الإيمان والكفر وآثارهما على الفرد والمجتمع

عباس ذهبيات

الإيمان والكفر وآثارهما على الفرد والمجتمع

المؤلف:

عباس ذهبيات

المحقق: المترجم:
الموضوع : علم‌النفس والتربية والاجتماع الناشر: مركز الرسالة المطبعة: ستاره ISBN: 964-8629-76-5
نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

Description: F:Book-LibraryENDQUEUEIman-Kofrimagesimage001.gif

١

٢

Description: F:Book-LibraryENDQUEUEIman-Kofrimagesimage002.gif

٣

٤

مقدمة المركز

الحمدُ لله ربِّ العالمين ، والصلاة والسلام علىٰ رسوله الأمين محمد المصطفىٰ وآله الطيبين الطاهرين.

لم يعد الحديث عن الإيمان حديثا تكرارياً ، ولا خطاباً « رجعياً » كما كان يذاع من قبل الدعوات المادية وهي في ذروة تصاعدها وفي طور التأسيس لكياناتها المستقلّة ، لم يعد كذلك بعد أن وجدت هذه الدعوات نفسها مضطرة إلىٰ استعارة الكثير من قيم الإيمان ومبادئه السامية.. ذلك حين أثبتت لها تجارب الحياة ان دعوتها المادية إنّما هي « مثالية » من نمط آخر ، إذ أنها كانت تريد أن تصنع انساناً غير هذا الانسان ، أو أنها كانت تظنّ ان ما جاءت به الأديان إنّما هو محض خرافة ، فلمّا عركتها التجارب أدركت بأنّها غارقة في خيال بعيد حين خيل إليها إنّ الإنسان ما هو إلاّ كتلة من اللحم والدم والعظام التي يجب أن تعيش في إطار هذه المكونات ، ولأجلها وحسب ، فمن الطبيعي ان تهزم مثل هذه الأفكار أمام طبيعة الإنسان الثنائية التي لا يمكن الغاء إحدى قطبيها بحال من الأحوال.. فلم يعد الإيمان إذن حديث خرافة انما هو حديث طبيعة الإنسان وطبيعة الحياة أيضاً.

ومن ناحية أُخرىٰ ، عندما ندقق النظر ، نجد أن القرآن الكريم حين تحدث عن الايمان ، فقد تحدث عنه في أبعاد متعددة ، ولم يجعله حديثاً تأنس به الروح في يومها من أجل أن تطمئن لغدها ، اُنساً صوفياً وحسب.

لقد تحدث القرآن عن الإيمان كقضية فرد يرجو لقاء ربه والفوز في الحياة الآخرة : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ).

( أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ ) ، ( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ ).

وتحدّث عنه كقضية مجتمع وأُمّة ، لها دورها الأكبر في تقرير مصيرها الحضاري

٥

ووجودها علىٰ الأرض : ( وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا ).

( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ).

وتحدث عنه قيما إنسانية عالية كفيلة بصنع المجتمع الأمثل : ( تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ).

هذه هي صورة الإيمان وحقيقته ، وهذه هي أبعاده ، فليس هو اُنساً صوفياً يحبس المرء في صومعته ، ولا هو مجرّد دعوىٰ تلجُّ بها الألسن أيضاً ، بل هو الآفاق الشاسعة التي تتعلق بالفكر والسلوك والنظم والعلائق الإنسانية بأسرها ، وهي آفاق واسعة جداً يضيق المدلول اللغوي لكلمة ( الإيمان ) عن ضبطها وحصرها ، فضلاً عن احتوائها. ولهذا كان الإيمان سراً في نهضة أُمم وازدهارها ، وكان الكفر سرّاً في انهيارها وضياعها.

إذن ، حينما ندرس الإيمان والكفر ، فلسنا ننهمك في مداعبة الروح وتخديرها بالآمال ، ولا تخويفها بالأهوال ، كما قد يتخيل البعض بنظرة تبسيطية سطحية ، وإنّما ندرس في الواقع معادلات الحياة البشرية كلّها ، والتي يشكل الفرد والمجتمع أبرز محاورها.

وإذ يولي مركزنا هذا الموضوع اهتمامه من خلال هذا الاصدار فهو لا يدعي أنه قد وفىٰ لهذا الموضوع حقّه واستوعب جوانبه وإن ألقىٰ المزيد من النور علىٰ حقائقه الكبرىٰ ، لا لأجل توسيع آفاق المعرفة بهذا الموضوع ، أو تثقيف العقول برصيده الفكري الضخم فحسب ، وإنّما لأجل أن تستحيل تلك المعرفة إلىٰ طاقة محركة وقوة دافعة تصبغ الواقع الإنساني في اطار الضمير والشعور بصبغة محاور الإيمان النقية الخيرة ، وتتمثل في حياة الفرد والمجتمع نظاماً وخلقاً.

والله تعالىٰ هو المستعان ، وهو الهادي إلىٰ سواء السبيل

مركز الرسالة

٦



المقدِّمة

الحمدُ لله الذي حبَّبَ الإيمان لعباده ، وزيّنَهُ في قلوبهم ، وكَرَّهَ إليهم الكُفر والفُسوقَ والعصيانَ. والصلاة والسلام علىٰ منار المؤمنين وقبلتهم ومبير الكافرين وأعوانهم أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين ، وبعد..

لا يخفىٰ أنَّ الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله هو ذروة العقيدة الحقّة وسنام الدين الأعلىٰ ، مما ينبغي علىٰ المسلمين في كل عصر وجيل أن يكون ( الإيمان ) هو المقياس الحقيقي للتفاضل بينهم بعيداً عن جميع الاعتبارات الاُخرىٰ التي لم يعطها كتاب الله العزيز قيمة ولا وزناً ، وهو ليس شعاراً يرفعه من يشاء ، وإنما هو سلوك وأدب وخلق وممارسة تتجسد في حياة الفرد بالحرص الشديد علىٰ بغض كل شر وحب كل خير وبثه.

وإذا كان كل مولود يولد مؤمناً علىٰ الفطرة وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ، فإنّ هذا المبدأ الاستعدادي للإيمان منذ الوهلة الاُولىٰ لكلِّ مولود جديد غير كافٍ للوصول إلىٰ الغاية الواضحة التي رسمها القرآن الكريم للإيمان ما لم يقترن ذلك الاستعداد بتربية صحيحة وتوجيه سديد وتعليم متقن ، وإلاّ فلا بدَّ من اهتزاز المثل الإيمانية الرفيعة التي تؤدي إلىٰ انحسار الإيمان الحق شيئاً فشيئاً إلىٰ أن ينسحب ظله من النفوس لا قدّر الله.

٧

ولا أخال أحداً عاقلاً لا يعي ما للإيمان من دور فعّال في حياة الفرد والمجتمع ، فنظرة واحدة إلىٰ ما أحرزته الاُمم المتقدمة من انتصارات كبيرة في الأبعاد المادية كتسخيرها للطبيعة وتحقيقها تقدماً باهراً في الطب والتصنيع والاتصال ، تكفي شاهداً علىٰ ما نقول ، لأنَّ هذا التقدّم لم يؤثّر إيجابياً في حياتها النفسية ، فلم تجد الطمأنينة والأمن النفسي بعد ، ولم تذق طعم السلام إلىٰ اليوم ، وتنتاب أفرادها موجة من الشك والقلق والخوف من المستقبل ، تدفعهم إلىٰ الهروب من الحياة أو الانتحار الذي أصبح ظاهرة ملفتة للنظر في المجتمعات الغربية ، لذلك أخذ علماؤها ومفكروها يدقون أجراس الخطر.

كما لم يؤثّر التقدم المادي المشهود في أبعادها الخُلقية إذ يلاحظ كثرة وتنوع مظاهر الفساد في أكثر البلدان وتفشي ظاهرة الجريمة والشذوذ وتعاطي المخدرات علىٰ أوسع نطاق. وفوق ذلك لم يحدث تطور في تصور الإنسان عن غاية الوجود وأهداف الحياة الإنسانية.

والمثير في الأمر بروز مظاهر جديدة للكفر تقف وراءها مؤسسات عملاقة أخذت تحارب الإسلام وتحاول النيل من مبادئه والحط من مكانة ومصداقية رموزه.

وأخذت دائرة الكفر تتسع بظهور جماعات تنتشر في كافة القارات ، وتدعوا ـ علناً ـ لعبادة الشيطان ! ، وقد أوجدت لهذه الغاية طقوساً خاصة وأماكن مخصصة ، مستفيدة من أحدث وسائل الاتصال لنشر أفكارها الهدّامة ، لذلك وجدنا الحاجة ماسة للحديث عن قضية الإيمان والكفر ، ونعتقد أنها من القضايا الحيوية الأولية التي يجب إعطاءها ما تستحقه من أهمية.

٨

صحيح أنّ هناك من تضيق عدسة الرؤية لديه ، ولا يرغب في الحديث عن الإيمان والكفر ، ويرىٰ أنها قضية جانبية هامشية ، وأنّ في الدّنيا قضايا حياتية أهم. ولكن غاب عن هؤلاء أنّها من القضايا المصيرية التي يتوقف عليها مصير الفرد والمجتمع معاً. خصوصاً وأنّ الإيمان مصدر خير للبشرية ، وأنّ الكفر مصدر شرٍّ لها عبر تاريخها الطويل ، فقد كبّل عقول الناس بالخرافات والأساطير وحط من أخلاقهم وحال دون رقيهم ، كما جلب لهم الخصام والتنازع ولم يذوقوا طعم السلام.

ولأجل بيان ما يلزم بيانه ، قسّمنا البحث علىٰ فصول أربعة وخاتمة ، آملين أن تسهم في تشخيص معالم الكفر والإيمان وبيان أثرهما علىٰ الفرد والمجتمع كخطوة مباركة ـ إن شاء الله ـ في دعم فطرة الإنسان الاولىٰ وتقويتها وصيانتها والحفاظ عليها من مغبة الانزلاق في مسالك الحياة المادية مع الأخذ بيد المؤمنين إلىٰ ما يقوي إيمانهم ويرفعه درجات.

ومنه تعالىٰ نستمد العون والتوفيق

٩
١٠



الفصل الأول

الإيمان وعلامات المؤمن

المبحث الأول : معنىٰ الإيمان ومسمّاه :

أصل الإيمان : الاذعان إلىٰ الحقِّ علىٰ سبيل التصديق له واليقين. ولكنه صار اسما لشريعة سيدنا محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١).

واختلفوا في مسمىٰ الإيمان في العرف الشرعي.

فقد ذهب المعتزلة والخوارج والزيدية وأهل الحديث إلىٰ أنّ الإيمان اسم لأفعال القلوب والجوارح مع الاقرار باللسان. وأنّ الإيمان يتناول طاعة الله ومعرفته مع ما جعل الله تعالىٰ عليه دليلاً عقلياً أو نقلياً في الكتاب والسُنّة المطهّرة. وأنّ الاخلال بواحد من هذه الاُمور كفرٌ.

وذهب أبو حنيفة والأشعري إلىٰ أنّ الإيمان يحصل بالقلب واللسان معاً.

وهناك فريق ثالث يرىٰ أنّ الإيمان عبارة عن الاعتقاد بالقلب فقط. وتبلور عنه اتجاه يحصر الإيمان في نطاق ضيق هو معرفة الله بالقلب حتىٰ

______________

١) الذريعة إلىٰ مكارم الشريعة ، للراغب الاصفهاني : ١٠٠ مكتبة الكليات الازهرية ـ مصر ١٣٩٣ هـ ط ١.

١١

أنّ من عرف الله ثم جحد بلسانه ومات قبل أن يقرّ به فهو مؤمن كامل الإيمان.

وبالمقابل برز فريق رابع يرىٰ أنّ الإيمان ـ حصراً ـ هو الإقرار باللسان فقط.

وتبلور عنه اتجاه يرىٰ أنّ الإيمان هو إقرار باللسان ولكن بشرط حصول المعرفة في القلب (١).

ولكن التدبر في آيات القرآن الكريم يكشف حقيقة أُخرىٰ للإيمان بعيدة عن كلِّ ما تقدم ، وهي أنّ الإيمان ليس مجرد العلم بالشيء والجزم بكونه حقاً ، لأنَّ الذين تبين لهم الهدىٰ لم يردعهم ذلك عن الارتداد علىٰ أدبارهم ولم يمنعهم من الكفر والصد عن سبيل الله ومشاققة الرسول كما في قوله تعالىٰ : ( إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ... إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَىٰ ) (٢) ومنهم من أضله الله علىٰ علم (٣).

فالعلم إذن لا يكفي وحده في المقام ما لم يكن هناك نوع التزام بمقتضاه وعقد القلب علىٰ مؤداه بحيث تترتب عليه آثاره ولو في الجملة.

ومن هنا يظهر بطلان ما قيل : أنّ الإيمان هو العمل ، وذلك لأنّ العمل يجامع النفاق ، فالمنافق له عمل ، وربما كان ممن ظهر له الحق ظهوراً

______________

١) التفسير الكبير ، للفخر الرازي ١ : ٢٣ ، ٢٥ الجزء الثاني.

٢) سورة محمد ٤٧ : ٢٥ و ٣٢.

٣) كما في سورة الجاثية ٤٥ : ٣٣ ( وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَىٰ عِلْمٍ ).

١٢

علمياً ، ولا إيمان له علىٰ أي حال (١).

وفي هذا الخصوص ، وردت أحاديث كثيرة عن أهل البيت عليهم‌السلام تعكس التصور الإيماني الصحيح وفق نظرة شمولية ترىٰ أنّ الإيمان هو عقد بالقلب وقول باللِّسان وعمل بالاركان.

سُئل أمير المؤمنين عليه‌السلام عن الإيمان ، فقال : « الإيمان معرفة بالقلب ، وإقرار باللسان ، وعمل بالأركان » (٢).

وقال الإمام الباقر عليه‌السلام في معرض تفريقه بين الإسلام والإيمان : « الإيمان إقرار وعمل والإسلام إقرار بلا عمل » (٣).

ويؤكد الإمام الصادق عليه‌السلام علىٰ قاعدة التلازم بين القول والعمل في تحقق مفهوم الإيمان ، فيقول : « ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ، ولكن الإيمان ما خلص في القلوب وصدّقته الأعمال » (٤). وعن سلام الجعفي قال : سألت أبا عبدالله عليه‌السلام عن الإيمان فقال : « الإيمان أن يطاع الله فلا يعصىٰ » (٥).

ويتضح من خلال تلك الأحاديث ونظائرها أنّ أهل البيت عليهم‌السلام قد رفضوا كون الإيمان مجرد إقرار باللسان ، أو اعتقاد بالقلب ، أو بهما معاً ؛ لأنه فهم سطحي قاصر ، إذ هكذا إيمان لا روح فيه ولا حياة ، ما لم يقترن ______________

١) تفسير الميزان ، للعلاّمة الطباطبائي ١٨ : ٢٥٩ مؤسسة الأعلمي ـ بيروت ١٣٩٣ هـ ط ٢.

٢) نهج البلاغة ، صبحي الصالح : ٥٠٨ / حكم ٢٢٧.

٣) تحف العقول : ٢٩٧.

٤) تحف العقول : ٣٧٠.

٥) اُصول الكافي ٢ : ٣٣ / ٣ كتاب الإيمان والكفر.

١٣

بالطاعة المطلقة لله وتنفيذ ما أمر والنهي عما زجر كل ذلك في دائرة الوعي والسلوك والعمل.

هذا ، وتبلغ دائرة الإيمان أقصىٰ اتساع لها في جواب الإمام الصادق عليه‌السلام علىٰ سؤال عجلان أبي صالح عندما سأله عن حدود الإيمان ، فقال عليه‌السلام : « شهادة أن لا إله إلاّ الله ، وأنَّ محمدا رسول الله ، والإقرار بما جاء به من عند الله ، وصلاة الخمس ، وأداء الزكاة ، وصوم شهر رمضان ، وحجّ البيت ، وولاية وليّنا ، وعداوة عدّونا ، والدخول مع الصادقين » (١).

وهكذا نجد أنّ مفهوم الإيمان في مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام يتجاوز دائرة الاعتقاد المنسلخ عن السلوك ، ويرتكز علىٰ رؤية موحدة ومترابطة تذهب إلىٰ أنّ الاعتقاد القلبي متقدم رتبياً علىٰ الإقرار اللفظي ، ولا بدَّ من أن يتجسد هذا الاعتقاد وذلك الإقرار في سلوك سوي. ثم إنّ كلّ تفكيك بين الإيمان وبين العمل يفتح الباب علىٰ مصراعيه أمام النفاق والمظاهر الخادعة والدعاوى الباطلة. وعلى هذا الأساس قال الإمام الصادق عليه‌السلام : « الكفر إقرارٌ من العبد فلا يُكلف بعد إقراره ببيّنة ، والإيمان دعوىٰ لا يجوز إلا ببيّنة وبينته عمله ونيته » (٢).

فالإمام عليه‌السلام في هذا الحديث يضع ميزاناً دقيقاً للإيمان يرتكز في أحد كفتيه علىٰ الباطن الذي تعكسه نية الفرد وانعقاد قلبه علىٰ الإيمان ، وفي الكفة الاُخرىٰ يرتكز علىٰ الظاهر الذي يتمثل بعمله وسلوكه السوي الذين يكونا كمرآة صافية لتلك النية.

______________

١) اُصول الكافي ٢ : ١٨ / ٢ كتاب الإيمان والكفر.

٢) اُصول الكافي ٢ : ٤٠ / ٨ كتاب الإيمان والكفر.

١٤

ومن هنا يؤكد الأئمة عليهم‌السلام علىٰ أنّ الإيمان كل لا يتجزأ ، ويرتكز علىٰ ثلاث مقومات : الاعتقاد والإقرار والعمل.

فعن أبي الصلت الهروي ، قال : سألت الرضا عليه‌السلام عن الإيمان ، فقال عليه‌السلام : « الإيمان عقد بالقلب ولفظ باللسان ، وعمل بالجوارح ، ولا يكون الإيمان إلاّ هكذا » (١).

تأمل جيداً في العبارة الأخيرة من الحديث « ... ولا يكون الإيمان إلاّ هكذا » فهي خير شاهد علىٰ النظرة الشمولية غير التجزيئية للإيمان التي تتبناها مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام.

ولم تنطلق تلك النظرة من فراغ ، أو جرّاء التأثر بالمدارس الكلامية ، وإنما هي ربانية التلقي نبوية التوجيه ، قال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « الإيمان والعمل شريكان في قرن ، لا يقبل الله تعالىٰ أحدهما إلاّ بصاحبه » (٢).

ثم إنّ هذه النظرة الشمولية للإيمان ـ بمقوماتها الثلاثة ـ تستقي من منابع قرآنية صافية ، يقول العلاّمة الراغب الاصفهاني : « والإيمان يُستعمل تارة اسماً للشريعة التي جاء بها محمد عليه الصلاة والسلام وعلىٰ ذلك : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ ) (٣) ويُوصف به كلُّ من دخل في شريعته مُقراً بالله وبنبوَّته ، قيل وعلى هذا قال تعالىٰ : ( وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ ) (٤) وتارةً يستعمل علىٰ سبيل المدح ويُراد

______________

١) معاني الاخبار : ١٨٦ باب الإيمان والإسلام.

٢) كنز العمال ١ : ٩٥ / ٤٢٢.

٣) سورة الحج ٢٢ : ١٧.

٤) سورة يوسف ١٢ : ١٠٦.

١٥

به إذعانُ النَّفس للحقِّ علىٰ سبيل التصديق وذلك باجتماع ثلاثة أشياء : تحقيقٌ بالقلب ، وإقرار باللِّسان ، وعمل بحسب ذلك بالجوارح ، وعلىٰ هذا قوله : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ) (١).

وإن قال قائل : إنَّ الله سبحانه قال : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ) (٢) والعطف دليل التغاير ، ومعنىٰ هذا أنَّ العمل ليس جزءاً في مفهوم الإيمان. قلنا في جوابه : المراد بالإيمان هنا مجرَّد التصديق تماماً كقوله تعالىٰ حكاية عن إخوة يوسف : ( وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ) (٣) أمّا أكمل الإيمان فهو أن يعمل حامله بموجب إيمانه ، ويؤثره علىٰ ميوله وأهوائه ويتجشم الصعاب من أجله لا لشيء إلاّ طاعة لأمر الله (٤).

وصفوة القول إنّ الإيمان برنامج حياة كامل ، لا مجرد نية تُعقد بالقلب ، أو كلمة تقال باللِّسان بلا رصيد من العمل الايجابي المثمر.

ونخلص إلىٰ القول بأنّ للايمان مرتبتين ، تعني الاُولىٰ منهما : التصديق بقول « لا إله إلاّ الله محمد رسول الله » وهذا هو الحد الأدنىٰ من الايمان ، وهو الايمان بمعناه الأعم الذي يصدق علىٰ كل من دخل في دين الإسلام مقراً بالله وبنبوة سيدنا محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

______________

١) مفردات ألفاظ القرآن ، للراغب الاصفهاني : ٢٦ المكتبة المرتضوية. والآية من سورة الحديد ٥٧ : ١٩.

٢) سورة البقرة ٢ : ٨٢.

٣) سورة يوسف ١٢ : ١٧.

٤) في ظلال الصحيفة السجادية ، للشيخ محمد جواد مغنية : ١٨١.

١٦

فيما يراد بالمرتبة الثانية من الإيمان ما هو فوق التصديق من الاقرار باللسان والعمل بالاركان ، أي التزام مبادىء الشريعة الإسلامية وأحكامها ، من أداء الواجبات والعمل بالطاعات وتجنب المنكرات والشبهات ، وهذا هو الايمان الممدوح في القرآن والسُنّة.

وهذه المرتبة الاخيرة من الايمان هي التي ستكون محل الاهتمام في هذا الكتاب ، دون المرتبة الاُولىٰ.

المبحث الثاني : حقيقة الإيمان :

إنَّ حقيقة الإيمان في هذا الوجود هي أكبر وأكرم الحقائق. لم تدركها النفوس عن طريق دائرة الحس الضيقة ، فليست هي بحقيقة مادية تُدرك بالحواس المعروفة ولكن هي حقيقة معنوية علوية تدركها القلوب السليمة ، فتأخذ النفوس من أقطارها ، وتظهر ثمارها الطيبة نظافة في الشعور ورفعةً في الأخلاق واستقامة في السلوك.

تلك الحقيقة التي تتجسد في نفوس المؤمنين من خلال مظاهر عديدة ، يمكن الاشارة إلىٰ أبرزها اهتداءً بقبس من نور النبوة وحماة منهجها ، وهي :

أولاً : التسليم لله تعالىٰ والرِّضا بقضائه : يقول الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « إنَّ لكلِّ شيء حقيقةً وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتىٰ يعلم أنَّ ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه » (١).

______________

١) كنز العمال ١ : ٢٥ / ١٢.

١٧

فالمؤمن حقاً هو الواثق بالله تعالىٰ وحكمته المستسلم لقضائه ، والمتقبل لما يجيء به قدر الله في اطمئنان أياً كان.

روى الصدوق ; بسنده عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه لقي في بعض أسفاره ركب فقال : « ما أنتم ؟ قالوا : نحن مؤمنون ، قال : فما حقيقة إيمانكم ؟ قالوا : الرّضا بقضاء الله والتسليم لأمر الله والتفويض إلىٰ الله تعالىٰ فقال : علماء حكماء كادوا أن يكونوا من الحكمة أنبياء ، فإن كنتم صادقين فلا تبنوا ما لا تسكنون ، ولا تجمعوا ما لا تأكلون واتّقوا الله الذي إليه ترجعون » (١).

فالرِّضا بقضاء الله والتسليم لأمره من أعلىٰ مظاهر الإيمان وهما من أبرز الخصال التي يتصف بها الأنبياء ، ومن يتمسك بها يرتقي إلىٰ قمة الهرم الإيماني ويكون قد حصل علىٰ لباب العلم وجوهر الحكمة.

وفي هذا الصدد قيل لأبي عبدالله عليه‌السلام بأي شيء يعلم المؤمن أنّه مؤمن ؟ قال عليه‌السلام : « بالتسليم لله والرِّضا بما ورد عليه من سرور أو سخط » (٢).

ثانياً : الحب في الله والبغض في الله : وهو من أبرز المظاهر العاطفية التي تعكس حقيقة الإيمان ، فحينما يؤثر الإنسان ـ علىٰ ما يحبه ويهواه ـ ما يحبه الله تعالىٰ ويرضاه ، وحينما يكون غضبه للّه لا لمصلحته الخاصة ، فلا شك أنّ هذا الشعور العاطفي العالي يكون مصداقاً جلياً علىٰ عمق إيمانه ومصداقيته. ولذا ورد عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لا يجد العبد حقيقة الإيمان حتىٰ يغضب لله ، ويرضىٰ لله ، فإذا فعل ذلك فقد استحق حقيقة

______________

١) معاني الاخبار ، للصدوق : ١٨٧ باب معنى الإسلام والإيمان.

٢) اُصول الكافي ٢ : ٦٢ / ١٢ كتاب الإيمان والكفر.

١٨

الإيمان » (١). وعن الإمام الصادق عليه‌السلام : « لا يبلغ أحدكم حقيقة الإيمان حتى يحب أبعد الخلق منه في الله ، ويبغض أقرب الخلق منه في الله » (٢).

ثالثاً : التمسك المطلق بالحق : يقول أمير المؤمنين عليه‌السلام : « إنَّ من حقيقة الإيمان أن تؤثر الحقّ وإن ضرّك علىٰ الباطل وإن نفعك » (٣).

إنَّ ترجيح كفة الحق الضار علىٰ كفة الباطل النافع ما هي إلاّ مظهراً من مظاهر قوة الإيمان الراسخ في أعماق النفس المؤمنة.

رابعاً : حب أهل البيت عليهم‌السلام هو أحد الحقائق الهامة التي تميز الإيمان الصادق عن الزائف ، عن زر بن حبيش قال : رأيت أمير المؤمنين عليه‌السلام علىٰ المنبر فسمعته يقول : « والذي فلق الحبة وبرء النسمة ، أنه لعهد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلي أنه لا يحبك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق » (٤).

وعن جابر بن عبدالله بن حزام الأنصاري قال كنا عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذات يوم جماعة من الأنصار فقال لنا : « يا معشر الأنصار بوروا أولادكم بحب علي بن أبي طالب فمن أحبه فاعلموا أنه لرشدة ومن أبغضه فاعلموا أنه لغية » (٥).

وعن أبي الزبير المكي قال : رأيت جابراً متوكئاً علىٰ عصاه وهو يدور في سكك الأنصار ومجالسهم وهو يقول : « علي خير البشر فمن أبىٰ فقد ______________

١) كنز العمال ١ : ٤٢ / ٩٩.

٢) تحف العقول : ٣٦٩.

٣) الخصال ، للشيخ الصدوق : ٥٣.

٤) الارشاد ، للشيخ المفيد : ٢٥.

٥) الارشاد ، للمفيد : ٢٧. وبوروا بمعنىٰ : اختبروا.

١٩

كفر ، يا معاشر الأنصار أدبوا أولادكم علىٰ حب علي فمن أبىٰ فانظروا في شأن أُمه » (١).

وأورد الثعلبي في تفسيره ونقله عنه الزمخشري في الكشّاف ، والقرطبي المالكي في الجامع لأحكام القرآن ، والفخر الرازي في التفسير الكبير قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « من مات علىٰ حب آل محمد مات شهيدا ، ألا ومن مات علىٰ حب آل محمد مات مغفوراً له ، ألا ومن مات علىٰ حب آل محمد مات تائباً ، ألا ومن مات علىٰ حب آل محمد مات مؤمناً مستكمل الإيمان ، ألا ومن مات علىٰ حب آل محمد بشّره ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير ، ألا ومن مات علىٰ حب آل محمد يزّف إلىٰ الجنة كما تزف العروس إلىٰ بيت زوجها ، ألا ومن مات علىٰ حب آل محمد فتح له في قبره بابان إلىٰ الجنة ، ألا ومن مات علىٰ حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة ، ألا ومن مات علىٰ حب آل محمد مات علىٰ السُنّة والجماعة.

ألا ومن مات علىٰ بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوباً علىٰ عينيه آيس من رحمة الله ، ألا ومن مات علىٰ بغض آل محمد مات كافراً ، ألا ومن مات علىٰ بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة » (٢).

فالإمام علي عليه‌السلام وأهل بيته رمز الإيمان وعلامة الطهر وعليه فمن أحبهم فقد وجد في قلبه حقيقة الإيمان ، فهم مصابيح الدجىٰ وأعلام

______________

١) أمالي الصدوق : ٧١.

٢) الكشاف ٣ : ٤٦٧. وانظر التفسير الكبير ٢٧ : ١٦٥ ـ ١٦٦. والجامع لأحكام القرآن ١٦ : ٢٣.

٢٠