رسالة في المتعتين

السيّد علي الحسيني الميلاني

رسالة في المتعتين

المؤلف:

السيّد علي الحسيني الميلاني

المحقق: المترجم:
الموضوع : العقائد والكلام
نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد واله الطاهرين.

وبعد ... فإن البحث عن المتعتين قديم جدا ، وكتابات السلف والخلف عنهما من النواحي المختلفة كثيرة جداً أيضاً ، وهذه رسالة وجيزة كتبتها بمناسبة أحاديث رووها في أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو الذي حرم متعة النساء ، وعمدتها ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه‌السلام ... منها أنه قال لابن عباس ـ وقد بلغه أنه يقول بالمتعة ، واللفظ لمسلم ـ : « إنك رجل تائه ، نهانا رسول الله عن متعة النساء يوم خيبر ، وهي. أحاديث موضوعة مختلقة ، يعترف بذلك كلّ من ينظر في أسانيدها ومداليلها وينصف ، والله هو الموفق.

فنقول :

لا خلاف بين المسلمين في نزول القرآن المبين بالمتعتين ...

أما متعة الحج ، فقد قال عزوجل :

( فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيّام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري

٥

المسجد الحرام ) (١).

وأما متعة النساء ، فقدقال عزوجلّ : ( فما استمتعتم به منهنّ فآتوهن أجورهن فريضة ) (٢).

وكان على ذلك عمل المسلمين ...

حتى قال عمر بعد شطر من خلافته :

« متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه[وآله] وسلّم وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما ».

فوقع الخلاف ...

وحار التابعون له ، الجاعلون قوله أصلاً من الأصول ، كيف يوجّهونه وهو صريح في : قال الله ... وأقول ...؟!

متعة الحج :

ومتعة الحج : أن ينشئ الإنسان بالمتعة إحرامه في أشهر الحج من الميقات ، فياتي مكة ، ويطوف بالبيت ، ثم يسعى ، ثم يقصّر ، ويحل من إحرامه ، حتّى ينشيء في نفس تلك السفرة إحراماً آخر للحج من مكة ، والأفضل من المسجد الحرام ، ويخرج إلى عرفات ، ثم المشعر ... إلى آخرأعمال الحج ...

فيكون متمتعاً بالعمرة إلى الحج.

وإنما سمي بهذا الاسم لما فيه من المتعة ، أي اللذة بإباحة محظورات الإحرام ، في تلك المدة المتخللة بين الإحرامين ...

وهذا ما حرمه عمر وتبعه عليه عثمان ومعاوية وغيرهما ...

موقف علي وكبار الصحابة من تحريمها :

وكان في المقابل أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام الحافظ للشريعة المطهّرة

__________________

(١) سورة البقرة ٢ : ١٩٦.

(٢) سورة النساء ٤ : ٢٤.

٦

والذابّ عن السُنّة المكرّمة.

أخرج أحمد ومسلم عن شقيق قال ـ واللفظ للأول ـ : « كان عثمان ينهى عن المتعة ، وكان عليّ يامربها ، فقال عثمان لعليّ : إنك كذا وكذا. ثم قال (١) علي : لقد علمت أنا تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم؟ فقال : أجل » (٢).

وعن سعيد بن المسيب ، قال : « اجتمع عليّ وعثمان بعسفان ، فكان عثمان ينهى عن المتعة والعمرة. فقال له عليّ : ما تريد إلى أمرفعله رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم تنهى عنه؟! فقال عثمان : دعنا عنك! فقال عليّ : إني لا أستطيع أن أدعك » (٣).

وعن مروان بن الحكم ، قال : « شهدت عثمان وعلياً ، وعثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما. فلما رأى عليّ ذلك أهل بهما : لبيّك بعمرةٍ وحجّةٍ معا ، قال : ما كنت لأدع سنة النبي لقول أحد » (٤).

وعلى ذلك كان أعلام الصحابة ...

* كابن عبّاس ... فقد أخرج أحمد أنه قال : « تمتع النبي صلى الله عليه [وآله] وسلّم ، فقال عروة بن الزبير : نهى أبوبكر وعمر عن المتعة ، فقال ابن عباس : ما يقول عريّة (٥)!! قال : يقول : نهى ابوبكر وعمرعن المتعة.

فقال : ابن عبّاس : أراهم سيهلكون ، أقول : قال النبي ؛ ويقولون : نهى أبوبكر وعمر! » (٦).

__________________

(١) لقد أبهم الرواة ما قاله خليفتهم عثمان لعلي عليه‌السلام ، كما أبهموا جواب الإمام عليه‌السلام على كلمات عثمان ... وفي بعض المصادر : « فقال عثمان لعليّ كلمة ».

(٢) مسند أحمد ١ / ٩٧.

(٣) مسند أحمد ١ / ١٣٦. ورواه البخاري ومسلم في باب التمتع.

(٤) مسند أحمد ١ / ٩٥. ورواه البخاري أيضاً وجماعة.

(٥) تصغير« عروة » تحقيراً له.

(٦)مسند أحمد ١ / ٣٣٧.

٧

* وسعد بن أبي وقاص ... فقد أخرج الترمذي : « عن محمد بن عبدالله ابن الحارث بن نوفل أنه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس ـ وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج ـ فقال الضحاك بن قيس : لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله تعالى. فقال سعد : بئسما قلت يا ابن أخي. فقال الضحاك : فإن عمر بن الخطاب قد نهى ذلك. فقال سعد : قد صنعها رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم وصنعناها معه.

هذا حديث صحيح » (١).

* وأبي موسى الأشعري ... فقد أخرج أحمد : « أنه كان يفتى بالمتعة فقال له رجل : رويدك ببعض فُتياك ، فإنك لا تدري ما أحدث أميرالمؤمنين في النسك بعدك! حتى لقيه أبو موسى بعد فساله عن ذلك ، فقال عمر : قد علمت أن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلّم قد فعله هو وأصحابه ولكن كرهت أن يظلّوا بهن معرسين في الأراك ، ثم يروحون بالحج تقطر رؤوسهم » (٢)

* وجابر بن عبدالله ... فقد أخرج مسلم وغيره عن أبي نضرة ، قال : « كان ابن عبّاس يامر بالمتعة ، وكان ابن الزبير ينهى عنها. قال فذكرت ذلك لجابر ابن عبدالله. فقال : على يدي دار الحديث. تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم فلما قام عمر (٣) قال : إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء ، وإن القرآن قد نزل منازله ، فافصلوا حجّكم من عمرتكم ، وأبتّوا (٤) ، نكاح هذه النساء فلن أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة » (٥).

__________________

(١) صحيح الترمذي ٤ / ٣٨.

(٢) مسند أحمد ١ / ٥٠.

(٣) أي بامر الخلافة.

(٤) أي : اقطعوا ، اتركوا.

(٥) صحيح مسلم ، باب جواز التمتع.

٨

* وعبدالله بن عمر ... فقد أخرج الترمذي : « أن عبدالله بن عمرسئل عن متعة الحج. فقال : هي حلال. فقال له السائل : إن أباك قد نهى عنها. فقال : أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله أمر أبي نتبع أم أمر رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم؟! فقال الرجل : بل أمررسول الله. قال : لقد صنعها رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم » (١).

* وعمران بن حصين (٢) ـ وكان شديد الإنكار لذلك حتى في مرض موته ـ فقد أخرج مسلم : « عن مطرف قال : بعث إلي عمران بن حصين في مرضه الذي توفّي فيه فقال : إني محدّثك باحاديث ، لعل الله أن ينفعك بها بعدي. فان عشت فاكتم عليّ (٣) وإن مت بها إن شئت. إنه قد سلم علي. واعلم أن نبي الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم قد جمع بين حج وعمرة ، ثم لم ينزل فيها كتاب الله ، ولم ينه عنها نبي الله. فقال رجل برأيه فيها ما شاء » (٤).

قال النووي بشرح أخبار إنكاره : « وهذه الروايات كلها متفقة على أن مراد عمران أن التمتع بالعمرة إلى الحجّ جائز ، وكذلك القران ، وفيه التصريح بإنكاره على عمربن الخطّاب منع التمتّع ».

دفاع ابن تيميّة ثم إقراره بالخطأ :

وذكر شيخ إسلامهم ابن تيميّة في الدفاع عن عمر وجوهاً ، كقوله : « إنما

__________________

(١) صحيح الترمذي ٤ / ٣٨.

(٢) ذكر كل من ابن عبدالبرّ في الاستيعاب وابن حجر في الإصابة أنه كان من فضلاء الصحابة وفقهائهم ، بل نصّ ابن القيم في زاد المعاد على كونه أعظم من عثمان ، وذكروا أنه كان يرى الملائكة وتسلّم عليه وهو ما أشار إليه في الحديث بقوله : « قد سلّم عليّ » توفي سنة ٥٢ بالبصرة.

(٣) لاحظ إلى أين بلغت التقية!!

(٤) صحيح مسلم باب جواز التمتّع. وفي الباب من صحيح البخاري وسنن ابن ماجة ، وهو عند

٩

كان مراد عمر أن يامر بما هو أفضل » واستشهد له بما رواه عن ابنه من أنه « كان عبد الله بن عمر يامر بالمتعة ، فيقولون له : إن أباك نهى عنها. فيقول : إن أبي لم يرد ما تقولون » وحاصل كلامه ما صرح به في آخره حيث قال : « فكان نهيه عن المتعة على وجه الاختيار ، لا على وجه التحريم ، وهو لم يقل : « أنا أحرمهما ».

قلت : أما أن مراده كان الأمر بما هو أفضل ، فتاويل باطل ، وأما ما حكاه عن ابن عمر فتحريف لما ثبت عنه في الكتب المعتبرة ، وقال ابن كثير : « كان ابنه عبدالله يخالفه فيقال له : إن أباك كان ينهى عنها! فيقول : خشيت أن يقع عليكم حجارة من السماء! قد فعل رسول الله ، أفسنة رسول الله نتبع أم سنة عمر بن الخطاب؟! » (١).

والعمدة إنكاره قول عمر : « وأنا احرمّهما ». وسنذكر جمعاً ممن رواه!

هذا ، وكان ابن تيمية يعلم بان لا فائدة فيما تكلّفه في توجيه تحريم عمر والدفاع عنه ، فاضطر إلى أن يقول :

« أهل السنة متفقون على أن كل واحد من الناس يؤخذ بقوله ويترك إلآ رسول الله ، لان عمر أخطأ ، فهم لا ينزهون عن الإقرار على الخطأ إلآ رسول الله صلى الله عليه [وآله] ، وسلّم » (٢).

لكنه ليس « خطأ » من عمر ، بل هو« إحداث » كما جاء في الحديث المتقدّم عن أبي موسى الأشعري ... وقد قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

« أنا فرطكم على الحوض ، وليرفعن رجال منكم ثم ليختلجنّ دوني ، فاقول : يا ربّ أصحابي! فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك! » (٣).

__________________

أحمد في المسند ٤ / ٤٣٤.

(١) تاريخ ابن كثير ٥ / ١٤١.

(٢) منهاج السنة ٢ / ١٥٤.

(٣) أخرجه البخاري وغيره في باب الحوض.

١٠

ولقائل أن يقول : إن الغرض الأصلي من التحريم هو إحياء سنة الجاهلية ، فإنهم « كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض » (١).

قال البيهقي : « ما أعمر رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم عائشة في ذي الحجة إلا ليقطع بذلك أمر الشرك (٢).

ولذا صح عنه صلى الله عليه [وآله] وسلّم : « لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ، ولولا أن معي الهدي لأحللت. فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال : يا رسول الله هي لنا أو للأبد؟ فقال : لا ، بل للأبد ». أخرجه أرباب الصحاح كافة ، وعقد له البخاري في صحيحه باباً.

متعة النساء :

وهي أن تزوج المرأة الحرة الكاملة نفسها من الرجل المسلم بمهرمسمى إلى أجل مسمىّ ، فيقبل الرجل ذلك ، فهذا نكاح المتعة ، أو الزواج الموقت ، ويعتبر فيه جميع ما يعتبر في النكاح الدائم ، من كون العقد جامعاً لجميع شرائط الصحة ، وعدم وجود المانع من نسب أو سبب وغيرهما ، ويجوز فيه الوكالة كما تجوز في الدائم ، ويلحق الولد بالأب كما يلحق به فيه ، وتترتب عليه سائر الاثار المترتبة على النكاح الدائم ، من الحرمة والمحرمية والعدة ...

إلا أن الافتراق بينهما يكون لا بالطلاق بل بانقضاء المدّة أو هبتها من قبل الزوج ، وأن العدة ـ إن لم تكن في سن الياس الشرعي ـ قرءان إن كانت تحيض ، وإلأ خمسة وأربعون يوماً ، وأنه لا توارث بينهما ، ولا نفقة لها عليه وهذه أحكام دلّت عليها ألأدلّة الخاصة ، ولا تقتضي أن يكون متعة النساء شيئاً في مقابل النكاح مثل ملك اليمين.

__________________

(١) أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما في أبواب التمتع والعمرة.

(٢) سنن البيهقي ٤ / ٣٤٥.

١١

ثبوتها بالكتاب والسنة والإجماع :

وقد دلّ على مشروعيّة هذا النكاح وثبوته في الإسلام :

١ـ الكتاب ، في قوله عزوجل : ( فما استمتعتم به منهن ... ) (١) وقد روي عن جماعة من كبار الصحابة والتابعين ، المرجوع إليهم في قراءة القرآن واحكامه التصريح بنزول هذه الاية المباركة في المتعة ، حتى أنهم كانوا يقرأونها : « فما استمتعتم به منهن إلى أجل ... » ، وكانوا قد كتبوها كذلك في مصاحفهم ، فهي ـ حينئذ ـ نصّ في المتعة ، ومن هؤلاء :

عبدالله بن عبّاس ، وأبي بن كعب ، وعبدالله بن مسعود ، وجابر بن عبدالله وأبو سعيد الخدري ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، والسدي ، وقتادة (٢).

بل ذكروا عن ابن عباس قوله : « والله لأنزلها الله كذلك ـ ثلاث مرات ».

وعنه وعن أبي التصريح بكونها غيرمنسوخة.

بل نصّ القرطبي على أن دلالتها على نكاح المتعة هو قول الجمهور ، وهذه عبارته : « وقال الجمهور : المراد نكاح المتعة الذي كان في صدر الاسلام » (٣).

٢ ـ السنة : وفي السنة أحاديث كثيرة دالّة على ذلك ، نكتفي منها بواحد مما أخرجه البخاري ومسلم وأحمد وغيرهم عن عبدالله بن مسعود قال :

« كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم ليس لنا نساء. فقلنا : ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك ، ثمّ رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى اجل ، ثمّ قرأ عبدالله : ( يا أيّها الذين آمنوا لا تحرّموا طيّبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا

__________________

(١) سورة النساء : ٢٤.

(٢) راجع التفاسير : الطبري والقرطبي وابن كثير والكشاف والدرّ المنثور. كلّها بتفسير الآية. وراجع أيضاً : أحكام القرآن ـ للجصّاص ـ ٢ / ١٤٧ ، سنن البيهقي ٧ / ٢٠٥ ، شرح مسلم ـ للنووي ـ ٦ / ١٢٧ ، المغني لابن قدامة ٧ / ٥٧١ ..

(٣) تفسيرالقرطبي ٥ / ١٣٠.

١٢

إن الله لا يحب المعتدين ) (١).

ولا يخفى ما يقصده ابن مسعود من قراءة الآية المذكورة بعد نقل الحديث ، فانه كان مّمن أنكر على من حرم المتعة.

٣ ـ الإجماع : فانه لا خلاف بين المسلمين في أن « المتعة » نكاح. نص على ذلك القرطبي ، وذكر طائفة من أحكامها ، حيث قال :

« لم يختلف العلماء من السلف والخلف أن المتعة نكاح إلى أجل ، لا ميراث فيه ، والفرقة تقع عند انقضاء الأجل من غيرطلاق ، ثم نقل عن ابن عطية كيفية هذا النكاح وأحكامه (٢).

وكذا الطبري ، فنقل عن السدي : « هذه هي المتعة ، الرجل ينكح المرأة بشرط إلى أجل مسمّى » (٣).

وعن ابن عبدالبرّ في « التمهيد » :.« أجمعواعلى أن المتعة نكاح ، لا إشهاد فيه ، وأنه نكاح إلى أجل يقع فيه الفرقة بلا طلاق ولا ميراث بينهما ».

تحريم عمر :

وكانت متعة النساء ـ كمتعة الحج ـ حتى وفاة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وزمن أبي بكر ، وفي شطر من خلافة عمر بن الخطّاب ، حتّى قال :

« متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما » وقد وردت قولته هذه في كتب الفقه والحديث والتفسير والكلام أنظر منها : تفسير الرازي ٢ / ١٦٧ ، شرح معاني الاثار ٣٧٤ ، سنن البيهقي ٦ / ٢٠٧ ، بداية المجتهد ١ / ٣٤٦ المحلّى ٧ / ١٠٧ ، أحكام القرآن ـ للجصّاص ـ ١ / ٢٧٩ ، شرح التجريد

__________________

(١) صحيح البخاري / في كتاب النكاح وفي تفسير سورة المائدة ، صحيح مسلم كتاب النكاح ، مسند أحمد ١ / ٤٢٠.

(٢) تفسيرالقرطبي ٥ / ١٣٢.

(٣) تفسير الطبري بتفسير الآية.

١٣

للقوشجي الأشعري ، تفسير القرطبي ٢ / ٣٧٠ ، المغني ٧ / ٥٢٧ ، زاد المعاد في هدي خير العباد ٢ / ٢٠٥ ، الدرّ المنثور ٢ / ١٤١ ، كنز العمال ٨ / ٢٩٣ ، وفيات الأعيان ٥ / ١٩٧.

ومنهم من نص على صحته كالسرخسي ، ومنهم من نص على ثبوته كابن قيّم الجوزية. وفي المحاضرات للراغب الأصبهاني : « قال يحيى بن أكثم لشيخ بالبصرة : بمن اقتديت في جواز المتعة؟ قال : بعمر بن الخطاب. فقال : كيف هذا وعمر كان أشد الناس فيها؟! قال : لأن الخبر الصحيح قد أتى أنه صعد المنبر فقال : إن الله ورسوله أحلا لكم متعتين وإني احرمهما عليكم وأعاقب عليهما؟ فقبلنا شهادته ولم نقبل تحريمه ».

وفي بعض الروايات : أن النهي كان عن المتعتين وحي على خيرالعمل (١).

وعن عطاء ، عن جابر بن عبدالله : « استمتعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم وأبي بكر وعمر ، حتى إذا كان في آخر خلافة عمر استمتع عمرو بن حريث بامرأة ـ سماها جابر فنسيتها ـ فحملت المرأة ، فبلغ ذلك عمر ، فدعاها فسالها فقالت : نعم ، قال من أشهد؟ قال عطاء : لا أدري قال : أمي أم وليها. قال فهلا غيرها؟!

فذلك نهى عنها » (٢).

ومثله أخبار أخرى ، وفي بعضها التهديد بالرجم (٣).

فالذي نهى عن المتعة هوعمر بن الخطاب ....

وفي خبر : أن رجلاً قدم من الشام ، فمكث مع امرأة الى ما شاء الله أن

__________________

(١) كذا في شرح التجويد للقوشجي ، بحث خلافة عمر.

(٢) صحيح مسلم باب نكاح المتعة ٦ / ١٢٧ بشرح النووي هامش القسطلاني ، مسند أحمد ٣ / ٣٠٤ ، سنن البيهقي ٧ / ٢٣٧ ، والقصّة هذه في المصنف لعبد الرزاق ٧ / ٤٦٩.

(٣) بل عنه أنّه قال : « لا اوّتى برجلٍ تزوّج امراة إلى أجلٍ إلاّ رجمته ولو أدركته ميّتاً لرجمت قبره! » المبسوط ـ للسرخسي ٥ / ١٥٣.

١٤

يمكث ، ثم إنه خرج ، فاخبر بذلك عمر بن الخظاب ، فارسل إليه فقال : ما حملك على الذي فعلته؟ قال : فعلته مع رسول الله ، ثم لم ينهانا عنه حتى قبضه الله. ثمّ مع أبي بكرفلم ينهانا حتى قبضه الله ، ثمّ معك ، فلم تحدث لنا فيه نهيا. فقال عمر : أما والذي نفسي بيده لوكنت تقدمت في نهي لرجمتك » (١).

ومن هنا ترى أنه في جميع الأخبار ينسبون النهي إلى عمر ، يقولون : « فلمّا كان عمر نهانا عنهما » و« نهى عنها عمر » و« قال رجل برأيه ما شاء » ونحوذلك ، ولو كان ثمّة نهي عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لما كان لنسبة النهي وماترتب عليه من الآثار الفاسدة إلى عمر وجه كما هو واضح. وقد جاء عن أمير المؤمنين عليه‌السلام قوله : « لو لا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي » (٢) وعن ابن عباس : « ما كانت المتعة إلأ رحمة من الله تعالى رحم بها عباده ، ولولا نهي عمر عنها ما زنى إلا شقي ، (٣).

ومن هنا جعل تحريم المتعة من أوّليّات عمر بن الخطّاب (٤).

بل ان عمر نفسه يقول : « كانتا على عهد رسول الله ، وأنا أنهى عنهما » فلا يخبرعن نهي لرسول الله صلى الله عليه آله وسلّم ، بل ينسب النهي إلى نفسه ويتوعّد بالعقاب. بل إنه لم يكذب الرجل الشامي لمّا أجابه بما سمعت ، بل لما قال له : « ثمّ معك فلم تحدث لنا فيه نهيا » اعترف بعدم النهي مطلقاً حتى تلك الساعة ولا يخفى ما تدل عليه كلمة « تحدّث ».

__________________

(١) كنز العمال ٨ / ٢٩٤.

(٢) المصنف ـ لعبد الرزاق بن همام ـ ٧ / ٥٠٠ ، تفسير الطبري ٥ / ١٧ ، الدرّ المنثور ٢ / ٤٠ ، تفسير الرازي ٣ / ٢٠٠.

(٣) تفسير القرطبي ٥ / ١٣٠. ومنهم من رواه بلفظ « شفا » أي قليل. أنظر : النهاية وتاج العروس وغيرهما من كتب اللغة.

(٤) تاريخ الخلفاء ـ للسيوطي ـ.

١٥

موقف علي وكبار الصحابة من تحريمها :

ثم إنه وإن تابع عمر في تحريمه بعض القوم كعبدالله بن الزبير ، لكن ثبت على القول بحلية المتعة ـ تبعاً للقرآن والسنة ـ أعلام الصحابة ، وعلى رأسهم مولانا أمير المؤمنين وأهل البيت عليهم‌السلام ... قال ابن حزم :

« وقد ثبت على تحليلها بعد رسول الله جماعة من السلف ، منهم من الصحابة : أسماء بنت أبي بكر وجابر بن عبدالله وابن مسعود وابن عباس ومعاوية ابن أبي سفيان وعمرو بن حريث وأبو سعيد الخدري وسلّمة ومعبد ابنا أميّة بن خلف.

ورواه جابر عن جميع الصحابة مدّة رسول الله ومدّة أبي بكر وعمر إلى قرب آخر خلافة عمر ».

قال : « ومن التابعين : طاووس وعطاء وسعيد بن جبير وسائر فقهاء مكّة أعزها الله ... » (١).

ولم يذكر ابن حزم عمران بن حصين وبعض الصحابة الآخرين : وذكر ذلك القرطبي وأضاف عن ابن عبدالبّر : « أصحاب ابن عباس من أهل مكة واليمن كلهم يرون المتعة حلالاً على مذهب ابن عباس » (٢).

ومن أشهر فقهاء مكة المكرّمة القائلين بحلّيّة المتعة : عبدالملك بن عبدالعزيز ، المعروف بابن جريج المكي ، المتوفي سنة ١٤٩ هـ ، وهو من كبار الفقهاء وأعلام التابعين وثقات المحدثين ومن رجال الصحيحين ، فقد ذكروا أنه تزوج نحوا من تسعين امرأة بنكاح المتعة.

وذكر ابن خلّكان أن المامون أمر أيام خلافته أن ينادى بحلية المتعة. قال :

__________________

(١) المحلّى ٩ / ٥١٩.

(٢) تفسيرالقرطبي ٥ / ١٣٣.

١٦

فدخل عليه محمد بن منصور وأبو العيناء ، فوجداه يستاك ويقول ـ وهو متغيّظ ـ : متعتان كانتا على عهد رسول الله وعهد أبي بكر وأنا أنهى عنهما. قال : ومن أنت يا جعل حتى تنهى عما فعله رسول الله وأبوبكر؟! فاراد محمد بن منصور أن يكلمه ، فأومأ إليه أبو العيناء وقال : رجل يقول في عمر بن الخطّاب ما يقول نكلّمه نحن؟! ودخل عليه يحيى بن أكثم فخلا به وخوفه من الفتنة ، ولم يزل به حتى صرف رأيه » (١).

الأقوال في الدفاع عن عمر :

وجاء دور المدافعين والموجهين الذين يتعبون أنفسهم في هذا السبيل ... كما هو شأنهم في كل قضية من هذا القبيل ... حيث الحكم ثابت بالكتاب والسنة ... وبالضرورة من الدين ... والخليفة يخالف بكل صراحة ... حكم رب العالمين ...

لكنهم اختلفوا إلى طوائف ... بين قائل بان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو الذي حرمها ، وقائل بان عمر هو الذي حرمها ... وقائل بان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هوالذي نسخ حكم الإباحة لكن لم يعلم به إلا عمر!!

أما القول الأخير فهو لفخر الرازي ، فقد قال :

« فلم يبق إلا أن يقال : كان مراده أن المتعة كانت مباحة فى زمن الرسول عليه‌السلام ، وأنا أنهى عنه لما ثبت عندي أنه نسخها ، (٢).

وقال النووي بعد قولة عمر :

« محمول على أن الذي استمتع في عهد أبي بكر وعمر لم يبلغه النسخ » (٣).

__________________

(١) وفيات الأعيان ٥ / ١٩٧ بترجمة يحيى بن أكثم.

(٢) تفسير الرازي ، بتفسير الآية.

(٣) المنهاج ـ شرح صحيح مسلم ٦ / ١٢٨.

١٧

وأما القولان الأوّلان فقد ذكرهما ابن قيم الجوزية (١).

لكن اختلف أصحاب القول الأول في وقت تحريم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى أقوال سبعة (٢) :

١ ـ أنه يوم خيبر. وهذا قول طائفة ، منهم الشافعي.

٢ ـ أنه في عمرة القضاء.

٣ ـ أنه عام فتح مكة. وهذا قول ابن عيينة وطائفة.

٤ ـ أنه في أوطاس.

٥ ـ أنه عام حنين. قال ابن القيم : وهذا في الحقيقة هو القول الثاني ، لاتصال غزاة حنين بالفتح.

قلت : وساذكر الحديث فيه.

٦ ـ أنه عام تبوك : وساذكر الحديث فيه.

٧ ـ أنه عام حجة الوداع.

قال ابن القيم : « وهو وهم من بعض الرواة ، سافر فيه وهمه من فتح مكّة إلى حجة الوداع ... وسفر الوهم من زمان الى زمان ، ومن مكان الى مكان ، ومن واقعة إلى واقعة ، كثيراً ما يعرض للحفاظ فمن دونهم » (٣).

وعمدة ما ذكره أصحاب القول الثاني في وجه تحريم ما أحله الله ورسوله وبقي الحكم كذلك حتى ذهاب رسول الله إلى ربه ـ وقد تقرر أن لا نسخ بعده صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ هو : « إن عمر هو الذي حرمها ونهى عنها ، وقد أمر رسول الله باتباع ما سنه الخلفاء الراشدون » (٤).

__________________

(١) زاد المعاد ٢ / ١٨٤ وسنذكر عبارته.

(٢) ذكر منها ابن القيّم أربعة هي : خيبر ، الفتح ، حنين ، حجّة الوداع ، والثلاثة الاخرى من فتح الباري ٩ / ١٣٨.

(٣) زاد المعاد في هدي خير العباد ٢ / ١٨٣.

(٤) زاد المعاد في هدي خير العباد ٢ / ١٨٤.

١٨

فهذه هي الأقوال التي يستخلصها المتتبع المنقب من خلال ، كلماتهم المضطربة وأقوالهم المتعارضة ...

نقد القول بأنّ النسخ من النبي ولم يعلم به إلا عمر :

أما القول الثالث ـ وهوأن النسخ كان من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نفسه ، ولكن لم يعلم به غير عمر ـ فقد كان الأولى بإمامهم!! الفخر الرازي أن لا يتفوّه به! إذ كيف يثبت النسخ عند عمر فقط ولا يثبت عند علي عليه‌السلام وجمهور الصحابة؟! ولماذا خصّه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالعلم به دونهم؟! وهلا أخبرهو عن هذا النسخ ـ الثابت عنده! ـ حين قال له ناصحه ، وهو عمران ابن سوادة : « عابت أمتك منك أربعاً ... قال : وذكروا أنك حرمت متعة النساء وقد كانت رخصة من الله ، نستمتع بقبضة ونفارق عن ثلاث. قال : إن رسولس الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم أحلها في زمان ضرورة ، ثم رجع الناس إلى سعة ... » (١).

ولماذا لم تقبل الأمّة منه ذلك وبقي الخلاف حتى اليوم؟!

نقد القول بان التحريم من عمر ويجب اتباعه :

قال ابن القيم : « فإن قيل : فما تصنعون بما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبدالله قال : كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله وأبي بكر ، حتى نهى عنها عمر في شان عمرو بن حريث. وفيما ثبت عن عمر أنه قال : متعتان كانتا على عهد رسول الله أنا أنهى عنهما : متعة النساء ومتعة الحج؟

قيل : الناس في هذا طائفتان :

__________________

(١) تاريخ الطبري ـ حوادث سنة ٢٣ هـ.

١٩

طائفة تقول : إن عمر هو الذي حرّمها ونهى عنها ، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه [واله] وسلّم باتّباع ما سنه الخلفاء الراشدون. ولم تر هذه الطائفة تصحيح حديث سبرة بن معبد في تحريم المتعة عام الفتح ، فإنه من رواية عبدالملك ابن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جدّه. وقد تكتم فيه ابن معين. ولم ير البخاري إخراج حديثه في صحيحه مع شدّة الحاجة إليه وكونه أصلاً من أصول الإسلام. ولو صح عنده لم يصبرعن إخراجه والإحتجاج به. قالوا : ولوصح حديث سبرة لم يخف على ابن مسعود ، حتى يروي أنهم فعلوها. ويحتج بالاية.

وأيضاً : ولوصحّ لم يقل عمر إنها كانت على عهد رسول الله ، وأنا أنهى عنها أعاقب عليها ، بل كان يقول إنه صلى الله عليه [وآله] وسلّم حرمها ونهى عنها. قالوا : ولو صح لم تفعل على عهد الصدّيق وهوعهد خلافة النبوة حقاً.

والطائفة الثانية رأت صحّة حديث سبرة ، ولولم يصح فقد صحّ حديث عليّ رضي الله عنه أن رسول الله حرّم متعة النساء.

فوجب حمل حديث جابر على أن الذي أخبرعنها بفعلها لم يبلغه التحريم ولم يكن قد اشتهر حتى كان زمن عمر ، فلما وقع فيها النزاع ظهرتحريمها واشتهر.

بهذا تأتلف الأحاديث الواردة فيها. وبالله التوفيق ، (١).

أقول : فالقائلون بهذا القول يلتزمون بان التحريم كان من عمر لا من الله ورسوله ، لكنهم يوجهون تحريم عمر ، بل ينسبونه الى الله ورسوله باعتبارأن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمر باتباع ما سنه الخلفاء الراشدون.

هذا عمدة دليلهم ... فإذا لم يثبت « أن رسول الله أمر باتباع ما سنه الخلفاء الراشدون » لم يبق مناص من الاعتراف بأن ما فعله عمر كان « إحداثاً في الدين » كما قال غير واحد من الصحابة!

ان قوله : « وقد أمر رسول الله باتباع ما سنه الخلفاء » اشارة إلى ما يروونه

__________________

(١) زاد المعاد في هدي خير العباد ٢ / ١٨٤.

٢٠