ينابيع الأحكام - ج ٥

السيّد علي الموسوي القزويني

ينابيع الأحكام - ج ٥

المؤلف:

السيّد علي الموسوي القزويني

المحقق: السيد عبد الرحيم الجزمئي القزويني المترجم:
الموضوع : الفقه الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي المطبعة: مؤسسة النشر الإسلامي ISBN: 978-964-470-850-3
نسخة غير مصححة

١
٢

كتاب المتاجر

٣

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين ، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

كتاب التجارة

واعلم أنّ «التجارة» كالكتابة مصدر ثانٍ يقال : تجر يتجر بالضمّ تجراً وتجارة ، قيل كما عن ابن فارس في مجمل اللغة (١) «إنّه لم يوجد في كلام العرب لفظ اجتمع فيه التاء الأصلي مع الجيم مقدّماً عليه إلّا هذه المادّة ، وأمّا التاء الغير الأصلي فاجتماعه مع الجيم كثير ، ومنه تجربة وتجري وتجعل وما أشبه ذلك».

واعترض عليه كما عن المصباح المنير (٢) بمنع الانحصار ، لورود رتج ونتج أيضاً : يقال رتج الباب أي سدّه ، ونتجت الناقة أي ولدت.

والتجارة ورد في استعمال العرب ملكة وهي الصناعة المعروفة الّتي يقال لصاحبها : «التاجر» وهو معروف ، وحالاً وهو فعل البائع أو المشتري في مقام البيع والشرى ، يقال : فلان يتجر في المال الفلاني أو في مال الطفل.

وقيل : إنّها مشتركة بينهما ، وليس ببعيد ، لتبادر أحد المعنيين عند الإطلاق ، واستقراء استعمالات العرف ، وظاهر كلام أئمّة اللغة حيث إنّهم بين من فسّرها بالصناعة ومن فسّرها بالفعل.

ومحلّ البحث هو الثاني ، وهو بهذا المعنى لغة ـ على ما يظهر من كلمات أهل اللغة

__________________

(١) المجمل ١ : ١٤٥.

(٢) مصباح المنير : ٨٠ (تجر).

٤

وعبارات أصحابنا (١) الفقهاء في هذا المقام وفي باب زكاة مال التجارة وصرّح به السيّد قدس‌سره في الرياض (٢) ـ «الكسب» وهو التحصيل لا مطلقاً لينتقض في طرده بتحصيل العلم ونحوه الّذي يطلق عليه الكسب دون التجارة ، بل تحصيل المال لا مطلقاً لينتقض أيضاً بنحو الاحتطاب والاحتشاش لعدم وقوع التجارة عليه بل تحصيله ببيع واشتراء من صاحب الصناعة المعروفة أو غيره ممّن شأنه البيع والاشتراء كأهل السوق الّذين يشتغلون أنواع المكاسب على اختلاف أصنافهم. وفي صدقها على فعل من يبيع أو يشتري أحياناً من دون أن يكون شغله ذلك تأمّل بل منع ، لعدم مساعدة العرف عليه.

ولكنّ المراد بها هنا ما يعمّه أيضاً ، فلا يعتبر في موضوع البحث هنا حصولها من صاحب ملكة الصناعة ولا ممّن يكون شغله البيع والشرى ، ولا يعتبر أيضاً حصولها بقصد الاسترباح وهو طلب الزيادة في أصل المال ، بخلاف ما هو موضوع كلامهم في زكاة مال التجارة ، بل ينبغي القطع بعدم كون موضوع الكلام مقصوراً على ما لو حصل الاكتساب بعقد البيع بل أعمّ منه وما لو حصل بعقد الصلح وعقد الإجارة ، ولذا يذكرون في مباحث الباب حرمة عمل الصور المجسّمة ، وإجارة المسكن لعمل الخمر ، والسفينة أو الدابّة لحمل الخمر ، والتكسّب بالواجبات وأخذ الاجرة عليها ، فمورد التجارة بالمعنى المبحوث عنه أعمّ من العين والمنفعة.

ومن أغلاط المقام ما في مجمع البحرين في تفسير التجارة من «أنّها بالكسر انتقال شي‌ء مملوك من شخص إلى آخر بعوض مقدّر على جهة التراضي» (٣) لقضائه بكونها صفة لمورد التجارة لا فعلاً للتاجر ، فيخالف كلام أهل اللغة وكلام الفقهاء المفيدين لكونها فعلاً للتاجر ، ولذا قال في القاموس : «التاجر الّذي يبيع ويشتري» (٤).

ثمّ التجارة بالمعنى المذكور يرادفها متجر بناءً على كونه مصدراً ميميّاً كما احتمله في جامع المقاصد (٥) ويجوز كونه اسم مكان وهو محلّ التجارة من الأعيان والمنافع ،

__________________

(١) كما في المعتبر ٢ : ٥٤٨ ، المسالك ١ : ١٦٤ ، التنقيح الرائع ٢ : ٣.

(٢) الرياض ٨ : ١٢٩.

(٣) مجمع البحرين ١ : ٢١٨.

(٤) القاموس المحيط ١ : ٣٧٩.

(٥) جامع المقاصد ١ : ٣٧٩.

٥

وجمعه متاجر ، وفي معناها مكاسب ، وكونهما في عنوان قولهم كتاب المتاجر أو المكاسب عبارتين عن الفعل وجمعه حينئذٍ لكثرة مورده ومتعلّقه من الأعيان والمنافع ، أو عن نفس المورد والمتعلّق من الأعيان والمنافع المكتسب بهما وجهان ، ولعلّه يختلف باختلاف مشاربهم في جعل عقد البيع وغيره من عقود المعاوضة من مباحث هذا الباب كما صنعه في الشرائع (١). وعدمه كما في غيره (٢).

ثمّ في قواعد العلّامة (٣) كما عن جماعة (٤) تقسيم التجارة إلى محرّمة ومكروهة ومباحة وواجبة ومستحبّة ، وهذا التقسيم حيث أخذت التجارة مورد القسمة على القاعدة ، ولا يتوجّه إليه مناقشة ، لأنّ الأحكام الخمس المذكورة من عوارض فعل المكلّف والتجارة منه فتقبل الانقسام إلى الخمسة.

ومن المحرّم : التكسّب بالأعيان النجسة كالخمر والميتة ، ومن المكروه : بيع الأكفان والتكسّب بها ، ومن المباح : بيع الأملاك والأموال المملوكة إذا فرض تساوي طرفيه وخلوّهما عن الرجحان والمرجوحيّة ، ومن الواجب : بيع ما يضطرّ الإنسان إلى بيعه من أملاكه لمئونة نفسه ومئونة عياله وفي أداء حقّ واجب عليه من دَين آدمي أو غيره ، ومن المستحبّ : بيعه للتوسعة على عياله أو للصرف في جهات الخير.

ولكن في الشرائع ٥ بعد ما أخذ مورد القسمة ما يكتسب به من العين والمنفعة قسّمه إلى المحرّم والمكروه والمباح ، وأهمل ذكر الواجب والمستحبّ. ونحوه صنع في اللمعة (٦) إلّا أنّه عبّر عن المقسم بموضوع التجارة مهملاً للواجب والمستحبّ. واعتذر له في الروضة (٧) بأنّ الوجوب والندب من عوارض فعل المكلّف الّذي منه التجارة فلا يعرضان موردها من العين والمنفعة.

ويمكن الاعتراض عليه بعدم صحّة الفرق بين الثلاثة والاثنين في اللحوق بالعين والمنفعة على تقدير ، وعدم اللحوق بهما على تقدير آخر ، لأنّه إن اريد من عدم

__________________

(١) ١ و ٥ الشرائع ٢ : ٩.

(٢) كما في التذكرة ١٠ : ٥.

(٣) القواعد ٢ : ٥.

(٤) المستند ١٤ : ٩ ، جامع المقاصد ٤ : ٦ ، إيضاح الفوائد ١ : ٤٠٠ ، المهذّب ٢ : ٢٣٤ ، التنقيح ٢ : ٤.

(٦) اللمعة : ٦١.

(٧) الروضة ١ : ٣٠٨.

٦

عروض الوجوب والمنفعة أنّهما لكونهما تكليفين من عوارض فعل المكلّف فلا يلحقان العين والمنفعة أوّلاً وبالذات وعلى وجه الحقيقة فكذلك الثلاثة لاشتراكها لهما في صفة التكليف وكونها من عوارض الفعل.

وإن اريد من لحوق الثلاثة لهما أنّها يلحقانهما بواسطة ما يضاف إليهما من فعل المكلّف كالاكتساب فيما نحن فيه ، والمعروض الواقعي لها هو ذلك الفعل ، فمعنى حرمة ما يكتسب به من العين والمنفعة أو كراهته أو إباحته حرمة الاكتساب بهما أو كراهته أو إباحته فكذلك الوجوب والندب فيجوز لحوقهما للعين والمنفعة باعتبار ما يضاف إليهما من الاكتساب ، فهو المعروض الواقعي. ومعنى وجوب ما يكتسب به من العين والمنفعة أو ندبه حينئذٍ وجوب الاكتساب بهما أو ندبه ، فالفرق تحكّم والمنع من لحوقهما لهما مع تسليم لحوق الثلاثة مكابرة.

ولكنّ الإنصاف أنّ الصحيح بعد جعل مورد القسمة ما يكتسب به من الأعيان والمنافع هو ما صنعه المحقّق (١) والشهيد (٢) من الاقتصار في التقسيم على الثلاثة وإسقاط الواجب والمستحبّ ، فإنّ المراد من المقسم حينئذٍ الأعيان والمنافع الّتي يلحقها لعناوينها الكلّيّة المنضبطة الأحكام التكليفيّة ولو مجازاً من باب الإسناد المجازي ، وهي بهذا المعنى منحصرة في الثلاثة غير قابلة للانقسام إلى الواجب والمندوب أيضاً. وما قد يرى في بعض الأحيان من وجوب بيع بعض الأعيان أو ندبه كذلك فهو من عوارض الشخص لا من لواحق العنوان كما هو واضح ، نعم على طريقة من جعل التجارة مورداً للقسمة فالتقسيم إلى الخمسة في محلّه ، ولذا استحسن في المسالك (٣) كلا التقسيمين.

ثمّ إنّه قد عرفت أنّ محلّ التجارة المحرّمة بل المكروهة أيضاً يعمّ الأعيان والمنافع ، وهل يعمّ الحقوق القابلة للتعويض بعقد الصلح كحقّ الشفعة وحقّ الخيار ونحوه بأن يقول : «صالحتك عن هذا الخمر أو عن هذا الخنزير بحقّ شفعتك أو بحقّ خيارك» أو يقول : «صالحتك عن حقّ شفعتي أو عن حقّ خياري برطل من الخمر أو

__________________

(١) الشرائع ٢ : ٩.

(٢) اللمعة : ٦١.

(٣) المسالك ٣ : ١١٨.

٧

بهذا الخنزير» فيندرج نحو هذا أيضاً في التجارة المحرّمة أم لا؟ لم نقف في كلامهم على تصريح في ذلك ، إلّا أنّ المستفاد من فحاوي عباراتهم ومساق استدلالاتهم على المنع بل عموم بعض الأدلّة المقامة عليه هو العموم.

ثمّ من الظاهر أنّ مورد التجارة إذا كان من الأعيان المحرّمة أو المكروهة لا يتفاوت الحال في الحرمة أو الكراهة بين ما لو اعتبرت العين المحرّمة أو المكروهة أحد العوضين أو كليهما لوحدة المناط وعموم الأدلّة.

ثمّ إنّه قد يقال : إنّ المراد من حرمة الاكتساب حرمة النقل والانتقال بقصد ترتّب الأثر. ولم أتحقّق معناه ، فإن اريد به أنّ العقد في محلّ التحريم يفيد نقلاً وانتقالاً في العين أو المنفعة والتحريم إنّما هو في ذلك النقل والانتقال وهو الأثر المترتّب على العقد على معنى أنّ المحرّم هو الأثر ، ففيه : أنّه خلاف ما اتّفقت عليه كلمتهم صراحةً وظهوراً من فساد العقد في محلّ التحريم ، وفي إجماعاتهم المنقولة ما هو صريح في ذلك أيضاً ، كما في كلام العلّامة في التذكرة في شرائط البيع حيث قال : «يشترط في المعقود عليه الطهارة الأصليّة ، فلو باع نجس العين كالخمر والميتة والخنزير لم يصحّ إجماعاً» (١) فلا يترتّب على العقد في محلّ التحريم أثر النقل والانتقال حتّى يكون هو المحرّم. فمعنى حرمة التجارة أو الاكتساب هاهنا حرمة أصل العقد على الأعيان المحرّمة أو حرمة المعاوضة والمبادلة الواقعة بين المتعاقدين بذلك العقد.

ويمكن إرجاع كلام القائل إلى هذا المعنى بأن يراد من النقل والانتقال الصوري منهما أعني المعاوضة بذاك العقد المستتبعة لدفع كلّ من المتعاقدين لما بيده إلى صاحبه ، لا النقل والانتقال المعنويّ الّذي هو أثر للعقد ، ومعناهما إخراج المالك ما في يده من ملكه وإدخاله في ملك صاحبه وخروج كلّ من العوضين عن ملك مالكه ودخوله في ملك غيره ، ويحتمل أن يكون النقل والانتقال في كلامه كناية عن العقد الّذي يفيدهما بنوعه وإن لم يفد في خصوص المورد تسمية للمؤثّر باسم الأثر.

ثمّ القدر المتيقّن من معقد التجارة المحرّمة إنّما هو عقود المعاوضة بحسب الأصل

__________________

(١) التذكرة ١٠ : ٢٥.

٨

كالبيع والإجارة والصلح في وجه. وفي عموم الحرمة للعقود الملحقة بعقود المعاوضة وإن لم يكن مبنى مشروعيّتها بحسب الأصل على التعويض ـ كالهبة المعوّضة ، والنكاح المشتمل على المهر عوضاً عن البضع ، والخلع المتضمّن لما تبذله الزوجة عوضاً عن الطلاق ، والمكاتبة المطلقة أو المشروطة ، والوكالة المشترط فيها الجعل للوكيل ـ وجهان : من ظهور التجارة والاكتساب في عقود المعاوضة ، ومن قوّة احتمال كون المراد بهما جعل هذه الأشياء أعواضاً ولو فيما يشتمل على العوض الجعلي. وفي عمومه لعقود الغير المعاوضة الصرفة ـ كعقد الرهانة وعقد الوديعة وعقد العارية وعقد الضمان والوكالة والعارية والوصيّة وما أشبه ذلك ـ احتمال ، مبنيّ على أن يكون ذكر التجارة والاكتساب في عناوين الباب ومطاويّ مباحثه مثالاً ، وإلّا فالمناط هو أن يتعامل مع هذه الأشياء معاملة الأملاك والأموال المملوكة المباحة ، سواء كان ذلك بجعلها أعواضاً في المعاوضات الأصليّة أو الجعليّة ، أو بجعلها موارد في العقود المتعارفة ولو من غير جهة التعويض ، وتحقيق هذه المراتب يطلب من مطاويّ مباحث الباب.

وعلى أيّ حال فينبغي القطع بعدم كون معقد كلامهم الّذي هو موضوع الحكم ومورد الأدلّة أمراً لفظيّاً ـ وهو مجرّد إجراء العقد اللفظي ولو بغير العربي لينتقض بما لم يكن هناك عقد لفظي أصلاً ـ بل أمر معنوي وهو المعاوضة والتعويض بهذه الأشياء أو مطلق المعاملة عليها كالمعاملة على الأموال المملوكة المباحة وإن لم يشتمل على عقد لفظي ، فيعمّ البحث لمعاطاة كلّ معاملة ويجري الحكم فيه جزماً لعموم الأدلّة. ثمّ الأشياء المبحوث عنها في التجارة المحرّمة من الأعيان والمنافع أنواع تذكر في أبواب

٩

الباب الأوّل

في الأعيان النجسة

ويراد بها هنا ما يعمّ النجاسة الذاتيّة الّتي هي تابعة للذات ، ولا تزول عنها بغير الاستحالة والاستهلاك ، والعرضيّة الحاصلة بالملاقاة مع عدم قبول التطهير بغير الاستحالة والاستهلاك ، كالمايعات المتنجّسة من الدبس أو العصير أو اللبن أو الزيت أو الدهن أو غير ذلك ممّا كان طاهر الأصل ولذا عبّر عنها في الشرائع (١) بالأعيان النجسة «كالخمر والأنبذة والفقّاع وكلّ مائع نجس عدا الأدهان لفائدة الاستصباح تحت السماء والميتة والدم وأرواث وأبوال ما لا يؤكل لحمه والخنزير وجميع أجزائه وجلد الكلب وما يكون منه» وصرّح بالتعميم في القواعد وغيره (٢) قائلاً : «الأوّل ، كلّ نجس لا يقبل التطهير سواء كانت نجاسته ذاتيّة كالخمر والنبيذ والفقّاع والميتة والدم وأبوال ما لا يؤكل لحمه وأرواثها والكلب والخنزير وأجزائهما ، أو عرضيّة كالمايعات النجسة الّتي لا تقبل التطهير إلّا الدهن النجس لفائدة الاستصباح به تحت السماء خاصّة» (٣).

وقال المحقّق الثاني في شرح العبارة : «وأراد بالنجس ما كان عين نجاسة أو متنجّساً بإحدى الأعيان النجسة ، ولذا قسّمه إلى ما نجاسته ذاتيّة ونجاسته عرضيّة وغاية ما فيه أن يريد باللفظ حقيقته ومجازه معاً الخ» (٤).

وفيه ما لا يخفى لابتناء نسبة إرادة الحقيقة والمجاز معاً على حدّ الاستعمال في المعنيين على مقدّمتين : كون لفظ «النجس» لغةً لخصوص ما نجاسته ذاتيّة ، وكون

__________________

(١) الشرائع ٢ : ٩.

(٢) كما في التحرير ٢ : ٢٥٧.

(٣) القواعد ٢ : ٦.

(٤) جامع المقاصد ٤ : ١٢.

١٠

إرادتهما من اللفظ على البدل بالمعنى المقرّر في الاصول ، وكلّ موضع منع ، أمّا الاولى : فلظهور كون لفظ النجس بحسب العرف الكاشف عن صدر اللغة لما يعمّ الذاتيّة والعرضيّة ولذا جعله في القاموس مع مرادفاته «كالنَّجس بالفتح فالسكون والنجسْ بالكسر فالسكون والنجَس بفتحتين والنجس بالفتح والضمّ ضدّ الطاهر» (١) والظاهر أنّ الطاهر هو الذات المتّصفة بالطهارة ، فالنجس هو الذات المتّصفة بالنجاسة وهذا معنى عامّ. وأمّا الثانية : فلجواز كون المراد هذا المعنى العامّ الجامع بين المعنيين من باب عموم المجاز ، وعلى أيّ حال كان فجهات الكلام في الأعيان النجسة كثيرة ، فيتكلّم تارةً في جواز التكسّب بها بجعلها أعواضاً في عقود المعاوضة وغير [ها] ممّا يلحق بها وعدمه ، واخرى في جواز المعاملة عليها بغير التعويض وعدمه ، وثالثة في جواز الانتفاع بها وعدمه ، ورابعة في تملّك المسلم لها على معنى دخولها في ملكه بشي‌ء من الأسباب المملّكة وعدمه ، وحيث بنينا على المنع في جميع الجهات كان ذلك المنع على وجه القاعدة الكلّيّة ، وهي قابلة للتخصيص فنتبعها بالتعرّض لبيان ورود تخصيص على القاعدة في الأحكام المذكورة وعدمه ، وبيان ما خرج بالتخصيص وتعيين القدر المخرج على تقدير ثبوت التخصيص.

أمّا الجهة الاولى : فالمعروف المشهور بين الأصحاب شهرة محكيّة ومحقّقة عظيمة قريبة من الإجماع عدم جواز التكسّب بها مطلقاً ، على معنى تحريم المعاوضة بل مطلق المعاملة عليها بحيث يستحقّ العقوبة عليها وإن فرض لها نفع محلّل مقصود للعقلاء ، كما هو قضيّة إطلاقهم المنع بل هو المصرّح به في كلام السيّد رحمه‌الله في المصابيح (٢) مع دعوى الإجماع عليه. ولم نقف من الأصحاب على قائل بالجواز بقول مطلق ولا على نقله. نعم عن المحدّث الكاشاني (٣) القول بالجواز إن اشتملت على منفعة محلّلة ، وعن المقدّس الأردبيلي (٤) والفاضل الخراساني (٥) في الكفاية الميل إليه ، وزيّفه السيّد المتقدّم بأنّه شاذّ ضعيف ، ووجهه سبق إجماع الأصحاب على ظهور هذا الخلاف.

__________________

(١) القاموس المحيط ٢ : ٢٥٣ (نجس).

(٢) المصابيح : ٤.

(٣) المفاتيح ٣ : ٥١.

(٤) مجمع الفائدة ٨ : ٢٨.

(٥) الكفاية : ٢٥٢.

١١

وقد تظافرت الإجماعات المنقولة على المنع بقول مطلق ، ففي التذكرة «الكلب إن كان عقوراً حرم بيعه عند علمائنا» (١) وفي موضع آخر منه «لا يجوز بيع السرجين النجس إجماعاً منّا» (٢).

وعن المنتهى «إجماع المسلمين كافّة على تحريم الخمر والميتة والخنزير».

وعن موضع آخر منه «إجماع علمائنا على تحريم بيع الكلاب عدا الأربعة» (٣).

وعن النهاية «الإجماع على تحريم بيع الخمر والعذرة والدم» (٤).

وعن الخلاف «إجماع الفرقة على تحريم بيع الخمر والسرجين النجس والكلب عدا كلب الصيد» (٥).

وعن المبسوط «الإجماع على تحريم بيع الخنزير وإجارته واقتنائه والانتفاع به» (٦).

وعن الحلّي في السرائر «بيع الخمر للمسلم حرام وثمنه حرام وجميع أنواع التصرّفات فيه حرام على المسلمين بغير خلاف بينهم» وقال أيضاً : «حكم الفقّاع حكم الخمر لا يجوز التجارة به ولا التكسّب به بغير خلاف بين فقهاء أهل البيت» (٧).

وعن الانتصار «إجماع الفرقة على تحريم الفقّاع وتحريم ابتياعه» (٨) وجعل القول به ممّا انفردت به الإماميّة.

وهذه الإجماعات وإن نقلت على موارد خاصّة لا على الأعيان النجسة بعنوانها الكلّي إلّا أنّه يمكن التعميم بجعل الاقتصار في معاقدها على البعض وحدانيّاً أو ثنائيّاً أو ثلاثيّاً مثالاً ، أو أنّه يستفاد منها على كثرتها واختلاف معاقدها عيناً وعدداً وقوع الإجماع المشترك بينها على الجميع ، أو أنّه إذا ثبت الحكم بها في الموارد الخاصّة يتمّ في غيرها بالإجماع المركّب وعدم القول بالفصل ، فهي مع الضميمة تفيد عموم المنع على وجه يحصل بها خصوصاً مع اعتضادها بالشهرة العظيمة بقسميها الظنّ الاطمئناني بالمنع وهو الحجّة مضافاً إلى النصوص الآتية.

__________________

(١) التذكرة ١٠ : ٢٦. (٢) التذكرة ١٠ : ٣١.

(٣) المنتهى ٢ : ١٠٠٨ ـ ١٠٠٩.

(٤) نهاية الإحكام ٢ : ٤٦٣.

(٥) الخلاف ٣ : ١٨٢ ـ ١٨٥.

(٦) المبسوط ٢ : ١٦٦.

(٧) السرائر ٢ : ٢١٨ ـ ٢١٩.

(٨) الانتصار : ٤١٨.

١٢

وقد يستدلّ بعدّة من الآيات :

منها : قوله تعالى و «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ» (١) بتقريب أنّ التحريم المتعلّق بالأعيان يعمّ جميع أنواع التصرّف والانتفاع ومنها التجارة والتكسّب بها.

وفيه : أنّه في كلّ عين ـ على ما حقّق في الاصول ـ ينصرف إلى الجهة المقصودة منها في الغالب ، كالأكل في المأكول كما في الأمثلة المذكورة ، والشرب في المشروب كالخمر ، والوطء في الموطوء كما في «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ» (٢) الآية.

ومنها : قوله تعالى أيضاً في الخمر : «رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ» (٣) بتقريب أنّه تعالى أوجب الاجتناب عن الخمر لكونه رجساً ، وهو لا يتحقّق مع التصرّف فيه بالتجارة فيجب اجتنابها.

وفيه : أنّه لا يتمّ إلّا على تقدير حمل الرجس على إرادة النجاسة الشرعيّة ، وهو موضع منع.

ودعوى : أنّ الرجس لغة القذر والمراد به النجاسة الشرعيّة ، ويؤيّده ما عن الشيخ في التهذيب من «أنّ الرجس هو النجس بلا خلاف» (٤) وكلامه يحتمل وجهين : أحدهما : دعوى عدم الخلاف بين علماء اللغة في كون القذر في معنى الرجس هو النجس لغةً. والآخر : دعوى عدم الخلاف بين علماء التفسير أو الفقهاء في أنّ المراد من الرجس في الآية هو النجس وإن لم يكن القذر في معناه هو النجس لغةً ، وأيّاً ما كان فالاستدلال ناهض على المطلوب ، ثمّ يتمّ في غير الخمر بالإجماع المركّب وعدم القول بالفصل.

يدفعها أوّلاً : أنّ القذر في معنى الرجس بحسب اللغة أعمّ من النجاسة الشرعيّة والخباثة المعنويّة الّتي ملاكها استنفار الطبع السليم واستقباحه ، فالخبيث ما يستنفره الطبع السليم ويستقبحه فلِمَ لا يجوز أن يكون المراد به الخباثة المعنويّة ، ويصدق على الخمر باعتبار كونه ممّا يستقبحه الشرع أو يستقبح شربه ، وأيّ طبع سليم يكون أسلم

__________________

(١) المائدة : ٣.

(٢) النساء : ٢٣.

(٣) المائدة : ٩٠.

(٤) التهذيب ١ : ٢٧٨.

١٣

من الشرع ، وربّما يشهد له ما عن مجمع البيان من «أنّ الرجس القذر» (١) وقد يعبّر عن الحرام والفعل القبيح. ومعنى كونه من عمل الشيطان أنّ اختراع الخمر كان من الشيطان أو أنّ شربه ينشأ من وسوسته وتسويله.

وثانياً : أنّ في الآية قرينة تصرفه عن النجاسة الشرعيّة ، وهو عطف الميسر والأنصاب والأزلام على الخمر ، فإنّ الميسر عبارة عن آلة القمار كالنرد والشطرنج وغيرهما ، وفي حديث عن الباقر عليه‌السلام «أنّه لمّا نزلت هذه الآية قيل : يا رسول الله ما الميسر؟ فقال : كلّ ما قومر عليه حتّى الكعاب والجوز ، قيل : فما الأنصاب؟ قال : ما ذبحوا لآلهتهم ، قيل : فما الأزلام؟ قال : قداحهم الّتي يستقسمون بها» (٢).

وقيل في تفسير الأنصاب : «إنّها الأصنام كانت منصوبة حول البيت يذبحون عليها ويعدّون ذلك قربة» (٣).

والأزلام «جمع زلم بالفتح أو الضمّ كجُمل وصُرد وهي قداح لا ريش لها ولا نصل» (٤) والقداح العشرة كانت معروفة في الجاهليّة ، وكانت نوعاً من آلة القمار ثمّة ، وقصّته معروفة مذكورة في كتب التفسير (٥) وورد بها رواية (٦) وظاهر أنّ النجاسة الشرعيّة لا تلائم شيئاً من ذلك ، فلا بدّ وأن يحمل على معنى يلائم الجميع وهو الخباثة المعنويّة ولو مجازاً.

وأمّا ما تقدّم نقله عن الشيخ في التهذيب «من كون الرجس هو النجس بلا خلاف» فلم أتحقّق معناه مع القرينة المذكورة ، فإن أراد به أنّ الرجس في الآية من حيث حمل على الخمر اريد منه النجس وإن كان من حيث حمل على البواقي اريد منه الخبيث ، فيبطله الاستعمال في معنيين وهو غير سائغ.

وإن أراد أنّه بحمله في الآية على كلّ من الخمر وتوابعه وهو متضمّن للإسناد ،

__________________

(١) مجمع البيان ٣ : ٤٧٨.

(٢) الوسائل ١٧ : ١٦٥ / ٤ ، ب ٣٥ ما يكتسب به ، التهذيب ٦ : ٣٧١ / ١٠٧٥.

(٣) مجمع البحرين ٣ : ٣١٦ (نصب).

(٤) مجمع البحرين ٢ : ٢٨٨ (زلم).

(٥) مجمع البيان ٣ : ٢٤٤.

(٦) تفسير عليّ بن إبراهيم ١ : ١٨١.

١٤

والرجس في الجميع اريد منه النجس إلّا أنّه حيث اسند إلى الخمر كان الإسناد حقيقيّاً ، وحيث اسند إلى توابعه كان الإسناد مجازيّاً لضرب من التشبيه في استقباح المتعلّق أو وجوب اجتنابه. ففيه : أنّ الإسناد الواحد لا يتحمّل وصفي الحقيقة والمجاز ، واعتبار التعدّد في الإسناد يؤدّي إلى الاستعمال في معنيين.

وإن أراد أنّ تعدّد المبتدأ ممّا يستدعي تعدّد الخبر فيقدّر لما عدا الخمر خبراً ، فالرجس المذكور من حيث إنّه خبر للخمر اريد منه النجس ، وهذا لا ينافي أن يراد من الرجس المقدّر بالقياس إلى غيرها معنى آخر كالخباثة المعنويّة.

ففيه : أنّ التقدير خلاف الأصل ، وتعدّد المبتدأ مع صلاحية الخبر للعود إلى الجميع لا يقضي بلزومه ، ولو سلّم التقدير وجب اتّحاد المذكور والمقدّر في أصل المعنى.

وبالجملة دعوى عدم الخلاف في كون الرجس في الآية بمعنى النجس مع أنّه ليس له معنى محصّل ـ بملاحظة ما ذكرناه من وجود قرينة الخلاف ـ غير مسموعة.

ومنها : قوله سبحانه أيضاً : «وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ» (١) قال في القاموس : «الرجز القذر وعبادة الأوثان والشرك والعذاب» (٢) وإطلاق الرجس على الشرك وعبادة الأوثان مجاز يتوقّف على القرينة ، والحمل على العذاب في هذه الآية بعيد جدّاً ، فينبغي حمله على المعنى الأوّل وهو المناسب لقوله : «وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ» (٣) وفي تفسير عليّ بن إبراهيم «الرجز الخبيث» (٤) والمحكوم بنجاسته شرعاً خبيث قذر فيجب هجره بمقتضى الأمر الّذي هو من التكاليف المشتركة دون الخواصّ ، والتصرّف بالتجارة والبيع والشراء خلاف الهجر المأمور به فيكون محرّماً ، هكذا قرّره في المصابيح (٥).

ويرد عليه أوّلاً ـ بعد تسليم تعيّن الحمل على المعنى الأوّل ومجازيّة ما سواه غير العذاب ـ ما تقدّم من أنّ القذر أعمّ من النجاسة الشرعيّة والخباثة المعنويّة فلم يتعيّن كون المأمور بهجرانه في الآية هو النجس ، ولا يشهد له قوله : «وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ» لما روي عن الصادق عليه‌السلام «أنّ معناه وثيابك فقصّر» (٦) ارشاداً له إلى التنزّه عن ملابس أهل الكبر

__________________

(١ و ٣) المدّثر : ٥.

(٢) القاموس ٢ : ١٧٦ (رجز).

(٤) تفسير عليّ بن إبراهيم ٢ : ٣٩٣.

(٥) المصابيح : ٥.

(٦) الوسائل ٥ : ٤١ / ١٠ ، ب ٢٣ أحكام الملابس ، مجمع البيان ٥ : ٣٨٥.

١٥

حيث كانوا في الجاهليّة يطيلونها حتّى تخطّ على الأرض وكان ذلك آية كبرهم ، إلّا أن يقال : بأنّه لا حاجة إلى الاستشهاد به ولا إلى جعل الرجز بمعنى النجس. بل يكفي اندراج النجس في الرجز بمعنى الخبيث كما تقدّم الحمل عليه عن عليّ بن إبراهيم ، فإنّ الأعيان النجسة أيضاً ممّا يستقبحه الطبع ولو بحسب طبع الشرع في بعضها.

وثانياً : أنّ هجران الرجز بمعنى النجس لعلّه معتبر في الصلاة أو في مطلق مشروط بالطهارة من المأكول والمشروب وغيرهما ، كما أنّ تطهير الثوب عن النجاسات معتبر في الصلاة وليس واجباً في غير حالها بضرورة من الدين ، وفي رواية عن الصادق عليه‌السلام عن أمير المؤمنين عليه‌السلام «اغسل الثياب يذهب الهمّ والغمّ ، وهو طهور للصلاة» (١) فلم يحصل الدلالة من الآية على تحريم التجارة.

وربّما استدلّ أيضاً بعدّة روايات عامّيّة :

منها : قوله عليه‌السلام في حديث ابن عبّاس : «إنّ الله إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه» (٢) استدلّ بها السيّد في المصابيح (٣) على وجه الاعتماد ، ويظهر الاعتماد عليها عن جماعة (٤) من مشايخنا قدّس الله أرواحهم ، ولعلّه لما استفادوه من كونها متلقّاة بالقبول عند جميع الأصحاب أو معظمهم أو جماعة من معتبريهم فإنّ كلّاً ممّا ذكر جابر لضعف السند لإفادته ظنّ الصدور والوثوق به ، وإن كان الأوّل كثيراً ما يوجب القطع به إلّا أنّه في خصوص المقام غير معلوم ، كما أنّ الثاني أيضاً كذلك ، وأظهر الاحتمالات هو الثالث لأنّهم نسبوا إيراد الرواية والاستناد إليها إلى جماعة من معتبري أصحابنا كالشيخ وابن إدريس والعلّامة وابن فهد وابن [أبي] جمهور في الخلاف (٥) والمبسوط (٦) والسرائر (٧) والتذكرة (٨) والمهذّب (٩) والغوالي (١٠) وربّما اضيف إليهم أيضاً السيّد ابن زهرة في الغنية (١١)

__________________

(١) الوسائل ٥ : ٤١ / ٧ ، ب ٢٣ أحكام الملابس.

(٢) غوالي اللآلي ٢ : ١١٠ / ٣٠١ ، سنن الدارقطني ٣ : ٧ / ٢٠.

(٣) مصابيح الأحكام : ٥.

(٤) كما في الجواهر ٢٢ : ١١ ، المكاسب للشيخ ١٤ : ١٣.

(٥) الخلاف ٣ : ١٨٤.

(٦) لم نعثر عليه في المبسوط.

(٧) السرائر ٣ : ١١٣.

(٨) التذكرة ٢ : ٣٧٩.

(٩) المهذب ٤ : ٢٣٥. (١٠) الغوالي ٢ : ١١٠ / ٣٠١.

(١١) الغنية : ٢١٣.

١٦

والمقداد في التنقيح (١).

وأمّا الدلالة فقوله : «إنّ الله إذا حرّم شيئاً» ظاهر في تحريم العين لذاته لعنوانه الخاصّ بقول مطلق من غير تقييد له بجهة من الجهات العرضيّة ، كما لو قال : الخمر حرام أو الميتة حرام أو لحم الخنزير حرام وغير ذلك. والجملة تفيد الملازمة الكلّيّة بين تحريم الشي‌ء على هذا الوجه وتحريم ثمنه في البيع والشراء ، بل قضيّة الشرطيّة سببيّة الأوّل للثاني وتحريم الثمن بإطلاقه ظاهر في تحريم جميع التصرّفات فيه ، ولا يكون ذلك إلّا لانتفاء الملكيّة بسبب عدم إفادة العقد دخوله في ملك البائع وعدم تأثيره في النقل والانتقال فكان فاسداً ، ولا جهة للفساد إلّا تحريم التجارة بما حرّمه الله تعالى بقول مطلق. ويندرج فيه الأعيان النجسة لأنّها أشياء حرّمها الله تعالى بقول مطلق فثبت حرمة التجارة بها.

والمناقشة فيها بمنع الملازمة بين حرمة التصرّف وانتفاء الملكيّة ، فكم من ملك يحرم لمالكه التصرّف فيه كالمفلّس المحجور عليه ، وتركة المديون مع استغراق الدين ـ على القول بانتقالها إلى الوارث ـ مع ممنوعيّته من التصرّف فيها حتّى يؤدّي الدين من ماله أو يضمن للدَيّان ، والعين إذا حلف الداخل من المتداعيين فيها بعد عجزهما عن البيّنة فإنّها قد تكون في الواقع للخارج مع عدم جواز التصرّف له ، والرهن بالنسبة إلى الراهن ، والخمر ولحم الخنزير للكفّار فإنّهم يملكونهما مع حرمة الشرب والأكل لهم بمقتضى كونهم مكلّفين بفروع هذه الشريعة إلى غير ذلك من الموارد.

يدفعها : أنّ انتفاء الملازمة بين حرمة التصرّف في مطلق الشي‌ء وانتفاء الملكيّة وإن كان مسلّماً إلّا أنّ مبنى الاستدلال ليس على دعوى هذه الملازمة ، بل على الملازمة بين حرمة التصرّف في ثمن الشي‌ء المحرّم من حيث هو ثمن وانتفاء ملكيّة ذلك الثمن ، ولا ريب في ثبوتها بمقتضى الانفهام العرفي من لفظ الرواية وما أشبهه ، فقوله عليه‌السلام : «ثمن الخمر سحت» (٢) أو «ثمن الكلب سحت» (٣) ونحوه ما لو قيل : «ثمن الخمر أو

__________________

(١) التنقيح ٢ : ٥.

(٢) الوسائل ١٧ : ٩٤ / ٨ ، ب ٥ ما يكتسب به ، الفقيه ٣ : ١٠٥ / ٤٣٥.

(٣) الوسائل ١٧ : ١١٨ / ٢ ، ب ١٤ ما يكتسب به ، الكافي ٥ : ١٢٠ / ٤.

١٧

ثمن الميتة حرام» ينساق منه في متفاهم العرف كون الحكم معلّقاً على الثمن من حيث هو ثمن وكونه ملازماً لانتفاء ملكيّته للبائع مع إمكان إثبات هذه الملازمة بالإجماع على أنّ حرمة التصرّف في الثمن إنّما هو لانتفاء الملكيّة ، كما ادّعى نظير الإجماع في قوله عليه‌السلام : «اغسل ثوبك عن أبوال ما لا يؤكل لحمه» (١) على أنّ وجوب غسل الثوب عن الأبوال إنّما هو باعتبار النجاسة لا غير.

وقد يتوهّم ثبوتها بعموم «الناس مسلّطون على أموالهم» (٢) فإنّ ثمن الأعيان النجسة لو كان مالاً للبائع لتسلّط على التصرّف فيه. ولكنّه ضعيف لأنّ أقصى ما يثبت بذلك العموم إنّما هو الملازمة بين الملكيّة وتسلّط المالك على التصرّف ولا كلام فيها ، بل في الملازمة بين حرمة التصرّف وانتفاء الملكيّة وليست مستفادة من العموم ، فالوجه في إثباتها ما ذكرناه.

لا يقال : إنّ تحريم الثمن إنّما يلازم انتفاء الملكيّة إذا توجّه إلى جميع أنواع التصرّفات لا مطلقاً ، وهذا محلّ منع سنده ما تقدّم من انصراف إطلاق التحريم المضاف إلى العين إلى الجهة الغالبة المقصودة منها ، ومرجعه فيما نحن فيه إلى تحريم بعض التصرّفات في الثمن وهو لا يلازم انتفاء الملكيّة وإلّا انتفى الملك رأساً ، إذ ما من شي‌ء في سلسلة الأموال إلّا وبعض التصرّفات فيه محرّم.

لأنّا نقول : إنّ القاعدة المذكورة إنّما تتمّ فيما كان له جهة غالبة مقصودة للعقلاء ، وأمّا ما تساوت جهات التصرّف فيه فالتحريم المتعلّق به يعمّ الجميع لشهادة العرف وقضاء دليل الحكمة بذلك ، والثمن بعنوان الثمنيّة خصوصاً إذا كان من أحد النقدين كما هو المتبادر منه ليس له جهة غالبة ينصرف إليه إطلاق التحريم فيعمّ جميع التصرّفات اللاحقة به. نعم إنّما المعضل إثبات الملازمة بين فساد المعاملة وتحريمها الّذي هو

__________________

(١) الوسائل ٣ : ٤٠٥ / ٢ ، ب ٨ أبواب النجاسات ، التهذيب ١ : ٤٢٠ / ١٣٢٩.

(٢) عوالي اللآلي ١ : ٢٢٢ / ٩٩.

١٨

المقصود بالبحث وهي ممنوعة ، وأقصى ما دلّت عليه الرواية بالبيان المتقدّم إنّما هو الفساد ، والمقصود إثبات التحريم ، والفساد لا يلازمه ، كما قيل عكسه في الاصول في منع دلالة النهي في المعاملات على الفساد بتقريب أنّ تحريم المعاملة لا ينافي الصحّة فلا يلازم الفساد وهاهنا أيضاً نقول : إنّ الفساد لا يلازم التحريم.

إلّا أن يقال بأنّ المراد به في محلّ البحث ما يعمّ الحرمة التشريعيّة ، فإنّ إجراء العقد الفاسد وإعمال المعاملة الفاسدة وترتيب الآثار عليها مع فرض الفساد تشريع فيكون محرّماً.

ويدفعه : ظهور كلماتهم بل صراحة جملة منها في إرادة الحرمة الشرعيّة ، وأقوى ما يشهد بذلك اقتصارهم في الحكم بالحرمة على أشياء مخصوصة كالأعيان النجسة وغيرها ممّا يذكر في هذا الباب ، فلو أنّ الحرمة المبحوث عنها أعمّ من الحرمة التشريعيّة لوجب طرد الحكم بجميع ما يفسد من المعاملات ولو في الأملاك والأموال المملوكة إذا كان فسادها للإخلال ببعض شروط الصحّة ممّا يرجع إلى الصيغة أو إلى أحد المتعاقدين أو أحد العوضين.

ويمكن التخلّص عن الإشكال بإثبات الملازمة بأحد الوجوه :

الأوّل : أن يقال : إنّ ثمن العين المحرّمة من لوازم بيع تلك العين ، وتحريمه في الرواية كناية عن تحريم ملزومه وهو البيع على معنى أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في قوله : «إنّ الله إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه» إنّما ذكر تحريم ثمن ما حرّمه الله تعالى لينتقل منه السامع إلى تحريم البيع الواقع عليه.

الثاني : أن يقال : إنّ سوق الرواية ظاهر في أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قصد ببيان تحريم ثمن الأعيان المحرّمة على الوجه الكلّي نصب قرينة عامّة على أنّ المراد من تحريم كلّ واحد من الأعيان المحرّمة ما يعمّ بيعها والتكسّب بها ، إمّا باعتبار أنّ تحريم العين راجع إلى جميع منافعها الّتي منها البيع والتكسّب ، أو باعتبار أنّه راجع إلى منافعها المقصودة الّتي منها البيع والتكسّب ، وأيّاً ما كان فالبيع والتكسّب بالأعيان النجسة داخل في التحريم ، والمقصود من الرواية بيان هذا المطلب ، ومرجعه إلى إعطاء ضابطة كلّيّة في الأعيان

١٩

المحرّمة الّتي منها الأعيان النجسة وهي حرمة بيعها والتكسّب بها.

الثالث : أن يقال : إنّ تحريم المال المأخوذ بالعقد الفاسد يتصوّر من وجهين :

أحدهما : حرمة التصرّف فيه باعتبار أنّه مال الغير وهو حرام.

وثانيهما : حرمته باعتبار كونه ثمناً للعين المحرّمة وعوضاً عنه ، وكونه ثمناً وعوضاً عنها وجه ، واعتبار وجهة مفسدة في نظر الشارع تعرض المال وأوجبت فيه الحرمة الشرعيّة ، ولا ريب أنّ الحرمة من هذه الجهة غير الحرمة من الجهة الاولى. ويظهر فائدة الفرق بينهما فيما لو أذن المالك بعد المعاملة الفاسدة للبائع في التصرّف في الثمن وأباح له جميع التصرّفات ، ارتفعت الحرمة من الجهة الاولى وبقيت الجهة الثانية إذ لا مدخليّة لإذن المالك في رفعها باعتبار كونها حرمة تعبّديّة صرفة ، ولا يدور ثبوتها مدار إذن المالك ورضاه وعدمهما ، وله نظائر كثيرة :

منها : الرشوة المحرّمة ، وهي المال المأخوذ رشاءً ، فإنّ الرشائيّة جهة مفسدة إذا عرضت المال صار محرّماً وإن بذله صاحبه بطيب نفسه ورضاه.

ومنها : المال المأخوذ قماراً ، فإنّ القماريّة جهة مفسدة في نظر الشارع ، إذا عرضت المال أوجبت تحريم الشارع إيّاه على الآخذ وإن أعطاه صاحبه برضاه وطيب نفسه.

ومنها : المال الّذي يأخذه الإنسان عند الترافع إلى الجبت والطاغوت وحاكم الجور بل كلّ من لا يصلح للحكومة الشرعيّة استناداً إلى حكمه ، فإنّه عند الشارع جهة مفسدة في أخذ المال توجب تحريمه تعبّداً من الشارع وإن كان حقّه ثابتاً دَيناً كان أو عيناً. وقد ذكر عليه‌السلام في مقبولة عمر بن حنظلة «أنّه يأكل سحتاً» وإن كان حقّه ثابتاً.

والمال المأخوذ ثمناً وعوضاً عمّا حرّمه الله تعالى من حيث عروض جهة الثمنيّة والعوضيّة عنه لذلك المال من قبيل هذه النظائر.

والرواية لمكان قوله عليه‌السلام : «حرّم ثمنه» باعتبار إضافة الثمن إلى ما حرّمه الله ظاهرة في التحريم من هذه الجهة لا من الجهة الاولى ، نظراً إلى انفهام حيث الثمنيّة ، فيكون تقدير الرواية في حاصل المعنى «أنّ الله إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه من حيث إنّه ثمنه»

٢٠