بحار الأنوار

الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي

بحار الأنوار

المؤلف:

الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي

المحقق: المترجم:
الموضوع : الحديث وعلومه الناشر: مؤسسة الوفاء
نسخة غير مصححة

٢

(باب)

(ذبائح الكفار من أهل الكتاب وغيرهم والنصاب والمخالفين)

الآيات المائدة « الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ » (١)

تفسير المراد باليوم الآن لا اليوم المتعارف والطيبات كل مستطاب من الأطعمة كما فهمه القوم أو كل ما فيه جهة حسن واقعي « وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ » قيل المراد بالطعام الذبائح وغيرها وقيل مخصوص بالذبائح وروي عن الصادق عليه‌السلام أنه مختص بالحبوب وما لا يحتاج إلى التذكية « وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ » أي لأهل الكتاب فلا عليكم جناح أن تطعموهم.

قال شيخنا البهائي ره في رسالته المعمولة لحكم ذبائح أهل الكتاب لا خلاف بين علماء الإسلام في تحريم ذبائح من عدا اليهود والنصارى والمجوس من أصناف الكفار وإنما الخلاف في الأصناف الثلاثة لا غير فذهب جمهور الإمامية كالشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان والشيخ أبي جعفر الطوسي والسيد المرتضى علم الهدى وأبي

__________________

(١) المائدة ٦ والظاهر بقرينة قوله تعالى : «وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ» حلبة التعامل معهم والمعنى أن ما يشرونه أهل الكتاب ويجلبونها الى أسواقهم يحل لكم اشتراؤها وابتياعها ، كما أن ما تشرونه وتجلبونه في أسواقكم يحل لهم ابتياعها وشراؤها ، ولذلك يتعاملون معكم.

فلو كانت الآية مطلقة تشمل أنواع المطعومات ومنها ذبائح أهل الكتاب ، لكان قوله تعالى : « وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ» لغوا حشوا فانه لا معنى لان يحكم القرآن عليهم بحلية ذبائحنا لهم فانهم «لا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ» ولذلك لا يأكلون من ذبيحتنا فالتشبث بالآية على حلية ذبايحهم لنا على غير محله.

١

الصلاح وابن حمزة وابن إدريس والعلامة جمال الدين والمحقق نجم الدين والشيخ محمد بن مكي وسائر المتأخرين عطر الله مضاجعهم إلى أن ذبائحهم محرمة لا يجوز الأكل منها على حال من الأحوال سواء ذكر اسم الله تعالى عليها أم لا ووافقهم على ذلك الحنابلة وذهب الحنفية والشافعية والمالكية إلى إباحة ذبائح أهل الكتاب وإن لم يذكر اسم الله عليها ووافقهم الشاذ من علماء الإمامية كابن أبي عقيل.

وقال محمد بن بابويه طاب ثراه إذا سمعنا اليهودي والنصراني والمجوسي يذكر اسم الله تعالى عند الذبح فإن ذبيحته تحل لنا وإلا فلا وإلحاق المجوسي باليهودي والنصراني لأن لهم شبهة كتاب.

ثم اختلف علماء الأمة في ذبيحة المسلم إذا ترك التسمية فذهب الحنابلة وداود الأصفهاني إلى تحريم أكلها سواء ترك التسمية عمدا أو سهوا ووافقهم صاحب الكشاف مع أنه حنفي الفروع حيث قال من حق ذي البصيرة في دينه أن لا يأكل مما لم يذكر اسم الله عليه كيف ما كان لما ترى في الآية من التشديد العظيم هذا كلامه.

وذهب الشافعية والمالكية إلى إباحة أكلها مطلقا وذهب جماهير الإمامية إلى التفصيل بأنه إن تركها عمدا حرم أكلها وإن تركها سهوا لم يحرم وهو مذهب الحنفية فهذه هي المذاهب المشهورة.

ثم قال احتج جمهور الإمامية على تحريم ذبائح أهل الكتاب بقوله تعالى « وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ » (١) وأهل الكتاب لا يذكرون اسم الله على ذبائحهم فتكون محرمة بنص الكتاب ولو فرض أن النصراني تلفظ باسم الله عند الذبح فإنما يقصد الإله الذي يعتقد أنه أب المسيح وكذا اليهودي إنما يعني الإله الذي عزير ابنه فوجود اللفظ في الحقيقة كعدمه.

وأما تأويل قوله سبحانه « مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ » بالميتة فظاهر البعد وقوله تعالى عقيب ذلك « وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ » إلى قوله سبحانه « إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ » لا يدل عليه كما سنذكره وأبعد منه تأويل « مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ » بما ذكر غير

__________________

(١) الأنعام : ١٢١.

٢

اسم الله عليه.

وأما وقوع مثل هذا التأويل في قوله تعالى « وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ » (١) فإنما هو لعدم استقامة الكلام بدونه بخلاف ما نحن فيه على أن ارتكابه هنا لا يشفي العليل لما نقل أن النصارى يذكرون اسم المسيح عند الذبح.

واحتج الإمامية أيضا بالروايات عن أئمة أهل البيت كما رواه محمد بن مسلم (٢) عن الإمام محمد بن علي الباقر عليه‌السلام قال : سألته عن النصارى أتؤكل ذبائحهم فقال كان علي عليه‌السلام ينهى عن ذبائحهم وعن صيدهم وعن مناكحتهم وكما رواه إسماعيل بن جابر (٣) عن الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه‌السلام أنه قال عند جريان ذكر أهل الكتاب لا تأكلوا ذبائحهم وكما رواه سماعة بن مهران (٤) عن الإمام موسى الكاظم عليه‌السلام قال : سألته عن ذبيحة اليهودي والنصراني قال لا تقربهما. و كما رواه زكريا بن آدم (٥) عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه‌السلام أنه قال : أنهاك عن ذبيحة كل من كان على خلاف الدين الذي أنت عليه وأصحابك إلا عند الضرورة. والروايات عنهم بذلك كثيرة كما تضمنه كتاب تهذيب الأخبار وكتاب الكافي وغيرهما من كتب الحديث والروايات النافية لها لا تصلح لمعارضتها لأن هذه معتضدة عندنا بالشهرة المقاربة للإجماع.

ثم قال ره احتج الحنفية والشافعية والمالكية على إباحة ذبائح اليهود والنصارى بوجوه.

الأول الأصل في الأشياء الحل حتى يتبين التحريم ولم يثبت.

الثاني قوله تعالى « وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ » والطعام يشمل اللحم وغيره والآية ناطقة بجواز أكل ذبائحهم.

__________________

(١) المائدة : ٤٤.

(٢) الكافي ٦ و ٢٣٩ ، التهذيب ٩ : ٦٥.

(٣) التهذيب ٩ : ٦٣ ، الكافي ٦ : ٢٤٠.

(٤) الكافي : ٦ ص ٢٤٠ ، التهذيب ٩ ص ٦٥.

(٥) التهذيب : ٩ ص ٧٠.

٣

وأما التنافي بينهما وبين قوله تعالى « وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ » (١) فيمكن دفعه بوجهين.

الأول أن يحمل الموصول على الميتة كما رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس. (٢) ويدل عليه قوله تعالى في هذه الآية « وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ » فقد روي في تفسيرها أن الكفار كانوا يقولون للمسلمين إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله فما قتل الله أحق أن تأكلوه مما قتلتموه ووجه التأييد أنهم أرادوا بما قتل الله ما مات حتف أنفه فينبغي حمل الموصول في صدر الآية على ذلك أيضا ليتلاءم أجزاء الكلام ويخرج عن التنافر.

الوجه الثاني أن يؤول الصلة بما ذكر غير اسم الله عليه حيث قال جل ثناؤه « قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ » (٣) الآية قرينة ظاهرة على أن المراد به في تلك الآية هذا المعنى لا غير فالواو في قوله سبحانه « وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ » واو الحال أي لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه حال كونه فسقا أي أهل به لغير الله ولا يستقيم كونها للعطف لما يلزم من عطف الخبر على الإنشاء.

الثالث روي أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أكل من الذراع المسموم الذي أهدته إليه اليهودية وكان مرض السم يعاوده في بعض الأوقات إلى أن مات صلى‌الله‌عليه‌وآله من ذلك وأكله من ذلك اللحم يدل على حل ذبيحة اليهود.

واحتج الحنابلة على تحريم ذبيحة المسلم إذا ترك التسمية سواء تركها عمدا أو سهوا بظاهر الآية « وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ » واحتج المالكية والشافعية على إباحتها مطلقا بظاهر قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله ذبيحة المسلم حلال وإن لم يذكر اسم الله (٤). وهذا

__________________

(١) الأنعام ١٢١.

(٢) راجع الدر المنثور : ٣ ص ٤٣.

(٣) الأنعام : ١٤٥.

(٤) أخرجه عبد بن حميد عن راشد بن سعد على ما في الدر المنثور : ٣ ص ٤٢.

٤

الحديث لم يثبت عند الإمامية وحمله الحنفية على حالة النسيان لا العمد وأورد الشافعية عليهم أنه على هذا التقدير يلزم كون المسلم أسوأ حالا من اليهود والنصارى لأن المسلم التارك التسمية عمدا لا يجوز أكل ذبيحته واليهود والنصراني التارك يجوز أكل ذبيحته وهذا الإيراد ليس بشيء لأن الأمور تعبدية لا مجال للبحث فيها.

ثم قال ره والجواب عن الاستدلال بآية « وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ » أنه لا ريب أن ظاهرها ينافي ظاهر آية « وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ » ولكن رفع التنافي ليس بمنحصر فيما ذكرتم ليتم كلامكم فإن رفعه بما قلنا ونقله محدثونا عن أئمة أهل البيت عليهم‌السلام بتخصيص الطعام بما عدا اللحوم أولى وأحسن من حملكم وتأويلكم البعيد وتخصيص الطعام بالبر والتمر ونحوهما شائع.

وفي حديث أبي سعيد الخدري كنا نخرج لصدقة الفطر على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله صاعا من طعام أو صاعا من شعير (١) ومعلوم أن المراد بالطعام ما قلناه إذ لا يقال صاع من لحم وقد روي عن أئمة أهل البيت عليهم‌السلام أن المراد بالطعام في هذه الآية الحبوب وما شابهها (٢) ورواية ابن أبي حاتم لم تثبت عند كثير من محدثيكم فكيف عندنا.

ولا دلالة في قوله تعالى « وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ » الآية على أن المراد بما لم يذكر اسم الله عليه الميتة فقط لأنه يشمل فردي ما مات حتف أنفه

__________________

(١) رواه البخارى في كتاب الزكاة تحت الرقم ٧٣ و ٧٥ و ٧٦ ومسلم أيضا تحت الرقم ١٧ و ١٨ ( ج ٢ ص ٦٧٨ ) والنسائى في سننه كتاب الزكاة الرقم ٣٦ و ٣٨ وابن ماجة بالرقم ٢١ والترمذي بالرقم ٣٥ ، وهكذا في حديث احتجام النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن انس بن مالك قال :

احتجم رسول الله حجمه أبو طيبة فأمر له بصاعين من طعام ، رواه مسلم ، في كتاب المساقاة تحت الرقم ٦٢ ، وهكذا في حديث الشاة المصراة « وان شاء ردها وصاعا من طعام » رواه البخارى في كتاب البيوع بالرقم ٦٤ وأبو داود بالرقم ٤٦ والترمذي بالرقم ٢٩ والدارمي بالرقم ١٩ وابن حنبل ٢ ص ٢٥٩ ولفظه « اناء من طعام » ٤ ص ٣١٤ ، ومثله حديث معيشة آل محمد (ص) « قال رسول الله : ما أصبح في آل محمد [ الا ] مد من طعام » رواه ابن ماجة في كتاب الزهد الباب ١٠ بالرقم المسلسل ٤١٤٨ ، ومثل هذه التعبيرات كثيرة.

(٢) راجع الكافي ٦ ص ٢٤١.

٥

وما ذبح من دون ذكر اسم الله عليه من ذبائح المسلمين والكفار وحصول الجدال في الفرد الأول لأن تلبيسهم على المسلمين وإظهارهم الباطل في صورة الحق إنما يتمشى فيه فحكى سبحانه جدالهم فيما جادلوا فيه دون ما لم يجادلوا فيه وذلك لا يوجب تنافر أجزاء الكلام بوجه من الوجوه كما لا يخفى وكذا لا دلالة في قوله « وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ » على تأويل مما لم يذكر اسم الله عليه (١) فإن استعمال الفسق في الآية في غير معناه الحقيقي حيث أخرجه عن معناه المصدري لوجود الصارف فيها عن حمله عليه لا يدل على أنه في آية أخرى محمول على غير معناه الحقيقي والحال أنه لا صارف عن حمله فيها على معناه الحقيقي.

والواو في قوله تعالى « وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ » لا يتعين كونها للحال كما لا يتعين عود الضمير إلى الموصول لاحتمال جعل الواو اعتراضية واحتمال عود الضمير إلى المصدر المدلول عليه بالفعل كما في الكشاف وغيره والواو الاعتراضية كما تقع في أثناء الكلام تقع في آخره أيضا كما قالوه في قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أنا سيد ولد آدم ولا فخر (٢). صرح بذلك في المطول وغيره أيضا فاحتمال كونها للعطف قائم.

وأما قولكم يلزم عطف الخبر على الإنشاء فجوابه أنه من قبيل عطف القصة على القصة فلا يحتاج فيه إلى تناسب الجملتين في الخبرية والإنشائية.

قال صاحب الكشاف عند تفسير قوله تعالى « وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ » (٣) وقصة المنافقين عن آخرها معطوفة على قصة الذين كفروا كما تعطف الجملة على الجملة انتهى.

__________________

(١) متعلق بقوله « وكذا لا دلالة » والضمير راجع الى كون المراد مما لم يذكر اسم الله عليه ، الميتة. كذا في هامش المطبوعة.

(٢) رواه أحمد والترمذي وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري ، ورواه مسلم وأبو داود عن ابى هريرة من دون زيادة واللفظ « أنا سيد ولد آدم يوم القيامة » راجع كشف الخفاء للعجلونى ١ : ٢٠٣.

(٣) البقرة ٨.

٦

وقال صاحب الكشاف أراد أنه ليس من باب عطف جملة على جملة لتطلب مناسب الثانية مع السابقة بل من باب ضم الجملة مسوقة إلى أخرى.

وقال صاحب الكشاف أيضا عند تفسير قوله تعالى « وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ » (١) فإن قلت علام عطف هذا الأمر ولم يسبق أمر ولا نهي ليصح عطفه عليه قلت ليس الذي يعتمد بالعطف هو الأمر حتى يطلب له شاكل من أمر أو نهي يعطف عليه إنما المعتمد بالعطف هو جملة وصف ثواب المؤمنين فهي معطوفة على جملة وصف عقاب الكافرين كما يقال زيد يعاقب بالقيد والإزهاق وبشر عمرا بالعفو والإطلاق انتهى.

وقال السيد في شرح المفتاح بعد ما قررناه لا يشترط في عطف القصة على القصة تناسب الجملتين في الخبرية والإنشائية فليكن ذلك على ذكر منك فإنه ينجيك من تكلفات باردة في مواضع شتى.

وقد يقال في إبطال كون الواو هنا للحال أن التأكيد بإن والأمر غير مناسب للجملة لأن الحال بمعنى الظرف كما نص عليه النحاة فالمعنى والله أعلم ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه إذا كان فسقا فليس المقام حينئذ مقام التأكيد إذ ليس الغرض النهي عنه في وقت كون الحكم بكونه فسقا مؤكدا كما هو مقتضى رجوع النفي إلى القيد في نحو ما جاء زيد ماشيا ولا تضرب زيدا راكبا ولهذا لم يجعلوا جملة « وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ » بعد قوله جل شأنه « فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ » (٢) حالية وإنما حكموا بأنها معترضة بين القسم وجوابه لئلا يلزم ما قلنا هاهنا وعندي.

في هذا الكلام نظر إذ لا مانع من تقييد النهي عن كل ما لم يذكر اسم الله عليه بترتيب الحكم المؤكد بكون أكله فسقا والجملة الحالية تؤكد كما

__________________

(١) البقرة ٢٥.

(٢) الواقعة : ٧٦ و ٧٥.

٧

ذكره نجم الأئمة الشيخ الرضي ومثل بقولنا لقيته وإن عليه جبة وعد من ذلك قوله تعالى في بحث الحروف المشبهة بالفعل « وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ » (١).

هذا وظني أن وجه التأكيد في هاتين الجملتين أن كلا منهما كلام برأسه ملقى إلى المؤمنين فهو رائج عندهم متقبل لديهم كما ذكره صاحب الكشاف عند قوله تعالى « وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا » (٢).

وأما ما قيل من أن وجه التأكيد في الآية التي نحن فيها هو أن الكفار منكرون كون أكل ما لم يذكر اسم الله عليه فسقا فليس بشيء لأن المخاطب بالآية الكريمة المؤمنون وهم لا ينكرون كون أكل الميتة فسقا والمنكر لذلك هم غير المخاطبين بها فحينئذ تأكيد الكلام الملقى إلى غير المنكرين لكون غير المخاطبين منكرين اختراع لا يعرفه أحد من علماء المعاني.

والجواب عما روي من أكله صلى‌الله‌عليه‌وآله من اللحم الذي أهدته اليهودية بأن الرواية لم تثبت صحتها عندنا واحتمال علمه صلى‌الله‌عليه‌وآله بشراء تلك اليهودية ذلك اللحم من جزار مسلم إما بإخبار أحد من الصحابة أو بإلهام ونحوه قائم والتقريب لا يتم بدون بيان انتفائه.

وأما ما اختاره ابن بابويه من إباحة ذبيحة اليهود والنصارى والمجوس إذا سمعنا منهم التسمية عند الذبح فقد استدل عنه ببعض الروايات وبقوله سبحانه « فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ » (٣) وهذا قد ذكر اسم الله عليه وليس في الآية الكريمة تقييد الذاكر بكونه مسلما فتدخل الأصناف الثلاثة وأما غيرهم من الكفار فهم خارجون بإجماع المسلمين على تحريم ذبائحهم ولو لا أن قوله هذا مخالف للروايات المتضافرة وعمل جماهير علمائنا لكان العمل به غير بعيد عن الصواب إن ألحقنا المجوس بأهل الكتاب انتهى كلامه رفع الله مقامه.

__________________

(١) الفرقان : ٢٠.

(٢) البقرة : ١٤.

(٣) الأنعام : ١١٨.

٨

وقال الشيخ السديد المفيد قدس الله نفسه الزكية في رسالة الذبائح اختلف أهل الصلاة في ذبائح أهل الكتاب فقال جمهور العامة بإباحتها وذهب نفر من أوائلهم بحظرها وقال جمهور الشيعة بحظرها وذهب نفر منهم إلى مذهب العامة في إباحتها واستدل الجمهور من الشيعة على حظرها بقول الله عز وجل « وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ » (١).

قالوا فحظر الله سبحانه بتضمن هذه الآية أكل كل ما لم يذكر عليه اسمه من الذبائح دون ما لم يرده من غيرها الإجماع والاتفاق فاعتبرنا المعنى بذكر التسمية أهو اللفظ بها خاصة أم هو شيء ينضم إلى اللفظ ويقع لأجله على وجه يتميز به مما يعمه وإياه الصيغة من أمثاله في الكلام فبطل أن يكون المراد هو اللفظ بمجرده لاتفاق الجميع على حظر ذبيحة كثر ممن يتلفظ بالاسم عليها كالمرتد وإن سمى تجهلا والمرتد عن أصل من الشريعة مع إقراره بالتسمية واستعمالها والمشبه لله تعالى بخلقه لفظا ومعنى وإن دان بفرضها عند الذبيحة متدينا والثنوية والديصانية والصابئين والمجوس.

قلت إن المعنى بذكرها هو الثاني من وقوعها على وجه يتخصص به من تسمية من عددناه وأمثالهم في الضلال فنظرنا في ذلك فأخرج لنا دليل الاعتبار أنها تسمية المتدين بفرضها على ما تقرر في شريعة الإسلام مع المعرفة بالمسمى المقصود بذكره عند الذبيحة إلى استباحتها دون من عداه بدلالة حصول الحظر مع التسمية ممن أنكر وجوب فرضها وتلفظ بها لغرض له دون التدين ممن سميناه وحصوله أيضا مع تسمية المتدين بفرضها إذا كان كافرا يجحد أصلا من الشريعة لشبهة عرضت له وإن كان مقرا بسائر ما سوى الأصل على ما بيناه وحظر ذبيحة المشبه وإن سمى ودان بفرضها كما ذكرناه.

وإذا صح أن المراد بالتسمية عند الذكاة ما وصفناه من التدين بفرضها على

__________________

(١) الأنعام : ١٢١.

٩

شرط ملة الإسلام والمعرفة بمن سماه ثبت حظر ذبائح أهل الكتاب لعدم استحقاقهم من الوصف بما شرحناه ولحوقهم في المعنى الذي ذكرناه بشركائهم في الكفر من المجوس والصابئين وغيرهما من أصناف المشركين والكفار.

سؤال فإن قال قائل فإن اليهود تعرف الله جل اسمه وتدين بالتوحيد وتقربه وتذكر اسمه على ذبائحها وهذا يوجب الحكم عليها بأنها حلال.

الجواب قيل له ليس الأمر على ما ذكرت لا اليهود من أهل المعرفة بالله عز وجل حسب ما قدرت ولا هي مقرة بالتوحيد في الحقيقة وإن كان تدعي ذلك لأنفسها بدلالة كفرها بمرسل محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله وجحدها لربوبيته وإنكارها لإلهيته من حيث اعتقدت كذبه صلى‌الله‌عليه‌وآله ودانت ببطلان نبوته وليس يصح الإقرار بالله عز وجل في حالة الإنكار له ولا المعرفة به في حد الجهل بوجوده وقد قال الله تعالى « لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ » (١) وقال « وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ » (٢) وقال « فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً » (٣).

ولو كانت اليهود عارفة بالله تعالى وله موحدة لكانت به مؤمنة وفي نفي القرآن عنها الإيمان دليل على بطلان ما تخيله الخصم.

على أن ما يظهر اليهود من الإقرار بالله عز اسمه وتوحيده قد يظهر من مستحل الخمر بالشبهة ويقترن إلى ذلك بإقراره بنبوة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله والتدين بما جاء به في الجملة وقد أجمع علماء الأمة على أن ذبيحة هذا محرمة وأنه خارج من جملة من أباح الله تعالى أكل ذبيحته بالتسمية فاليهود أولى بأن يكون ذبائحهم محرمة

__________________

(١) المجادلة ٢٢.

(٢) المائدة ٨١ وما بين العلامتين ساقط من المطبوعة.

(٣) النساء : ٦٥.

١٠

لزيادتهم عليه في الكفر والضلال أضعافا مضاعفة.

مع أنه لا شيء يوجب جهل المشبهة بالله عز وجل إلا وهو موجب جهل اليهود والنصارى بالله ولا معنى يحصل لهم الحكم بالمعرفة مع إنكارهم لإلهية مرسل محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله وكفرهم به إلا وهو يلزم صحة الحكم على المشبهة بالمعرفة وإن اعتقدوا أن ربهم على صورة الإنسان بعد أن يصفوه بما سوى ذلك من صفات الله عز وجل وهذا ما لا يذهب إليه أحد من أهل المعرفة وإن ذهب علمه على جميع المقلدة.

على أنه ليس أحد من أهل الكتاب يوجب التسمية ولا يراها عند الذبيحة فرضا وإن استعملها منهم إنسان فلعادة مخالطة مع أن مخالفينا لا يفرقون بين ذبائح اليهود والنصارى وليس في جهل النصارى بالله عز وجل وعدم معرفتهم به لقولهم بالأقانيم والجوهر والأب والابن والروح والاتحاد شك ولا ريب وإذا ثبت حظر ذبائح النصارى بما وصفناه وجب حظر ذبائح اليهود للاتفاق على أنه لا فرق بينهما في الإباحة والتحريم.

وشيء آخر وهو أنه متى ثبت لليهود والنصارى بالله عز وجل معرفة وجب بمثل ذلك أن للمجوس بالله تعالى معرفة ولعبدة الأصنام من قريش ومن شاركهم في الإقرار بالله سبحانه واعتقادهم بعبادة الأصنام القربة إليه عز اسمه فإن كان كفر اليهود والنصارى لا يمنع من استباحة ذبائحهم لإقرارهم في الجملة بالله تعالى فكفر من عددناه لا يمنع أيضا من ذلك وهذا خلاف للإجماع وليس بينه وبين ما ذهب إليه الخصم فرق مع ما اعتمدنا من الاعتلال.

ومما يدل أيضا على حظر ذبائح اليهود وأهل الكتاب وجميع الكفار أن الله جل اسمه جعل التسمية في الشريعة شرطا في استباحة الذبيحة وحظر الاستباحة على الشك والريب فوجب اختصاصها بذبيحة الدائن بالشريعة المقر بفرضها دون المكذب بها المنكر لواجباتها إذا كان غير مأمون على نبذها والتعمد لترك شروطها لموضع كفره بها والقربة بإفساد أصولها وهذا موضح عن حظر ذبائح كل من رغب عن ملة الإسلام.

١١

وشيء آخر وهو أن القياس المستمر في السمعيات على مذاهب خصومنا يوجب حظر ذبائح أهل الكتاب من قبل أن الإجماع حاصل على حظر ذبائح كفار العرب وكانت العلة في ذلك كفرهم وإن كانوا مقرين بالله عز وجل فوجب حظر ذبائح اليهود والنصارى لمشاركتهم من ذكرناه في الكفر وإن كانوا مقرين لفظا بالله جل اسمه على ما بيناه.

وشيء آخر وهو أنا وجمهور مخالفينا نرى إباحة من سها عن ذكر الله من المسلمين لما يعتقد عليه من النية من فرضها فوجب أن يكون ذبيحة من أبى فرض التسمية محظورة وإن تلفظ عليها بذكرها وهذا مما لا محيص عنه.

فإن قالوا فما تصنعون في قول الله عز وجل « الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ » (١) وهذا صريح في إباحة ذبائح أهل الكتاب.

قيل له قد ذهب جماعة من أصحابنا إلى أن المعنى في هذه الآية من أهل الكتاب من أسلم منهم وانتقل إلى الإيمان دون من أقام على الكفر والضلال وذلك أن المسلمين تجنبوا ذبائحهم بعد الإسلام كما كانوا يتجنبونها قبله فأخبرهم الله تعالى بإباحتها لتغير أحوالهم عما كانت عليه من الضلال.

قالوا وليس بمنكر أن يسميهم الله أهل كتاب وإن دانوا بالإسلام كما سمى أمثالهم من المنتقلين عن الذمة إلى الإسلام حيث يقول « وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ » (٢) فأضافهم بالنسبة إلى الكتاب وإن كانوا على ملة الإسلام فهكذا تسمى من أباح ذبيحته من المنتقلين عما لزمه وإن كانوا على الحقيقة من أهل الإيمان والإسلام.

__________________

(١) المائدة : ٦.

(٢) آل عمران : ١٩٩.

١٢

وقال الباقون من أصحابنا إن ذكر طعام أهل الكتاب في هذه الآية يختص بحبوبهم وألبانهم وما شاكل ذلك دون ذبائحهم بما قدمنا ذكره من الدلائل وشرحناه من البرهان لاستحالة التضاد بين حجج الله تعالى والقرآن ووجوب خصوص الذكر بدلائل الاعتبار وهذا كاف لمن تأمله.

سؤال فإن قال قائل خبروني عما ذهبتم إليه من تحريم ذبائح أهل الكتاب أهو شيء تأثرونه عن أئمتكم من آل محمد عليهم‌السلام أم حجتكم فيه ما تقدم لكم من الاعتبار دون السماع الشياع من جهة النقل والأخبار.

جواب قيل له عمدتنا في ذلك أقوال أئمتنا الصادقين من آل محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله وما صح عندنا من حكمهم به وإن كان الاعتبار دليلا قاطعا عند ذوي العقول والأديان فإنا لم نصر إليه من ذلك دون ما ذكرناه من الأثر ووصفناه.

فإن قال فإنني لم أقف من قبل على شيء ورد من آل محمد عليهم‌السلام في هذا الباب فاذكروا جملة من الروايات فيه لأضيف مفهومه إلى ما قد استقر عندي العلم به من دليل القرآن على ما رتبتموه من الاستدلال.

قيل له أما إذا آثرت ذلك للبيان فإنا مثبتوه لك والله الموفق للصواب.

ثم قال : أخبرني أبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه وأبو جعفر بن بابويه عن محمد بن يعقوب الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن عثمان بن عمرو عن المفضل بن صالح عن زيد الشحام قال : سئل الصادق جعفر بن محمد عن ذبيحة الذمي فقال لا تأكلها سمى أم لم يسم (١).

وبالإسناد عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن الحسين الأحمسي عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : قال له رجل أصلحك الله إن لنا جارا قصابا يجيء بيهودي فيذبح له حتى يشتري منه اليهود فقال لا تأكل ذبيحته ولا تشتر منه (٢).

__________________

(١) رواه في الكافي ٦ ص ٢٣٨ باب ذبائح أهل الكتاب بالرقم ١.

(٢) راجع الكافي ج ٦ ص ٢٤٠.

١٣

أقول ثم أورد قدس الله روحه جملة من الأخبار من الكافي وغيره مما سيأتي بعضها ثم قال :

فهذا جملة مما ورد عن أئمة آل محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله في تحريم ذبائح أهل الكتاب قد ورد من الطرق الواضحة بالأسانيد المشهورة وعن جماعة بمثلهم في الستر والديانة والثقة والحفظ والأمانة يجب العمل وبمثلهم في العدد يتواتر الخبر ويجب العمل لمن تأمل ونظر وإذا كان هذا هكذا ثبت ما قضينا به من ذبائح أهل الكتاب والحمد لله.

فأما تعلق شذاذ أصحابنا في خلاف مذهبنا بما رواه أبو بصير وزرارة عن أبي عبد الله عليه‌السلام أنه سئل عن ذبيحة أهل الكتاب فأطلقها فإن لذلك وجهين أحدهما التقية من السلطان والإشفاق على شيعته من أهل الظلم والطغيان إذ القول بتحريمها خلاف ما عليه جماعة الناصبية وضد لما يفتي به سلطان الزمان ومن قبله من القضاة والحكام.

والثاني ما رواه يونس بن عبد الرحمن عن معاوية بن وهب قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن ذبائح أهل الكتاب فقال لا بأس إذا ذكر اسم الله وإنما أعني منهم من يكون على أمر موسى وعيسى (١) فاشترط عليه الاسم وقد بينا أن ذلك لا يكون من كافر لا يعرف المسمى ومن سمى فإنه يقصد به إلى غير الله جل وعز ثم إنه اشترط أيضا فيه اتباع موسى وعيسى وذلك لا يكون إلا لمن آمن بمحمد صلى‌الله‌عليه‌وآله واتبع موسى وعيسى عليهما‌السلام في القبول منه والاعتقاد لنبوته وهذا ضد ما توهمه المستضعف من الشذوذ والله الموفق للصواب انتهى كلامه ضاعف الله إكرامه.

وأقول جملة القول في ذلك أنه اتفق الأصحاب بل المسلمون على تحريم ذبيحة غير أهل الكتاب من أصناف الكفار سواء في ذلك الوثني وعابد النار والمرتد وكافر المسلمين كالغلاة وغيرهم.

واختلف الأصحاب في حكم ذبيحة أهل الكتاب فذهب الأكثر إلى تحريمها وذهب جماعة منهم ابن أبي عقيل وابن جنيد والصدوق ره إلى الحل لكن شرط

__________________

(١) الكافي ج ٦ ص ٢٤١ ولفظه « ولكنى أعنى منهم ».

١٤

الصدوق سماع تسميتهم عليها وساوى بينهم وبين المجوس في ذلك وصرح ابن أبي عقيل بتحريم ذبيحة المجوس وخص الحكم باليهود والنصارى ولم يقيدهم بكونهم أهل ذمة وكذلك الآخران.

ومنشأ الاختلاف اختلاف الروايات في ذلك وهي كثيرة من الطرفين.

فالمحرمون حملوا أخبار الحل على التقية لاشتهاره بين المخالفين وعليه عملهم في الأعصار والأمصار واعترض عليه بأن أحدا من العامة لا يشترط في حل ذبائحهم أن يسمعهم يذكر اسم الله عليها والأخبار الصحيحة التي دلت على حلها على هذا التقدير لا يمكن حملها على التقية.

وأقول يحتمل أن تكون مماشاة معهم إذ يمكن أن تحصل التقية بهذا القدر.

والمحللون حملوا أخبار التحريم والمنع على الكراهة والصدوق حملها على عدم سماع التسمية وقال الشهيد الثاني وهذا أيضا راجع إلى حل ذبيحتهم لأن الكلام في حلها من حيث إن الذابح كتابي لا من حيث إنه سمى أو لم يسم فإن المسلم لو لم يسم لو تؤكل ذبيحته اللهم إلا أن يفرق بأن الكتابي يعتبر سماع تسميته والمسلم يعتبر فيه عدم العلم بعدم تسميته وفيه سؤال الفرق فقد صرح في صحيحة جميل (١) بأكل ما لم يعلم عدم تسميتهم كالمسلم انتهى.

واختلفوا أيضا في اشتراط إيمان الذابح زيادة على الإسلام فذهب الأكثر إلى عدم اعتباره والاكتفاء في الحل بإظهار الشهادتين على وجه يتحقق معه الإسلام بشرط أن لا يعتقد ما يخرجه عنه كالناصبي وبالغ القاضي فمنع من ذبيحة غير أهل الحق وقصر ابن إدريس الحل على المؤمن والمستضعف الذي لا منا ولا من مخالفينا واستثنى

__________________

(١) روى الشيخ في التهذيب ٩ : ٦٨ بالرقم ٢٨٩ عن الحسين بن سعيد عن ابن أبي عمير عن جميل ومحمد بن حمران أنهما سألا أبا عبد الله عليه‌السلام عن ذبائح اليهود والنصارى والمجوس فقال بعضهم : انهم لا يسمون ، فقال : فان حضرتموهم فلم يسموا فلا تأكلوا ، وقال : اذا غاب فكل.

١٥

أبو الصلاح من المخالف جاحد النص فمنع من ذبيحته وأجاز العلامة ذباحة المخالف غير الناصبي مطلقا بشرط اعتقاده وجوب التسمية واستشكل بعض المتأخرين حكم الناصب لاختلاف الروايات والظاهر حمل أخبار الجواز على التقية أو على المخالف غير الناصب والمستضعف فإن إطلاق الناصب على غير المستضعف شائع في عرف الأخبار بل يظهر من كثير من الروايات أن المخالفين في حكم المشركين والكفار في جميع الأحكام لكن أجرى الله في زمان الهدنة حكم المسلمين عليهم في الدنيا رحمة للشيعة لعلمه باستيلاء المخالفين واحتياج الشيعة إلى معاشرتهم ومناكحتهم ومؤاكلتهم فإذا ظهر القائم عليه‌السلام أجرى عليهم حكم المشركين والكفار في جميع الأمور وبه يجمع بين كثير من الأخبار المتعارضة في هذا الباب وبعد التتبع التام لا يخفى ما ذكرنا على أولي الألباب.

٥ ـ وأقول روى الشيخ المفيد ره في الرسالة المذكورة والسيد المرتضى في جواب المسائل الطرابلسيات عن أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن النضر بن سويد عن شعيب العقرقوفي قال : كنت عند أبي عبد الله عليه‌السلام ومعنا أبو بصير وأناس من أهل الجبل يسألونه عن ذبائح أهل الكتاب فقال لهم أبو عبد الله عليه‌السلام قد سمعتم ما قال الله عز وجل في كتابه فقالوا له نحب أن تخبرنا أنت فقال لا تأكلوها قال فلما خرجنا من عنده قال لي أبو بصير كلها فقد سمعته وأباه جميعا يأمران بأكلها فرجعنا إليه فقال لي أبو بصير سله فقلت جعلت فداك ما تقول في ذبائح أهل الكتاب فقال أليس قد شهدتنا اليوم بالغداة وسمعت قلت بلى قال لا تأكلها فقال لي أبو بصير كلها وهو في عنقي ثم قال سله ثانية فسألته فقال لي مثل مقالته الأولى لا تأكلها فقال لي أبو بصير سله ثالثة فقلت لا أسأله بعد مرتين.

بيان رواه الشيخ في التهذيب عن الحسين بن سعيد بهذا الإسناد (١) وقوله قد

__________________

(١) رواه في التهذيب ج ٩ ص ٦٦ والاستبصار ج ٤ ص ٨٣ ، باختلاف يسير.

١٦

سمعتم ما قال الله يحتمل أن يكون إشارة إلى قوله تعالى « وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ » ويمكن أن يكون إشارة إلى قوله « وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ » تقية لمصلحة يقتضي الإلحاح في السؤال ترك رعايتها.

٦ ـ وعن الرسالة المذكورة والطرابلسيات بالإسناد المتقدم عن أحمد بن محمد عن محمد بن إسماعيل عن حنان بن سدير عن الحسين بن المنذر قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام إنا قوم نختلف إلى الجبل والطريق بعيد بيننا وبين الجبل فراسخ فنشتري القطيع والاثنين والثلاثة فيكون في القطيع ألف وخمسمائة وألف وستمائة وألف وسبعمائة شاة فتقع الشاة والاثنتان والثلاثة فنسأل الرعاة الذين يجيئون بها عن أديانهم فيقولون نصارى فأي شيء قولك في ذبائح اليهود والنصارى فقال لي يا حسين هي الذبيحة والاسم لا يؤمن عليه إلا أهل التوحيد.

ثم إن حنانا لقي أبا عبد الله عليه‌السلام فقال إن الحسين بن منذر روى عنك أنك قلت إن الذبيحة لا يؤمن عليها إلا أهلها فقال عليه‌السلام إنهم أحدثوا فيها شيئا قال حنان فسألت نصرانيا فقلت أي شيء تقولون إذا ذبحتم فقال نقول باسم المسيح.

تبيان رواه في الكافي عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن محمد بن إسماعيل إلى قوله يا حسين الذبيحة بالاسم ولا يؤمن عليها إلا أهل التوحيد (١).

وعنه عن حنان قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام إن الحسين بن المنذر إلى قوله إنهم أحدثوا فيها شيئا لا أشتهيه وفي بعض النسخ لا أسميه إلى آخر الخبر (٢).

ثم قال في الرسالة وأخبرني أبو القاسم جعفر بن محمد عن محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بمثل معنى الحديث الأول.

٧ ـ الرسالة ، والطرابلسيات ، بالإسناد الأول عن الحسين [ بن ] سعيد عن حماد بن عيسى عن الحسين بن المختار عن الحسين بن عبد الله قال : اصطحب المعلى بن خنيس وعبد الله بن أبي يعفور فأكل أحدهما ذبيحة اليهود والنصارى وامتنع الآخر عن أكلها فلما اجتمعا عند أبي عبد الله عليه‌السلام أخبراه بذلك فقال عليه‌السلام أيكما الذي أبى قال

__________________

(١) الكافي ج ٦ ص ٢٣٩ ، تحت الرقم ٢ و ٣.

(٢) الكافي ج ٦ ص ٢٣٩ ، تحت الرقم ٢ و ٣.

١٧

المعلى أنا فقال أحسنت (١).

٨ ـ ومن الرسالة ، والطرابلسيات ، بالإسناد المتقدم عن الحسين بن سعيد عن القاسم بن محمد عن محمد بن يحيى الخثعمي عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : أتاني رجلان أظنهما من أهل الجبل فسألني أحدهما عن الذبيحة يعني ذبيحة أهل الذمة فقلت في نفسي والله لا أبرد لكما على ظهري لا تأكل قال محمد بن يحيى فسألت أنا أبا عبد الله عليه‌السلام عن ذبيحة اليهود والنصارى فقال لا تأكل.

تبيان هذا الخبر مروي في التهذيب (٢) عن الحسين بن سعيد بهذا السند وليس فيه يعني ذبيحة أهل الذمة وهو المراد وكأنه من كلام المفيد والسيد رحمهما الله وفيه لأبرد [ لا برد ] لكما على ظهري وفي بعض النسخ عن ظهري (٣) وهو من معضلات الأخبار ويمكن أن يوجه بوجوه :

الأول وهو أظهرها أن يكون المعنى على نسخة المفيد لا أثبت لكما على ظهري

__________________

(١) الكافي ٦ : ٢٣٩ بالرقم ٧ التهذيب ٩ : ٦٤ مع اختلاف سيجيء شرحه تحت الرقم ٢٤.

(٢) التهذيب ٩ : ٦٧.

(٣) يقال : لا تبرد عن فلان ـ من باب التضعيف ـ اى ان ظلمك فلا تشتمه فتنتقص اثمه ، ويقال : برد الحق على فلان : ثبت ووجب ، ومنه قولهم « لم يبرد منه شيء » والمعنى لم يستقر ولم يثبت ، ويقال : ما برد لك على فلان؟ أى ما ثبت ووجب؟ وبرد لي عليه كذا من المال. قاله الجوهري.

والظاهر أن هذا اللفظ يستعمل في مورد التفريق بأن يكون لزيد عند عمرو مال ولعمر وعلى زيد اجرة أو دين ، فرفعا حسابهما فبرد لزيد على عمرو كذا وكذا درهما مثلا اى بقى بعد المحاسبة ، ومنه قول عمر لابى موسى على ما في صحيح البخاري « هل يسرك أن اسلامنا مع رسول الله وهجرتنا معه وجهادنا معه وعملنا كله معه برد وأن كل عمل عملنا بعده نجونا منه كفافا رأسا برأس؟ ».

فعلى هذا يكون المعنى : لا والله لا ابقى لكما على ظهرى حقا تراجعانى بعد ذلك وتطلبانه عنى.

١٨

وزرا بأن أجيبكما موافقا لما سمعتم من فقهاء العامة لعدم الحاجة إلى التقية فالخطاب بقوله لا تأكل لأحدهما وهو السائل وعلى نسخة التهذيب أيضا يستقيم ذلك بأن يقرأ على صيغة الماضي بأن يكون بمعنى المضارع أو يكون المعنى ما ثبت لكما علي حق التقية حتى أجيبكما بما يوافق رأيكما.

قال في النهاية برد على فلان حق أي ثبت انتهى(١) ويؤيده ما رواه في أوائل روضة الكافي (١) أن أمير المؤمنين عليه‌السلام كتب إلى رجل من أصحابه ذهب إلى معاوية فإنما أنت جامع لأحد رجلين إما رجل عمل فيه بطاعة الله فسعد بما شقيت وإما رجل عمل فيه بمعصية الله فشقي بما جمعت له فليس من هذين أحد أهل [ بأهل ] أن تؤثره على نفسك ولا تبرد له على ظهرك.

الثاني أن يكون برد بهذا المعنى أيضا ويكون المعنى ما ثبت لكما على ظهري حق الجواب بقولي لا تأكل فيكون لا تأكل فاعلا لقوله برد بتأويل أو المعنى أنه لما كان المقام موضع تقية لا يلزمني جوابكما فيكون لا تأكل خطابا لمحمد أو لأحدهما تبرعا بناء على أنهم مختارون في بعض الموارد في البيان وعدمه كما مرت الأخبار الكثيرة في تأويل قوله سبحانه « هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ » (٢) فيكون سؤال محمد ثانيا لمزيد الاطمئنان تأكيدا مع أنه على ما في التهذيب يحتمل أن يكون السؤال أولا عن ذبائح النصاب والمخالفين ويمكن توجيه نسخة المفيد على بعض الوجوه بتكلف كما لا يخفى على المتأمل.

الثالث ما ذكره بعض الأفاضل (٣) على نسخة التهذيب حيث قرأ لأبرد من الإبراد بمعنى التهني وإزالة التعب يعني لأتحمل لكما على ظهري المشقة وأرفعها عنكما فأفتيكما بمر الحق مأخوذ من قولهم عيش بارد أي هنيء وفي النهاية وفي

__________________

(١) الكافي ٨ : ٧٢.

(٢) سورة ص الآية ٣٩.

(٣) ذكره الفيض الكاشى في الوافي.

١٩

الحديث الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة أي لا تعب فيه ولا مشقة وكل محبوب عندهم بارد.

الرابع أن تكون على ما في التهذيب لا نافية للجنس والبرد بضم الباء اسما للثوب المخصوص أي لا برد ولا رداء منكما على عاتقي وعلى ظهري حتى يلزمني أن أقول ما يوافق رأيكما فيكون كلاما جاريا على المتعارف بين الناس أي إني لست من العلماء الذين يأخذون البرود والأموال من الناس ليفتوهم على ما يوافق شهواتهم.

الخامس أن يقرأ لا يرد بالياء المثناة التحتانية وتشديد الدال كما قرأ به المحدث الأسترآبادي على نسخة عن وقال كأن المراد لا يرد لكما عن ظهري قول لا تأكل يعني لا تعملان بقولي فإن المراد بأهل الجبل الأكراد انتهى ويمكن أن يقرأ حينئذ بتخفيف الدال من ورد يرد أي لا يرد لكما على ظهري وزر بقول خلاف الحق من غير ضرورة وتقية.

ويمكن أن يوجه بوجوه أخر أبعد مما ذكرنا لا طائل في ذكرها والله يعلم مرادهم عليهم‌السلام.

٩ ـ الطرابلسيات ، روى أبو بصير وزرارة عن أبي عبد الله عليه‌السلام أنه سئل عن ذبيحة أهل الكتاب فأطلقها (١).

١٠ ـ الهداية ، ذبيحة اليهود والنصراني لا تؤكل إلا إذا سمعوهم يذكرون اسم الله عليها (٢).

تبيين : قال الشيخ ره في التهذيب (٣) بعد إيراد بعض الأخبار الدالة على

__________________

(١) ليس هذا لفظ الحديث بل هو نقل لمعنى حديث رواه في التهذيب ٩ : ٦٩ بالرقم ٢٧ عن أبي بصير قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن ذبيحة اليهودى ، فقال : حلال ، قلت : وان سمى المسيح؟ قال : وان سمى المسيح ، فانه انما يريد الله.

وأما حديث زرارة فمروى عن أبي جعفر عليه‌السلام في التهذيب ٩ : ٦٨ بالرقم ٢٢ وص ٦٩ بالرقم ٢٩ ، راجعه ان شئت.

(٢) الهداية : ٧٩.

(٣) التهذيب ج ٩ : ٧٠ ـ ٧١.

٢٠