إستقصاء الإعتبار - المقدمة

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم

إستقصاء الإعتبار - المقدمة

المؤلف:

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم

المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم المترجم:
الموضوع : الحديث وعلومه الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم ISBN: 964-319-173-7
نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‌

المقدمة :

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين أبي القاسم محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.

وبعد ، فإنّ ممّا أطبق عليه المسلمون بشتّى طوائفهم ومذاهبهم هو أنّ كتاب الله وسنّة رسوله هما المصدران الأوّلان لمعرفة الأحكام الشرعية والتكاليف المناطة بالفرد المسلم ، ولا يهمنا في محلّ كلامنا هنا الاختلاف بعد ذلك في باقي مصادر التشريع الإسلامي ، إذ المراد هنا هو إلقاء الضوء على السنّة النبويّة الشريفة ومداليلها الشرعية وتبيانها لتفاصيل مرادات الشارع المقدس من كتاب الله المجيد.

وللأهمية البالغة للسنّة المباركة حرص المسلمون والشيعة الإماميّة منهم قبل باقي الطوائف على تدوينها والحفاظ عليها ، حتّى أنّهم كانوا يضربون آباط الإبل ويقطعون الفيافي من أجل العثور على حديث من‌

٥

أحاديث البشير النذير.

وإذا كان تدوين السنّة الشريفة قد تعثّر شوطاً طويلاً عند أبناء العامّة من المسلمين ، ومن بعد ذلك دوّنت تحت ضغوط وتأثيرات الحكّام والسلطات ، فإنّ التدوين عند الإمامية اتّخذ شكلاً مستقلا عن الحكومات ، وفي وقت مبكّر من عصر الإسلام.

ولذلك نجد بصمات الاستقلال وعدم التأثّر بالمؤثّرات الحكوميّة والسياسية والعنصرية والعصبية القبليّة واضحة المعالم في مدوّنات الإماميّة للسنّة الشريفة ، كما نلمس بوضوح آثار منقولات أهل البيت عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دون المنقولات عمّن لا يمتّ للتدوين بصلة إلاّ بنحو بعيد وبعد زمان متطاول.

فقد حرص أئمّة أهل البيت بدءاً من الإمام علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، وانتهاءً بالإمام الحجة بن الحسن عليه‌السلام ، على نقل أحاديث النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسنّته على وجهها التامّ دون أيّ تغيير ، بل جهدوا في بيان وتصحيح التحريفات والانحرافات والتصحيفات وسوء الفهم الّذي وقع عند عامة المسلمين ، ففهموا الأحاديث على غير وجهها الصحيح.

هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإنّ أئمة آل محمّد عليهم‌السلام وضعوا قواعد وقوانين إسلامية ثابتة لمعرفة الحديث ، صحيحه من سقيمه ، والمعوّل عليه من المطرّح ، وما صدر فعلاً عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وما تقوِّل فيه عليه.

وقد تمخّض ذلك المسير العلميّ الطويل عن بروز أربعمائة أصل من الأصول المعوّل عليها إجمالاً في الأحاديث النبوية التي نقلها أهل البيت للمسلمين ، ومن ثمّ تناقلتها عنهم الأجيال.

٦

وبعد ذلك ، تلخّصت زُبدة تلك الأصول الأربعمائة في الكتب الحديثية الأربعة التي عُني بجمع شتاتها وتبويبها المحمّدون الثلاثة في كتاب الكافي ومن لا يحضره الفقيه والتهذيب والاستبصار.

الاستبصار من الكتب الأربعة :

وإذا لاحظنا هذه الأسفار الحديثية النفيسة ، وجدناها تترتب وفق التسلسل الزمني لتأليفها على النحو التالي :

١ ـ الكافي : لثقة الإسلام أبي جعفر محمّد بن يعقوب بن إسحاق الكليني ، المتوفّى سنة ٣٢٩ ه‍.

٢ ـ من لا يحضره الفقيه : لأبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي ، المتوفّى سنة ٣٨١ ه‍.

٣ ـ تهذيب الأحكام في شرح المقنعة : لشيخ الطائفة أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي المتوفّى سنة ٤٦٠ ه‍.

٤ ـ الاستبصار فيما اختلف من الأخبار : لشيخ الطائفة أيضاً.

فمن هذا الترتيب يظهر جليّا أنّ الاستبصار هو آخر الكتب الأربعة تأليفاً ، إذ أنّه يقع زمنيّاً بعد كتاب تهذيب الأحكام ، وقد صرّح شيخ الطائفة نفسه فيه بأنّه ألّفه بعد التهذيب ، فأحال على التهذيب في عدّة مواضع منه.

والّذي نريد أن نقوله هنا هو : إنّنا عند ما دقّقنا النظر في علّة تأليف شيخ الطائفة للإستبصار بعد التهذيب رأينا أنّ للشيخ عناية خاصّة بهذا المؤلّف النفيس ، ربّما يدركها الحاذق من خلال عنوان الكتاب ، إذ أنّ الغرض الأصلي للشيخ من كتابه الاستبصار هو بيان وجوه الجمع بين ما قد يبدو متعارضاً من الأحاديث الواردة عن أئمة أهل البيت ، وهو ما يسمّى في‌

٧

المصطلح الأصولي « بالتعارض البدوي » أو « التعارض غير المستقر » ، وهذه ميزة انفرد بها الاستبصار من بين الكتب الأربعة ، وله قدم السبق في هذا الميدان من بينها.

ولا نكاد نبتعد عن الصواب إذا قلنا أنّ لتأخر الشيخ الطوسي عن سابِقَيه ، وتأخّر الاستبصار عن التهذيب ، دوراً فاعلاً في نضوج فكرة التأليف ، وتقدّم هذه المدوّنة المتأخّرة زماناً خطوة أو خطوات إلى الأمام من حيث النضوج العلمي ، فالكافي والفقيه والتهذيب كلها لم تضع في منهجها طريقة الجمع بين المختلف من الأخبار بالدرجة الأساسيّة ، فإن جاء شي‌ء من ذلك فيها كان عرضيّاً ومن فيوضات الأقاليم الشريفة لمؤلّفيها ، بخلاف كتاب الإستبصار الّذي جعل جُلّ همّه وغاية سعيه إلى حلّ ما اختلف من الأخبار الواردة عن أهل البيت والخروج بنتيجة فقهيّة ، بعد الفراغ من النتيجة الترجيحية لرواية على أخرى أو لطائفة من المرويّات على طائفة أُخرى.

كلّ هذا من حيث نفس منهجيّة الكتاب ، ومن حيثية أخرى نرى أهميّة هذا الكتاب من خلال عبقريّة مؤلّفه وإلمامه الواسع بمرويّات أهل البيت عليهم‌السلام ، ومن خلال كونه شيخَ الطائفة وفقيهها في زمانه ، وقد عرف واشتهر بحقّ بصواب استنباطاته وعلميّته الفائقة في تشخيص مرادات المعصوم من المرويّات ، حتّى أنّ آرائه ما زالت حتّى اليوم شاخصة للعيان ينهل منها كلّ فقيه ، ويستفيد منها كلّ عالم ، فلا تضع يدلك على كتاب من كتب الفقه الإماميّ إلاّ وتطالعك آراء الشيخ الطوسي شامخة ، موضوعة موضع الاحترام أخذاً وردّاً من قبل الأعلام.

كلّ هذه الأمور مجتمعة تجعل لكيفيّة الجمع بين مختلفات الأخبار‌

٨

عند الشيخ الطوسي أهميّة قصوى وبرمجة رائعة في الفقه الإمامي ، كما تضفي على كتاب الاستبصار مسحة اضافية من العبقريّة والإبداع ، لا نجدها في نظائره الثلاثة الأُخر.

ولذلك قال العلاّمة الطهراني في حقّ الكتاب : الاستبصار فيما اختلف من الأخبار ، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمّد بن الحسن بن عليّ الطوسيّ. ، هو أحد الكتب الأربعة والمجاميع الحديثية التي عليها مدار استنباط الأحكام الشرعيّة عند الفقهاء الاثنى عشرية منذ عصر المؤلف حتّى اليوم. غير أنّ هذا مقصور على ذكر ما اختلف فيه من الأخبار وطريق الجمع بينها ، والتهذيب جامع للخلاف والوفاق (١).

وقال السيّد حسن الصدر الكاظمي : وأمّا الاستبصار فهو بضعة من التهذيب ، أفردها مقتصراً على الأخبار المختلفة ، والجمع بينها بالقريب والغريب (٢).

شروح الاستبصار :

ولهذه الخصوصيّة المتطوّرة فكريّا التي امتاز بها كتاب الاستبصار مضافاً إلى كونه ركناً من أركان الحديث الإمامي عكف عليه العلماء قرنا بعد قرن بالشرح والتحشية والتعليق ، بعد الفراغ عن أنّ ما من عالم إمامي إلاّ وهو ينتهل من معين هذا الكتاب الذي ضمّ بين دفّتيه كنوزاً من علوم ومرويات محمّد وآل محمّد عليهم‌السلام.

قال العلاّمة الطهراني : وهو [ أيّ الاستبصار ] أحد الكتب الأربعة‌

__________________

(١) الذريعة إلى تصانيف الشيعة ٢ : ١٤.

(٢) نهاية الدراية في شرح الوجيزة : ٦٠٢.

٩

والمجاميع الحديثية التي عليها مدار استنباط الأحكام الشرعيّة عند فقهاء الشيعة الإمامية الاثني عشرية منذ عصر مؤلّفه حتّى اليوم ، ولذلك كثير شرّاحه والمعلّقون عليه منذ القرن الخامس إلى الآن (١).

وقد ذكر ثلاث عشرة حاشية على الاستبصار ممّا عثر عليه هو بنفسه قدّس الله سرّه (٢) ، دون ما طمسته يد الزمان وأخفاه الحدثان ، وغير ما ذكره الطهراني من تعليقاته وحواشيه بأسماء خاصّة لا بعنوان الشرح والتعليقة.

وعلى كلّ حال فإنّ الذي يهمّنا هنا هو شروح الإستبصار ، لأنّ ما نحن بصدد الكلام عنه هو أحد شروح الاستبصار ، فكان لا بُدّ من معرفة أهمّية ومحلّ هذا الشرح بين الشروح الأُخرى ، وميزاته الّتي يمتاز بها عن باقي الشروح ، وأين يقع مكانه زمنيّاً من مراحل التطوّر والمواكبة في الفقه الإماميّ ، وشروحات الكتب الأربعة.

والذي نراه بارزاً وشاخصاً للعيان من أمّهات الشروح للإستبصار هي الشروح التالية :

١ ـ شرح الإستبصار : للعلاّمة الفقيه السيّد محمّد بن عليّ بن الحسين الموسوي العاملي ( صاحب المدارك ) ، المتوفّى سنة ١٠٠٩ ه‍.

٢ ـ شرح الاستبصار : للسيّد ماجد بن السيّد هاشم الجد حفصي البحراني ، المتوفّى سنة ١٠٢١ ه‍.

٣ ـ شرح الإستبصار : للعلاّمة المولى عبد الله بن الحسين التستري ، المتوفّى سنة ١٠٢١ ه‍.

٤ ـ شرح الإستبصار : للعلاّمة السيّد ميرزا محمّد بن عليّ بن إبراهيم‌

__________________

(١) الذريعة إلى تصانيف الشيعة ١٣ : ٨٣.

(٢) انظر الذريعة ٦ : ١٧ ١٩.

١٠

الأسترآبادي ، الرجالي المعروف ، المتوفّى سنة ١٠٢٨ ه‍.

٥ ـ شرح الاستبصار ( استقصاء الاعتبار ) ، للشيخ الجليل فخر الدين أبي جعفر محمّد بن جمال الدين أبي منصور الحسن ، بن زين الدين الشهيد الثاني ، المتوفّى سنة ١٠٣٠ ه‍.

٦ ـ شرح الإستبصار ، الذي هو تعليقات للسيّد يوسف الخراساني ، كتبها سنة ١٠٣٠ ه‍.

٧ ـ شرح الاستبصار ( جامع الاخبار في شرح الاستبصار ) : للشيخ عبد اللطيف بن أبي جامع العاملي ، تلميذ الشيخ البهائي الذي توفي سنة ١٠٣١ ه‍.

٨ ـ شرح الاستبصار : للمولى محمّد أمين بن محمّد شريف الأسترآبادي ، المتوفّى سنة ١٠٣٦ ه‍.

٩ ـ شرح الاستبصار : لسيّد الفلاسفة مير محمّد باقر بن شمس الدين محمّد الحسيني المشهور بـ « الداماد » المتوفّى سنة ١٠٤١ ه‍.

١٠ ـ شرح الإستبصار : للعلاّمة الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ نور الدين عليّ الجامعي العاملي ، المتوفّى سنة ١٠٥٠ ه‍.

١١ ـ شرح الإستبصار : للعلاّمة السيّد مير شرف عليّ بن حجّة الله الشولستاني ، المتوفّى سنة ١٠٦٠ ه‍.

١٢ ـ شرح الاستبصار : للشيخ زين الدين عليّ بن سليمان بن الحسن ابن درويش بن حاتم البحراني ، المعروف بـ « عليّ القدمي » ، المتوفّى سنة ١٠٦٤ ه‍.

١٣ ـ شرح الاستبصار : للمولى عبد الرشيد بن المولى نور الدين التستري ، المتوفّى سنة ١٠٧٨ ه‍.

١١

١٤ ـ شرح الاستبصار : للفاضلة حميدة الرويدشتي بنت المولى محمّد شريف بن شمس الدين محمّد الأصفهاني ، المتوفّاة سنة ١٠٨٧ ه‍.

١٥ ـ شرح الاستبصار : للشيخ الفقيه قاسم بن محمّد جواد المعروف بـ « ابن الوندي » وبالفقيه الكاظمي ، المتوفّى سنة ١١٠٠ ه‍.

١٦ ـ شرح الاستبصار : للفقيه المحدّث الجزائري ، السيّد نعمة الله بن عبد الله الموسوي التستري ، المتوفّى سنة ١١١٢ ه‍.

١٧ ـ شرح الاستبصار : للسيّد عبد الرضا بن عبد الصمد الحسيني الأوالي البحراني ، معاصر المحدّث الجزائري.

١٨ ـ شرح الاستبصار : للسيّد مير محمّد صالح بن عبد الواسع الخاتون‌آبادي ، صهر العلاّمة المجلسي ، المتوفّى سنة ١١١٦ ه‍.

١٩ ـ شرح الإستبصار : للعلاّمة السيّد عبد الله بن نور الدين الجزائري التستري ، المتوفّى سنة ١١٧٣ ه‍.

٢٠ ـ شرح الاستبصار : للميرزا حسن بن عبد الرسول الحسيني الزنوزي الخوئي ، المتوفّى سنة ١٢٢٣ ه‍.

٢١ ـ شرح الاستبصار : للمحقّق المقدس السيّد محسن بن الحسن الأعرجي الكاظمي ( صاحب المحصول ) ، المتوفّى سنة ١٢٢٧ ه‍.

٢٢ ـ شرح الاستبصار : للشيخ عبد الرضا الطفيلي النجفي ، الّذي كان حيّاً في سنة ١٣٠٥ ه‍.

فهذه اثنان وعشرون شرحاً للإستبصار ، كلّها كتبت بيد علماء ومجتهدي زمانهم ، عناية منهم بهذا السفر العظيم.

ويلاحظ أنّه تتابعوا عليه قرناً بعد قرن بالشرح والتحشية والتعليق ، رأينا في هذه العجالة كيف أن أجلّة العلماء من القرن الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر ، قد توافروا عليه بالشرح والاهتمام.

١٢

استقصاء الاعتبار :

ولعلّ من أبرز شروح الاستبصار هو « استقصاء الاعتبار » ، لعبقرية كاتبه من جهة ، ولميزاته وفوائده الغزيرة من جهة أخرى كما سيأتي ، فلا غرو أن يحتلّ هذا الشرح المكانة المرموقة بين شروح الاستبصار.

قال الشيخ آقا بزرك الطهراني : استقصاء الاعتبار في شرح الاستبصار للشيخ أبي جعفر محمّد بن أبي منصور الحسن. كبيرٌ ، خرج منه ثلاثة مجلّدات في الطهارة والصلاة والنكاح والمتاجر إلى آخر القضاء. بدأ فيه بمقدّمة فيها اثنتا عشرة فائدة رجالية ، نظير المقدمات الاثنتي عشرة لمنتقى الجمان لوالده الشيخ حسن ، وبعد المقدمة أخذ في شرح الأحاديث ، فيذكر الحديث ويتكلّم أوّلاً فيما يتعلّق بسنده من أحوال رجاله تحت عنوان « السند » ، ثمّ بعد الفراغ عن السند يشرع في بيان مداليل ألفاظ الحديث وما يستنبط منها من الأحكام تحت عنوان « المتن » (١).

وقد ذكر هذا التأليف القيّم كلّ من ترجم للشيخ المترجم له ، مضافاً إلى تآليف أخرى قيّمة له في عدّة علوم.

وكتاب الاستقصاء فيه من الفوائد ما يعسر أن تجده في غيره من الكتب ، خصوصاً في المسائل الدرائية والرجالية ، فإنّه قدس‌سره كان ذا باع طويل في هذا المجال ، وحسبك أنّ المحدّث النوري في خاتمة المستدرك أفاد كثيرا من تلكم الفوائد. وسنشير إلى ميزات اخرى لشرحه هذا عند التعرّض لذلك في هذه المقدمة.

__________________

(١) الذريعة ٢ : ٣٠.

١٣

المؤلّف‌ ـ ولادته :

هو الشيخ الجليل فخر الدين أبو جعفر محمّد بن جمال الدين أبي منصور الحسن ، بن زين الدين الشهيد الثاني.

ولد شيخنا المترجم له ضحى يوم الاثنين العاشر من شهر شعبان المعظّم عام ثمانين وتسعمائة.

وقد وجد تاريخ ولادته هذا بخطّ والده الشيخ حسن بن الشهيد الثاني ، كما صرّح بذلك الشيخ عليّ ابن المترجم له في كتابه « الدرّ المنظوم والمنثور ».

ويبدو أنّ والده كان يتوسّم فيه مخايل النجابة والفقاهة والعلم ، فأحبّه وحرص على ضبط تاريخ ولادته بالشعر ، بعد أن فدّاه وأخاه بنفسه ، وإليك النص الذي نقله الشيخ عليّ في كتابه الدر المنظوم والمنثور ، قال :

وعندي بخطّ جدي المرحوم المبرور الشيخ حسن ، ما هذا لفظه بعد ذكر مولد ولده زين الدين عليّ ـ : ولد أخوه فخر الدين محمّد أبو جعفر وفّقهما الله لطاعته وهداهما إلى الخير وملازمته ، وأيّدهما بالسعد والإقبال في جميع الأمور ، وجعلني فداهما من كلّ محذور ضحى يوم الاثنين ، العاشر من الشهر الشريف شعبان عام ثمانين وتسعمائة ، وقد نظمت هذا التاريخ عشية الخميس تاسع شهر رجب عام واحد وثمانين وتسعمائة بمشهد الحسين عليه‌السلام بهذين البيتين ، وهما :

أحمد ربي الله إذ جاءني

محمّد من فيض نُعماه

تاريخه لا زال مثل اسمه

« بجوده يسعده الله »

__________________

(١) روضات الجنات ٧ : ٤٤.

١٤

نشأته :

لم تذكر المصادر التي ترجمت للمؤلف مكان ولادته على وجه الدقة والتحديد ، إلاّ أنّ قرائن الأحوال وعباراتهم في شرح أحواله تدلّ على أنّه ولد في لبنان ، مضافاً إلى أنّ الحر العاملي ذكره في القسم الأوّل من أمل الآمل الّذي ذكر فيه علماء جبل عامل ، وكان أوّل اشتغاله لطلب العلم فيها.

قال الشيخ يوسف البحراني : وكان اشتغاله أوّلاً عند والده والسيّد محمّد صاحب المدارك ، قرأ عليهما وأخذ عنهما الحديث والأُصولين وغير ذلك من العلوم ، وقرأ عليهما مصنّفاتهما من المنتقى والمعالم والمدارك ، وما كتبه السيّد على المختصر النافع ، ولما انتقلا إلى رحمة الله بقي مدّة مشتغلاً بالمطالعة.

ثمّ سافر إلى مكّة المشرّفة واجتمع فيها بالميرزا محمّد الأسترآبادي صاحب كتاب الرجال ، فقرأ عليه الحديث.

ثمّ رجع إلى بلاده وأقام بها مدّة قليلة ، ثمّ سافر إلى العراق ، خوفاً من أهل النفاق وعداوة أهل الشقاق ، وبقي مدّة في كربلاء مشتغلاً بالتدريس.

ثمّ سافر إلى مكّة المشرّفة ، ثمّ رجع منها إلى العراق وأقام فيها مدّة.

ثمّ عرض ما يقتضي الخروج منها ، فسافر إلى مكّة المشرّفة ، وبقي فيها إلى أن توفّي رحمه‌الله (١).

وذكر الآقا بزرك أنّه اختصّ بالميرزا محمّد الرجاليّ خمس سنين (٢).

__________________

(١) لؤلؤة البحرين : ٨٢ ٨٣. وعنه في روضات الجنات ٧ : ٤٣. وتنقيح المقال ٣ : ١٠٢.

(٢) طبقات أعلام الشيعة ٥ : ٥١٩.

١٥

وأوضح الخوانساري أنّ ملازمته للميرزا الأسترآبادي كانت في مكّة المكرّمة ، وأنّ المترجم له كان معجباً غاية الإعجاب ، بأستاذه الرجاليّ النحرير ، فقال : وكان هو أيضاً مجاوراً بمكّة المعظّمة ، وملازماً لمجلس مباحثة صاحب الترجمة المتقدمة [ أي الميرزا محمّد الأسترآبادي ] ، ومعتقداً لغاية نبله وفضله وتحقيقه ، بل مفتخراً بالاهتداء إلى سبيله وطريقه (١).

ونقل الخوانساري في الروضات عن ولد المترجم له في كتابه « الدرّ المنثور » قوله : وكان وهو في البلاد يذهب إلى دمشق ويقيم بها مدّة بعد مدّة ، واختلط بفضلاء العامّة ، وصاحبهم وعاشرهم أحسن عِشرة ، وقرأ عندهم في علوم شتّى (٢).

وهذا ما يؤكّد لنا أنّ هذا العالم الجليل ، وغيره من علماء وفضلاء الطائفة كانوا حريصين أشدّ الحرص على تتبّع الحقائق ، وأخذ الشاردة والواردة من العلماء ، أيّاً كان انتماؤهم المذهبيّ ، لأنّ الحقيقة العلمية مناطها الدليل والبرهان ، لا المذاهب والمشارب.

فقد تتلمَذَ المؤلّف رحمه‌الله منذ نعومة أظفاره على كبار علماء الطائفة الإماميّة ، مثل والده وصاحب المدارك ، كما يبدو واضحاً جليّا أنّه كان مولعاً بعلم الرجال ، وقد مرّ أنّه لازم الميرزا محمّد الأسترآبادي خمس سنين يباحث ويدرس معه في علم الرجال. ولذلك برزت عبقريته وقدرته العلميّة في هذا المجال أكثر من أيّ مجال آخر ، وهذا ما سنوضّحه في ميزات الكتاب ، وما يبدو شاخصاً للعيان من خلال مباحث شرح الاستبصار ، وقد وقعت تحقيقاته الرجالية موقع إجلال وإكبار علماء الطائفة‌

__________________

(١) روضات الجنات ٧ : ٣٩.

(٢) روضات الجنات ٧ : ٤١.

١٦

ومحدّثيهم ، حتّى أنّ العلاّمة المحدّث النوري عبّر عنه تارة بـ « المحقّق الشيخ محمّد » (١) ، وتارة بـ « المدقّق الشيخ محمّد » (٢) ، وقد أفاد منه ونقل الكثير من تحقيقاته الرجالية التي دوّنت في استقصاء الاعتبار ، وذلك لأهميتها وضخامة فكر صاحبها في التنقيحات والتحقيقات الرجالية.

ولا يخفى حرصه على طلب العلم ومدارسته ، حيث كان بعد وفاة أستاذيه يطالع ويقرأ ولم يركن إلى الراحة والهدوء ، بل راح يجدّ ويثابر ، بل الذي نستشمّه من عبارة ولده أنّه كان بعد تحصيله علوم المذهب ، ووفاة أستاذيه ، يذهب ليدارس ويتتلمذ على أيدي فضلاء العامّة ، ممّا يظهر مدى جدّه ومثابرته في تحصيل العلوم ، وذلك هو الذي جعل من هذا الرجل عالماً مجدّاً يغني المكتبة الإسلامية بشتّى التآليف القيّمة.

وكان الشيخ محمّد قد برز على أقرانه من العامّة في حلقة الدرس ، قال ولده الشيخ عليّ : وكان من جملة من قرأ عليهم رجل فاضل في علوم العربية والتفسير والأُصول اسمه الشيخ شرف الدين الدمشقي ، وكان يجتمع في درسه خلق كثير ، رأيته أنا وشاهدت حلقة درسه ، وهو طاعن في السنّ ، وكان إذا جرى بحث في مجلسه وتكلّم والدي في مسألة بكلام ، وبحث معه يعارضه أهل ذلك المجلس عناداً أو لسوء فهم ، فيقع البحث بينهم والشيخ ساكت ، وإذا انتهى الأمر ليحكم بينهم يقول : يا إخوان لا يغيّر في وجوه الحسان ، يعني به والدي رحمه‌الله ، فإذا سمعوا هذا سكتوا (٣) ...

__________________

(١) انظر خاتمة مستدرك الوسائل ٥ : ٢٣.

(٢) انظر خاتمة مستدرك الوسائل ٥ : ٨٩ و ٣٧٠.

(٣) روضات الجنات ٧ : ٤١ ٤٢.

١٧

زهده وتقواه :

وقد كان المؤلّف من الزهّاد الورعين ، يمتاز بتقوى وورع فائق ، وكان يحتاط أشدّ الاحتياط في أمر الدين ، عملاً بقول الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام لكميل بن زياد : أخوك دينك فاحتَط لدينك بما شئت (١) ، وكان من جملة احتياطه وتقواه أنّه بلغه أنّ بعض أهل العراق لا يخرج الزكاة ، فكان كلّما اشترى من القوت شيئاً زكويّاً زكّاه قبل أن يتصرّف فيه (٢).

ولذلك قال ولده في حقّه : كان عالماً عاملاً ، وفاضلاً كاملاً ، وورعاً عادلاً ، وطاهراً زكيّاً ، وعابداً تقيّاً ، وزاهداً مرضيّاً ، يفرّ من الدنيا وأهلها ويتجنّب الشبهات. كانت أفعاله منوطة بقصد القربة (٣) ...

فيظهر جليّا أنّ من أهمّ ما كان يتمتّع به هذا الرجل الفقيه الرجاليّ هو التقوى والزهد ، والأنس بالله ، وأنّه كان ينيط كلّ أعماله بقصد التقرّب إلى الله ، وهذا ما لا يناله إلاّ من رحمه‌الله وكان ذا حظ عظيم.

ومع أنّ الطائفة المحقّة أجمعت على جواز أخذ الهدايا حتّى من الحكّام والأمراء ، لكنّنا نرى شيخنا المصنّف يتورّع عن أخذها احتياطاً لدينه ومبالغة في التقوى والتقرّب إلى الله ، ساعياً أن لا يعيش إلاّ ممّا رزقه الله ، بل نراه إذا وقع في محذور من قبول الهدايا جعل لذلك طريق حلٍّ لإرجاع تلك الأموال إلى معطيها.

فقد أرسل له الأمير يونس بن الحرفوش إلى مكّة المشرّفة خمسمائة‌

__________________

(١) وسائل الشيعة ٢٧ : ١٦٧ / ٣٣٥٠٩.

(٢) روضات الجنات ٧ : ٤٢.

(٣) أمل الآمل ١ : ١٣٩ ، وعنه في رياض العلماء ٥ : ٥٩ ٦٠.

١٨

قرش ، وكان هذا الرجل له أملاك من زرع وبساتين وغير ذلك. وأرسل إليه معها كتابة مشتملة على آداب وتواضع ، وكان له فيه اعتقاد زائد ، والتمس منه أن يقبل ذلك ، وأنّه من خالص ماله الحلال ، وقد زكّاه وخمّسه ، إلى أن يقبل.

فقال له الرسول : إنّ أهلك وأولادك في بلاد هذا الرجل ، وله بك تمام الاعتقاد ، وله على أولادك وعيالك شفقة زائدة ، فلا ينبغي أن تجبهه بالردّ.

فقال : إن كان ولا بُدّ من ذلك فأبقها عندك ، واشترِ في هذه السنة مائة قرش منها شيئاً من العود والقماش ، وتوصله إليه على وجه الهديّة ، وهكذا تفعل كلَّ سنة حتّى لا يبقى منها شي‌ءٌ ، فأرسل له ذلك تلك السنة وانتقل إلى رحمة الله ورضوانه (١).

وطلبه سلطان ذلك الزمان عفى الله عنه مرّة من العراق ، فأبى ذلك ، وطلبه من مكّة المشرّفة ، فأبى ، فبلغه أنّه يعيد عليه أمر الطلب ، وهكذا صار ، فإنّه عيّن له مبلغاً لخرج الطريق ، وكان يكتب له ما يتضمّن تمام اللّطف والتواضع ، وبلغني أنّه قيل له : إذا لم تقبل الإجابة فاكتب له جواباً.

فقال : إن كتبت شيئاً بغير دعاء له كان ذلك غير لائق ، وإن دعوت له فقد نُهينا عن مثل ذلك ، فألحّ عليه بعض أصحابه ، وبعد التأمّل قال : ورد حديث يتضمّن جواز الدعاء لمثله بالهداية ، فكتب له كتابة ، وكتب فيها من الدعاء « هداه الله » لا غير (٢).

__________________

(١) روضات الجنات ٧ : ٤٢.

(٢) روضات الجنات ٧ : ٤٢.

١٩

أساتذته ومشايخه :

لقد مرّ في أثناء ما تقدم ما يتعلّق ببعض أساتذته ، غير أنّ ذكرهم على نسق واحد يمكن معه استيضاح واستجلاء معالم أكثر وضوحاً عن دراسة هذا الرجل وتعلّمه على يد كبار العلماء ، فمن أساتذته :

١ والده الفقيه الحسن بن الشهيد الثاني.

٢ السيّد محمّد بن عليّ بن أبي الحسن الموسوي العاملي صاحب « المدارك ».

٣ الميرزا أحمد بن عليّ الأسترآبادي.

٤ الميرزا محمّد الأسترآبادي.

٥ الشيخ شرف الدين الدمشقي.

٦ وروى عن خال والده ، الشيخ عليّ بن محمود العاملي.

٧ وروى عن ابن خال والده ، وهو الشيخ زين الدين بن الشيخ عليّ ابن محمود العاملي.

٨ وروى عن عمه الشيخ علي بن محمّد بن علي الحرّ.

إلى غير هؤلاء من المشايخ الّذين روى عنهم أو قرأ عليهم أو باحث معهم في مسائل الدين والفقه.

وأمّا تلامذته :

فقد أقرأ المؤلف الكثير ، وتتلمذ عليه الفضلاء ، وروى عنه المشايخ ، وقد مرّ أنّه قضى عمره كلّه في القراءة والإقراء والدرس والتدريس والتأليف والتصنيف ، ومن تلامذته ومن قرأوا عليه‌ :

٢٠