مطارحات في الفكر والعقيدة

مطارحات في الفكر والعقيدة

المؤلف:

المحقق: المترجم:
الموضوع : العقائد والكلام الناشر: مركز الرسالة ISBN: 964-319-046-3
نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

١

٢

٣

٤

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدِّمة المركز

الحمدُ لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه وسيّد رُسُله نبيّنا محمّد المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين.

وبعد فإنّ الكتاب والسُنّة النبويّة مشحونان بالأمر بتوحيد الصف والكلمة والاعتصام بحبل الله ، وكذا بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند التنازع والتشاجر والتفرّق.

لقد أوضح النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المحجة وبيّن الطريق الصحيح ودلّ على ما فيه الخير والفلاح ، وما أن رُزئت الاُمّة بفقده حتى اختلفت آراؤها وظهرت الفرق والمذاهب ، وآل أمرها إلى ما آل إليه ، إلى يومنا هذا..

فقام أئمة الدين والعلماء المصلحون بدورهم في حفظ الإسلام من تحريف المضلّين ، وبإرشاد المسلمين وهدايتهم إلى الصراط المستقيم الذي شاء الله ورسوله أن تسير الاُمّة عليه ، كي تفوز بالصّلاح والنجاح في الدارين.

فألّفوا الكتب ، وعقدوا المطارحات الفكرية والمناظرات العلميّة ، للكشف عن نقاط الضعف والقوة في تلك الآراء المتضاربة ، ( لِيَهلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ) ( الانفال ٨ : ٤٢ ).

وكانت المحنة التي تعرّض لها آل الرسول وأتباعهم عظيمة فقد جهد مناوئوهم ـ منذ اليوم الأول ـ على محاربتهم بشتّى فنون المحاربة ، قاصدين إبادتهم أبداً ، وليس إخماد صوتهم إلى حين وحسب ، فقاتلوهم قتالاً صريحاً لم يشهد له تاريخ الفتن في عالم الإسلام نظيراً ، فسفكوا دماءً لم يسفك مثلها في كلِّ الفتوحات ، حتى ذهب سيّد أصحاب رسول الله وسيّد أهل بيته ، وأخوه ووصيّه من بعده ، غيلةً ، وكذا ابنه الحسن السبط ، وكادوا يقضون عليهم في واقعة كربلاء .. وهكذا تفشّى القتل والتشريد بذريّة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وشيعتهم عبر القرون المتمادية.

٥

ولمّا لم يكن هذا النوع من المحاربة كافياً في تحقيق أهداف الملوك سلكوا سبيل حرب العقائد ، وكان المنهج في هذه الحرب أن يقذف أتباع أهل البيت : بجريمة الابتداع في الدين والانحراف عن سنن سيّد المرسلين.

ومازال هذا المنهج قائماً حتى اليوم .. فقد رأينا ـ وللأسف الشديد ـ كثيراً من الدراسات والكتب لا تؤلَّف إلاّ لغرض نشر الافتراءات وبثّ الأكاذيب ، ورأينا كثيراً من الكتّاب الذين يتناولون دراسة الفرق والمذاهب وخاصة مذهب أهل البيت : ينطلقون من منطلقٍ غير علمي ومن دوافع غير نزيهة ، تحكمها عقد الماضي وأحابيل السياسة المناهضة لآل الرسول تأريخياً ، وتتحكم في توجهاتها ومسارها وكتاباتها مقولات لا تقوم على أساس سليم وبالأخص آراء الوهابية المخالفة لإجماع المسلمين.

وقد وصل الأمر إلى أن تتصدى بعض الدراسات الجامعية لإظهار ما عليه مذهب أهل البيت : من آراء ومعتقدات بصورة مشوّهة ومزيّفة ، تدعمها الوهابيّة المناهضة لجميع الفرق الإسلامية ، مع أنَّ تلك الآراء والمعتقدات في أكثرها مشتركة بين عموم المسلمين ، كمسألة الشفاعة ، وزيارة قبور النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأئمة : والصالحين ... ونحوحوحو ذلك من العقائد الحقّة ، فالمقصود مما تنشره الوهابيّة ـ وإن كان في الظاهر بعناوين تتعلّق بالشيعة والتشيّع ـ إنّما هو عقائد الإسلام ومتبنياته ومقدساته ورموزه ..

وبعد ، فإنّ ما تقول به الشيعة الإمامية الاثنا عشرية ثابت في كتب الفريقين ، عدا مسألة النصّ على الخليفة بعد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإنّهم يتّجهون إلى الايمان به ، ويسوقونون مئات الروايات على ثبوته وإثباته ، مستندين إلى ما ورد في صحاح العامّة ومسانيدهم ومجاميعهم الحديثية ، وبالطرق المعتبرة لديهم ، فضلاً عن أدلة العقول.

وهذا الكتاب ـ الذي بين يديك ـ يتكفّل بتوضيح واقع الأمر في أهم ما يثيره أُولئك المنحرفون عن وجه الإسلام الأصيل من شبهات وأكاذيب ، ويتابعهم في اُمّهات المصادر وأعماق التاريخ ، حتى لا يترك لهم منفذاً إلاّ أوصده ، ولا أملاً إلاّ بتره ، محققاً أهداف ( مركز الرسالة ) في حماية الرسالة الإسلامية والذبّ عنها ، والله من وراء القصد وهو المسدّد إلى سواء السبيل.

مركز الرسالة

٦

مقدِّمة الكتاب :

الحَمْدُ لله ربِّ العالَمِينَ ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى نبيِّ الهُدَى وإمَامِ المُتَّقينَ مُحَمَّدٍ وآلِهِ الطَّاهِرين وأصحَابِهم المُخْلِصِينَ ، وَمَن اتّبعَهُم بإحْسَانٍ إلى قيامِ يَومِ الدِّينِ.

وبعد ..

إن ما يزعمه أعداء أهل البيت عليهم‌السلام على أتباعهم مفتريات وأوهام وشبهاتات كثيرة امعاناً في محاربتهم وتبريراً للواقع التاريخي الذي اقصى الذرية الطاهرة عن المرجعية السياسية في المجتمع الإسلامي. وقد كان من أشد الأسلحة وأكثرها تأثيراً في ترويج الباطل سلاح الدعاية والاعلام الكاذب الذي استخدمته السلطات الغاشمة عبر التاريخ وتزعمته أخيراً فرقة الوهابية البغيضة ، حتى بلغ من تطرفهم تكفير سائر أهل الإسلام ، ويكفي ان بلغت ردود الاُمّة الإسلامية بجميع مذاهبها المعروفة أكثر من ثلاثمائة وخمسين رداً عليهم كما في معجم مؤلفات الاُمّة الإسلامية في الرد على الفرقة الوهابية.

ومن هنا سوف نتناول في هذه الدراسة أهم ما يتصل من تلك الشبهات والاكاذيب بالفكر والعقيدة وذلك في مدخل وثلاثة فصول.

أما المدخل فسننطلق فيه من خطبة لأمير المؤمنين عليه‌السلام لكي نكشف من خلالهاها الابعاد التاريخية العقيدية والفكرية التي انطوت وراء كلمات أمير المؤمنين عليه‌السلام في تلك الخطبة العصماء.

ثم نتناول في الفصل الأول : الإمامة والخلافة وقضية النص وتواتره على

٧

تعيين الخليفة ، وما أُثير في هذه القضية من إشكالات ونوّزع ذلك على أربعة مباحث.

نعرض في المبحث الأول قضية النصّ والمنهج النبوي في ذلك ، ثم نناقش في المبحث الثاني ثبوت تواتر النصّ على الأئمة من أهل البيت عليهم‌السلام بعد أميرير المؤمنين الإمام عليّ عليه‌السلام ، ونتناول في المبحث الثالث الاشكالات المثارة فيفي هذا الصدد ، وأخيراً نعرض في المبحث الرابع ما وقع فيه القوم من تهافت واضطراب في مثل هذه القضية الخطيرة في تاريخ الإسلام والمسلمين.

أما الفصل الثاني فخصصناه لمناقشة الافتراءات والأكاذيب التي اطلقت على الشيعة الإمامية في الفكر والعقيدة ، وقد اشتمل على مبحثين تناولنا في المبحث الأول سلامة القرآن من التحريف ، الذي هو معتقد الإمامية وعليه إطباق واجماع العلماء المحققين منهم ونناقش ما أُفتري على الشيعة الإمامية في هذا المجال.

وفي المبحث الثاني ، ناقشنا مسألة البداء وما رافقها من افتراءات على الشيعة وبيان أصول البداء وفلسفته عند الشيعة الإمامية بالقدر الذي تسمح به صفحات هذه الدراسة ، ولأهمية البحث عن تاريخ السُنّة النبوية المطهّرة ، لا سيّما من جهة تعرضها إلى المواقف الشاذة في الصدر الأول من تاريخ الإسلام ، كالمنع من تدوينها ، وإتلاف ما جمع منها ، والنتائج الخطيرة التي ترتبت على ذلك بالنسبة إلى الفكر الإسلامي وعقائد المسلمين. لذا ارتأينا أن نبحث ذلك كلّه في الفصل الثالث والأخير من فصول هذا البحث وبشكل مركز ومختصر تحت عنوان : لمحات عن تاريخ السُنّة النبوية المشرفة ، آملين أن تكون هذه الدراسة منطلقاً لفهم الكثير من الحقائق على أساس علمي ، والله الموفق للصواب.

٨

المدخل :

نستهل البحث بخطبةٍ لأمير المؤمنين عليه‌السلام لنهتدي بها في معالجةجة مالابدّ من ذكره في هذا المدخل :

خطبة لأمير المؤمنين عليه‌السلام حول بدء وقوع الفتن :

قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام : « ألاَ إنّ أخوف ما أخافاف عليكم خلّتان : اتّباع الهوى ، وطول الأمل.

أمّا اتّباع الهوى فيصدُّ عن الحق ، وأمّا طول الأمل فينسي الآخرة.

ألاَ إنّ الدنيا قد ترحّلت مدبرة ، وأنّ الآخرة قد ترحّلت مقبلة ، ولكلِّ واحدةٍ بنون ، فكونوا من أبناء الآخرة ، ولا تكونوا من أبناء الدنيا ، فإنّ اليوم عمل ولا حساب ، وأنّ غداً حساب ولا عمل.

وإنّما بَدْءُ وقوع الفتن من أهواء تُتَّبع ، وأحكام تُبتدع يُخالَفُ فيها حكم الله ، يتولى فيها رجالٌ رجالاً. ألاَ أنّ الحقّ لو خَلَصَ لم يكن اختلاف ، ولو أنّ الباطل خَلَصَ لم يُخف على ذيحجى ؛ لكنه يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث ، فيمزجان فيجللان معاً ، فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه ، ونجا الذين سبقت لهم من الله الحسنى ... ».

أشهر مصادر الخطبة :

هذه الخُطبَةُ من مشهورات خُطَبِ أمير المؤمنين الإمام عليّ عليه‌السلام ،

٩

وهي طويلة ، اكتفينا بإيراد بعضها لموضع حاجة البحث ، وقد أوردها العامّة والشيعة ، وممن أخرجها ـ كلاً أو بعضاً ـ عن الإمام عليّ عليه‌السلام :

١ ـ أحمد بن محمّد بن خالد البرقي ( ت ٢٧٤ وقيل : ٢٨٠ ه‍ ) (١).

٢ ـ الكاتب العباسي ابن واضح اليعقوبي (ت ٢٨٤ ه‍ ) (٢).

٣ ـ ثقة الإسلام ، أبو جعفر محمّد بن يعقوب الكليني (ت ٣٢٩ ه‍ ) في أصول الكافي وروضته (٣) ، وقد نقلناها عن الكليني بصفته أوثق الناس في الحديث وأثبتهم عند الشيعة الإمامية (٤) ، وبصفته الاُخرى مجدداً على رأس المائة الثالثة من الهجرة بشهادة علماء العامّة ، فقد ذكره المبارك محمّد بن الأثير من مجددي المائة الثالثة (٥) ، واطراه آخرون (٦).

__________________

(١) المحاسن ، للبرقي ١ : ٣٣٠ / ٧٤ باب النهي عن القول والفتيا بغير علم ، و ١ : ٣٤٣ / ١١٣ باب الدين.

(٢) تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٣٦.

(٣) اُصول الكافي ١ : ٥٤ / ١ باب البدع والرأي والمقائيس. وروضة الكافي ٨ : ٥٠ / ٢١ ( ونص الخطبة منه ).

(٤) رجال النجاشي : ٢٦٠ / ١٠٢٦.

(٥) جامع الاُصول ، لابن الاثير ١٢ : ٢٢٠.

(٦) ابن ماكولا ( ت ٤٧٥ ه‍ ) في الاكمال ٤ : ٥٧٥. وابن عساكر الشافعي ( ت ٥٧١ ه‍ ) في تاريخ دمشق الكبير ١٦ : ٣٧. وعزّ الدين ابن الاثير (ت ٦٣٠ ه‍) في الكامل في التاريخ ٨ : ٣٦٤. وأبو الفداء ( ت ٧٣٢ ه‍ ) في المختصر في أخبار البشر ٢ : ٨٧. والذهبي (ت ٧٤٨ ه‍ ) في المشتبه ٧ : ٣٣٧. وسير أعلام النبلاء ١٥ : ٢٨٠ رقم الترجمة ١٢٥. وتاريخ الإسلام : ٢٥٠ رقم الترجمة ٤١٦ في حوادث سنة ٣٢٨ ه‍. والصفدي ( ت٧٦٤ ه‍ ) في الوافي بالوفيات ٥ : ٢٦٦. وابن حجر العسقلاني ( ت ٨٥٢ ه‍ ) في لسان الميزان ٥ : ٤٣٣. وتبصير المنتبه ٣ : ١٢١٩ وغيرهم.

١٠

٤ ـ أبو حيان التوحيدي ( ت ٤٠٠ ه‍ ) (١).

٥ ـ السيد الشريف الرضي ( ت ٤٠٤ ه‍ ) في ما جمعه من خُطَبِ وكلمات الإمام عليّ عليه‌السلام في نهج البلاغة (٢).

٦ ـ سعيد بن هبة الله الشهير بالقطب الراوندي ( ت ٥٧٣ ه‍ ) (٣).

٧ ـ ابن أبي الحديد المعتزلي الحنفي ( ت ٦٥٦ ه‍ ) (٤).

إضاءات حول الخطبة :

وسوف ننطلق من أجواء هذه الخُطبَة الشّريفة ـ التي عيّنت داء المسلمين وشخصت لهم الدّواء ـ لبحث ما يمس واقع عقائدهم وأحكامهم في الصّميم ، عسى أن تكون في ذلك عبرة لمعتبر ، وذكرى لذوي الألباب ، من الذين يسعون إلى معرفة الحقِّ ، ولا يَخشونَ في الله لومة لائم ، فنقول :

إنّ تاريخ الأديان السّماويّة دلَّ على بعثة الله تعالى ـ بين حين وآخر ـ نبياً مبشِّراً ومنذراً وهادياً إلى صراط مستقيم ، حتى إذا ما عبثت يد الهوى بما جاء به من الحقِّ ، أو أشرفت دعوته النّاسَ إلى الحقِّ على انتهاء أمدها المقدر في حكمة الله عز وجل ، قفّى عليه الله تعالى بنبيٍّ آخر يدعو إلى ما دعا إليه الأنبياء والمرسلون عليهم‌السلام قبله.

__________________

(١) البصائر والذخائر ، لابي حيان : ٣٦.

(٢) نهج البلاغة ، الخُطبَةُ رقم ٥٠.

(٣) منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة ، للراوندي الخُطبَة رقم ٥٠.

(٤) شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد ٣ : ٢٤٠ / ٥٠.

١١

وهكذا سار موكب النور قروناً موغلة في القِدَمِ ، يبلّغ رسالاتِ ربِّه ، وكلّ شعاع منه أضاء لقوم في زمنٍ محدودٍ. حتى إذا ما بلغ الظلامُ أشدّه والجهلُ منتهاه ، واتّخذَ النّاسُ أرباباً من دون الله ، وسجدوا سفاهةً لكلِّ حجر ومدر !! بُعث خاتم الأنبياء والمرسلين أبو القاسم محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مُبشراً ، ومُنذراً ، وهادياً مهدياً ، وداعياً إلى صراطٍ مستقيمٍ ، ومنقذاً للناس كافة ( ومَا أرسَلنَاكَ إلاّ رَحمَةً للعَالَمِين ) (١) ، فلا نبي ولا رسول بعد ( رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيينَ ) (٢) ، ولا يقبل غير دينه العظيم ( ومن يَبتَغِ غَيرَ الإسلام دِيناً فَلَن يُقبَلَ مِنهُ وَهُوَ فِي الآخِرةِ مِنَ الخَاسِرِينَ ) (٣).

ولا يخفى على أحدٍ أنَّ للمسلمين تجاه هذا الدين القويم مذاهبَ ومشاربَ شتّى ، وطبقاً لحديث ( الفرقة النّاجية ) (٤) فإنَّ جميعها ـ من غير هذه ( الفرقة ) ـ لا يعبر عن واقع الدين ، لاستحالة ترسمها جميعاً محض الحقِّ ، لِمَا اشتملت عليه من تناقضات لا يُتعقَّل كونها من الدين الخاتم.

والدينُ متى ما أدخل فيه ما ليس منه ، أو أُخرج عنه ما هو منه بفتنة عمياء ، لم يكن ديناً ملبياً لحاجاتِ الإنسان ، ولا مخاطباً لعقلهِ وسموّ تفكيره ؛ لأنَّه دين اختلط فيه السليم بالسقيم الّذي هو من صنع أهل البدع والأهواء.

وأمّا الدين الحقّ الذي لم تكن فيه لأهل البدع والأهواء يدٌ ، فلاشكَّ

__________________

(١) الانبياء ٢١ : ١٠٧.

(٢) الاحزاب ٣٣ : ٤٠.

(٣) آل عمران ٣ : ٨٥.

(٤) جاء في الروايات المتظافرة « ان الاُمّة ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة واحدة ناجية والباقي في النار .. » راجع هذه الرواية في الاعتصام ، للشاطبي ٢ : ١٨٩.

١٢

ولا شُبهة في كونه دينَ أهل بيتِ النبيِّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ لأنه من صُنع الله المُتقَنِ ، وتبليغِ الصادق المؤتَمَن صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ ولأنّهم عليهم‌السلام عيبةُ علمهِ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومعدنُ حكمتهِ (١) ، وفي المثل السائر : « اهل البيت ادرى بالذي فيه ».

وإذا عُدنا إلى دين أهل البيت عليهم‌السلام ـ الّذي هو الدين الحق الذي أمر الله تعالى به ـ وجدنا أجزاءه مرتبطةً برباطٍ وثيقٍ محكمٍ ، يشتملُ على سلسلة من المعارف العقائدية أوّلها المبدأ وما يتصل به ، وآخرها المعاد. ثم هناك العبادات والمعاملات التي أُخذِت من طريق الوحي والنبوّة الثابت صدقها بالبرهان.

والمجموعة التي أخبر بها الصادق صادقة ، واتّباعها اتّباع للعلم ؛ لأنّ المفروض العلم بصدق مخبرها.

ولقد أوجب أتباع أهل البيت عليهم‌السلام على أنفسهم أن لا يقبلوا من سلسلة المعارف تلك حلقة واحدة من غير تدبّر ونظر في المنقول والمعقول فيها ، وسيرتهم معروفة بذلك ، ولهذا كانوا من أكثر المسلمين قاطبة تأليفاً في العقائد (٢). ولهم في تطبيق الأحكام الشرعية تقليد الفقيه الأعلم (٣)

__________________

(١) قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ، ومن تخلفلف عنها غرق » ، وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « تركتُ فيكم كتاب الله وعترتي أهل بيتي لن تضلوا ما ان تمسكتم بهما » ، وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لا تتقدموا عليهم فتهلكوا ، ولا تعلموهم فانهم أعلملم منكم » ، وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأهل الأرض » راجع هذه الاحاديث في : إحياء الميت بفضائل أهل البيت ، للسيوطي الشافعي ، تحقيق الشيخ كاظم الفتلي : ٥٧. الصواعق المحرقة ، لابن حجر : ٩٣. المستدرك على الصحيحين ، للحاكم النيسابوري ٣ : ١٦٢ فقد صحح هذه الأحاديث على شرط البخاري ومسلم.

(٢) راجع ما كتبه الشيخ المفيد ( ت ٤١٣ ه‍ ) ، والشيخ الطوسي ( ت ٤٦٠ ه‍ ) ، والعلاّمة الحلي ،

١٣

حتى مع فرض الاكتفاء في مقام الفتوى بالإجمال الشرعي لو لم يتم العثور على دليل الحكم تفصيلاً.

وهنا لابدّ من الإشارة إلى أنّ أتباع أهل البيت عليهم‌السلام هم الشيعة الإمامية الاثنا عشرية دون سائر المسلمين ، ويدلّ على ذلك احتفاظهم بتراث أهل البيت عليهم‌السلام ، ولولاهم لما وَجدتَ من هذا التراث إلاّ القليل النّادر الّذي لا يفي ـ مع فرض سلامته من الدسّ والتزوير على أهل البيت عليهم‌السلام ـ بتغطية الاستدلال في العقائد والأحكام. ولهم على وجوب الاقتداء بأهل البيت عليهم‌السلام والتمسك بهم عشرات الأدلَّةِ التي يشاركهم في نقلها جميعيع المسلمين ، وليس هنا محل تفصيلها ، ولو لم يكن منها إلاّ ( حديث الثقلين ) لكفى. ولكنّ شحة النفوس وخشونة طبعها تجرأت على النبي الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأساءت إلى مقامه الشامخ في أهل بيته قُبيل وبُعيد وفاتهته حتى منع صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ساعاته الأخيرة من تأكيد وصيته بهم عليهم‌السلام ، فودّعوه بأغلظ الألفاظ حتى قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما في صحاح القوم : « قوموا عني » !

إنّهم أدركوا القصد جيّداً من : « إئتوني بدواةٍ » (١) في ذلك الحين ،

__________________

وأخيراً العلاّمة شرف الدين الموسوي ، والعلاّمة عبدالحسين الاميني صاحب كتاب الغدير ، والشهيد الصدر قدس‌سره في بحث حول الولاية والموجز في علوم الدين ، وبحث حول المهديدي وغيرها.

(٣) وتقليد الأعلم عليه المشهور والفتوى لدى الشيعة الإمامية.

(٤) اشارة إلى الحديث المتواتر الذي نقلته صحاح القوم قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مرضه الأخير : « إئتوني بكتفٍ ودواة أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعدي » ولكنهم اختلفوا ، فقال عمر إنّ النبي غلبه الوجع ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « قوموا عني لا ينبغي عند نبيٍ تنازع ». صحيح البخاري ٦ : ١١ ـ ١٢ / باب مرض النبي ، ٩ : ١٣٧ / باب كراهة الخلاف ، كتاب الاعتصام.

١٤

وهكذا لم يلبث الدين أن اصْطَبَغَ بغير صبغته ، أو كما يقول الكاتب المصريّ الشافعيّ المعروف ( عبد الفتاح عبد المقصود ) عن أحداث السقيفة المروّعة التي مني بها الإسلام والمسلمون فيما بعد : « كفاها خطورة أنْ غيّرت اتّجاه تاريخ الإسلام ، أو لوّنت صورته السياسية بغير ما كان ينبغي ، أو ـ بأرفق تعبير ـ بغير ما كان يُظن أن تكون الصورة ، وتكون الألوان» (١) !.

وكيف لا ، وقد اُخرج عن الدين ما كان من لبّه ، واُدخل فيه ما ليس هو منه ، وسار الخلف على ما رسم السلف إلى اليوم ، فترى ـ وتلك هي المأساة الكبرى ـ بعض الناس يدعو باسم الدين إلى هدفٍ ليس من أهدافه ، وأدبٍ غير أدبه ، وحكمٍ غير حكمه ، حتى عاد المنكر معروفاً يُتعصب له ؛ لموافقته هواهم وشهوات أنفسهم ، والمعروف منكراً ليس له حامٍ يحميه ولا واقٍ يقيه ، وعاد الدين غريباً كما كان ؛ لِمَا نشاهده من مفترياتٍ عليه باسمه. وهكذا كان بفضل اجتهاد من اجتهد في إبعاد الحق عن أهله أن انهدمت ـ عبر اختلاف الرأي بتعاقب القرون ـ الوحدة الدينيّة ، وبدت الفرقة ، ونفدت القوّة ، وذهبت الشوكة !

والأنكى من كلِّ ذلك ، أنَّك إذا ما أوقفت طلاّب الحقّ والحقيقة على موطن الداء ، رجع بعضهم إلى مقولة السفهاء : ( رافضي خبيث يسبّ الصحابة ) وسرعان ما يبرر تلك الموبقات على أساس من الاجتهاد ، وأنّ لكلِّ مجتهدٍ أن يجتهد ولو في منع النبي الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من كتابة الكتاب

__________________

(١) السقيفة والخلافة ، لعبد الفتاح عبد المقصود : ٣٠.

١٥

الذي لن تَضِلّ الاُمّة فيما لو تمسكت به بعده (١) ، وله أن يجتهد في إبعاد وصيّه (٢) وباب علمه (٣) ، وله أيضاً أن يغضب بضعة المختار ، ويهدد من في الدار بالحرق بالنار (٤) وإنْ كانت فيها من يغضب الله لغضبها ويرضى لرضاها (٥) الطريد ، وطرد القريب (٦) ، ومصاهرة أعداء الله ورسوله ، والتفريط بحدود الله بإسقاطها وجلد الشهود العدول (٧) ، وصرف الخمس في الأقارب (٨) دون القربى ، ومنع المتعتين (٩) ، وإسقاط حي على خير العمل (١٠) ، وحرق

__________________

(١) إشارة إلى حديث الكتف والدواة المتقدم ، ومنعهم الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الكتابة المصرّحة بالخليفة.

(٢) اشارة إلى حديث الدار المشهور قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من يؤازرني على هذا الأمر فيكونون وصيي وخليفتي ووزيري من بعدي .. فكان الإمام عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام. تاريخ الطبري ٢ ٢ : ٦٣ ـ ٦٤.

(٣) قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنا مدينةُ العلم وعليٌّ بابها. المستدرك على الصحيحين ، للحاكم ٣ : ١٣٧ ـ ١٣٨. واُسد الغابة ، لابن الاثير ٤ : ١٠٠.

(٤) الإمامة والسياسة ، لابن قتيبة ١ : ١٢. وشرح ابن أبي الحديد ٢ : ٥٦. وتاريخ الطبري ٣ : ١٩٨.

(٥) اشارة إلى الحديث الشريف : إنّ الله يرضى لرضا فاطمة ويغضب لغضبها .. وهو متواتر عند المسلمين. صحيح البخاري ٥ : ٨٣ / ٢٣٢ باب ٤٣. وسنن الترمذي ٥ : ٦٩٩. والصواعق المحرقة : ١٩٠.

(٦) هذه أعمال عثمان بن عفان ، وهي مشهورة عنه. والملل والنحل ، للشهرستاني ١ : ٣٢ الخلاف التاسع من المقدمة الرابعة.

(٧) المصدر نفسه.

(٨) المصدر نفسه.

(٩) هذه أعمال عمر بن الخطاب ، وهي مشهورة عنه. راجع سيرته في تاريخ الخلفاء للسيوطي.

(١٠) سنن البيهقي ١ : ٥٢٤.

١٦

الحديث والمنع من تدوينه (١) والتطليق بغير السُنّة ، وإبداع العول والتعصيب ، ورضاعة الكبير ولو كان ذا لحية وشهد بدراً كما سيوافيك ! والتلاعب بمقدرات الاُمّة بتولية الفساق على بيوت الأموال بعد طرد الاُمناء الأبدال ، وتمهيد السبيل أمام الشجرة الملعونة (٢) ، وقطع الطريق أمام الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بإبعادهم إلى الربذة (٣) !! بل وله أن يجتهد فيشرِّع كصلاة الضحى المبتدعة ، ولستُ أدري ما الذي أوجب على من ابتدعها مدحها بقوله : « نِعْمَتِ البدعَةُ هي » (٤) !!.

ومن هنا ينبغي على طالب الحقيقة أن يعلم أنَّ الامام علي عليه‌السلام قد ألمح في خُطبَتِهِ الشريفة المتقدمة إلى كل هذا ، وذلك بإشارته إلى أنّ مبدأ الباطل في تاريخنا الإسلامي إنّما كان هوىً يُتّبع ، وَبِدَعاً يُخالَفُ فيها كتاب الله تعالى وسنة رسوله الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، مع خلط ذلك بشيء من الحق لكي ينطلي على الأتباع والمؤيدين كما نلحظه في واقع المسلمين ، حتى لكأنه عليه‌السلام كان ينظر إلى هذا الواقع من ستر رقيق !

ولا شك أنَّ المتمسكين اليوم بحبل الباطل ، لم يتعمدوا ذلك ؛ لأنّ كلَّ باطلٍ وَكَذِبٍ مالم يكن فيه شيء من الحقِّ والصدق لم يقبله عاقلٌ ، كما أنَّ كلَّ مزيّفٍ فاسدٍ وكاسدٍ ما لم يكن بنقدٍ رائج لم يُصِر رائجاً في سوق ذوي الأبصار ، فالباطل الصرف لا يقع في توهُّم ذي حجى إلاّ إذا اقترن بالحقّ أو

__________________

(١) تاريخ الخلفاء : ١٣٧. والطبقات الكبرى ، لابن سعد ٣ : ٢٨١.

(٢) الشجرة الملعونة في القرآن هم بنو أُميّة.

(٣) قام عثمان بن عفان بابعاد الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري إلى الربذة كما في الملل والنحل / السابق.

(٤) صحيح البخاري ١ : ٢٣٣ كتاب صلاة التراويح. وصحيح مسلم ١ : ٣٨٣ باب الترغيب.

١٧

شِبهِهِ ، وكذلك الكَذِبُ المَحْضُ مما لا يصدّق به ذو عقلٍ إلاّ إذا امتزج بالصدق واستتر فيه.

ومن هنا أشار الإمام عليّ عليه‌السلام إلى أنّه لو خَلَصَ الباطلُ عن لَبْسِ الحقِّقِّ لم يشتبه على عاقل ، ولو تجرد الحقُّ عن مخالطة الباطل لما وُجد اختلاف ، ولم يكن للشيطان الرجيم سبيلٌ إلى إيقاع الفتنة ، ولأذعن الكلُّ إلى الحقِّ بعد خُلُوصه من مزج الباطل إلاّ من غوى وعلا في الأرض واستكبر وركب رأسه عناداً وصلفاً.

ثمّ اعْلَمْ ـ أخي المسلم ـ أنَّ أمير المؤمنين عليه‌السلام أشار إلى حقيقةٍ ثابتةٍ ، وسنّة لن تجد لها تبديلاً ، وهي أنَّ الدنيا دارُ اشتباكٍ بين النّورِ والظُّلمَةِ ، وامتزاجٍ بين الحقّ والباطل ، وأخْذٍ للأقوالِ من الأولياءِ والأشقياءِ.

وهذا هو عين الواقع الذي يعيشه كثير من المسلمين ، فكم تراهم يأخذون بضغث من أقوال الأولياء الناهجين سُبُلَ الهُدى ، وبضغثٍ آخر من أقوال المضلِّين أرباب الهوى ، حتى اذا ما امتزج الضغثان استولى على أوليائه الشيطان.

وأمّا من عَلِمَ أنَّ البيوتَ لا تؤتى إلاّ من أبوابها ، واقتصر على السليم دون السقيم ، فلا شكّ أنّه سبقت له العناية بالحسنى وهو مبعدٌ عن شراك الشيطان.

ترى فهل يدرك اليوم من يدعو الناس بإخلاص إلى معرفة الحق ـ ويزعم أنه ساعٍ إليه بكليّته وكما يجب لاستفراغ ما في ذمته ـ أنّ المذاهب التي يفتتن بها الناسُ اليومَ هي من خَلْطِ هذين الضغثين ، ولو محّصت أكثرها لوجدتها نداً للثقل الأصغر ، ونصيراً للشيطان ، وان

١٨

أخَذَتْ عن الأول ضغثاً فقد أَخَذَتْ عن الآخر أضغاثاً ، ثم صُدَّ التّابع عن استعلام حال المتبوع وحقيقته على طبق مشيئة وإرادة السياسات المتعاقبة في صياغة النظرية السياسية في الإسلام. حتى صار التابع اليوم على استعدادٍ كافٍ لتقبل الجهل ، وتمرنٍ عجيبٍ على اتّباع الهوى ، وزهدٍ في تحقيق الاُمور على وجوهها ، وبعدٍ عن أهل بيت نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ تقليداًداً منه للأسلاف ، ومحبةً ورغبةً لاتّباع ما ألِفَهُ الآباءُ والاجدادُ !

ثم يجب أن يُعلم أنَّ قصد أمير المؤمنين عليه‌السلام بهذهِ الخُطبَةِ العظيمة ، لملم يكن الا شكاية منه عليه‌السلام عما آلَ إليه أمر هذا الدين في عصره ، إذ يرى أغلبَبَ الناس من أبناء الدنيا قد تركوا الدخول بسفينة النجاة واعتصموا بمن لا عاصم له من الغرق ، ولو أنّهم اقتدوا بربّان تلك السفينة لحملهم على المحجة الواضحة كما قاله عمر ، ولو تمسكوا به لاستمسكوا بالعروة الوثقى في دينهم وانفسهم كما قاله الرازي في تفسيره (١) لكنهم ـ والحديث ذو شجون ـ تركوا الهادي بُعيد وفاة المنذر !! وكأنهم لم يسمعوا قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « أنا المنذر وعليّ الهادي ، وبك يا عليّ يهتدي المهتدون من بعدي » (٢) وقوله : « اللّهم أدِرِ الْحَقَّ مع عليّ حيث دار » (٣) فتركوا الفارق بين الحق والباطل بحيث لا اشتباه عنده بينهما قط لوضوحهما لديه ، كوضوح الشمس وهي في رائعة النهار عن ظلمة الليل الحالك البهيم الاَلْيَل ، كما يدلك قوله عليه‌السلام : « عَزَبَ رَأْيُ امْرِىءٍ تَخَلَّفَفَ

__________________

(١) التفسير الكبير للرازي ١ : ٢٠٥ و ٢٠٧ في بحث المسائل الفقهية المستنبطة من سورة الفاتحة.

(٢) نظم درر السمطين للمدني : ٨٩ / ٨٠ ، وكنز العمال للمتقي الهندي الحنفي ١١ : ٦٢٠ / ١٣٠١٢.

(٣) التفسير الكبير ١ : ٢٠٥. والتاج الجامع للأصول ، للشيخ علي منصور ناصف ٣ : ٣٣٣.

١٩

عَنِّي ، مَا شَكَكْتُ في الحقِّ مُذ أُرِيتُهُ » (١).

نعم .. إنّها شكاية من اُولئك الذين بخبخوا له بالأمس القريب (٢) ، و أنصارهم وأعوانهم الذين قال فيهم عليه‌السلام : « احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة » (٣) بأعينهم ، وراقهم زِبْرِجُهَا ، وقد علموا ـ وأيمُ الله ـ محلَّه منها كمحل القُطب من الرَّحَا ، مما صار ذلك سببا لوقوع الفتن حيث ابتدأت بأهواء اتّبعت ، وأحكام ابتُدِعَت مع ما ضُمّ إليها في العاجل والآجل من متخيلات الأوهام ، ومخترعات الأفهام ، حتى حُمِلتِ النصوص على غير وجوهها.

فترى أحدهم إذا ما مرّ بقوله تعالى : ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إلى رَبِّها نَاظِرَةٌ ) (٤) ذهب إليه قومُ موسى عليه‌السلام ؛ لِمَا في تراثهم من أضغاث الباطل كما فيفي كَذِبِهِمِ على النبيَّ بأنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رأى ربَّه بصورةِ شابٍ أمرد !!

وليتهم تأملوا قوله تعالى : ( مَا كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى ) (٥) اُسنِدت إلى الفؤاد ، لكنَّ العقولَ القاصرة ، والأفهام المبتسرة لم تقف على حقيقة الحال ، ومن أمارة قلَّةِ تدبرهم أنَّ الرؤية في الآية السابقة قد

__________________

(١) نهج البلاغة الخطبة رقم ٤.

(٢) بخبخوا : قالوا له بخٍ بخٍ لكَ يا عليّ أصبحت مولانا ومولى كلِّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ. مسند أحمد بن حنبل في حديث الغدير المتواتر ٤ : ٢٨١.

(٣) نهج البلاغة ، شرح الشيخ محمّد عبدة ١ : ١٢٦.

(٤) القيامة ٧٥ : ٢٢ ـ ٢٣.

(٥) الانعام ٦ : ١٠٣.

(٦) النجم ٥٣ : ١١.

٢٠