غاية المسؤول في علم الأصول

السيّد محمّد حسين بن محمّد علي الشهرستاني

غاية المسؤول في علم الأصول

المؤلف:

السيّد محمّد حسين بن محمّد علي الشهرستاني

المحقق: المترجم:
الموضوع : أصول الفقه الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
نسخة غير مصححة

كتاب غاية المسؤل في علم الاصول

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله الّذي شيّد دعائم الإسلام بقوانين الدّين المبين ونوّر معالمه بلمعة من هداية المسترشدين والصّلاة على من أرسل لإيضاح مناهجه وبيان ضوابطه منتهى التبيين محمّد خاتم النبيّين وآله مفاتيح الحكم ومصابيح الظلم وأنوار المستوحشين سيّما باب مدينة العلم وأساس السّكينة والحلم أمير المؤمنين عليهم صلوات ربّ العالمين إلى يوم الدّين (وبعد) يقول الرّاجي عفو ربّه السّني محمّد حسين بن محمّد علي الحسيني الشهرستاني عفا الله عنهما إنّ هذا غاية المسئول ونهاية المأمول من علم الأصول كم حوت من تحقيقات شريفة هي عمدة أفكار المتقدّمين وتدقيقات لطيفة هي نبذة أنظار المتأخّرين ودقائق نكات فلمّا تنبّه لها أفهام المتبحّرين يظهر لمن تعمّق النّظر فيها فتلطف لا لمن قصر فهمه عنها فتكلّف كتبته حين قراءتي على الحبر الوحيد المتبحّر الفريد الأستاذ الفاضل والعالم العامل أبو الفضائل والفواضل قطب فلك التحقيق ومركز دائرة التّدقيق سمي جديّ وأحد السّبطين المولى الأردكاني محمّد حسين أدام الله على رءوس العالمين ظله الظليل أبد الآباد وأقام عليه أيادي نعمه إلى يوم التّناد بمحمّد وآله الأمجاد وسميّته (غاية المسئول) ونهاية المأمول ورتّبته ككتب القوم على مقدّمة وأصول وبالله أستعين إنّه خير معين

مقدمة

أصول الفقه اسم للعلم الخاصّ وله اعتباران علمي وإضافي وذكرهما في المقام ليعلم وجه المناسبة بين المنقول إليه والمنقول عنه ولنقدم

تعريفه

بالمعنى العلمي ليفيد الإضافي حين ذكره فائدة أصل الكلام بخلاف ما إذا قدم الإضافي فإنّه لا يفيد حين ذكره فائدة إذا المقصود بالذات هو المعنى العلمي فهو يفيد حين ذكره فائدة بخلاف الإضافي وقولنا المعنى العلمي يراد به مقابل الإضافي

١

لا العلم الاصطلاحي للخلاف في أنّ الأسماء العلوم أعلام شخصيّة أو أعلام جنسيّة أو أسماء أجناس وهذا مبنيّ على أنّ المسمّى هل هو المسائل أو الملكة والتّصديق فعلى الأوّل يكون علم شخص إذ المسائل أشخاص معينة مخصوصة لا يقال إنّ المسائل تتزايد كلّ يوم لأنّا نقول إنّ جميعها معينة مخصوصة في الواقع وإن كان التفات الواضع إلى جميعها بالعنوان الإجمالي وعلى الأخيرين يكون علم جنس أو اسم جنس فإن لوحظ الموضوع له بقيد الحضور الذّهني فهو علم جنس وإلاّ فاسم جنس وهذا يعلم من معاملتهم معه معاملة المعارف والنكرات فعلى الأول يكون علما وإلاّ فلا قيل الحق إنّها ليست أسماء للمسائل كما سيأتي فينتفي احتمال كونها أعلاما شخصيّة وأنّهم يعاملون معها معاملة النكرات من إدخال أل والإضافة والوصف بالجمل وغير ذلك من صفات النكرات وهكذا أسماء الكتب إلاّ أنّ احتمال العلمية الشخصيّة فيها منتفية قطعا إذ لم يوضع لفظ المعالم مثلا للكتاب المشخّص الجزئي الحقيقي وإلاّ لكان إطلاقه على غير النّسخة الأصلية إطلاقا على غير الموضوع له بل هو موضوع لنوع النقش المخصوص بملاحظة دلالتها على الألفاظ أو لنوع الألفاظ المدلول عليها بالنّقوش وهكذا الموضوع ليس لفظ المعالم المخصوص بل الموضوع أيضا نوع لفظ المعالم وإلاّ لكان إطلاقه من غير واضعه لا حقيقة ولا مجازا إذ ليس موضوعا وهما تابعان للوضع لا يقال ينافي ذلك عدم استعمال النّوع وعدم وجوده لأنّا نقول الاستعمال الخاصّ هو عين إيجاد النّوع والفرد إنّما يكون بعد الاستعمال فردا فالاستعمال والإيجاد إنّما يتعلقان بالنّوع لا بالفرد فافهم فنقول قد عرف بأنّه العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة الفرعيّة ولنتكلم في أمور يوجب تحقيق المرام الأوّل قد ذكروا أنّه لا يمكن تعريف العلوم بالحدّ قبل إتمامها وتعاريف العلوم كلها رسميّة والمراد بالحد التعريف بالذاتي لا ما يطلق عليه في اصطلاح الأصوليّين أي التعريف الجامع والمانع ووجه عدم إمكان ذلك بأنّ ذاتي العلم ومسائله ولا يمكن تعريف العلم بها إلاّ بعد المعرفة بها وهي لا تمكن إلاّ بعد تعلّمها بالتمام والكمال حتّى يعلم جميع مسائلها وفيه أولا أنّه يكفي في التّعريف التصوّر بل هو معنى التّعريف لا التّصديق فإن أردت بعدم إمكان معرفة المسائل قبل الشروع التّصديق بها فمسلّم لكن لا يحتاج في التعريف إلى التّصديق بالذّاتي وإن أردت منه التّصور فممنوع لإمكان تصور جميع مسائل العلم قبل الشروع فيه وهو واضح وثانيا أنّه لا يتمّ بناء على جعل المسمّى هو الملكة أو التّصديق وثالثا أنّ هذا إنّما نشأ من الخلط بين الجوهر والجوهري والعرض والعرضي وذلك لأنّ الجوهر عبارة عن

٢

الموجود لا في موضوع والعرض هو الموجود في الموضوع والجوهري عبارة عن الداخل في حقيقة الشيء والعرضي عبارة عن الخارج عن حقيقة الشيء فقد يكون الجوهر عرضيّا كالصّورة للهيولى فإنّها خارجة عن حقيقته وقد يكون العرض جوهريّا كهيئة السرير بالنّسبة إلى مفهوم مسمّى السّرير فإنّها عرض لكن داخل في حقيقة مفهوم السّرير إذا عرفت ذلك فنقول إنّ العلوم كلّها مشتركة في معنى هو الإدراك وليس لها مميّز ذاتيّ وإنّما امتيازها بامتياز العوارض ومتعلّقات العلم فتعريف العلوم بمتعلقاتها بالنّسبة إلى حقيقة ذلك العلم رسم وتعريف بالعارض لكن بالنّسبة إلى مفهوم المسمّى لذلك اللّفظ جوهري ذاتي فإن كان التعريف ناظر إلى حقيقة العلم كان رسما وإن كان ناظرا إلى مسمّى اللّفظ كان حدّا لفظيّا إذا لم يكن تعريفا بالغاية والفائدة وإلاّ كان رسما من كلّ جهة إذا الغاية أو الثمرة ليست جوهريّا بالنّسبة إلى مفهوم المسمّى أيضا إذ ليست مأخوذة في الموضوع له فتعريف الأصول رسم قطعا وإن جاز إطلاق الحدّ على تعريف الكلام مثلا بأنّه العلم الباحث عن أحوال المبدإ والمعاد والحكمة بأنّه العلم بحقائق الأشياء بقدر الطّاقة البشريّة الثاني في ذكر قيود التعريف المذكور فنقول قد اشتمل التّعريف على قيود ومقتضى النظم والترتيب أن يخرج بكلّ قيد منه ما لم يخرج من سابقه قال في المعالم وخرج بقيد الأحكام العلم بالذوات واعترض عليه في القوانين بأنّ الذّوات قد خرجت بقيد الشّرعية ولكن خرج بقيد الأحكام العلم بالماهيّات كمسألة الحقيقة الشرعيّة ونظائرها ربما ذكرنا من التّرتيب الطبيعي عرفت عدم ورود الإيراد على المعالم فإنّ خروج الذّوات بقيد الشرعيّة لا ينافي خروجها بالأحكام أيضا فإنّ مقتضى النّظم أن يخرج بالقيد السّابق كلما يخرجه فإن بقي شيء جيء بالقيد اللاّحق لإخراجه فخرج بقيد الأحكام الذّوات والماهيات مثلا وبقي الأحكام الغير الشّرعية فخرج بقيد الشّرعية والحاصل أنّه يجب الإخراج بالقيد اللاحق ما بقي بعد القيد السّابق لا أن يخرج بالقيد السّابق ما يبقى بعد القيد اللاّحق وأورد على القوانين بأنّ إخراج الماهيات بقيد الأحكام فاسد إذ المراد من استنباط الماهيّات بالقواعد إمّا التصديق بها فلا يخرج بالأحكام إذا الحكم عبارة عن النّسب الخبريّة كما صرّح به وإمّا قصورها فهو باطل إذ القواعد عبارة عن القضايا والمجهولات التصوّرية إنّما تكتسب من المعلومات التصوّرية لا من المعلومات التصديقية كذا قيل وفيه نظر إذ ليس المراد استنباط الماهيات أو الأحكام من القواعد الممهّدة بل المراد أنّ وجه تمهيد تلك القواعد استنباط الأحكام أو الماهيّات من غير تلك القواعد ومن الظاهر أنّ الحكم الشرعي لا يستنبط من مسألة أنّ الأمر للوجوب بل إنّما مهّدت هذه المسألة ليستنبط

٣

الحكم من قوله تعالى (أَقِيمُوا الصَّلاةَ) كما أنّ تمهيد مسألة المعرّف في المنطق إنّما هو لاستنباط المجهولات التصوّرية من المعلومات التصوريّة مع أنّ مسائل المعرّف كلّها قضايا مثل أنّه يشترط أن يكون مساويا وأجلى ولا يجوز بالأعمّ وغير ذلك وحينئذ فلا يلزم أن يكون استنباط التصوّر من التّصديق كما ذكره المعترض فالأولى في الاعتراض أن يقال إنّه إن أريد التصديق بالماهيّات فلا يخرج بقيد الأحكام وإن أريد تصوّرها فليس ما مثل به قاعدة ممهّدة لاستنباط تصوّر الماهيات فإنّه مثل بالحقيقة الشرعية وهو فاسد فإنّ المبحوث عنه فيها إنّما هو أن الألفاظ المستعملة في المعاني المستحدثة الموضوعة لها في زمان المتشرّعة هل كانت موضوعة لها في زمان الشّارع أو لا ولا يخفى على امرئ أنّ المطلوب فيها التّصديق لا تصوّر الماهيّة فالحق أن القواعد الممهّدة لاستنباط الماهيات أي التّصديق بها داخلة في الأصول لصدق التعريف عليه ولا ضرر في دخولها فلنرجع إلى تحقيق المطلب فنقول قد خرج بالقواعد العلم بالجزئيّات وبالممهّدة ما لم يمهد أصلا كقاعدة الكل أعظم من الجزء وكل نار حارّة ونحو ذلك وو بقيد الاستنباط ما مهد للاستنباط كالمسائل الكلامية فإنّها مقصودة بذاتها لا للاستنباط شيء وبالأحكام المنطق إذ ليس ممهّدا لخصوص استنباط الأحكام لاستنباط التّصورات منه أيضا وبالشرعيّة العقليّة وبالفرعيّة الأصوليّة كذا ذكروا (أقول) ويرد على التّعريف أنّ مقتضاه عدم كون الأصول علما برأسه بل يكون تابعا لاعتبار المعتبرين إذ المراد بالتمهيد ليس تمهيد شخص خاصّ بل كلما مهده الشّخص للاستنباط يكون أصولا فلو ذكر شخص في كتابه جميع مسائل النحو والصّرف والبيان والمنطق وغير ذلك بقصد الاستنباط يجب أن يكون أصولا لا يقال إن المراد الممهّدة بتمهيد أئمة الفنّ لأنّا نقول المسائل والقواعد الأصوليّة تتزايد يوما فيوما ويظهر ذلك من اختلاف الكتب الأصولية في ذكر المسائل وأيضا يرد على التعريف وشموله للقواعد الفقهيّة مثل أنّ كل عقد يجب الوفاء به فإنّها قاعدة كلية مهدت لاستنباط الأحكام الشرعيّة وهي أنّ عقد المعاطاة يجب الوفاء به وهكذا سائر العقود فإن القاعدة عبارة عن قضية كليّة يستنبط منها أحكام جزئيّات موضوعها وسيجيء تحقيق المطلب عند ذكر الموضوع وهناك يعلم أنّ الأصول علم أو لا وهل له تعريف صحيح أو لا الثّالث في وجه المناسبة بينه وبين المعنى الإضافي وهو متوقّف على فهم المعنى الإضافي فنقول إنّه مركّب من المضاف والمضاف إليه والإضافة ولنتكلّم في كلّ منها أمّا الكلام في المضاف فنقول الأصول جمع أصل وهو في اللّغة عبارة عما يبتني عليه الشيء وفي اصطلاح الأصوليّين يطلق على الأمور الأربعة الدّليل والقاعدة والظاهر والاستصحاب وإطلاقه على كل واحد من هذه

٤

الأربعة ليس باعتبار رجوعه إلى الآخر بخلاف سائر الإطلاقات فإنّها ترجع إلى أحد الأمور الأربعة فإنّ قولهم أصالة الحقيقة معناه ظهور الحقيقة لا باعتبار أنّه يرجع إلى القاعدة وكذا أصالة العدم معناه استصحاب العدم لا باعتبار كونه قاعدة فافهم وأمّا الكلام في المضاف إليه فنقول الفقه في اللّغة الفهم إمّا مطلقا أو مع جودة الذّهن وغير ذلك ممّا هو مذكور في كتب اللّغة وفي الاصطلاح عرّف بأنّه العلم بالأحكام الشرعيّة الفرعيّة عن أدلّتها التفصيلية والمراد بالعلم التّصديق لا الإدراك المطلق إذ الفقه منحصر في التّصديقات والحكم عبارة عن النسبة الخبرية قيل ويلزم منه خروج الإنشاءات عن الفقه فالمراد النسب الجزئية وفيه أنّ الإنشاءات ليست من الفقه قطعا لما عرفت أنّ الفقه عبارة عن التصديق ولا يتعلّق التصديق بالإنشاءات إلاّ باعتبار ما تضمّنت من النسب الخبرية مثل قوله تعالى (أَقِمِ الصَّلاةَ) فإنّه لا يتعلق التّصديق به إلاّ باعتبار ما تضمّنه من أنّ الصّلاة واجبة والنّسب الجزئية إن أريد مقابل مفهوم النسبة فالقيد لغو لأنّه ظاهر أن ليس العلم بمفهوم النسبة فقها وإن أريد الجزئية الاصطلاحيّة فهي عبارة عن قضيّة كان موضوعها جزئيا والقضايا الفقهيّة كلها موضوعها كلي ولا يحكم في الفقه على الموضوعات الجزئية لفظ والشرعيّة يحتمل وجوها ثلاثة أحدها أن يكون المراد به ما صدر من الشارع فعلا والثّاني أن يكون معناه ما من شأنه أن يؤخذ من الشارع والثالث أن يكون معناه ما يمكن أن ينسب إلى الشارع من حيث إنّه شارع والأوّل مستلزم لخروج الأحكام العقلية مع أنّه داخل في الفقه إذا العقل أحد الأدلّة والثاني مستلزم لخروج مسألة وجوب النظر في المعجزة عن الفقه إذ ليس من شأنها أن يؤخذ من الشارع لاستلزامه الدّور مع أنّه واجب شرعا فالمراد هو المعنى الثالث لإمكان أن ينسب ذلك إلى الشّارع من حيث إنّه شارع وخرج بقيد الحيثيّة مثل الحكم بأن مشي الإنسان أبطأ من مشي الفرس لإمكان نسبة هذا الحكم إلى الشارع لكن لا من حيث أنّه شارع والفرعيّة معناها المنسوب إلى الفرع والمراد به الحكم الّذي كان الموضوع فيه عمل المكلف أو يفهم منه حكم عمل المكلف بلا حاجة إلى خطاب آخر فالأوّل كالأحكام التكليفيّة والثاني كالوضعيّة فإنّ قوله الكلب نجس يعلم منه وجوب الاجتناب عنه الّذي هو حكم شرعي لعمل المكلّف بخلاف مثل الكتاب حجّة إذ لا يفهم منه حكم العمل إلاّ بضميمة قوله تعالى (أَقِمِ الصَّلاةَ) مثلا فافهم وعن أدلتها إمّا متعلّق بالعلم أو بالأحكام باعتبار قيد المستنبطة وعلى أيّ تقدير فإمّا المراد به الأدلّة المعهودة أو لا فإن كان المراد به الأدلة المعهودة كان قيد التفصيليّة لغوا وخرج علم المقلّد وعلم الله وعلم

٥

الأنبياء والملائكة إن تعلق الظّرف بالعلم بخلاف ما لو تعلق بالأحكام لأنّهم عالمون بالأحكام المستنبطة إلاّ أن يعتبر قيد الحيثيّة لأنّ علمهم بالأحكام المستنبطة ليس من حيث كونها مستنبطة وفيه أنّ أخذ الحيثيّة إنّما يثمر في أن العلم بالأحكام المستنبطة يلاحظ فيه جهة الاستنباط أيضا وهذا لا يقتضي أن يكون العلم ناشئا عن الدليل فإنّ قولنا علمت زيدا الفاضل من حيث إنّه فاضل أنّي أحضرته في الذّهن مع ملاحظة الفضل فيه لا أنّ فضله كان سببا لعلمي فافهم وإن أريد مطلق الأدلة خرج علم المقلد بقيد التّفصيلية لأن علمه إنّما هو من دليل إجمالي وهو أن هذا الحكم مما أفتى به المفتي وكلما أفتى به المفتي فهو حكم الله في حقي فهذا حكم الله في حقي وأورد عليه أمّا أوّلا فبأنّ علم المجتهد ناشئ من الدّليل الإجمالي بضميمة التفصيلي فإنّه إذا لاحظ الأدلة التّفصيلية وحصل له الظن بالحكم يرتّب القياس هذا ما ظننت أنّه حكم الله وكلما ظننت أنّه حكم الله فهو حكم الله في حقّي وحقّ مقلدي فهذا حكم الله في حقي وحق مقلّدي فإسناد العلم إلى الأدلة التفصيلية لا وجه له وأمّا ثانيا فبأنّ المقلد أيضا له دليل تفصيلي ودليل إجمالي وعلمه حاصل منهما فإنّه يلاحظ فتوى المجتهد في خصوص كلّ واقعة فهذا دليله التفصيلي ويضمّ إليه المقدمات المذكورة وهو الدليل الإجمالي فيحصل له العلم فما الفرق بين المجتهد والمقلّد في ذلك (أقول) الإيراد الثاني وارد ولا مدفع عنه مع عدم جعل المراد الأدلة وأمّا الإيراد الأوّل فقد يجاب عنه بأنّ علة الشيء إذا كان مركبا يجوز استناده إلى مجموع الأجزاء وإلى الجزء الأخير والأدلّة التفصيلية جزء أخير لعلة حصول العلم بالحكم إذ لا بدّ أوّلا من إثبات أن الكتاب حجّة مثلا ثمّ ملاحظته تفصيلا لاستنباط الأحكام منه ونظير هذا قيل في الجواب عما قيل إنّ الدّليل العقلي إن كان عبارة عمّا كان بجميع أجزائه عقليا فما وجه عدهم الاستصحاب من الأدلة العقلية مع أن حجيّته يثبت بالنقل عند القائلين بالظنون الخاصّة وإن كان عبارة عمّا كان بعض أجزائه عقليّا فما وجه عدم جعلهم الكتاب من الأدلة العقلية مع أنّ حجيّته تثبت بحكم العقل وحاصل الجواب أنّ المعتبر هو الجزء الأخير الّذي يتعاقبه الاستنباط وهو في الاستصحاب حكم العقل بالبقاء وفي الكتاب حكم النّقل بوجوب الصّلاة مثلا وفيه أنّ هذا الجواب لا يتمّ إذا كان العلم بالحجيّة متأخّرا عن العلم بالتّفصيل كما إذا اجتهد الكافر بطريقة الإسلام ثم أسلم فالأولى في الجواب أن يقال إن المراد بالأحكام الأحكام الخاصّة من حيث الخصوصية كوجوب الزكاة وحرمة الخمر ونحو ذلك وحجيّة الكتاب لا توجب العلم بالخصوصية بل العلم بالخاص من حيث الخصوصيّة لا يستنبط إلاّ من قوله تعالى (آتُوا الزَّكاةَ) و (حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ) ونحو ذلك فلا يجوز

٦

إسناد العلم بالخصوصية إلى المجموع ولا إلى الدّليل الإجمالي فافهم ولما علم مفردات التّعريف فلنتكلّم في أمور يحتاج إلى بسط الكلام الأوّل قد فسّر الحكم في التّعريف بخطاب الله المتعلّق بأفعال المكلّفين اقتضاء أو تخييرا أو وضعا والمراد من الأفعال والمكلفين الجنس ليشمل خصائص النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أيضا والقيود الثلاثة الأخيرة ليشمل الأحكام التكليفيّة والوضعيّة قيل إنّ تعريف الحكم المذكور في التّعريف بخطاب الله تعالى مستلزم لاتحاد الدّليل والمدلول إذا الكتاب من جملة الأدلة وهو أيضا خطاب الله تعالى إلاّ على مذهب الأشاعرة حيث قالوا بالخطاب النّفسي الّذي هو مدلول الخطاب اللّفظي وفيه أنه لم يعرّف الحكم بالخطاب إلاّ من ذهب إلى الخطاب النّفسي ولم يقل أحد إنّ الحكم عبارة عن الخطاب اللّفظي حتّى يرد عليه اتحاد الدّليل والمدلول ثمّ إنّه أجاب عن الإيراد بناء على عدم القول بالكلام النّفسي بأنّ الأحكام عبارة عن الخطابات المعلومة بالإجمال والأدلة خطابات مفصّلة فنحن نعلم أن لشرب الخمر قد ورد خطاب في الشريعة ونعلم تفصيله بقوله تعالى فاجتنبوه مثلا وفيه أنه لا يتمّ هذا الكلام في الجواب إذ يكون معنى التّعريف أن الفقه عبارة عن العلم بالخطابات المجملة عن الخطابات التفصيليّة فإن أريد العلم الإجمالي بالخطابات المجملة فهو لم يحصل من الأدلة بل هو معلوم بالضّرورة وإن أريد العلم التفصيلي بالخطابات المجملة فهو عين العلم بالخطابات المفصّلة لا أنه حاصل منها فإنّ معنى العلم التّفصيلي معرفة الشيء مفصّلا والخطابات المفصّلة عين المجملة والفرق إنما هو بالإجمال والتفصيل فالعلم التفصيلي بالخطابات المجملة عين العلم بالأدلة المفصّلة وهو يحصل بالنظر فإنّ من أراد أن يعلم شيئا بالتّفصيل ينظر فعلمه يحصل بالنّظر لا بالعلم التّفصيلي (فافهم) وأمّا على القول بالخطاب النّفسي فيرد أمور منها ما ذكره الفاضل القميّ رحمه‌الله من أنّ اللفظ كاشف عن المدّعى لا أنّه مثبت للدعوى ومعناه أنّ الخطاب اللفظي دالّ على مدلوله الّذي هو الكلام النّفسي لا أنّه دليل عليه والفرق بين الدّال والمدلول أنّ الأوّل يوجب تصوّر مدلوله والثّاني موجب للتّصديق بالمدعى ويظهر منه في الحاشية وجه آخر وهو أنّ الدليل عبارة عما يتوصّل بصحيح النّظر (فيه) إلى مطلوب خبري فيجب أوّلا تصوّر المطلوب الخبري ثم ترتيب المعلومات لتحصيله كما هو طريقة النّظر والكلام النّفسي لا يتصوّر إلاّ بعد ذكر الكلام اللّفظي فكيف يكون دليلا عليه وفيه أنّه لا يجوز أن يتصور أنّ في شرب الخمر مثلا خطابات نفسيّة ثم يستنبط تفصيلها بالخطابات اللّفظية فالأولى هو الوجه الأول إلاّ أنه قد أورد عليه بأنّ اللفظ وإن كان بالنّسبة إلى نفس المعنى دالا أنّه بالنّسبة إلى ثبوت المعنى في ذهن المتكلّم دليل بضميمة مقدمات أخر من كون المتكلم عاقلا غير عابث واللفظ موضوع للمعنى ولم ينصب القرينة فيجب أن يكون المعنى

٧

مراده فاللّفظ بالنّسبة إلى ثبوت المعنى في نفس المتكلّم الّذي قد يقال إنّه الكلام النفسي دليل لا دال فتأمّل (ومنها) أنّ الكلام النّفسي غير معقول وبيان هذه الدّعوى محتاج إلى بسط المقال فنقول قد ذكر الأشاعرة أنّ من جملة صفاته تعالى المتكلم ويشترط في صدق المشتق على شيء قيام المبدإ بذلك الشيء ومبدإ المتكلّم الكلام فيشترط في صدق المتكلّم عليه تعالى باعتبار إيجاده الصّوت القائم بالهواء لما قلنا من اشتراط قيام المبدإ بالموصوف وإلاّ لجاز إطلاق المتحرك عليه باعتبار إيجاده الحركة في الأفلاك وحينئذ فلا بد أن يكون معنى قائما بذاته تعالى ثم إنّ بعضهم قال إنّه عبارة عن مدلول الألفاظ وهذا لا يدفع المحذور لأنّ مدلول الألفاظ حادث كحدوثها فإنّ مدلول قال الله (إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ) لا يمكن أن يكون قديما لأنّه إخبار عن الماضي ولذا قال بعضهم إنّ الكلام معنى بسيط قديم قائم بذاته تعالى قابل للشئونات المختلفة من الأمر والنّهي والإخبار وغير ذلك باعتبار المتعلّقات والإضافات وقد يتمسّك لمذهبهم بأنّ الكلام لغة موضوع لمعاني الألفاظ أو للألفاظ المتصوّرة الذّهنية قبل النطق فإنّ النطق متأخّر عن تصوّر الألفاظ والكلام اسم لذلك ولذا قال الشاعر إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا فهو لغة اسم للنفسيّ لا للفظي (ثم) إنّهم بنوا على قولهم من اشتراط قيام مبدإ المشتق بموصوفه دعواهم أنّ صفاته تعالى مغايرة مع ذاته فإنّ صدق قيام شيء بشيء يستدعي تحقّق المغايرة بينهما واستدلّ الرّازي على هذا المطلب بوجوه لا بأس بذكرها لتعلّقها بالمقام (منها) القياس بهذا الترتيب ذاته تعالى غير معلوم لنا وصفاته تعالى معلومة لنا وغير المعلوم غير المعلوم فذاته غير صفاته (ومنها) أنّه لو لا المغايرة لكان قولنا الله عالم قادر بمنزلة الذات ذات فلم يكن للنزاع في ثبوت الصفات له تعالى معنى لبداهة كون الذات ذاتا (ومنها) أنّه لو لا المغايرة لكانت الصفات أيضا متّحدة لأنّها عين الذّات وحينئذ فيكون إثبات إحدى الصفات مغنيا عن إثبات البواقي لاتحادها (ومنها) أنّ صفاتها الثبوتيّة موجودات لا سلوب وإضافات والموجودات لا يمتاز أحدها عن الآخر إلاّ بالمغايرة هذا ما ذكروه في المقام ولا بدّ أوّلا من ذكر معنى الصّفة وأقسامها ليظهر ما هو الحق في المقام فنقول من المعلوم أن الصّفة غير الموصوف إذا الصّفة عرض والموصوف معروض لكن المغايرة على قسمين حقيقي وهو أن يكون الصّفة موجودة في الخارج بوجود مشتمل غير وجود الموصوف كالبياض للجسم والكتابة للكاتب ويسمّى الوصف الخارجي واعتباري وهو أن لا يكون لها وجود مستقل في الخارج غير وجود الموصوف بل لها منشأ انتزاع في الخارج وهو إمّا

٨

ذات الموصوف كالوجود للواجب فإن ذاته كاف في انتزاع الوجود منه وإمّا بواسطة ملاحظة حيثية من الحيثيّات الاعتباريّة كالوجود للممكن فإنّه ينزع منه بملاحظة حيثية الاستناد إلى العلّة لا من نفس ذاته وهذه الحيثيّة المذكورة قد تكون تقييديّة وقد تكون تعليلية لثبوت الوصف كالاستناد إلى العلة فإنّه علة لاتّصاف الممكن بالوصف وهذا لا دخل له بما يكون فيه الحيثيّة للحكم بالاتصاف لا لنفس الاتّصاف فإنه لا يستلزم حيثية أخرى زائدة ولو اعتبارا بل يكون نفس ملاحظة الاتصاف كافيا في الحكم به ومن هذا القسم صفاته تعالى الذاتية فإن حيثيّة انكشاف الأشياء له تعالى ليست علة لاتّصافه بوصف العلم بل هي علّة للحكم بالاتّصاف فالوصف فيه عين الموصوف وحينئذ فنقول لا كلام في الوصف الخارجي وأمّا الاعتباري فلا شبهة في أنّ الّذي ينتزع من نفس الذّات هو عين الموصوف فإنّ معنى العينيّة أنّهما ليسا موجودين بوجودين ومعنى الانتزاع أنّ العقل إذا لاحظ الشيء حكم بأنّه متّصف في الخارج بهذا الوصف الذّهني ولا ينافي ذلك عدم وجود الوصف في الخارج كالإمكان للشيء فإن العقل إذا لاحظ الإنسان حكم عليه بأنّه ممكن والإمكان ليس وصفا خارجيّا بل هو وصف ذهني ومع ذلك حكم به على الأمر الخارجي ومن الاعتباري المعقولات الثانية كالكلية والجزئيّة فإنّها وصف ذهني للأمور الذّهنية بشرط الوجود الذّهني وبهذا يفترق عما ذكرنا إذ يمكن فيه كون الموضوع فيه موجودا خارجيا كالإمكان وقد يقال إنّ القسم الّذي ينتزع فيه الوصف بواسطة الحيثية التّعليليّة الوصف فيه أيضا عين الموصوف كما قال الأشاعرة إنّ وجود الإنسان عين ماهيّته وفيه نظر فإنّ الحيثيّة التقييديّة أو التّعليليّة لا بدّ من اعتبارها مع الذات في انتزاع الصّفة وهي علة لها في الواقع أيضا وواسطة في الثبوت فكيف يكون الوصف فيه عين الموصوف ولا دخل له بقول الأشاعرة فإن مرادهم من عينيّة الوجود والماهيّة أنّهما ليسا بمنزلة السواد والجسم وهاهنا إشكال يرد على القول بعينيّة الأوصاف الاعتباريّة مع موصوفها وهو الإشكال الّذي ورد على القول بأن الإمكان وجودي وهو أنّ الإمكان ليس شيئا موجودا في الخارج بل هو موجود ذهني على القول بوجوده والذّهن مرآة الخارج وظلّ للموجودات الخارجيّة فإذا كان الشيء موجودا في الذّهن دون الخارج كان جهلا مركّبا ونظيره أورد في المقام فإن الوصف الاعتباري الموجود في الذّهن لو لم يكن موجودا في الخارج كان جهلا مركّبا وإن كان موجودا في الخارج كان غير الموصوف ولذا قال جماعة إنّ صفاته تعالى يراد منها سلب الأضداد فالمراد بكونه عالما أنّه ليس جاهلا وهكذا لأنّ الصّفة

٩

إن كانت موجودة في الخارج لزم التركيب في الخارج وإلاّ كان جهلا مركبا وأيّدوه بقوله تعالى وكمال توحيده نفي الصّفات عنه والجواب أن الذهن إن كان حاكيا عن الخارج ولم يطابقه كان جهلا مركبا وأمّا إن لم يكن حاكيا عن الخارج فلا يلزم فيه المطابقة للخارج بل يكفي فيه المطابقة لنفس الأمر ومعنى عدم الحكاية عن الخارج أنّه حكم عقلي الموجود الخارجي وصدقه إنما هو بالمطابقة لنفس الأمر فقولنا الإنسان ممكن معناه أنّ الإنسان محكوم بحكم العقل بالإمكان فصدقه مطابقته لنفس الأمر ولا يكفي المطابقة للذّهن لإمكان تصور الكواذب وبهذا نجيب عن الإشكال في المقام فإن ذاته تعالى بسيط من جميع الجهات لكن العقل يحكم باعتبار الحيثيّات بأحكام من كونه عالما قادرا بمعنى أنّ الذات الخارجي هو المنشأ لهذه الآثار بخلاف الممكنات فإنّ ذواتها ليست منشأ لهذه الصّفات بل بواسطة قوّة ذهنيّة موجودة معها في الخارج والصفة قد يراد منها المعنى المصدري ويطلق عليه الأثر بهذا الاعتبار وقد يراد منها المبدأ للأثر فعلى المعنى الأوّل معنى كون الصّفة عين الذّات أنّ الذّات هو المنشأ لهذه الآثار من دون حاجة إلى ضمّ ضميمة إليه وعلى المعنى الثاني معناه أن الذّات يترتّب عليه ما يترتب على هذه المبادي فافهم فلا يلزم تركيب في الذات ويظهر وجه اتحاد الصّفة والموصوف ولا يلزم الجهل المركب وهذا الجواب أحسن مما قيل إنّ صفة العلم والقدرة لانتزع من نفس الذّات حتّى يلزم التركيب بل إنما تنزع منه بواسطة الحيثيّات وملاحظة ترتب الآثار وإن كان ترتب الآثار ناشئا من نفس الذّات بلا واسطة لكن انتزاع مفهوم العالم مثلا إنّما هو من الذات مع ملاحظة ترتب الآثار عليه فالعلم ينتزع باعتبار ملاحظة المعلوم والقدرة باعتبار المقدور فليس منتزعا من الذات حتى يلزم التركيب وفيه أنّه يستلزم الفرق بين صفة الوجود والعلم مع أنّهم لم يفرقوا بينهما من حيث كونهما من صفات الذّات وإن فرقوا بينهما من جهة أخرى وهي أنّ الوجود من صفات الذات غير ذات الإضافة والعلم من صفات الذّات ذات الإضافة وفرق بين صفة الذّات ذات الإضافة وبين الصّفات الإضافيّة وهي صفات الفعل فإنّها إضافيّة لا بدّ في اعتبارها من ملاحظة الطرف المقابل كالأخوّة والأبوّة مثلا بخلاف العلم أو القدرة فإنّ معنى العلم ما به ينكشف الأشياء وهو في الممكن أمر زائد وهو الصّورة الحاصلة وفي الواجب هو الذات وكيف كان فهو شيء مستقل يلزمه تعلقه بشيء آخر فافهم والحاصل أنّهما ينتزعان من الذّات ومعنى الانتزاع حكم العقل بأنّ الذات منشأ لهذه الآثار ولا يلزم التركيب إذ لا يلزم أن يكون له وجود في الخارج كما عرفت ويؤيّد ما ذكرنا من أنّ الوجود في الذهن لا يستلزم الوجود في الخارج ما ذكره الشيخ في الإشارات من أنّ أجزاء حدّ

١٠

البسيط أجزاء لحدّه لا لقوامه وهو شيء نفرضه وأمّا هو في ذاته فلا جزء له وأمّا الحق فاعتقادنا فيه أنّه ليس مركبا من الأجزاء الخارجيّة وأمّا الأجزاء الذهنيّة فهي لم تثبت في الماهيّات المتأصّلة الممكنة فضلا عن الواجب إذ ما يعبرون به في حدودها يحتمل أن يكون من قبيل إطلاق صفة العلم والقدرة ونحوهما على الواجب فكما أن تلك الصفات مع تكثّرها لا توجب التركيب في الذات فكذا ما يعبرون به في الماهيّات انتهى مع أدنى تغيير وجه التأييد أنّ معنى ما ذكر هو أنّ أجزاء حد البسيط ليست أجزاء خارجيّة بل إنّما هي أجزاء ذهنيّة فيمكن فرض الجنس والفصل للبسيط إذ لا يلزم التركيب الخارجي ويمكن أن يكون المراد أن ما يذكر في حدود البسائط كالألوان مثلا إنما هو من العوارض واللوازم كغير البسائط فإنّ النّطق ليس من ذاتيات الإنسان بل هو كالضّحك وإنّما الذّاتي هو مبدؤه ومنشؤه وحاصل الكلام أن الصّفة إن كانت مطلقا بالمعنى المصدري فمعنى كونها عين الذّات أنّ الذّات هو مبدؤها ومنشؤها وإن كانت بمعنى المبدإ والصورة الحاصلة فمعنى كونها عين الذّات أنّ الذّات وحده يترتب عليه ما يترتب على الذّات مع المبدإ في الممكن وهو ظاهر لا إشكال فيه إنما الإشكال في الفرق بين صفات الذات كالعلم وصفات الفعل كالخلق إذ لو أريد مفهوم اللفظ فهو غير الذّات مطلقا قطعا وإن أريد المصداق والمبدأ فهو نفس الذّات في الجميع ويمكن الجواب بأنّ صفات الفعل معناها نفس الفعل كالخلق والرزق ونحوهما فإنّ فعل الشخص من صفاته هي لكونها أمرا اعتباريا منتزعا من تأثير العلة في المعلول لا يمتنع كونها زائدة على الذّات والكمال هو كون العلّة بحيث يترتّب عليه الآثار لا أصل نفس الفعل فلا يقدح حدوثه إذ لا يلزم النّقص في الواجب حين انتفائه بخلاف العلم والقدرة فإنّ المراد بهما المبدأ وهو نفس الذّات وأمّا أنّ المراد بالعلم هو المبدأ وبالخالق الذات باعتبار الفعل فهو ناظر إلى الأمر العرفي فإنّه تعالى وصف نفسه بالعالم والخالق فيرجع إلى اصطلاح القوم وهم يفهمون من العالم من له قوة العلم ومن الخالق الخلق الفعلي ولا مشاحة في الاصطلاح كذا أجاب بعضهم وما ذكرنا من عينيّة الصفات بالمعنى الّذي تقدّم هو مذهب الإماميّة والمعتزلة وهناك أقوال آخر لا بأس بالإشارة إليها منها مذهب الأشاعرة وهو أن علمه تعالى زائد على ذاته وموجود مستقل وصور مرتسمة في ذاته تعالى إلاّ أنّ العلم على قسمين أحدهما انتقاش صورة الشيء بعد رؤيته مثلا كالعلم بالشمس بعد رؤيتها والثّاني تصوّر الشيء قبل وجوده كما يتصوّر الفخار وصورة الكوز ويسمى الأوّل بالعلم الانفعالي والثّاني بالعلم الفعلي وعلمه تعالى من القسم الثّاني ومنها أنّ علمه ليس بالصّورة

١١

الحاصلة بل هو عبارة عن الأعيان الثابتة القائمة بذاتها الواسطة بين الموجودات والمقدمات وعلمه بها حضورها عنده تعالى لا بصورها كعلم الشخص بنفسه فإنّه ليس بالصورة بل بحضوره عنده إذ ليس الشخص فاقدا لنفسه ومنها مذهب الحكماء وهو أنّ علمه تعالى إنما هو بالصور الحاصلة في العقل الأوّل وعلمه بالعقل الأوّل حضوري لأنّه حاضر عنده بغير صورة ومنها ما ذكره بعضهم من أنّ علمه بالأشياء زائد على ذاته ولا يلزم تركّب الواجب فإنّه إنّما يلزم ذلك إذا كان علمه بالأشياء في مرتبة الذّات وليس كذلك فإنّه ثابت بواسطة علمه بذاته فإن علمه بذاته حضوري وذاته علة جميع الآثار فيستلزم علمه بذاته علمه بجميع آثار ذاته أيضا والكل فاسد أمّا إجمالا فبالإجماع وأمّا تفصيلا فبأنّهم قد ذكروا أن الواجب الوجود بالذّات من جهة يجب أن يكون واجبا من جميع الجهات إذ لو كان فيه جهة ممكنة لكانت محتاجة إلى علة ينتهي إلى الواجب وقد ثبت ببرهان التوحيد أنّ الواجب لا يتعدّد فيجب أن يكون علّة تلك الجهة نفس الواجب فيلزم أن يكون الواجب فاعلا وقابلا من جهة واحدة إذ المفروض أنّ تلك الجهة مأخوذة في الواجب وإن فرضت فيه الجهتين لزم التركيب في الواجب من جهة الفعل وجهة القبول وهو محال وبهذا يظهر أنّ كل صفة أمكن وجودها في الواجب بالإمكان العام وجب ثبوتها له وكونها عين الذّات إذ لو كانت ممكنة بالإمكان الخاصّ لاحتاج ثبوتها للواجب إلى علّة هي نفس الواجب فيلزم تركب الواجب من جهتي الفعل والقبول وقد يقرر هكذا لو كان في الواجب جهة إمكان لاحتاج ثبوتها وعدم ثبوتها إلى علة إذ هو معنى الممكن فيجب أن يكون الواجب معلولا في بعض جهاته إمّا لنفسه وهو مستلزم لتقدّم الشيء على النّفس أو لغيره وهو يقتضي الخروج عن الوجوب وقد يقدر بأن جهة الإمكان إن كانت معتبرة في جهة الوجوب خرج جهة الوجوب إلى الإمكان وإلاّ فلا معنى لجواز ثبوته للواجب إذ لا يجوز التغيّر في الواجب وكيف كان ظهر لك بطلان الأقوال الأخر إذ الأوّل مستلزم للتّركيب والثّاني غير معقول إلى الواسطة بين الوجود والعدم والثالث مستلزم للنقص إذ لم يجعل العلم في مرتبة الذات مضافا إلى أنّ علم العقل الأوّل لا بدّ له من علة تنتهي إلى علم الواجب وكذا الرابع فإنّه جعل العلم في غير مرتبة الذات فهو مستلزم لأن يكون في مرتبة الذات ناقصا وهو باطل بإجماع الأنبياء وأهل الملل والعقلاء وإقرار الخصم وعلم مما ذكرنا بطلان ما استدلّ به الرازي من الوجوه الأربعة أمّا الأوّل فبأنّ كنه الذات مجهول ومفهوم الصّفات معلوم وكنه الذّات غير مفهوم الصّفات كما ذكرنا وأمّا الثّاني فبأنّ النزاع يرجع إلى أنّ الذات هل ينتزع منها الصّفة الفلانية أو لا وبه يعلم بطلان الثالث أيضا فإن مصاديق الصّفات واحدة وأمّا المفاهيم فمتغايرة

١٢

والنزاع يرجع إلى جواز انتزاع هذا المفهوم من الذات وعدمه وأمّا الرّابع فبأنّ مصداق الصفات موجود وأمّا مفهوماتها فأمور اعتبارية متغايرة وهو لا يوجب تغاير المصداق بقي الجواب عن استدلال الأشاعرة بالمسألة اللغوية فنقول الجواب الإجمالي أنّه بعد ما قام الدّليل العقلي على أن صفاته تعالى عين ذاته نقول إنّ إطلاق المشتق عليه مجاز لغوي وأمّا الجواب التفصيلي فهو متوقف على فهم معنى المشتق والمبدإ وأنّه هل يشترط المغايرة بينهما وهل يشترط قيام المبدإ به أو لا فنقول قيل إنّ الذّات غير مأخوذة في المشتق بل المشتق عين المبدإ إلا أنّ المبدأ مأخوذ بشرط لا والمشتق مأخوذ لا بشرط كالفرق بين الجنس والمادة فإنّ الجسم إن لوحظ بشرط أن لا يكون معه شيء آخر بل كل ما فرض معه يكون خارجا عنه يكون مادة وإن لوحظ لا بشرط بحيث يجوز فرض شيء آخر معه داخل فيه فهو جنس ولهذا يجوز حمل الجنس على النوع ولا يجوز حمل المادة عليه فكذا نقول في المبدإ والمشتق وحينئذ يكون الفرق بينهما اعتباريّا كما ذكر المنطقيّون أنّ الفرق بين النّطق والناطق اعتباري وحينئذ فنقول الحمل عبارة عن اتحاد الوجودين ووجود العلم عين وجود العالم إذ ليس المراد وجود ذات العالم بل المراد وجود العالم بعنوان أنّه عالم فالوجودان متحدان فلا ضرر في حمل أحدهما على الآخر فيقال العالم علم وبالعكس إذا لاحظ المبدأ لا بشرط ولو كان الذات مأخوذا في المشتق فإمّا يكون المراد مفهوم الذات فيلزم أن يكون الفصل عرضيّا كالناطق فإنّ مفهوم ذات ثبت له النطق ليس ذاتيّا للإنسان وإمّا أن يكون المراد مصداق الذات فيلزم انقلاب الممكنة ضروريّة فإنّ قولنا زيد كاتب ممكنة ولو لوحظ مصداق الذّات لكانت ضرورية لضروريّة أنّ الذات ذات انتهى وفيه نظر لأن كلمات المنطقيين ليست بملاحظة اللغة وإنّما هي لبيان ما يتعلّق به غرضهم من الأجناس والفصول فإنّ كنه الفصول مما لا يدركه العقل وإنما يدرك ببعض الخواصّ النّاشئة منه فالمراد بالنطق الّذي هو الفصل مبدؤه الّذي هو غير مدرك بكنهه وقولهم الناطق متّحد مع المبدإ وجودا ليس المراد به مبدأ الاشتقاق بل المراد به مبدأ النطق وهو القوّة فليس له تعلق بالاشتقاق وأمّا انقلاب الممكنة فباطل لأن الذّات مع أخذ الكتابة فيه ليست بضروري الثبوت لزيد نعم الذات البحت ضروري الثبوت وهو ليس معنى المشتقّ فالحق أنّ الذّات مأخوذة في المشتق لغة ولكن المغايرة المفهوميّة كافية بين الذات والصّفة وهي المغايرة الذهنيّة كما سلف فافهم ولعلّك تسمع للمطلب زيادة توضيح في المباحث الآتية إن شاء الله تعالى الثاني أنّ المراد بالأحكام إمّا العموم فيلزم خروج أكثر الفقهاء بل كلهم وإن أريد البعض دخل المتجزي وأجيب أوّلا باختيار الشقّ الأوّل وهو أنّ المراد جميع الأحكام ولكن بحمل العلم على الملكة وثانيا باختيار

١٣

الثاني وهو أنّ المراد بعض الأحكام والتجزي إن قلنا باستحالته فلا إشكال وإن قلنا بإمكانه فإن كان علمه حجة فلا ضرر في دخوله وإلاّ فإن كان التّعريف للفقه مطلقا أعمّ من الصحيح والفاسد فلا ضرر في دخوله أيضا وإن كان للفقه الصّحيح ورد الإشكال ويمكن أن يجاب بخروجه بقيد العلم بالأحكام لما يأتي أنّ المراد الأحكام الظّاهريّة والمتجزي لا علم له بالحكم الظاهريّ إذ ليس حجّة في حقّه واعترض على المجيب بوجوه أحدها أنّ جعل العلم بمعنى الملكة باطل لوجوه منها أنّ الملكة لا تتعدّى بالباء فلا معنى لأن يقال الملكة بالأحكام ومنها أنّ ملكة الأحكام لا تحصل من الأدلّة بل من الممارسة والمزاولة إلاّ أنّ يجعل الظّرف متعلقا بالأحكام ومنها أنّ أسماء العلوم ليست أسماء للملكات بل لنفس المسائل أو لإدراكها ومنها أنّ إرادة الملكة مستلزمة لسبك المجاز عن المجاز بضميمة ما يقال إن المراد من العلم هو الظن لأنّ أكثر الأحكام ظنيّة فيكون استعمال العلم في ملكة الظنّ من قبيل سبك المجاز عن المجاز والثّاني أنّ تسليم دخول المتجزي بناء على إرادة البعض لا وجه له مطلقا لأنّ المراد ليس البعض مطلقا بل المراد القدر المعتدّ به فالمتجزّي إن لم يعلم القدر المعتدّ به فقد خرج وإن علم به وكان حجّة فلا وجه لإخراجه وإلاّ فليس بداخل لأنّ المراد الجزم بالحكم الظّاهري ولكن يلزم على هذا خروج من ليس له العلم بالقدر المعتدّ به وإن كان له ملكة الكلّ وهذا غير بعيد بل هو كذلك وإن كان تحقق هذا الفرض بعيدا أقول أمّا قوله الملكة لا تتعدى بالباء فيمكن دفعه بأنّ المراد ملكة الظنّ وأمّا قوله إنّ الملكة تحصل بالممارسة فيدفع بتعلّق الجار بالأحكام وأمّا قوله إنّ أسماء العلوم ليست أسماء للملكات فهو محلّ إشكال وفيه أقوال ثلاثة أحدها أنّها أسماء للملكات والثّاني أنها أسماء لجميع المسائل والثالث أنّها أسماء للمسائل المعروفة وأمّا المتجدّدة فراجعة إليها ويشكل الأوّل بأنّه يلزم عليه صحّة إطلاق الفقيه على من لم يعرف مسألة من الفقه فعلا ولكن كان له القوة والملكة وليس كذلك والثاني بأنّه يلزم عليه أن لا يطلق الفقيه على أحد إذ لا يعرف جميع المسائل إلاّ الله والثالث بأنّه إنما يتمّ إرجاع المسائل المتجدّدة إلى المعروفة عند اتحاد موضوع المسألتين وأمّا عند اختلافهما فلا كما لو كان المعروف من مسائل النحو أنّ الفاعل مرفوع فلا يمكن إرجاع المفعول منصوب إليه إذ لا ربط بينهما فيلزم أن لا يكون من النحو ويمكن دفع الإيراد الثاني بالتسليم بأن يقال إنّ الفقه اسم للعلم بالجميع فلا أحد يعلم الفقه بل كلّ فقيه فهو عالم ببعض الفقه فيكون الفقه علم شخص للمسائل إذ لا جامع بين المسائل المختلفة حتى يكون اسم جنس أو علم جنس ولكن إذا تعقب بالعلم أو أطلق على إدراك المسائل كان المراد أعم من بعض

١٤

المسائل وكلها فلو علم بعض المسائل صدق عليه الفقيه بهذا المعنى كما لو علم الجميع وكيف كان فلهذا الإشكال وجه وأمّا قوله إنّ إرادة الملكة مستلزمة لسبك المجاز عن المجاز فنقول عليه إنّ سبك المجاز عن المجاز أقسام أحدها ما هو المعروف من أن يستعمل اللّفظ في معنى مجازيّ ومنه في مجاز آخر بالنسبة إلى ذلك المعنى المجازي والثاني أن يستعمل اللّفظ في معنى لمناسبته مع المعنى المجازي من دون أن يكون له مناسبة مع المعنى الحقيقي ولو بالواسطة ولا ريب في فساد هذين القسمين والثالث أن يستعمل في معنى مناسب للمعنى المجازي بحيث يحصل المناسبة بينه وبين المعنى الحقيقي بواسطة تلك المناسبة كاستعمال الأسد في زيد لمناسبة مع الشجاع المناسب للأسد في الشجاعة والرابع أن يستعمل في المجاز المناسب ويراد المجاز الغير المناسب بادّعاء أنّه من الأفراد المناسبة كاستعمال العلم في الظنّ الفعلي وإرادة الملكة منه بادّعاء أنّها من أقسام الظنّ الفعلي ويمكن ادعاء عدم الدّليل على فساد هذين القسمين بل الدّليل قائم على صحتهما أمّا الأوّل فلاستعمال الأسد في زيد في العرف شائعا وأمّا الثاني فلحكم المحققين بإرادة ملكة الظنّ من العلم وهو كاف في إثبات صحّة الاستعمال ولكن التحقيق فسادهما أيضا لتوقيفية الاستعمال ولم يثبت أمّا الأوّل فلأنّ استعمال الشجاع في زيد غير ثابت بل هو من قبيل إطلاق الكلي على الفرد وهو ليس بمجاز وأمّا الثاني فلمنع عدم مناسبة ملكة الظنّ للعلم بل المناسبة متحققة وهي المشابهة في السببية للإدراك فهو مستعمل فيها ابتداء ولا يلزم سبك المجاز عن المجاز حتى يكون باطلا وأمّا الاعتراض الثاني وقوله بإرادة القدر المعتد به فقد عرفت أنّه لا وجه له بل التحقيق أن يقال إن كان المراد بالأحكام الجميع وبالعلم العلم الفعلي لم يدخل أحد في الفقيه ولكن كل فقيه يعرف بعض الفقه وأمّا علم المتجزي على فرض إمكانه فإن كان حجّة صدق عليه العلم ببعض الفقه وإلا فلا وإن كان المراد بالأحكام البعض فإن أريد القدر المعتدّ به خرج غير العالم به مطلقا ودخل المتجزي العالم به وإن أريد البعض مطلقا دخل المتجزي وعلى التّقديرين إن كان حجة فلا ضرر وإلا خرج بما بينا الثالث أنّ الفقه كله ظنيات فتعريفه بالعلم بالأحكام فاسد وأجيب عنه بوجوه منها أنّ المراد هو الظنّ بعلاقة وجوب العمل ومنها أنّ المراد الاعتقاد الراجح بعلاقة رجحان الحصول ويردّهما عدم وجود القرينة ومنها أنّ المراد من العلم هو معناه الحقيقي ولكن المراد من الأحكام الأعمّ من الأحكام الواقعيّة والظّاهرية والحكم الظّاهري معلوم واعترض عليه بأنّ الفقه هو العلم بخصوص الحكم الظّاهري لأنه الّذي يبنى عليه في مقام العمل والفقه موضوعه عمل المكلّف فالتعميم للظاهريّ والواقعي لا وجه له وفيه

١٥

نظر لأنّ الحكم الواقعي قد يكون معلوما فيتعلّق بالعمل ولا يسمّى حينئذ حكما ظاهريّا فالتعميم أولى ولكن فيه إشكالات أحدها أنّ الفقه ليس عبارة عن العلم بالحكم الظاهري لأنّ الفقه إنّما يبحث فيه عن ثبوت الأحكام الواقعية لموضوعاتها لأنّ الحكم الظاهري ليس قابلا للنّفي والإثبات والنّزاع والجدال فلا يكون البحث عن المسائل المختلف فيها بحثا عن الفقه وهو ظاهر البطلان لأنّ الفقه إمّا اسم للمسائل أو للعلم بها والثاني أنّ العلم بالحكم الظّاهري ليس حاصلا من الأدلّة التفصيليّة بل إنما يحصل من دليل اعتبار تلك الأدلّة إذ المراد بالحكم الظّاهري هو هذا لا مثل الوجوب الثّابت بالاستصحاب والطّهارة الثّابتة بالأصل فإنّه هنا داخل في الحكم الواقعي وإن أطلق عليه الحكم الظّاهري باصطلاح آخر وأجيب عنه بوجوه منها أنّ الظرف متعلق بالعلم باعتبار ما تضمّنه من معنى مطلق الاعتقاد فلا يجب أن يكون الجزم به أيضا حاصلا من تلك الأدلّة ولا ريب أنّ هذا بعيد جدّا ومنها أن الظّرف متعلّق بالمستنبطة المقدّرة صفة للأحكام ويخرج علم الملائكة والأنبياء بقيد الحيثيّة ومنها أنّه متعلق بالعلم والحكم مظنون فالمدرك مظنون وظنية المدرك لا يستلزم ظنية الإدراك وفيه أنّه إن كان المراد عدم التنافي بين ظنيّة المدرك وقطعيّة الإدراك الّذي أدرك به ذلك المدرك فهو ظاهر البطلان وإن أريد إدراك آخر متعلق بذلك المدرك فهو ممكن لأنّ الحكم إذا صار مظنونا بسبب الأدلّة أدرك النفس ظنيتها قطعا فينحصر الأحكام المظنونة عند النّفس بسبب تلك الأدلّة والنفس عالم بمظنوناتها ولكن يلزم كون الفقه من قبيل التّصورات وهو فاسد فالأولى أن يقال إنّ الفقه هو العلم بالأحكام عن الأدلّة المعتبرة والعلم بالحكم الظّاهري أيضا حاصل من الأدلّة المعتبرة أمّا أصل الاعتقاد فمن ذات الدليل وأمّا الجزم فمن اعتبار ذلك الدليل لكن التحقيق ما عرفت أن الفقه عبارة عن الأحكام الواقعية لا الظاهريّة فالإيراد وارد إلاّ أن يراد من العلم مطلق الاعتقاد فيرد عليه ما سلف والثالث أنه كيف يكون الواقعي مظنونا وطريقه قطعيّا كما قيل إنّ ظنية الطريق لا ينافي قطعية الحكم وأجيب بأنّ الحكم الواقعي مظنون بمقتضى دليله ولكن مقتضى دليل حجيّة ذلك الدّليل أنّ ذلك المظنون يصير حكما شرعيّا فيكون مظنون الوجوب واجبا ومظنون الحرمة حراما ولا تنافي بين كون ذات العمل مظنون الوجوب وكونه واجبا من حيث إنّه مظنون الوجوب وقيل ليس مقتضى دليل حجية الأدلة إلاّ وجوب العمل بمقتضاها لا صيرورة مقتضاها حكما شرعيّا في الظاهر وتصوير الفرق بين القولين مشكل ومحلّه مسألة التخطئة والتصويب وسيأتي إن شاء الله هذا تمام الكلام في

١٦

بيان المضاف والمضاف إليه من أصول الفقه بقي معنى الإضافة ومقتضاها فنقول قيل إنّ الإضافة تفيد الاختصاص فإن كانت إضافة اسم المعنى أفادت الاختصاص في الوصف العنواني نحو هذا مملوك زيد فإنّه يفيد الاختصاص في الملك وإن كانت في الأعيان أفادت الاختصاص لكن لا يعلم جهة الاختصاص إذ ليس فيه الوصف العنواني وعلى هذا فمعنى أصول الفقه المباني المختصّة بالفقه والاختصاص أعمّ من الاختصاص في التّدوين ليشتمل بعض مسائل الأصول الّذي يستنبط منه غير الفقه أيضا ولكن تمهيد إنّما هو لأجل الفقه فينحصر في المعنى العلمي وهو علم الأصول فظهر المناسبة بين المعنى العلمي والإضافي فإنّ المراد بالأصول على ما سبق هو المعنى اللغوي لا الدليل والقاعدة لما سبق وفيه نظر إذ لا نسلم كون الإضافة مفيدة للاختصاص وإلاّ لزم إفادته في مثل الله ربّي ومحمّد نبيّي ونحو ذلك وأمّا في مثل هذا مملوك زيد فاستفادة الاختصاص إنّما هو من عدم قابلية كون المال الواحد تمامه ملكا لشخصين وتعميم الاختصاص يوجب شمول الأصول للرجال أيضا لأنّ تمهيده إنما هو لأجل الفقه وحينئذ فيشمل كلما يبتني عليه الفقه فيكون أعمّ من المعنى العلمي إلا أن يحمل الإضافة على العهد ولا دليل عليه

الأمر الرابع في بيان موضوع علم الأصول

فنقول قد استشكل في كون الأصول علما مستقلا حتّى يكون له موضوع وذلك لاختلاف موضوعات مسائله لاختلافها فبعضها من علم العربيّة وبعضها من الحكمة وبعضها من غيرهما فليس بعلم مستقل بل هو عبارة عن مجموع مسائل متفرّقة من علوم متفرّقة مختلفة في الموضوع قد اجتمعت في الأصول فيتكلّمون فيها هنا لأنّ أكثر الطلبة لا يتقنونها في محلّها ولا يمكن إتقان الفقه بدون إتقانها وهذا هو مقتضى تعريفه بالعلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام فإنّه موجب لعدم كون الأصول علما مستقلا إذ لا موضوع له حينئذ وتمايز العلوم إنّما هو بتمايز الموضوعات وقيل إنّ موضوع الأصول هو أدلة الفقه يعني الكتاب والسنّة والإجماع والعقل بعد فرض حجيّتها ونوقش فيه بأنّه يبحث في العلم عن عوارض الموضوع بعد إحرازه فلا يمكن التكلّم في علم الأصول في حجيّة الكتاب والسنّة والإجماع والعقل مع أنّ أكثر الأصول هو التكلّم في ذلك وفيه أنّه إنما يتم بالنسبة إلى الكتاب والعقل وأمّا السنّة والإجماع فلا لأنّهم إنما يتكلّمون في حجيّة الحديث ومعنى حجيّته أنّه هل يثبت السنة أعني قول المعصوم بالحديث أو لا فيكون بحثا عن عوارض السّنّة ولا يتكلّمون عن حجيّة السّنّة وكذا الكلام في حجيّة الإجماع أنّه هل يثبت به رأي المعصوم أو لا وقيل إنّ الموضوع هو ذات تلك الأدلّة أو كلّ ما يصلح أن يكون دليلا في نظر العرف لا شرعا ليدخل القياس والبحث عن

١٧

دليليّتها أيضا داخل في البحث عن عوارض الموضوع ولكن يشكل الأمر في بعض مسائل الأصول كمسائل الاجتهاد والتقليد ومقدّمة الواجب وأمثال ذلك ويمكن إدخال الأوّل بأن يقال البحث عن حال الأدلّة إمّا يكون عن دلالتها وإمّا يكون عن دليليّتها وعلى الثاني إمّا أن يكون عن دليليّتها في نفسها وإمّا يكون عن دليليّتها على بعض الأشخاص دون بعض ولكن يخرج مسائل التّقليد وتكون مذكورة بالتّبع والاستطراد وأمّا المسائل الآخر فيجب في إدراجها في الأصول وتميز موضوعاتها وأنها داخلة في العلم أو في المبادي اللغويّة أو الأحكامية من إمعان نظر وإعمال فكر لأنّ بعضها مما لا يمكن إدراجها في الأصول إلاّ بتكلّف وبعضها مما وقع الخلاف فيها كمسألة اجتماع الأمر والنهي حيث قيل بدخولها في المسائل الكلاميّة وقيل غير ذلك وليس هنا مقام تحقيق ذلك وسيأتي إن شاء الله تعالى فلنقتصر على ما ذكرنا فإن فيه كفاية

أصل في علائم الوضع

قد تداول بين الأصوليّين ذكر جملة مما يثبت به الحقيقة والمجاز في كتبهم ويتكلّمون على كيفيّة ثبوتها بها كنقل أئمة اللّغة والاستقراء إذ لا فرق بين الوضع الهيئتي الثابت بالاستقراء والمادي الثابت بغيره وكالتبادر وصحّة السّلب والاطراد وغيرها حتى أنّ بعضهم استدل في إثبات أنّ للعام صيغة تخصه بالعقل وإنّ مقتضى الحكمة في الوضع أن يوضع للعام أيضا لفظ لكونه من المعاني المحتاج إليها في المخاطبات واقتصر الأغلب على بيان كيفية دلالتها على الحقيقيّة والمجازيّة ولم يتعرضوا لوجه حجيّة المذكورات على فرض الدلالة إلاّ القليل مع أنّه أهم فلنقدّم الكلام فيه فنقول اختلفوا في أنّ وجه حجيّة الأمور المذكورة هل هو أمر واحد هو المدار في الحجيّة إن وجد كان حجّة وإلاّ فلا أو إن كلاّ منها أمر مستقلّ ثبت حجيّته بالخصوص ذهب إلى كل فريق والأوّلون اختلفوا في أنّ المدار في الحجيّة هو حصول العلم بالوضع لانفتاح باب العلم في اللّغة وتلك المذكورات أسباب لحصوله أو لا بل المدار هو الظن والمذكورات أسباب له ذهب إلى كل جماعة والقائلون بأنّ المدار على الظنّ اختلف كلماتهم في بيان وجه حجيّته في اللّغة فتارة استدلوا بتقرير المعصومين أصحابهم على العمل بالظنون في مقام تميز الحقيقة والمجاز بل أمروهم بتدوين علم اللّغة كما قرروهم على العمل بالظواهر في تعيين المراد في مقام المخاطبة بل ادعى بعضهم الإجماع على حجيّة الظنّ في اللغات وتارة استدلوا بانسداد باب العلم في الأحكام الشرعيّة واستلزام الاحتياط للعسر والحرج والبراءة للخروج عن الدّين فيثبت حجيّة الظن بالحكم الشرعي ولازمه حجية كلّ ظنّ استلزم الظّن بالحكم الشرعي كالظن في اللغات بقول

١٨

اللّغويّين وفي الرّجال بقول أصحاب الرّجال فإنّ قول اللّغويّ الصّعيد هو التّراب مثلا يحصل منه الظّنّ بأنّه معناه ويستلزم ذلك الظّنّ بأنّ الواجب في التّيمّم هو التّراب وهو حجّة فيكون ما يستلزمه أيضا حجّة وحينئذ لا نحتاج إلى القول بانسداد باب العلم في اللّغات بل يثبت حجّيّة الظّنّ فيها بالدليل المذكور وإن كان باب العلم فيها مفتوحا وتارة استدلّ بانسداد باب العلم في نفس اللّغات بتقرير أنّ الواجب علينا هو العمل بما في الكتاب والسّنة وهما من الألفاظ الّتي نحتاج إلى فهم معانيها وكذا جميع مباحث اللّغات محتاج إليها وباب العلم في ذلك منسد فإمّا نقول بالاحتياط أو البراءة أو العمل بالظّنّ والأوّلان باطلان بما مر والثّالث هو المطلوب وعلى هذا نحتاج إلى إبطال القول بالانفتاح في اللّغة وإبطال القول بحجّيّة المذكورات بخصوصها إذا الظّنّ المطلق لا يصير حجّة إلاّ بعد عدم التّمكن من الدّليل المعتبر علما أو بالظّنّ المعتبر الخاصّ ويظهر الثّمرة بين الاستدلالين الأخيرين في حجّيّة الظّنّ في الموضوعات كما لو أقرّ بالصّعيد أو نذر أو أوصى فعلى الأوّل لا يمكن العمل في تعيين معنى الصّعيد بالظّنّ الّذي كان معتبرا في باب التّيمّم إذ لا يستلزم هنا الظّنّ بالحكم الشّرعي الكلّي الّذي هو المناط في الحجّيّة وعلى الثّاني أعني إجراء دليل الانسداد في نفس اللغات لا يتفاوت الأمر بين الأحكام والموضوعات ونظير ذلك الظّنّ الحاصل بعدالة الرّاوي بتعديل واحد من أهل الرجال فإنّه حجّة في قبول روايته أمّا في صحّة الاقتداء به في الصّلاة فإن أجرينا الانسداد في الأحكام فلا يكون ذلك الظّنّ حجّة بل يحتاج إلى المعاشرة وإن أجريناه في نفس علم الرجال فيكون حجّة في صحة الاقتداء أيضا وأمّا القائلون بحجّيّة المذكورات بخصوصها فلم يتعرضوا لذلك إلاّ في أمور أحدها نقل اللّغويّين فتمسكوا في حجّيّته بالإجماع على العمل به وتقرير المعصومين وأمرهم أصحابهم بتدوين اللّغات مع تدوين غالب اللّغات في زمانهم وإلاّ لم يكن فائدة في ضبط اللّغات وتدوينها وحينئذ فحجّيّته هل هو بقيد شرعي لا يعتبر في النّاقل ما يحصل منه الظّنّ نوعا ككونه صدوقا ضابطا أو لا بل يعتبر ذلك أو يلزم الظّنّ فعلا أمّا الأوّل فباطل جدّا إذ ما ادّعي من الإجماع والسيرة قائم على خلافه فإن بناءهم على عدم الاعتماد على نقل الكذوب أو كثير السّهو وهو ظاهر وكذا الثّالث إذ ليس بناؤهم على التّوقف في العمل على حصول الظّنّ فعلا حتّى أنّه لو زال الظّنّ بسبب معارضة القياس مثلا لم يتركوا العمل بالنّقل ولو كان الظّنّ معتبرا فعلا وجب تركه مثبت حجّيّة من باب إفادة الظّنّ نوعا ولا يعتبر في النّاقل إلاّ الصّفات الّتي تصير سببا لحصول الرّجحان نوعا والثّاني في أصالة العدم وهي عبارة عن أصالة عدم الوضع وأصالة عدم القرينة وبالأوّل يثبت المجاز

١٩

وبالثّاني الحقيقة فإنّه إذا شك في أنّ تبادر ذلك المعنى من اللّفظ هل كان مستندا إلى القرينة أو لا فينفيها بالأصل فيثبت أنّ التّبادر وضعي لا إطلاقي ويرجع إلى أصالة عدم الوضع أصالة عدم النقل وأصالة عدم الاشتراك وأصالة تأخّر الوضع إذا الأوّل معناه أصالة عدم الوضع للمعنى الجديد وهجر المعنى الأوّل والثّاني معناه أصالة عدم الوضع لهذا المعنى المشكوك والثّالث معناه أصالة عدم الوضع في الزّمان السّابق على الزّمان الّذي علم تحقق الوضع فيه والكلام في حجّيّة المذكورات أيضا على النحو السابق هل هي تعبدي أو من باب الظّنّ النوعي فلا يضر مخالفة القياس بحيث يرتفع الظّنّ فعلا من المذكورات أو من باب الظّنّ الشخصي فيضر ذلك والأوّل باطل كالسّابق إذا التّعبّد المدعى هنا إمّا عقلي أو شرعي والأوّل ظاهر البطلان إذا العقل ناظر إلى الواقع فمتى لم يحصل الثّبوت الوضع الواقعي رجحان في نظره لا معنى لأن يحكم به لاستحالة التّرجيح بلا مرجّح وكذا الثّاني إذ ما يستدلّ به في المقام هو أدلّة حجّيّة الاستصحاب فنقول أمّا أولا فقد قيل بعدم شموله للمباحث اللّغويّة وهو محل تأمّل وأمّا ثانيا فنقول إجراء الاستصحاب في المقام باطل لكونه أصلا مثبتا وهو عبارة عما إذا ترتّب على إثبات شيء بالاستصحاب لوازمه العادية أو العقليّة وبواسطة ذلك يثبت الحكم الشرعي مثلا إذا شك في اشتراك لفظ واقع في الكتاب فبأصالة عدم الاشتراك يثبت اتحاد الموضوع له وبه يثبت أنّه مراد في الكتاب فكونه مرادا ليس من لوازم عدم الاشتراك لأنّ عدم الاشتراك يجتمع مع كون اللّفظ مهملا بل هو من لوازم اتّحاد المعنى وهو من لوازم عدم الاشتراك في خصوص المقام والأخبار الدالة على حجّيّة الاستصحاب لا يشمل هذا لظهورها في حجّيّة الاستصحاب بالنسبة إلى إثبات الأحكام الشرعية للمستصحب بلا واسطة لا الأحكام العادية ولا الشرعيّة بالواسطة فالحجّيّة من حيث التّعبّد لا دليل عليه وكذا من حيث الظّنّ الفعلي إذ هو مخالف لطريق العرف لعدم توقّفهم على حصول الظّنّ منها بل طريقتهم الاعتماد عليها من حيث الرجحان النوعي حتى لو ارتفع الظّنّ بها فعلا لم يتركوا العمل بها بل ذلك هو سيرة العقلاء إذ لم يتوقف أحد في حمل كلام المتقدمين على المعنى الثّابت وليس ذلك إلاّ لأصالة عدم النقل ولم يتوقفوا على حصول الظّنّ فعلا مضافا إلى تقرير المعصومين إذ ليس ذلك مختصا بزمان دون زمان بل هو جار من لدن آدم إلى زماننا هذا لم ينكره أحد مضافا إلى دعوى الإجماع عليه من غير واحد فثبت أنّ ذلك أيضا من باب الظّنّ النّوعي والثّالث الاستقراء فقد ادّعوا الإجماع على حجّيّته بخصوصه بل قالوا

٢٠