : أنّ مانع الزكاة كافر.

ويشترط في وجوبها أُمور :

______________________________________________________

كتاب الزّكاة

(١) لا إشكال كما لا خلاف بين فرق المسلمين في وجوب الزكاة على كلّ مكلّف مع استجماع الشرائط الآتية في الجملة.

وقد نطق به الكتاب العزيز ، بل قُورنت الزكاة بالصلاة في غير واحدٍ من الآيات ، الكاشفة عن مزيد العناية والاهتمام الأكيد بشأنها.

والأخبار بها متظافرة ، بل متواترة ، بل قد عُدَّت في بعضها من مباني الإسلام على حدّ الصلاة والصيام (١).

فهي إذن من ضروريّات الدين الموجب لاندراج منكره في سلك الكافرين.

نعم ، قد ذكرنا في كتاب الطهارة (٢) في مباحث النجاسة ، عند التكلّم حول

__________________

(١) الوسائل ١ : ١٣ / أبواب مقدّمة العبادات ب ١ ح ١ و ٢ وغيرهما.

(٢) راجع شرح العروة ٣ : ٥٤.

٣

.................................................................................................

______________________________________________________

الكفر والإسلام ـ : أنّ إنكار الضروريّ بمجرّده ومن حيث هو لا يستوجب الكفر والارتداد ، إلّا إذا أدّى إلى إنكار الرسالة وتكذيب النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فيما جاء به ، فيختصّ بالعالم دون من استند إنكاره إلى شبهةٍ أو جهل ، كمن كان جديد عهد بالإسلام ولم يكن له مزيد اطّلاع بالأحكام.

وأمّا الإنكار العملي بالامتناع عن دفع الزكاة ، فلا ينبغي الإشكال في عدم كونه موجباً للكفر وإن أُطلق عليه هذا اللفظ في بعض النصوص وأنّ تارك الزكاة كافر (١) ، كما أُطلق على تارك سائر الواجبات أحياناً ، مثل : الصلاة والصيام والحجّ ، كما يفصح عنها حديث المباني ، وقد عبّر الكتاب العزيز بالكفر عن تارك الحجّ فقال تعالى (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ) (٢).

فإنّ المراد بالكفر في هذه الموارد ليس هو المقابل للإسلام الظاهري الموضوع للأحكام الخاصّة من المناكح والمواريث وحقن الدماء ونحوها ، إذ المدار في ترتيب هذه الأحكام على ظاهر الإسلام المتقوّم بإظهار الشهادتين ، وأضفنا عليهما الاعتراف بالمعاد أيضاً حسبما استفدناه من سائر الأدلّة ، فمن شهد بالوحدانيّة والرسالة الخاصّة وبالمعاد فقد خرج عن الكفر ودخل في حريم الإسلام.

بل المراد بالكفر فيها : ما يقابل الإيمان والإسلام الكامل.

أو يراد : أنّه يؤدّي إلى الكفر ولو حال الموت ، كما يفصح عنه ما ورد من أنّه يقال للممتنع عن الحجّ : مت يهوديّاً شئت أو نصرانيّاً (٣).

وعلى الجملة : فمجرّد الامتناع لا يستوجب الكفر الاصطلاحي يقيناً ، وإن ساغ قتله أحياناً كسائر أرباب الكبائر من باب النهي عن المنكر ، عند وجود

__________________

(١) الوسائل ٩ : ٣٤ / أبواب ما تجب فيه الزكاة ب ٤ ح ٧.

(٢) آل عمران ٣ : ٩٧.

(٣) الوسائل ٩ : ٣٣ / أبواب ما تجب فيه الزكاة ب ٤ ح ٥.

٤

الأوّل : البلوغ. فلا تجب على غير البالغ (١) في تمام الحول فيما يعتبر فيه الحول ولا على من كان غير بالغ في بعضه ،

______________________________________________________

الحاكم الشرعي المبسوط اليد ، كما ورد من أنّ القائم (عليه السلام) بعد قيامه يضرب عنق مانع الزكاة (١).

وقد عرفت أنّ الإنكار أيضاً لا يستوجبه ما لم يؤدّ إلى تكذيب النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وإنكار الرسالة ، كما في سائر الضروريّات حسبما تقدّم.

(١) بلا خلافٍ فيه منّا في النقدين ، بل عن جماعة : دعوى الإجماع عليه ، وعلى المشهور في غيرهما من الغلّات والمواشي ، وإن نُسِبَ الخلاف إلى الشيخين والسيّد المرتضى (٢) ونفر يسير.

والأقوى ما عليه المشهور.

ويدلّنا على الحكم في الجميع قبل كلّ شي‌ء ـ : حديث رفع القلم عن الصبي (٣) ، الحاكم على جميع الأدلّة الأوّليّة ، ومنها : وجوب الزكاة ، والموجب لتخصيصها بالبالغين ، وخروج الصبي عن ديوان التشريع وقلم الجعل والتكليف.

ودعوى اختصاص الحديث بالأحكام التكليفيّة ، وعدم تكفّله لرفع الحكم الوضعي ، الذي هو ثابتٌ أيضاً في المقام بمقتضى ما دلّ على شركة الفقراء في العين الزكويّة بنحو الإشاعة أو الكلّي في المعيّن ، وثبوت حقٍّ وسهمٍ لهم في الأموال وضعاً.

__________________

(١) الوسائل ٩ : ٣٣ / أبواب ما تجب فيه الزكاة ب ٤ ح ٦.

(٢) حكاه في الحدائق الناضرة ١٢ : ١٨ ، وفي رياض المسائل ٥ : ٣٨ ٣٩.

(٣) الوسائل ١ : ٤٥ / أبواب مقدمة العبادات ب ٤ ح ١١ و ١٢.

٥

.................................................................................................

______________________________________________________

عريّةٌ عن الشاهد ؛ فإنّ إطلاق الحديث يعمّ الوضع والتكليف بمناطٍ واحد.

نعم ، بما أنّ لسانه الامتنان فهو لا يعمّ الضمانات ، لأنّ شموله لها يستلزم خلاف الامتنان على الآخرين ، وأمّا غير ذلك فلا قصور في شموله لكلّ ما يوجب الوقوع في الكلفة ، من تكليفٍ أو وضع ، ولا ريب أنّ الزكاة نقصٌ في المال ، وموجبٌ لوقوع صاحبه في الكلفة ، فهو مرفوع عن الصبي بمقتضى إطلاق الحديث.

هذا ، ولو سلّمنا الاختصاص بالتكليف ، فالمقتضي لشمول الوضع للصبيّ قاصرٌ في حدّ نفسه ، فإنّ الآيات الدالّة على الزكاة كلّها متعرّضة للتكليف فقط ، ضرورة أنّ قوله تعالى (وَآتُوا الزَّكاةَ*) (١) نظير قوله تعالى (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ*) (٢) وقوله تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ) (٣) لا نظر في شي‌ء منها إلّا إلى الحكم التكليفي فحسب ، ولا مساس لها بالوضع بوجهٍ كما هو ظاهر جدّاً ، والمفروض أنّ حديث رفع القلم عن الصبي موجبٌ لاختصاص هذه التكاليف بالبالغين.

وأمّا الروايات ، فهي وإن دلّت على الوضع وشركة الفقراء بنسبٍ مختلفة حسب اختلاف الموارد مثل قوله (عليه السلام) : فيما سقته السماء العشر ، وفي كذا نصف العشر ، وفي كذا واحد في أربعين (٤) ، وهكذا ممّا تضمّن ثبوت حقٍّ في المال وضعاً إلّا أنّها برمّتها ليست إلّا في مقام بيان تعيين المقدار بعد الفراغ عن أصل ثبوت الزكاة بشرائطها المقرّرة ، وليست متعرّضة لمورد الثبوت ومن

__________________

(١) البقرة ٢ : ٤٣.

(٢) البقرة ٢ : ٤٣.

(٣) البقرة : ١٨٣.

(٤) الوسائل ٩ : ١٨٢ / أبواب زكاة الغلّات ب ٤.

٦

.................................................................................................

______________________________________________________

يتعلّق به الزكاة ليتمسّك بإطلاقها ، لعدم كونها في مقام البيان من هذه الجهة ، فهي في أنفسها قاصرة الشمول للصبي (١) ، فلا تصل النوبة إلى البحث حول الدليل الحاكم أعني حديث الرفع وأنّه هل يعمّ التكليف والوضع أم لا ، إذ لا دليل على ثبوت الحكم الوضعي في حقّ الصبي من أصله حسبما عرفت.

هذا ، ومع الغضّ وتسليم الإطلاق في دليل الوضع كتسليم الاختصاص في حديث الرفع فتكفينا النصوص الكثيرة وجملة منها معتبرة المتضمّنة أنّه : «ليس على مال اليتيم زكاة» (٢) بعد وضوح تحديد اليتيم بالبلوغ ، كما في جملة من النصوص ، فإنّ النسبة بين هذه الرواية وبين آحاد نصوص الوضع مثل قوله (عليه السلام) : فيما سقته السماء العشر ، وفي كذا نصف العشر ، وفي كذا واحد في أربعين وهكذا وإن كانت هي العموم من وجه لأنّ هذه تعمّ ما سقته السماء مثلاً وغيره ، كما أنّ تلك أيضاً تعمّ اليتيم وغيره إلّا أنّا لو لاحظنا هذه مع مجموع تلك النصوص كانت النسبة بينهما نسبة الخاصّ إلى العامّ ، بحيث لو جُمِعَ الكلُّ في دليلٍ واحد فقيل : في كذا العشر ، وفي كذا نصفه ، وفي كذا واحد في أربعين ، وهكذا ، ثمّ ذيّلنا الكلام بقولنا : ليس على مال اليتيم زكاة ، لم يكد يرى العرف أيّ تنافٍ بين الصدر والذيل ، ولم يبق متحيّراً ، بل يحكم بقرينيّة الذيل ، وأنّ تلك الأحكام خاصّة بالبالغين ، فإذا كان الحال كذلك لدى الاتّصال فمع الانفصال أيضاً كذلك ، لأنّ مرجع أدلّة وجوب الزكاة في أنواعها الثلاثة إلى دليلٍ واحد كما لا يخفى.

__________________

(١) هذا وجيهٌ بالإضافة إلى النصوص المتقدّمة ، وهناك روايات اخرى تضمّنت شركة الفقراء مع الأغنياء من غير تعرّض للمقدار ، كصحيحة ابن مسكان [الوسائل ٩ : ١٣ / أبواب ما تجب فيه الزكاة ب ١ ح ٩] وغيرها ، وإطلاقها غير قاصر الشمول للصبي كما لا يخفى ، فليتأمّل.

(٢) الوسائل ٩ : ٨٣ / أبواب من تجب عليه الزكاة ب ١.

٧

.................................................................................................

______________________________________________________

ولو سلّمنا أنّ النسبة عمومٌ من وجه ، كان الترجيح مع هذه الرواية ، لأنّها بلسان الحكومة كما لا يخفى.

ومع الغضّ عن كلّ ذلك ، فغايته التساقط بعد التعارض بالعموم من وجه. فلم يبق لنا دليلٌ على ثبوت الزكاة في مال الصبي ، والمرجع في مثله أصالة العدم.

ولا سبيل للرجوع حينئذٍ إلى عموم مثل قوله تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً) (١) إذ مضافاً إلى أنّ في نفس الآية المباركة صدراً وذيلاً شواهدَ تقضي بأنّ المراد من ضمير الجمع خصوص البالغين أنّ الآية المباركة وغيرها كما تقدّم (٢) غير ناظرة إلّا إلى الحكم التكليفي فقط دون الوضعي ، والمفروض التسالم على حكومة حديث الرفع بالنسبة إلى الحكم التكليفي المحض.

فتحصّل : أنّه لا فرق في عدم وجوب الزكاة في مال الصبي بين النقدين وغيرهما ، لعموم المستند من حديث الرفع ، ومن قولهم (عليهم السلام) : «ليس على مال اليتيم زكاة» (٣) ، ولا سيّما وقد وردت هذه الرواية في زكاة الفطرة أيضاً.

هذا ، وقد نُسِبَ إلى الشيخين وجماعة كما تقدّم (٤) التفصيل بين المال الصامت أعني النقدين وبين غيرهما من الغلّات والمواشي ، فتثبت الزكاة في مال الصبي في الثاني دون الأوّل ، بل عن السيّد في الناصريات : دعوى الإجماع عليه (٥).

__________________

(١) التوبة ٩ : ١٠٣.

(٢) في ص ٦.

(٣) الوسائل ٩ : ٨٤ / أبواب من تجب عليه الزكاة ب ١ ح ٤.

(٤) في ص ٥.

(٥) الناصريات : ٢٤١.

٨

.................................................................................................

______________________________________________________

ولكن دعوى الإجماع كما ترى موهونة جدّاً بعد ذهاب عامّة المتأخّرين وجماعة من أعاظم القدماء إلى عدم الزكاة مطلقاً. وعليه فيطالَب بالدليل على هذا التفصيل.

وقد استدلّ له بصحيحة زرارة ومحمّد بن مسلم : «أنّهما قالا : ليس على مال اليتيم في الدين والمال الصامت شي‌ء ، فأمّا الغلّات فعليها الصدقة واجبة» (١).

بدعوى أنّها وإن وردت في الغلّات إلّا أنّه يلحق بها المواشي بالإجماع المركّب وعدم القول بالفصل.

ولكنّه كما ترى ، إذ قد عرفت حال الإجماع ، فلا أثر لعدم القول بالفصل الذي لم نتحقّقه بحيث يخرج به عن عموم نفي الزكاة عن الصبي بعد اختصاص الدليل المزبور بالغلّات.

ونحوهما في الضعف دعوى : أنّ مقتضى المقابلة بين الصامت وغيره : أنّ الاعتبار في ثبوت الزكاة بعدم كون المال صامتاً ، وإنّما ذكر الغلّات من باب المثال ، فيعمّ المواشي أيضاً.

إذ ليست هذه الدعوى بأولى من العكس بأن يقال : إنّ المدار في سقوط الزكاة بعدم كون المال من الغلّات ، وإنّما ذكر المال الصامت من باب المثال ، فيراد به ما يعمّ المواشي في مقابل الغلّات.

على أنّ الصحيحة معارَضة في موردها برواية أُخرى صريحة في نفي الزكاة عن الغلّات ، فتدلّ على النفي في المواشي بطريقٍ أولى ، لأنّهم استفادوا حكم المواشي من الغلّات إلحاقاً كما مرّ ، وهي موثّقة أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، أنّه سمعه يقول : «ليس في مال اليتيم زكاة ، وليس عليه صلاة ، وليس

__________________

(١) الوسائل ٩ : ٨٤ / أبواب من تجب عليه الزكاة ب ١ ح ٢.

٩

فيُعتَبَر ابتداء الحول من حين البلوغ (١).

______________________________________________________

على جميع غلّاته من نخلٍ أو زرعٍ أو غلّةٍ زكاة» (١).

فإن أمكن الجمع بالعمل على الاستحباب ، وإلّا فتُحمَل تلك على التقيّة ، لما قيل من ذهاب بعض العامّة إلى ثبوت الزكاة في الغلّات.

وإن لم يمكن هذا أيضاً ، فتسقطان ، ويرجع إلى إطلاق حديث الرفع ، وعمومات نفي الزكاة في مال الصبي كما تقدّم (٢).

فالصحيح ما ذهب إليه عامّة المتأخّرين من عدم الزكاة في مال اليتيم مطلقاً ، لأنّ ما دلّ على الثبوت معارَضٌ بمثله في مورده حسبما عرفت.

(١) قد عرفت اعتبار البلوغ في وجوب الزكاة ، فلا تجب على الصبي مطلقاً ، وهذا ظاهرٌ بالإضافة إلى ما لا يُعتَبر فيه الحول كالغلّات فإنّ الصبي إن كان بالغاً وقت تعلّق الزكاة وهو زمان انعقاد الحبّ وصدق الاسم كما سيجي‌ء إن شاء الله تعالى (٣) فكان الخطاب عندئذٍ متوجّهاً إلى البالغ ، فتشمله العمومات حينئذٍ بطبيعة الحال ، ومعه لا مجال بل لا موضوع للتمسّك بحديث الرفع ، ولا المعارضة بما دلّ على أنّه ليس على مال اليتيم زكاة كما هو ظاهر.

وإن كان صبيّاً آن ذاك لم تجب عليه الزكاة وإن بلغ متأخّراً ، عملاً بالحديث وبتلك الصحيحة النافية للزكاة عن مال اليتيم.

وممّا ذكرنا تعرف أنّ العبرة بالبلوغ وقت التعلّق لا قبله كما يظهر من المتن.

__________________

(١) الوسائل ٩ : ٨٦ / أبواب من تجب عليه الزكاة ب ١ ح ١١.

(٢) في ص ٧.

(٣) في ص ٣١٨.

١٠

.................................................................................................

______________________________________________________

وأمّا فيما يُعتبَر فيه الحول كالنقدين والأنعام فلا إشكال أيضاً فيما إذا كان صبيّاً في تمام الحول ، إذ ليس في مال اليتيم زكاة ، فهذا المال الذي فيه الزكاة لو كان مالكه بالغاً لا زكاة فيه بالنسبة إلى الصبي وإن بلغ بعد تماميّة الحول ، وهذا ظاهرٌ جدّاً من غير خلافٍ فيه.

وأمّا إذا بلغ أثناء السنة ، كما لو كان صبيّاً ستّة أشهر مثلاً وبالغاً في الستة أشهر الأُخرى ، فتمّ عليه الحول ، ولكن مركّباً من البلوغ والصبا ، فهل تجب عليه الزكاة حينئذ؟

المعروف والمشهور : عدم الوجوب حتى يحول الحول عليه بتمامه وهو بالغ ، أي يُعتبَر ابتداء الحول من حين البلوغ ، فلا عبرة بما مضى.

ولكن ناقش فيه المحقّق السبزواري (١) ، نظراً إلى أنّه لا يستفاد من الأدلّة ، إلّا أنّه لا زكاة في مال الصبي ما لم يبلغ ، ومعنى ذلك : أنّه حين الصبا لا أمر بالزكاة ، وهذا كما ترى لا يستلزم نفي الوجوب حين البلوغ بعد استكمال الحول ولو كان الحول ملفّقاً من عهدي البلوغ والصبا ، بل ولو كان بلوغه قبل ساعة من استكمال الحول ، لعدم الدليل على اشتراط كون الحول في زمان البلوغ والتكليف.

وربّما يستدلّ للمشهور بقوله (عليه السلام) في صحيحة أبي بصير : «وإن بلغ اليتيم فليس عليه لما مضى زكاة» (٢).

بدعوى أنّ الموصول يعمّ تمام السنة وبعضها ، فيستفاد منها عدم احتساب دور الصبا من الحول.

__________________

(١) ذخيرة المعاد في شرح الإرشاد : ٤٢١.

(٢) الوسائل ٩ : ٨٤ / أبواب من تجب عليه الزكاة ب ١ ح ٣.

١١

.................................................................................................

______________________________________________________

ولكن هذه الاستفادة مشكلة جدّاً ، لأنّ ظاهر الكلام أنّه (عليه السلام) ينفي موضوع الزكاة ، أي أنّ ما كان موضوعاً للزكاة مع قطع النظر عن الصبا وكان هذا صبيّاً فليس عليه زكاة لما مضى ، فينفي الوجوب لما مضى ، ومن الواضح أنّ الستّة أشهر لم تكن موضوعاً للزكاة حتى للبالغين.

وبعبارة اخرى : مفاد الصحيحة أنّ المال الزكوي الذي مضى وكان متعلّقاً للزكاة مع قطع النظر عن الصِّبا لا زكاة فيه بالنسبة إلى الصبي ، فالنفي راجع إلى الموضوع ، وتلك الستّة لم تكن موضوعاً للنفي ، وليس هذا من رعاية الزمان في شي‌ء.

وتدلّ عليه رواية الشيخ بوضوح ، حيث إنّه (قدس سره) رواها هكذا : «ليس في مال اليتيم زكاة ، وليس عليه صلاة ، وليس على جميع غلّاته من نخلٍ أو زرعٍ أو غلّةٍ زكاة ، وإن بلغ اليتيم فليس عليه لما مضى زكاة ولا عليه لما يستقبل حتى يدرك» (١).

فموضوع الرواية الغلّات ، وهي ناظرة إلى التفصيل بين ما قبل البلوغ وما بعده في مورد الغلّة ، التي لا يعتبر فيها الحول ، فلا دلالة فيها بوجه على إلغاء الزمان السابق في مثل النقدين والأنعام ممّا يُعتبَر فيه الحول.

إذن فمقتضى الإطلاقات : ثبوت الزكاة في المال المعتبَر فيه الحول بعد بلوغ اليتيم ، وإن كان استكمال الحول ملفّقاً من العهدين ، لعدم كونه صبيّاً وقتئذ ، ونتيجته احتساب الزمان السابق ، لعدم الدليل على إلغائه.

هذا غاية ما يمكن تقريره في تقريب مقالة المحقّق السبزواري.

ومع ذلك كلّه ، فالصحيح ما عليه المشهور من احتساب مبدأ الحول من

__________________

(١) الوسائل ٩ : ٨٦ / أبواب من تجب عليه الزكاة ب ١ ح ١١.

١٢

.................................................................................................

______________________________________________________

زمان البلوغ ، وذلك لأجل أنّ المستفاد ممّا دلّ على اعتبار الحول : أنّ موضوع الزكاة لم يكن مجرّد الملكيّة كما كان كذلك في مثل الغلّات ممّا لا يعتبر فيه الحول بل الملكيّة المقيّدة بكونها حولاً واحداً ، فالموضوع إنّما هو المالك في مجموع السنة.

وعليه ، فلو كان تمام السنة ملكاً للبالغ فلا إشكال ، كما لا إشكال فيما لو كان تمامها ملكاً للصبي ، وأمّا الملفّق فهو مشمول لقوله (عليه السلام) في الصحيح المزبور : «ليس في مال اليتيم زكاة» ، نظراً إلى أنّ مفاده إلغاء مال اليتيم وإسقاطه عن الموضوعيّة للزكاة.

ومن البيّن أنّ نفي الموضوعيّة كما يكون بنفي تمام الموضوع كذلك يكون بنفي بعضه وجزئه ، فتنفى صلاحيّة مال اليتيم للموضوعيّة الناقصة كالتامّة بمقتضى الإطلاق ، وأنّ هذه الملكيّة بالإضافة إلى وجوب الزكاة ملغية وفي حكم العدم ، وكأنّه لم تكن ، فكما لا أثر في اعتبار الشارع لملكيّته في تمام السنة فكذا لا أثر لملكيّته في بعضها.

وعلى الجملة : الملفّق من العهدين وإن كان ملكاً شخصيّاً لمالكٍ شخصي ، إلّا أنّ الإضافة تختلف باختلاف الوقتين ، فإنّه ملكٌ لليتيم في الستّة أشهر الاولى ، وللبالغ في الأخيرة ، ومقتضى الإطلاق في الصحيح المزبور : أنّ الملكيّة الأُولى قد ألغاها الشارع بالإضافة إلى وجوب الزكاة ، فكونه مال اليتيم في بعض العام يخرجه عن صلاحيّة الانضمام مع الستّة الأخيرة ، إذ الموضوع للزكاة أن يكون المال عند ربّه سنة واحدة ، وبعد التقييد بغير اليتيم ينتج أنّ الموضوع هو مال البالغ ، فكونه مال اليتيم في تمام العام أو في بعضه يخرجه عن موضوع الزكاة بعد أن كانت الإضافة إلى اليتيم في حكم العدم ، وكأنّه لا مال له حسبما عرفت ، فلا قصور في دلالة النصّ على ما فهمه المشهور ، فلاحظ.

١٣

وأمّا ما لا يعتبر فيه الحول من الغلّات الأربع ، فالمناط البلوغ قبل وقت التعلّق (١) ، وهو انعقاد الحبّ وصدق الاسم على ما سيأتي.

الثاني : العقل ، فلا زكاة في مال المجنون (٢)

______________________________________________________

هذا ، ومع الغضّ عن ذلك فيكفينا حديث رفع القلم عن الصبي ، حيث إنّ مفاده : اختصاص الخطابات بالبالغين ، فغير البالغ غير مشمول للأحكام ، من غير فرق بين المتعلّقة منها بالموضوعات البسيطة أو المركّبة ، فكما أنّ خطاب الحجّ مثلاً متوجّهٌ نحو البالغ المستطيع الظاهر في لزوم فعليّة كلا القيدين في تعلّق الوجوب ، فلا تنفع الاستطاعة السابقة الزائلة عن البلوغ فكذلك الخطاب بالزكاة متوجّهٌ نحو البالغ المالك سنة ، فلا تنفع الملكيّة السابقة على البلوغ ، فإنّها في حكم العدم ، إذ الحديث المزبور بمثابة التقييد في دليل الزكاة كغيرها من أدلّة الأحكام ، فكأنه (عليه السلام) قال : أيُّها البالغون إذا ملكتم سنةً وجبت عليكم الزكاة. الذي مقتضاه : عدم تأثير للملكيّة السابقة في تعلّق هذا الحكم ، لعدم كونه مخاطباً آن ذاك بشي‌ءٍ بعد افتراض اختصاص تشريع الأحكام وتقنين القوانين بالبالغين. إذن لا مقتضي لضمّها بما بعد البلوغ بتاتاً.

(١) بل يكفي البلوغ حين التعلّق كما لا يخفى ، لخروجه وقتئذٍ عن موضوع اليتيم ، فتشمله الإطلاقات من غير معارض.

(٢) لحديث رفع القلم (١) ، كما تقدّم في الصبي (٢) ، فإنّهما من وادٍ واحد ، حيث إنّ مفاده : أنّ قلم التشريع لم يوضع على المجانين كما لم يوضع على الصبيان.

__________________

(١) الوسائل ١ : ٤٥ / أبواب مقدّمة العبادات ب ٤ ح ١١ ، ولكنّه كغيره ممّا اشتمل على المجنون ضعيف السند.

(٢) في ص ٥.

١٤

.................................................................................................

______________________________________________________

وقد ورد في غير واحد من النصوص أنّه تعالى خاطب العقل فقال له : أقبِل فأقبَل ، ثمّ قال له : أدبِر فأدبَر ، فقال تعالى : بك أُثيب وبك أُعاقب (١). ومن ثمّ كان العقل من الشرائط العامّة ، وكان تشريع الأحكام ومنها الزكاة خاصّاً بالعقلاء.

وعليه ، فالأمر المتعلّق بها الوارد في الكتاب والسنّة متوجّهٌ إلى خصوص العاقلين بطبيعة الحال ، فإنّه وإن لم يرد نصٌّ خاصٌّ في المقام يحتوي على نفي الزكاة عن المجنون كما ورد مثله في الصبي وأنّه «ليس على مال اليتيم زكاة» كما تقدّم (٢) إلّا أنّ النتيجة هي النتيجة بعد ملاحظة حديث نفي القلم عن المجنون ، فبناءً على جواز التمسّك بحديث الرفع كما مرّ في الصبي (٣) جاز التمسّك به في المقام أيضاً بمناطٍ واحد. ومعه لا حاجة إلى بعض التكلّفات التي هي مصادرات ، كما ذكره في الجواهر (٤).

هذا من حيث التكليف.

وأمّا من ناحية الوضع ، فقد تقدّم أنّ الحديث يشمله أيضاً كالتكليف (٥) ، ومع الغضّ فلا إطلاق لدليل الوضع ليتمسّك به ، ضرورة عدم كون مثل قوله (عليه السلام) : «فيما سقته السماء العشر» إلّا في مقام بيان المقدار فحسب ، فهو ناظر إلى ثبوت الوضع في مورد وجوب الزكاة ، والمفروض أنّ الوجوب خاصّ بالعقلاء ، فلا مجال للتمسّك بإطلاقه لإثبات تعلّق الزكاة بمال المجنون.

هذا ، مضافاً إلى ورود روايتين في المقام ، إحداهما مؤكّدة للمطلوب ،

__________________

(١) الوسائل ١ : ٣٩ / أبواب مقدّمة العبادات ب ٣.

(٢) في ص ٧.

(٣) في ص ٥.

(٤) جواهر الكلام ١٥ : ٢٨ ٣٠.

(٥) راجع ص ٦.

١٥

في تمام الحول أو بعضه ولو أدواراً (١).

______________________________________________________

والأُخرى مؤيّدة.

فالأُولى : صحيحة عبد الرّحمن بن الحجّاج ، قال : قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : امرأة من أهلنا مختلطة ، أعليها زكاة؟ «فقال : إن كان عمل به فعليها زكاة ، وإن لم يعمل به فلا» (١).

والثانية : رواية موسى بن بكر المرويّة بطريقين ، قال : سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن امرأة مصابة ولها مال في يد أخيها ، هل عليه زكاة؟ «قال : إن كان أخوها يتّجر به فعليه زكاة» (٢).

وهي ضعيفة بمحمّد بن الفضيل في أحد الطريقين ، لتردّده بين الثقة وغيره ، وبسهل بن زياد في الطريق الآخر.

نعم ، موردهما هو المال الصامت ظاهراً ، أعني : الذهب والفضّة ، لقيام التعارف الخارجي على الاتّجار بهما غالباً ، إلّا أنّه لا يبعد عدم الفرق بين الصامت وغيره من هذه الجهة.

وكيفما كان ، ففيما عرفت من القواعد العامّة كفاية.

(١) إذ بعد أن كان موضوع الزكاة مقيّداً بالعاقل بمقتضى حديث الرفع الحاكم على جميع الأدلّة الأوّلية حسبما عرفت ، فإذا ضممنا ذلك إلى دليل اعتبار الحول أنتج اختصاص الخطاب بالعاقل المالك عاما ، فغير العاقل خارجٌ عن هذا الخطاب ولا أثر لملكيّته.

وعليه ، فلو جنّ في بعضه كان المقدار من الحول المتّصف هو فيه بالجنون

__________________

(١) الوسائل ٩ : ٩٠ / أبواب من تجب عليه الزكاة ب ٣ ح ١.

(٢) الوسائل ٩ : ٩٠ / أبواب من تجب عليه الزكاة ب ٣ ح ٢.

١٦

بل قيل (*) : أنّ عروض الجنون آناً ما يقطع الحول (١).

______________________________________________________

ملغياً وفي حكم العدم ، كما مرّ نظيره في الصبي (١) ، فلا بدّ إذن من استئناف الحول ممّا بعده.

وهذا من غير فرق فيه بين الإطباقي والأدواري ولو كان عاقلاً عند نهاية السنة ، فإنّه بعد أن لم يكن في دور الجنون مخاطَباً بالزكاة فبطبيعة الحال لا يحسب ذاك الدور من الحول ، إذ لا يصدق كون المال عنده بما هو عاقل حولاً كاملاً.

وممّا يؤكّد ذلك : اقتران الزكاة بالصلاة في كثير من الآيات الشريفة ، كقوله تعالى (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ*) (٢).

وقد صرّح بالتلازم بين الأمرين في صحيحة يونس بن يعقوب ، قال : أرسلتُ إلى أبي عبد الله (عليه السلام) : إنّ لي إخوة صغاراً فمتى تجب على أموالهم الزكاة؟ «قال : إذا وجب عليهم الصلاة وجب عليهم الزكاة» (٣).

وحيث إنّ المجنون لا تجب عليه الصلاة حال جنونه ولو أدواراً كالصغير ، فكذا لا تجب عليه الزكاة.

وعليه ، فلا مجال لما نُسِبَ إلى بعض الأكابر من وجوب الزكاة في الجنون الأدواري.

(١) إذا كان زمان الجنون قليلاً جدّاً كساعة ونحوها فهل حكمه حكم العاقل في تمام السنة في وجوب الزكاة عليه؟

__________________

(*) صحّة هذا القول غير بعيدة.

(١) راجع ص ١٣.

(٢) النمل ٢٧ : ٣ ، لقمان ٣١ : ٤.

(٣) الوسائل ٩ : ٨٥ / أبواب من تجب عليه الزكاة ب ١ ح ٥.

١٧

لكنّه مشكل ، بل لا بدّ من صدق اسم المجنون وأنّه لم يكن في تمام الحول عاقلاً ، والجنون آناً ما بل ساعة وأزيد لا يضرّ ، لصدق كونه عاقلاً.

______________________________________________________

أو أنّ الحول ينقطع ولا بدّ من استئنافه بعد زوال الجنون ، كما هو الحال في زوال الملكيّة بلا إشكال ، حيث إنّ العين الزكويّة لو خرجت عن الملكيّة أثناء الحول ولو آناً ما ثمّ عادت بإرثٍ ونحوه ، يعتبر وقتئذٍ احتساب حولٍ جديد ، ولا ينضمّ ما قبله بما بعده جزماً ، فهل المقام أيضاً كذلك؟.

استشكل فيه الماتن ، بل قوّى الاحتمال الأوّل ، نظراً إلى عدم قدح الفصل اليسير في الصدق العرفي ، فإنّه يطلق عليه لدى العرف أنّه عاقل في تمام الحول ، فتشمله الإطلاقات.

ولكنّه كما ترى في غاية الإشكال ، لعدم ابتناء التحديدات الشرعيّة على المساهلات والمسامحات العرفيّة حسبما هو مذكور في موارد كثيرة من الفقه ، مثل : عدّة الوفاة والمسافة الشرعيّة والكرّ وأيّام الاعتكاف وأقلّ الحيض ، ونحو ذلك ممّا لا يتسامح فيه بعد وضوح المفهوم ، بل يراعَى كمال التدقيق في مقام التطبيق ، لعدم الدليل على حجّيّة نظر العرف في هذه المرحلة.

ومن ثمّ يحكم ببطلان العقد بل الحرمة الأبديّة مع العلم فيما لو تزوّجت قبل انقضاء العدّة ولو بساعة ، وبانفعال ما نقص عن الكرّ ولو بغرفة ، وبعدم التقصير فيما دون المسافة ولو بخطوة ، وهكذا. مع ضرورة صدق تلك العناوين بالنظر العرفي ، توسّعاً وتسامحاً منهم في مقام التطبيق ، غير أنّه لم ينهض أيّ دليل على اتّباعه بعد اتّضاح حدود المفهوم من حيث السعة والضيق.

نعم ، قد يرى العرف توسّعاً في نفس المفهوم ، فيكون الانطباق حينئذٍ من باب انطباق المفهوم الواسع ، لا من باب المسامحة في التطبيق ، وهذا كما في

١٨

.................................................................................................

______________________________________________________

مفهوم الحنطة والشعير ، فإنّ العرف يرى سعة المفهوم وشموله للمشتمل على الخليط من ترابٍ ونحوه غير المنفكّ عنه في الخارج غالباً ، ولا يخصّه بالخالص الذي هو فردٌ نادرٌ جدّاً.

ومن ثمّ كان المناط في النصاب بلوغ الخليط وإن كان الخالص بعد التصفية ناقصاً عنه ، كما أنّه لو باع منّاً من الحنطة تحقّق التسليم بدفع المخلوط بالمقدار المتعارف.

ومن هذا القبيل : ما تقدّم في مبحث الإقامة من صلاة المسافر (١) ، من أنّ مفهوم الإقامة في البلد عشرة أيّام مفهومٌ واسع عرفاً يعمّ البلد وضواحيه ، من أجل قيام العادة على أنّ المقيم في البلد لا يقتصر على الإقامة داخل السور ، بل يخرج أحياناً للتنزّه أو لتشييع الجنائز أو زيارة القبور ، ونحو ذلك ممّا لا يضرّ بصدق كونه مقيماً في البلد عرفاً.

وعلى الجملة : فكلّ توسعة عائدة إلى تشخيص المفهوم ومعرفة حدوده وجوانبه كان نظير العرف فيه متّبعاً ، وكان الصدق حينئذٍ حقيقيّا عرفيّاً وإن لم يكن دقّيّاً ، وليس من المسامحي في شي‌ء ، وكلّ توسعة مبنيّة على التسامح في التطبيق بعد معرفة المفهوم فلا يُصغى إليها ولا حجّيّة فيها وإن أقرّ عليها العرف.

ومقامنا من هذا القبيل ، ضرورة أنّ مفهوم الحول كالشهر في العدّة وعشرة أيّام في الإقامة واضحٌ ومبين لا تردّد فيه ، وأنّه لا يكاد يشمل الناقص عنه ولو ساعة ، فإذا عُلِّقَ عليه وجوب الزكاة فكان الموضوع من كان عنده المال حولاً واحداً وكان المراد به العاقل البالغ لا ذات المالك كما مرّ وقد نقص عن الحول فجنّ ولو ساعة ، فطبعاً لم يكن المال عنده بما هو عاقلٌ حولاً كاملاً ، ومعه لا مناص من الاستئناف.

__________________

(١) شرح العروة (كتاب الصلاة ٨) : ٢٧١ ٢٧٥.

١٩

الثالث : الحرّيّة ، فلا زكاة على العبد وإن قلنا بملكه (١).

______________________________________________________

فلا فرق إذن بين كثرة الزمان وقلّته ، بل ينقطع الحول على التقديرين حسبما عرفت.

(١) وقع الكلام بين الأعلام في أنّ العبد هل يملك وإن كان محجوراً وممنوعاً عن التصرّف إلّا بإذن مولاه ، لكونه : كَلّاً لا يقدر على شي‌ء؟

أو أنّه لا يملك أصلاً وكلّ ما في يده من الأموال فهي لمولاه؟

والصحيح هو الأوّل ، لاستفادته من الروايات الواردة في الأبواب المتفرّقة التي منها المقام في نصوص عديدة مضمونها أنّه : لا زكاة في مال المملوك (١).

فإنّ الظاهر منها : أنّ النفي لجهة مملوكيّة المالك ، كالصغر والجنون المانعين عن تعلّق الزكاة ، فعدم الوجوب مستندٌ إلى وجوب المانع وهو المملوكيّة لا عدم المقتضي وهو المالكيّة إذ هو خلاف الظاهر جدّاً من مثل تلك العبارة ، فإنّه قد فرض أنّ له مالاً ، وبعد فرض الموضوع نفي عنه الزكاة ، لا أنّه من باب السالبة بانتفاء الموضوع ، وإلّا لما اختصّ بالمملوك ، بل كلّ من لا مال له فلا زكاة عليه ، كما هو ظاهر جدّاً.

ومنها : ما ورد في باب الإرث من انتقال مال العبد إلى مولاه دون أقاربه (٢) ، وأنّ الرقّ لا يرث ولا يورث (٣) ، فلو لم يكن العبد مالكاً فما معنى انتقال ماله إلى مولاه وكونه وارثاً له؟! بل هو مال المولى حقيقةً ، لا أنّه يرثه وينتقل إليه ، ونحو ذلك من سائر الموارد.

__________________

(١) الوسائل ٩ : ٩١ / أبواب من تجب عليه الزكاة ب ٤.

(٢) الوسائل ٢٦ : ٦١ / أبواب موانع الإرث ب ٢٤.

(٣) الوسائل ٢٦ : ٤٣ / أبواب موانع الإرث ب ١٦.

٢٠