موسوعة عبد الله بن عبّاس - ج ٤

السيد محمد مهدي السيد حسن الموسوي الخرسان

موسوعة عبد الله بن عبّاس - ج ٤

المؤلف:

السيد محمد مهدي السيد حسن الموسوي الخرسان

المحقق: المترجم:
الموضوع : سيرة النبي (ص) وأهل البيت (ع) الناشر: مركز الأبحاث العقائدية المطبعة: ستاره ISBN: 964-319-504-X
نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

٥
٦

تقديم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

وبه نستعين

الحمد لله ربّ العالمين ، وصلّى الله على محمّد وآله الطيبين الطاهرين ، ورضي الله عن الصحابة المرضيين المهتدين ، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين ، وبعد :

فقد سايرنا في الأجزاء الثلاثة من الحلقة الاُولى من موسوعة (عبد الله بن عباس حبر الاُمة وترجمان القرآن) ، شطراً كبيراً من حياته ، وقرأنا شيئاً كثيراً من صفاته وسماته ، والآن نحن على أبواب عهد جديد من فصول سيرته ، نبدأ الحديث فيه من ولايته على البصرة بعد انتهاء مأساتها ، إذ وضعت الحرب أوزارها ، وكانت أوّل حرب ضروس بين أهل القبلة ، وقد قرأنا كيف كانت سيرة الإمام أميرالمؤمنين (عليه السلام) مع أولئك المحاربين ، ولولا تلك السيرة المثلى ، لما عرف الفقهاء أحكام المحاربين من أهل القبلة ، إذ يقتل المقاتلة ، ولا تُسبى النساء ولا الذراري ، وليس من غنائم إلاّ ما حوته حومة الحرب ، ثمّ الناس آمنون ، كما مرّت الإشارة إلى ذلك.

٧

ولمّا كان الإمام (عليه السلام) من عزمه الرحيل عن البصرة وقاصداً إلى الكوفة ، فلابدّ له من تعيين والي عليها من أصحاب الكفاءات ، مثل باقي ولاته ، لينعم المسلمون وغيرهم من أهل البصرة في ظل ولايته بالأمن والطمأنينة والرخاء.

وكان المرشح الأوّل والأمثل هو عبد الله بن عباس رحمه الله.

فلنقرأ ماذا عن ولايته على البصرة ، إذ هي الثغر الّذي تتبعه ولايات كور فارس والأهواز شمالاً ، وولايات الساحل العربي حت الزارة وخليج عُمان وما بعدها شرقاً ، سوى ما في الجنوب من قبائل في البوادي حتي نجد ـ وما والاهاز فهي ـ البصرة ـ صنو الكوفة أهمية ، وهما معاً العرفان النابضان في حياة الخلافة الإسلامية ، لأهميتهما موقعاً حيث الشرف الإسلامي بجميع ولاياته وأمصاره تابع لهما.

فالآن إلى قراءة تاريخ ابن عباس في أيام ولايته على البصرة :

٨

حبر الأمة وولايته على البصرة

٩
١٠

ولايته على البصرة :

قبل التحدّث عن تلك الولاية ، لابدّ لنا أن نتعرف ـ ولو بايجاز ـ جوانب تلك الولاية ، بدءاً من بلد الولاية من خلال معرفة طبيعته الجغرافية والسكّانية وسعتها الإدارية ، ثمّ معرفة مهمة الوالي من خلال واجباته ومدى صلاحياته. وأخيراً : لماذا تم إختيار ابن عباس بالذات دون غيره؟ وهذه المحاور الثلاثة سوف تعرّفنا البصرة بنية وملامح وحدوداً ، كما تعرّفنا أهميّة اختيار الإمام الشخص المناسب في الموقع المناسب في الظرف المناسب.

والآن فإلى :

المحور الأوّل :

وهو معرفة طبيعة البصرة من خلال موقعها الجغرافي ، ومن خلال التركيبة السكانية فيها ، وبالتالي معرفة سعتها الإدارية.

أمّا عن موقعها الجغرافي فهي تقع موقعاً وسطاً تلتقي عنده الطرق البرية والبحرية الّتي تربط الحجاز جنوباً ببلاد الخليج شرقاً وحتى بلاد خراسان وما والاها. كما تتصل من خلال تلك الطرق بالكوفة شمالاً وبالشام غرباً ، وذلك الموقع هيأ لها جوّ التلاقح الفكري بين مختلف الأجناس الّتي كانت فيها أو الّتي تمرّ بها.

١١

وأمّا عن التركيبة السكانية فيها ، فقد كانت خليطاً من العرب والأنباط والفرس ـ وقد عرفوا بالأساورة ـ والهنود والزنج والزطّ ـ وهم من الهند أو السند ومن فصيلتهم السبابجة ـ الذين كانوا يتولون حراسة السجون وبيت المال. وقد قتل منهم أربعمائة ظلماً وعدواناً ، قتلهم جيش الناكثين بقيادة عائشة وطلحة والزبير ، وذلك يوم الجمل الأصغر.

ثمّ إنّ العرب أنفسهم كانوا قبائل مختلفة متفاوتة في الطباع ، ففيهم الحملان وداعة ، ومنهم القساة الجفاة كالضباع والسباع.

فبلد تمازجت فيه حضارات مدنية أعجمية قبل دخول حضارة الإسلام العربية ، لابدّ أن تتصادم فيه الرغبات والميول وتتعدد فيه المناحي حسب الأهواء ، ولو رجعنا إلى ما ذكره الجغرافيون والمؤرخون من خطط سكانية في تلك الأيام ، لوجدنا بعض الخطط تضم قبائل مضرية وأخرى ربعية وثالثة قحطانية ، ومع كلٍ خليط من غير العرب كالموالي يشاركون في العمل والسكن كما يشاركون في الجهاد وأخذ العطاء. ولم يعرف خلافٌ أوقع شرخاً كبيراً بين القبائل العربية كما أوقعته حرب الجمل ، فقد كانت لها مخلفات مريعة وفظيعة ، فعاشت البصرة بعد يوم الجمل في جوّ قلق واضطراب. ولم لا تكون كذلك وهي تعيش مخلّفات حرب ظالمة أودت بحياة اكثر من عشرين الف قتيل في يوم واحد!

إذن ليس من السهل ولا بالمستطاع لأيّ والٍ أن يمحو أثر ذلك من النفوس بجرّة من القلم ، لتستقر له البلاد بين عشية وضحاها. ومهما تمكّن من محو الفوارق الجنسية ، فلن يتمكن من توحيد الأهواء النفسية. لذلك فلا مناص من

١٢

مواجهة صعوبات في الاستقرار السياسي خاصة ، مضافاً إلى النوازع العصبية الداخلية كالنفرة بين المضرية والرَبعيَة والقحطانية ، وهذه كلها عوامل مثيرة للقلق في الحياة الإجتماعية.

وأمّا عن سعتها الإدارية ، فحسبك أن تعرف أنّ الأقطار الشرقية التابعة لها تبدأ من كور الأهواز وتنتهي حيث وصل الفتح الإسلامي في بلاد خراسان وما والاها. وتشمل كثيراً من بلاد فارس ما بين العراقين. مضافاً إلى المقاطعات التابعة لها في العراق.

وإلى القارئ كشفاً بأسماء تلك البلدان التابعة في حكومتها إلى إيالة البصرة :

١ ـ كور دجلة ـ ويشتمل هذا القطر على المقاطعات التالية ـ : الأبّلة ـ فرات البصرة ـ ميسان.

٢ ـ الأهواز ـ ويشتمل هذا القطر على : مناذر ـ سرّق ـ الأهواز ـ السوس ـ جنديسابور ـ رامهرمز.

٣ ـ فارس ـ ويشتمل هذا القطر على : أرد شيرخرّة ـ سابور ـ اصطخر ـ دارا بجرد ـ توج ـ فساو دارا بجرد.

٤ ـ سجستان ـ بما يشتمل عليه القطر من توابع وقصبات.

٥ ـ كرمان ـ كسابقه.

٦ ـ ثغر الهند ـ وما فيه من بلاد افتتحها المسلمون.

٧ ـ اصفهان ـ وما يتبعها من القصبات.

١٣

٨ ـ خراسان ـ ويشتمل قطرها على : مرو ـ أبرشهر ـ مرو الروذ ـ الطالقان ـ فارياب ـ هراة ـ بادغيس ـ جوشنج.

٩ ـ البحرين وملحقاتها من الجزر.

١٠ ـ اليمامة وما يتبعها من منازل الأعراب (١).

كلّ هذه المقاطعات بما فيها من بلدان وقصبات ومنازل البادية كلها تابعة لولاية البصرة ، يراجع ولاتها وحكامها والي البصرة ، وإليه يحملون ما يجتمع عندهم من الخراج ، وهو الّذي يتولى نصب وعزل الأمراء فيها ، وله حق النظر في أعمالهم ومحاسبتهم. هذا كله من جهة سعتها الإدارية ، أمّا عن شؤون البلاد الداخلية فهذا ما نقرؤه في :

المحور الثاني :

وللتعرف على شؤون البلاد الداخلية علينا أن نعرف واجبات الوالي ومدى صلاحياته ، فإنّ تلك الشؤون داخلة فيها. وهذا يتم من خلال الإلمام بالنقطة التالية لمعنى الإمارة :

قال الماوردي الشافعي في الأحكام السلطانية : « وإذا قلد الخليفة أميراً على أقليم أو بلد كانت إمارته على ضربين : عامة وخاصة ، فأمّا العامة فعلى ضربين : إمارة استكفاء بعقد عن اختيار ، وإمارة استيلاء بعقد عن اضطرار ، فأمّا إمارة الإستكفاء الّتي تنعقد عن اختياره فتشتمل على عمل محدود ونظر معهود ، والتقليد فيها أن يفوّض إليه الخليفة إمارة بلد أو أقليم ولاية على جميع أهله

____________

(١) فارسي نامه ناصري / ٦ ط ايران ، التنظيمات الإجتماعية والإقتصادية في البصرة للدكتور صالح أحمد العلي ّ / ٣٠٠ ـ ٣٠٩ ط المعارف بغداد سنة ١٩٥٣.

١٤

ونظراً في المعهود من سائر أعماله فيصير عام النظر فيما كان محدوداً من عمل ومعهوداً من نظر ، فيشتمل نظره فيه على سبعة أمور :

أحدها : النظر في تدبير الجيوش وترتيبهم في النواحي وتقدير أرزاقهم إلاّ أن يكون الخليفة قدّرها فيذرها عليهم.

والثاني : النظر في الأحكام وتقليد القضاة والحكام.

والثالث : جباية الخراج وقبض الصدقات وتقليد العمال فيهما ، وتفريق ما استحق منهما.

والرابع : حماية الدين والذبّ عن الحريم ، ومراعات الدين من تغيير أو تبديل.

والخامس : إقامة الحدود في حق الله وحقوق الآدميين.

والسادس : الإمامة في الجمع والجماعات حتى يؤمّ بها أو يستخلف عليها.

والسابع : تسيير الحجيج من عمله ومن سلكه من غير أهله ، حتى يتوجهوا معانين عليه. فإن كان هذا الأقليم ثغراً متاخماً للعدو اقترن بها.

والثامن : وهو جهاد من يليه من الأعداء وقسّم غنائمهم في المقاتلة وأخذ خمسها لأهل الخمس. وتعتبر في هذه الإمارة الشروط المعتبرة في وزارة التفويض » (١).

« وتلك الشروط هي شروط الإمامة إلاّ النسب وحده ... ويحتاج فيها إلى شرط زائد على شروط الإمامة وهو أن يكون من أهل الكفاية فيما وكّل إليه من أمري الحرب والخراج له خبرة بهما ومعرفة بتفصيلهما ... » (٢).

____________

(١) الأحكام السلطانية للماوردي الشافعي / ٢٧ ـ ٢٨ ط المحمودية بمصر بلد ـ ، وقارن الأحكام السلطانية لأبي يعلى الحنبلي / ١٧ ـ ١٨ تح ـ حامد الفقي.

(٢) نفس المصدر / ٢٠.

١٥

وستأتي شواهد على ما قام به ابن عباس أيام إمارته بالبصرة في مهام الأعمال كتولية القضاء وديوان الخراج وبيت المال وشؤون الأمن إلى غير ذلك ممّا سيوافينا الحديث عنها فيما نقرأ من تاريخ حياته في أيام ولايته.

المحور الثالث :

لماذا تم اختيار ابن عباس بالذات دون غيره؟ وهل أثار النقمة؟

والجواب على السؤال الأوّل : هو أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كما في حديث ابن عباس قال : (من استعمل عاملاً من المسلمين وهو يعلم أنّ فيهم أولى بذلك منه وأعلم بكتاب الله وسنة نبيّه فقد خان الله ورسوله وجميع المسلمين) (١).

وهذا الحديث يجعلنا على يقين بأنّ الإمام لم يجاوزه في اختيار ولاته وعماله فهو الّذي كان على وتيرة النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في اتباع سنته.

وأمّا الجواب على السؤال الثاني : هو أنّ مسألة اختيار الولاة منذ عهد عثمان كانت تعيش في أذهان المسلمين عقدة مستعصية ولدت النقد له والنقمة عليه ، إذ كانت وقفاً على الأقرباء والأنسباء ، ولم تزل بعدُ نفوس المسلمين في تخوّف من أن تعود الكرّة في عهد الإمام كما كانت في عهد عثمان.

ولا شك أنّ الإمام كان يدرك ما في نفوس المسلمين من تخوّف ، ولمّا كان بصيراً بأصحابه الذين لهم قابليات الولاية حسب الكفاءة والمؤهلات ، فهو سيختار منهم مَن لا تأخذه في تعيينه لومة لائم ، فذلك هو الإجراء الملائم

____________

(١) أنظر تفسير المنار ٥ / ٢١٥ ـ ٢١٦ باختصار نقلاً عن صحيح مسلم وأبي داود.

١٦

وسلوكية الإمام وسياسته. ولو استعرضنا الذين ولاّهم بالمدينة إبّان حكمه ، لوجدنا الأبعدين منهم أكثر من الأقربين وأنه لم يكن ليولي ذوي الأرحام على حساب القربى وهو يعلم نقمة المسلمين.

ولو عدنا نستذكر حديث أوّل والٍ أراده ولم يتمّ له الأمر ، لوجدناه أراد تولية عبد الله بن عباس على الشام ، ومعلوم أن ابن عباس هو ابن عمه ، ونسخة مصغرة عنه ـ لو صح التعبير ـ فلنقرأ ما رواه الطبري في ذلك في حديث مشورة المغيرة وابن عباس وقد مرّ ، وقد جاء فيه : « فقال لابن عباس : سر إلى الشام فقد وليتكها ، فقال ابن عباس : ما هذا برأي ، معاوية رجل من بني أمية وهو ابن عم عثمان وعامله على الشام ، ولست آمن من أن يضرب عنقي ، أو أدنى ما هو صانع أن يحبسني فيتحكم عليّ. فقال عليّ : ولم؟ قال : لقرابة ما بيني وبينك ، وان كلّ ما حُمل عليك حُمل عليّ ، ولكن اكتب إلى معاوية فمنّه وعِده ، فأبى عليّ وقال : والله لا كان هذا أبداً » (١).

إذن كلّ ما حُمل على الإمام حُمل على ابن عباس ، للقرابة الّتي بينهما. ومن الطبيعي هكذا محاولة لا تثير لغطاً ولا تساؤلاً أو نقمة بين المسلمين ، لأنها حديث خاص بين الإمام وبين ابن عمه ، ولم يتسرب إلى الخارج إلاّ بعد حين ، فهم لم يعلموا به في حينه لنعرف مدى تأثيره في مجتمعهم.

لكن الّذي لا شك فيه أنّهم علموا بأسماء الولاة الذين أرسلهم إلى الأقطار بعد تولّيه الحكم ، وهم على ما في الطبري من حديث سيف (؟) في حوادث سنة٣٦ هـ : « بعث عليّ عمّاله على الأمصار فبعث عثمان بن حنيف على البصرة ،

____________

(١) تاريخ الطبري ٤ / ٤٤٠ ، وطبقات ابن سعد ١ / ١٧٣ تح ـ السُلمي.

١٧

وعمارة بن شهاب على الكوفة وكانت له هجرة ، وعبيد الله بن عباس على اليمن ، وقيس بن سعد على مصر وسهل بن حنيف على الشام ... وقد عاد إثنان منهم سهل بن حنيف وعمارة بن شهاب لمقاومة ردّتهما » (١).

فهذه أسماء خمسة من العمال لم يكن بينهم هاشمي من ذوي القربى إلاّ عبيد الله بن عباس ، فهو واحد من خمسة ، وهذا لا يثير تساؤلاً فضلاً عن نقمته. ثمّ ذكر الطبري من حديث الزهري : « فبلغ عليّاً مسيرهم ـ يعني الناكثين ـ فأمّر على المدينة سهل بن حنيف » (٢).

وذكر ابن الأثير في أسد الغابة في ترجمة قثم : « ولمّا ولي عليّ بن أبي طالب الخلافة استعمل قثم بن العباس على مكة فلم يزل عليها حتى قتل عليّ قاله خليفة. وقال الزبير : استعمله عليّ على المدينة » (٣).

وأحسب أنّ قول خليفة هو الأصح لأنّا وجدنا في نهج البلاغة كتابين ذكرهما الشريف الرضي بعنوان الأوّل : ومن كتاب إلى قثم بن العباس وهو عامله على مكة ، أقول : وفي هذا الكتاب يحذّره من جواسيس معاوية في عمله (٤). والثاني : من كتاب إلى قثم بن العباس وهو عامله بمكة ، أقول : وفيه يأمره بإقامة الحج وينهاه عن الاحتجاب ، ويحظر على أهل مكة أخذ أجرة للسكنى من الحجاج (٥).

____________

(١) نفس المصدر / ٤٤٢.

(٢) نفس المصدر / ٤٥٢.

(٣) اُسد الغابة ٣ / ١٩٧ ط افست إسلامية.

(٤) شرح نهج البلاغة لمحمد عبده ٣ / ٦٥.

(٥) نفس المصدر / ١٤٠.

١٨

فهذان الكتابان خير دليل على خطأ الزبير بن بكار في زعمه تولية قثم على المدينة. نعم ذكر ابن قتيبة في الإمامة والسياسة فقال : « واستخلف على المدينة قثم بن العباس ـ وكان له فضل وعلم ـ وأمره أن يشخص إليه من أحبّ الشخوص ولا يحمل أحداً على ما يكره » (١). فلعل هذا الاستخلاف في فترة معينة لأمر معيّن ، تخيّله الزبير ـ بن بكار ـ ولاية عامة ، مع أنّ الثابت ان الوالي كان سهل بن حنيف ، ويؤكد ذلك ما جرى للناكثين بالبصرة مع أخيه عثمان بن حنيف حين أرادوا قتله قال لهم : ما شئتم ، أمّا أنّ سهل بن حنيف وال على المدينة وإن قتلتموني انتصر (٢).

والآن وبعد تولية قثم على مكة أصبح اثنان من ذوي القربى وليا لابن عمهما مكة واليمن ، ولم نسمع نفثة سخط ولا تأفف ناقم لولايتهما (٣) ، ولكن سنفاجيء القارئ برواية مجهولة الراوي تجعل من ولاية عبد الله بن عباس مثار نقمة وسخط ، وإثارة لغط استطال لسانه قائلاً : لماذا قتلنا الشيخ بالأمس. وتجعل

____________

(١) الإمامة والسياسة ١ / ٥٠.

(٢) نفس المصدر / ٤٧٤.

(٣) نسب الصولي شعراًً للمأمون العباسي ذكره في حديثه مع الراضي بالله العباسي ، بيّن فيه سبب إحسان المأمون إلى العلوية وهو قوله :

ألام على شكر الوصِيّ أبي الحسن

وذلك عندي من عجائب ذا الزمَن

خليفة خير الناس والأوّل الذي

أعان رسول الله في السرّ والعلَن

ولولاه ما عُدّت لهاشَم إمرة

وكانت على الأيام تُقصى وتُمتَهن

فولى بني العباس ما اختصّ غيرهم

ومن منه أولى بالتكرّم والمنن

فأوضح عبد الله بالبصرة الهدى

وفاض عبيد الله جوداً على اليَمن

وقسّم اعمال الخلافة بينَهم

فلا زلت مربوطاًً بذا الشكر مُرتَهن

مروج الذهب ٤ / ٣٣٤ تح ـ محي الدين ط التجارية سنة ٣٧٧ هـ.

١٩

الأشتر رفيق عبد الله بن عباس في درب الكفاح والسلاح وكأنّه هو الناقم والساخط ، وتجعل الإمام في موقف استلطاف لامتصاص النقمة ، فلابدّ لنا من وقفة تنقيب عن صحة الراوية.

لماذا قتلنا الشيخ بالأمس؟

ذكر ابن أبي الحديد في شرح النهج في ترجمة مالك الأشتر فقال : « وكان فارساً شجاعاً رئيساً من أكابر الشيعة وعظمائها شديد التحقق بولاء أمير المؤمنين (عليه السلام) ونصره ، وقال فيه بعد موته : رحم الله مالكاً فلقد كان لي كما كنت لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، ولمّا قنت عليّ (عليه السلام) على خمسة ولعنهم وهم معاوية وعمرو بن العاص وأبو الأعور السلمي وحبيب بن مسلمة وبسر بن أرطاة ، قنت معاوية على خمسة وهم عليّ والحسن والحسين (عليهم السلام) وعبد الله ابن العباس والأشتر ولعنهم.

وقد روي أنّه قال ـ لمّا ولّى عليّ (عليه السلام) بني العباس على الحجاز واليمن والعراق ـ : فلماذا قتلنا الشيخ بالأمس؟ وأنّ عليّاً (عليه السلام) لمّا بلغته هذه الكلمة أحضره ولاطفه واعتذر إليه وقال له : فهل وليتُ حسناً أو حسيناً أو أحداً من ولد جعفر أخي أو عقيلاً أو واحداً من ولده ، وإنّما وليت ولد عمي العباس لأنّي سمعت العباس يطلب من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الإمارة مراراً فقال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : ياعم إنّ الإمارة إن طلبتها وُكلتَ إليها ، وإن طلبتك اُعنتَ عليها ، ورأيت بنيه في أيام عمر وعثمان يجدون في أنفسهم إن ولّي غيرهم من أبناء الطلقاء ولم يول أحداً منهم ، فأحببت أن أصل رحمهم وأزيل ما كان في أنفسهم ، وبعد

٢٠